..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بثينة خضر مكي في أغنية النار : البساطة المميتة (1)

د. حسين سرمك حسن

 مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية :

        بثينة خضر مكي في "أغنية النار" : البساطة المميتة  (1)


تفتتح القاصة والروائية السودانية "بثينة خضر مكي" روايتها "أغنية النار" بإهداء في صورة بيتي شعر لعمر الخيام يقول فيهما :

إنّ الأولى بلغوا الكمال وأصبحوا

ما بين صخبهم سراج النادي

لم يكشفوا حلك الليالي بل حكوا

أسطورة ثمّ انثنوا لرقادِ

 

 


 

وهما بيتان يحملان مرارات وقلق الخيام الوجودي من لعبة الحياة المفتوحة - عبر كل اختياراتها - على الموت . وقد يرسم هذان البيتان لتوجّه القاريء الإدراكي مساراً من هذا النوع الفلسفي خصوصا أننا اعتدنا على تناول العمل بصورة شاملة عبر صورته الكلية (الجشطلت) حيث من الممكن أن يكون لهذا المدخل موقعا في تشكيل الإطار بعد أن نقطع أشواطا في قراءة الرواية أو عند إكمالها .

من القسم الأول تُحكى الرواية بضمير الغائب حيث يبدأ الإستهلال هادئا وبسيطا :

(والدتها لا تزال نائمة في الفراندة المطلة على الحوش . زوجها في مأمورية عسكرية . ولا أحد غيرهما في هذا المنزل الشاسع سوى الخدم الذين ينامون في غرف بعيدة عن المبنى الداخلي ) (ص 8) .

يتبع هذا الإستهلال يقظة مفاجئة ومرتبكة للمرأة المحكيّ عنها ، وهي تستدعي ذكرى من ليلة أمس حيث رنّ الهاتف طويلا . كانت تتوقّع أن يتصل بها هو - "محمود" - الذي تحدّث إليها قبل ثلاثة اسابيع ، وأخبرته إنها سوف تسافر إلى قريتها في أقصى شمال السودان عند ضفاف النيل كي تعود أمّها المريضة ، فعبّر عن حرقته وشوقه إليها . ثم يأتي الحدث الصادم حين تسمع خبرا من الراديو يعلن عن وفاة الدكتور "محمود كمال الدين" في السعودية إثر نوبة قلبية (ص 9) . وبهذا الخبر "الختامي" ، وبعد انهيار عاصف وانفعال شديد ، تعود بنا الروائية إلى نقطة صفر الأحداث إذا جاز الوصف ، لتصف لنا إحساسها بالخواء وعدم الجدوى في حياتها الزوجية ، وكأنها شجرة غير مثمرة بعد مرور سنتين من عدم الإنجاب . حتى زوجها صار يلمح إلى مسألة عقمها خصوصا بعد أن فشلت العملية الجراحية التي أجرتها في لندن والتي كلفت زوجها ثمنا باهظا من الناحية المادية . أجرت العملية بالرغم من تحذيرات الأطباء من ضآلة نسبة نجاحها لأنّ عدم خصوبتها تعود إلى عيب خَلقي ولادي في رحمها . ومن المتوقع ان يستولي الإحباط على وجودها بعد ذلك ، وترزح تحت قبضة الإكتئاب الخانقة التي لم تجد مهرباً منها إلّا في الكتابة القصصية التي كانت تمارسها منذ مرحلة الجامعة .

وإذا كانت الزيارة الأولى للندن قد أبهضت روحها وأثخنتها بالجراح الكتيمة بفعل فشل العملية ، فإن زيارتها الثانية مع زوجها الطبيب العسكري قد هدهدت روحها ومنحتها شعورا جميلا بالمحبة وجدوى الإستمرار في عالم الوجود (ص 14) .

في هذه الزيارة – وهي تستدعي ذكرياتها بعد الحدث الختامي الفاصل بطريقة الإرتجاعات الفنية (الفلاش باك) - التقت بالدكتور محمود بعد فراق طويل . كان متيّماً بها منذ سنوات ، وأفصح عن افتتانه بجمالها عند لقائهما الأول في لندن التي انتقل إليها كسياسي معارض للنظام يواصل كفاحه السياسي من أجل تخليص وطنه من السلطة العسكرية ومن الحرب الأهلية بالرغم من استقراره هنا وزواجه من امرأة انكليزية (ص 15 – 18) .

وفي هذا اللقاء أعطته رقم تلفونها بلا تردّد ومن دون اعتبار لحساسية زوجها التي تعرفها . ولأن لاشعورنا الآثم يتحكّم في أفعالنا - خطوة خطوة - فقد اتجهت في اليوم التالي (ومن دون أن تدري !) للتسكّع في شوارع لندن لتقف أمام محل للإلكترونيات خاص بأدوات وأجهزة التجسس . ما جعل حواسها تتوتر هو أجهزة التنصّت الهاتفي ؛ مسمار صغير يحتوي على جهاز تسجيل يسجل المحادثات والأرقام ومواعيدها بالدقيقة والثانية . في قرارة نفسها شعرت برعب حقيقي وهي تتصوّر أن زوجها من الممكن أن يضع جهازا مثل هذا في هاتف منزلهم (ص 21) . إن الوجدان الآثم يبحث عادة عن مصائده .. وعن سبل إطفاء الرغبة في العقاب المكافيء . كما أنّه يصمّم الإنشغالات (العابرة) من حيث "أولوياتها" ومعانيها الرمزية . فقد جلست الآن في مقهى جانبي ولفت سمعها ، أولاً ، أصوات مجموعة من الرجال السودانيين يتناقشون ويضحكون ، وكان أوّل من لفت بصرها الرجل الذي أمامها مباشرة ، فشعرت أنه حