..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بثينة خضر مكي في "أغنية النار" : البساطة المميتة (3/الأخيرة)

د. حسين سرمك حسن

 مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية :
        بثينة خضر مكي في "أغنية النار" : البساطة المميتة  (3/الأخيرة)

ومن جديد تصبح التمنيات المجازية الملطّفة ستارة شفيفة يتلمّظ اللاشعور خلفها برغباته الملتهبة المجهضة حين تقول صاحبتنا لمحمود - بعد أن يسألها عن موقف زوجها من كتاباتها الروائية وردّها بأنه لا يقرؤها :
(لو كان لي زوج مثلك ، كنت أتيتكم بجائزة نوبل لكنني أحبّ زوجي ولن أستبدل به مجنونا مثلك نظير كل جوائز الآداب العالمية) (ص 41) .
وإذا كانت الإشباعات التي يحقّقها العمل الإبداعي عظيمة في مجالات إطفاء مصادر القلق الوجودية بصورة جزئية ، فإنه – أي العمل الإبداعي – يحقّق إشباعات أخرى على المستوى النفسي كالدوافع التبصصية وإنعاش الأحاسيس النرجسية لدى المرأة خصوصا . ها هي الراوية – ومن خلفها الكاتبة – تتبصص على ذاتها من خلال بطلتها التي تقف الآن لتغادر المقهى مع محمود :
(نهضت واقفة . تخلّصت من التفاف الثوب حول جسدها لتعديله . انكشفت استدارة ذراعيها العاريتين وجزء كبيرا من صدرها تحت الفستان القصير المفتوح حتى الصدر في شكل مثلث ناقص الأضلاع ، وترنح السلسال الرقيق الذي يحيط جيدها الأتلع وينام فوق وهاد قلقة تأبى الإستقرار وتترجرج في نزق كلما رفعت ساعديها أو أسرعت بخطواتها الموسيقية البطيئة) (ص 41) .
وسيصبح الإشباع مقسوما بعدالة على طرفي العلاقة في اللقاء اللاحق الذي حاولت الكاتبة جعلنا نتعاطف مع مقدماته من خلال الوصف الآسي لافتراق الطرفين في اللقاء الأخير :
(وعندما قبض على يدها بقوة وحنان يريد مساعدتها على قطع الشارع إلى الرصيف المقابل .. لم تمنعه ، بل أنها شعرت بالدفء يتخلل جوانحها) (ص 42) .
خطوة خطوة يتم ترقيق دفاعاتنا كقرّاء ، وهذه من مخاطر الإبداع الرائعة ، مع ترقيق دفاعات شعور بطلتنا التي تقف الآن ، وبعد أن سافر زوجها ليتم أعماله خارج لندن ، لتعتني بنفسها قبل مقابلة حبيب الأمس الدكتور محمود ؛ حتى نحن نسينا زوجها ، مثلما لم نعد نتذكر معها محاذير جلوسها في مقهى عام مع معارض مشهور . وتبلّدت حساسيتنا مع تبلّد حساسيتها - أو الأدق انتعاشها - تجاه غزله المكشوف في هذا اللقاء :
(تنهّد في راحة وعيناه تتابعان تفاصيل جسدها الريّان في شوق ولهفة وبدا الإنفعال واضحا على تعبيرات وجهه . لم يحاول مداراته . أغرق عينيه في تفاصيل جسدها الرائعة ، ثم قال :
-يا لهذا الجسد الجميل الذي يحرقني بنار المجوس) (ص 48) .
في هذا اللقاء - وهو الأخير بينهما قبل رجوعها النهائي إلى الخرطوم - تنفلت مشاعر محمود بقوّة ، خصوصا في حدائق الهايدبارك حين يجلسان متلاصقين بدفء ويغرقها بعبارات الحب والتعلّق الحامية التي يعلن فيها عن رغبته الحارقة للظفر بها جسدا وروحا . لكنها ما تزال تحتفظ بزمام شعورها نسبياً فترد عليه :
(لولا أن العقل المُدرك يمنعنا من الإستغراق في الأحلام المجنونة ، ويقودنا إلى كبح مشاعرنا ومصالحة الواقع لانفلت زمام المجتمع وضاع رباط العلاقات الإنسانية والأخلاقية في فلك الاشياء التي نرغبها) (ص 49) .
لكن - وبالرغم من ذلك - تكون هي أول من يخرق هذه القاعدة التي ترفعها في وجه اندفاعة محمود فتسمح له بأن يقبل كفّها ، وردّته حين مال عليها ليقبلها قبلة محمومة .
كل التفصيلات السابقة جاءت كارتجاعات فنّية (فلاش باك) أثارها خبر وفاة محمود . الآن (وفي القسم السابع) نعود إلى محور الزمن الراهن على مسار الرواية ، ولكنه ماض في السرد في كل الأحوال . تفتتح الكاتبة هذا القسم بتجمّع للنسوة الجارات – ومن بينهن بطلتنا رجاء التي عرفنا اسمها الآن – حول المذياع الذي أخذ يذيع نبأ انقلاب عسكري وبيانا لـ "ثورة" جديدة . ومن هنا تبدأ الكاتبة ، وبذكاء ، عرض الكيفية التي تجعل السياسة الإنسان الذي لا يريدها سياسيا برغم أنفه . فرجاء التي أعادت علينا كثيرا في الصفحات السابقة أنها تكره السياسة ولا تميل إليها وتتركها للسياسيين المغامرين ، سوف تدخل السياسة بمرافقيها الكريهين الدمويين بيتها بالرغم من إرادتها . فقد بادر زوجها ؛ اللواء الطبيب ، بإرسال برقية تأييد لقادة الإنقلاب الجديد .. وسوف يحصد – وزوجته رجاء معه – قريبا نتائج هذه المبادرة . الغريب أننا من الممكن أن نتسلّم "رشاوى" على الطريق لتغيير قناعاتنا الفكرية الراسخة . فرجاء نفسها – الرافضة العنيدة للسياسة - كانت تبدو فرحة مستبشرة بنبأ الإنقلاب ، فقد أخبرها زوجها أن قائد الإنقلاب هو زميله ورفيق سلاحه ، وأنه قد أرسل إليه برقية يهنئه فيها بالإنتصار على القيادة الفاسدة . كانت تحكي بكثير من الفخر والمباهاة عن علاقة زوجها بالقائد الجديد وعلى وجهها ابتسامة متفائلة .. فلربّما يُعيّن زوجها في إحدى الوزارات الجديدة . لقد كرهت منذ البداية وجودها في هذه المدينة الصغيرة رغم وضعها الاجتماعي المميز لزوجها ، واعتبرتها منفى فرض عليها رغما عنها) (ص 62) .
هنا استميح السيد القاريء عذرا لأعود وأراجع جوانب فنّية سرديّة من الرواية من الشوط الطويل نسبيّا الذي قطعناه حتى الآن . فالرواية تُحكى بصورة خطّية هي من سمات القص الكلاسيكي بالرغم من الإرتجاعات الفنّية التي أشرت إليها . فنحن نسير على خط مستقيم من الحوادث المتسلسلة التي لا يقاطع بعضها بعضا .. لا انعطافات .. ولا تحوّلات عاصفة مفاجئة .. مشاعرنا هادئة وتوقّعاتنا ساكنة . وهذا المنحى السردي المباشر أوصلنا أحيانا إلى وقفات خطابية كثيرة .. استعراض أفكار ونظريات وأقوال ماثورة . تقف رجاء في غرفة الفندق تدندن بأغنية سودانية شائعة وهي تنظر إلى الشارع اللندني الهاديء بأشجاره الخضر المغسولة بالندى ، وتبدأ بتوجيه "خطاب" مباشر إلينا :
(قالت لنفسها وهي تقرّب وجهها من زجاج النافذة البارد :
-إن رؤية الطبيعة من الخارج فيها تفرّد جمالي فيه الطعم والللمس والإستنشاق بكل الحواس ، ولكن تأملها من الداخل له أيضا جماله ؛ جمال التأمل من بعيد تحت حماية الداخل ودفئه وطمأنينته . إن استمتاعنا برؤية العصافير الجميلة من خلال زجاج النافذة يبدو ناقصا لأننا لا نستطيع الإستمتاع بزقزقتها . ثم إن لون زجاج الداخل يلوّن إطار الجمال الخارجي ويحرمنا حيادية الرؤية الخصوصية) (ص 45) .
وهو مقطع يصلح – بمباشرته وشروحه وتوصياته - للمحاضرات أكثر من صلاحيته للسرد الروائي .   
ينطبق رأيي هذا – في السرد "المستقيم" وتوقّع المفاجآت المباشر - على هنات سردية أخرى . فقد أخبرتنا الكاتبة أن رجاء "عاقر" وقد مرّت سنتان على زواجها من دون أن تنجب ، وكشفت لنا انفعالاتها المشروعة حيال وضعها المؤلم هذا في موقفين سابقين . وقبل صفحات قليلة عرضت علينا موقفا اثار انفعالها بشكل فاجع كما تقول ، عندما قالت لها صديقتها عواطف ، وبعفوية ، إن أطفالها يقطّعون الأشجار ، فتكدّرت رجاء وهي تراجع حالها الموحش حيث لا أطفال يقطّعون ثمار الفاكهة في حقيبتها ، ونادت خادمها بعصبية وأمرته بأن يقطع كل الثمار التي على الأغصان .. واندفعت إلى الداخل منتحبة .
ما هو الحل لمحنة رجاء العصيّة هذه ؟
هناك الكثير من الحلول منها – وهو مهم جدا – أن تستمر عذاباتها وتتفاقم ، لكن الكاتبة ترتّب حلّا شاهدناه وقرأنا عنه كثيرا حتى صار بارداً لا يهز مشاعرنا حتى ونحن نتعاطف مع رجاء . فقد جاء أخوها عادل منفعلا وعصبيا ليطلب منها أن يختلي بها ليكشف لها سرّاً لا يريد لغيرها أن يعرفه . ففي إحدى رحلاته إلى "أديس أببا" انسحر – وبصورة عصابية  - بسكرتيرة إحدى الشركات واسمها – بالمصادفة – هو "رجاء" – ولنتذكر أن عادل كان يقول لأخته إنّه لا يمكن أن يتزوج إلا واحدة مثلها في الجمال والذكاء (ص 66) – وأبوها تاجر سوداني تزوج من أمها ثم توفي وعمرها سبعة أعوام ثم تزوّجت أمها وتركتها تحت رعاية جدّها .. ثم توفيت جدتها بعد وفاة أبيها بسنة .. صارت تذهب إلى المدرسة وتعود لمساعدة جدها في المتجر .. جدّها الذي كان يقضي الليل ساهرا يسكر .. ثم توفي وهي في الخامسة عشر .. ثم ضاعت في دوامة الجنس المبكر .. وتعاطي الحبوب المخدرة . فأين شاهدنا هذا السيناريو المكرّر ؟
المهم ، أعتقد أن السيد القاريء سوف يتوقع الآن أن يتزوج عاصم من رجاء الأثيوبية التي تحبل منه بطفلة تتركها عند ولادتها .. وها هو يدعو أخته رجاء العاقر لتبنّيها ورعايتها كأمّ لأنه سوف يهاجر إلى كندا . وهل تستطيع رجاء رفضا َ ؟! .. ومن المتوقع أنّ إخلاصها وحبّها للطفلة "سندس" سوف يكون مثاليا .
لكن ما الذي سوف يترتب على هذا السيناريو من أمور جديدة ؟
سيتوقع السيد القاريء ، وهو محق تماما ، أن تظهر الأم المنفلتة السكّيرة في اللحظات الأخيرة ، وقد أصابها السرطان المنهي وركبها الندم المهلك ، وتطلب رؤية إبنتها قبل أن تموت .. وهذا ما سيحصل فعلا !! حيث تأخذ رجاء سندس إلى أمها المحتضرة في "أديس أببا" فتعانقها .. ثم تموت .
المهم أن السياسة التي كانت رجاء تطردها من باب حياتها بإصرار ، سوف تدخل إليها من الشباك الذي ستساهم رجاء في فتح ظلفتيه وهي تتوقع المغانم المادية والوجاهة . لقد أرسل زوجها برقية تأييد إلى قادة الإنقلاب العسكري الجديد كما قلنا . لكن الإنقلاب فشل كما هو متوقع في بلاد وصفت رجاء حالها السياسي بتعبير بليغ :
(إن كل من يصحو مبكرا قبل الآخرين في السودان يستطيع قلب نظام الحكم) (ص 51) .
وها هي قوة عسكرية ترافق الزوج ليأخذ مستلزمات الإعتقال ، ثم لتقوم زوجته بتصفية أمور البيت والإنتقال إلى شقة شقيقها عادل السابقة بعد أن ضاقت بها السبل ، كما أن "رجاء" الزوجة المنفلتة والأم المطلقة لا تعرف غيرها عنوانا لعادل ؛ زوجها السابق !!
يأتي سيناريو آخر باهت من وجهة نظري وقد أكون مخطئا ، لكننا شاهدناه وقرأنا عنه سابقاً . تُحتضر أم عاصم (زوج رجاء) – وهنا انتقالة منتظرة على الأقل في الأصوات الساردة حيث يبدأ السرد بضمير المتكلم (عاصم) (من ص 108) - وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة تقول له :
(تزوّج سميّة بنت خالتك عسى الله أن يهبك ذرّية) (ص 109) .
لكن من هي سميّة التي خرجت علينا الآن بلا مقدّمات ؟
إنّها إبنة خالة عاصم التي توفيت أمّها في أثناء ولادتها فاحتضنتها أم عاصم ورفضت رفضا باتا تسليمها لأبيها بعد زواجه من إبنة عمّه . لكن الآن الأم ماتت ، وصارت سمية وسط "غابة" من الذكور ولو كانوا ابنة خالتها . ولكن كيف ستقنع الكاتبة عاصما المتزوج وتقنعنا بضرورة زواجه من سميّة ؟
طبعا من خلال عقم زوجته رجاء . وها هو "يشرح" لنا ضرورة الزواج والإنجاب :
(في لحظة تفكير عاصف برقت في ذهني فجأة مسألة عدم إنجابي . من سيبكي عليّ بمثل هذه الحرارة إذا أنا متّ ؟ من سيحمل قلبه جيشانا هادرا من الحزن والفقد والعاطفة الصادقة إذا توقف قلبي فجأة عن الحياة ؟ إن عاطفة البنوة فيها قدر كبير من الإحساس بالإنتماء .. من التعلق بالذات الأولى . إن الإبن يشعر أنه جزء حميم من والديه مهما كبر (...)
إنّ الحبل السرّي يظل يربطنا بأمهاتنا حتى بعد انقطاعه وبرء مكانه ، نظل أبدا في حنين إلى حميمية الرحم ودفئه كلّما اشتدت علينا الأزمات أو تكاثر من حولنا جفاف الأزمنة والدروب) (ص 112 و113) .
ولاحظ المفارقة الكبيرة التي قد لا تلتقطها انتباهة القاريء . فعاصم – ومن دون أن يدري – يناقش الأمور ويطرح المبررات لزواجه ولضرورة الإنجاب لكن من منطلق الأمومة وليس الأبوّة ، وكأنه يمارس نوعا من الإلتفاف والتفكير التكفيري من داخل مشاعر رجاء التي لا تعلم ما يجري لها ، وما يخطط له زوجها عاصم الماكر :
(عدتُ إلى المنزل محطما .. حزينا متعبا .. طفلا صغيرا يفتقد صدر أمّه وثدييها وابتسامتها وصوتها الحبيب) (ص 113) .
وفي هذا الإنكشاف الإنفعالي نوع صارخ من النكوص النفسي لرجل متزوّج هو طبيب وضابط برتبة لواء . تُرى كيف صار هذا الرجل سياسيا في لحظة وأرسل برقية التأييد للإنقلابيين ؟ ما الذي كان سيفعله حين يصل سدّة الحكم وهو إلى الآن لم يضبط مشاعر الإستقلال عن أمّه ؟ ألم تكن رجاء محقّة حين قالت لمحمود في لقائهما الأخير وهو يحدثها عن مخاوفه من الإغتيال :
(يا أخي تفاءل خيرا . ولا تجعلهم يقتلونك الآن . نحن ننتظر منك الكثير . من سيقلب الحكومة غيرك ؟ هؤلاء العسكر المتهورون لن يطردهم غير متهور مجنون مثلك) (ص 50 و51) .
ومع نكوصه النفسي حصل نكوص في السلوك الغريزي ، فالنكوص في كثير من الأحوال يتأسس على الأخير . وها هو عاصم وهو في لجة حزنه وتفكيره العاصف بالزواج بسميّة ، يقف خلف سمية يتأمل جسدها ؛ من شعرها الأسود الكثيف إلى استدارة ردفيها .. لقد امتلأ جسدها بأنوثة مترعة (ص 113) .
ثم تأتي البكائية العاصفة التي لا تليق به وسط أخته علوية وسمية وصوت أمّه يدوّي في ذاكرته المُنهكة :
(تزوّج سمية يا عاصم .. تزوّج سميّة بنت خالتك يا عاصم) (ص 114)
يبدو أن عاصم قد اقتنع بعد أن شاهد "الأمور" على الطبيعة ، وها هو يتزوج من سمية . والمشكلة أنه سوف يخيّر سميّة من الزواج منه أو عدمه بعد كتب كتابه عليها !! (ص 122) .
ألن يتوقع السيد القاريء أن تكتشف رجاء زواج زوجها من سامية وهو بالنسبة لها زواج باطل ؟ وكيف ستكتشف ؟
طبعا حين تريد غسل بنطال زوجها حيث تجد وثيقة زواج عاصم من سمية .. طبعا سوف تمتنع عن الكلام والطعام .. وتسقط في السرير .. ثم يسقط هو في السرير ممسكا بالبنطال بعد أن تأكد بأن زوجته قد اكتشفت اللعبة (ص 126) .
ولعلها مفارقة أخرى أن تروح رجاء في مراجعة (مونولوج) داخلية طويلة وعميقة وهي ممدّدة على الأريكة تشاهد محطة التلفزيون المحلّية التي كانت تبث تغطية مباشرة لتخريج دفعة من طلبة الثانوية من أحد معسكرات التدريب.. حيث لاحظت بأسف شديد كيف تخرّبت أرضية الملعب والصبية الصغار يمارسون عروضا عسكرية ويطلقون النار . إنّه قضاء على براءة هؤلاء وسحق لإنسانيتهم الغضة وغرس غيلان الموت والعدوان في أرواحهم . لقد سقط الآلاف من الصبية والشباب وهم جوهر الثروة البشرية للبلاد :
(عندما استيقظت . لم أتبين هل كان نوما أم إغماءً ؟ كان الوقت عصرا ، وأنا لا أزال ممدّدة فوق الأريكة ، بينما صوت أبواق الحرب وطبولها وصراخ نشيدها يتعالى من جهاز التلفاز) (ص 172)
وهذه هي السياسة بعينها الحمراء وثوبها الأسود !!
تسافر سندس - بعد أن تشعر رجاء بأن الحزن والإكتئاب صار يحاصرها - إلى كندا لرؤية ابيها وأخويها وتغيير البيئة التي تحيط بها . ووسط مشاعر رجاء بالوحدة الخانقة وانفصالها المؤلم عن زوجها لا تجد بلسما لروحها الموجوعة غير الكتابة فتقرّر كتابة رواية (لعبة ما وراء نصّية – Metafiction) عن آثار الهجرة عند العرب المرحّلين من بوادي غرب السودان إلى أطراف العاصمة . ولكن هذه اللعبة لم تطوّر بصورة صحيحة لتتشابك مساراتها بمسارات الرواية الأم أو أن تتوازى مع وقائعها أو تثريها عبر دروس المناقضة المحكمة . لقد بدأت رجاء بالتنكر للعمل كبائعة شاي في "سوق الناقة" تتابع حال هؤلاء المهاجرين البؤساء . ولم يلفت انتباهها سوى انتفاخ الأعضاء الجنسية لأحد تجار المواشي فيشعل المنظر أحاسيسها وحاجاتها الجنسية بعد سنوات الجفاف والبعد عن زوجها عاصم (ص 178) . ولكن ما هو الحلّ ؟
الحل يأتي أيضا – وبصورة مؤسفة – على طريقة سيناريوهات شاهدناها كثيرا وأتخمتنا ومللنا منها . جاء الحل في صورة عودة عاصم إلى زوجته واعتذاره منها ونسيانهما كل ما مضى مع إدانات واستخفاف بالمسكينة "سميّة" التي رُزق منها بولد وبنت سمّاها رجاء أيضا ، والتي – أي سميّة -  لم تستطع إشباع غرائزه لأنها سطحيّة وعادية وحباتها تافهة ويضاجعها كالحيوان (ص 188 و189) .. معقولة ؟!
إلهذه الغاية قادتنا الكاتبة عبر (195) صفحة ؟! لتتعارك رجاء مع زوجها ثم تعود لتصالحه ؟!
هامش :
----------
# أغنية النار -  بثينة خضر مكّي – رواية - دار سدرة للطباعة والنشر – الخرطوم – الطبعة الأولى – 1998 .


د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000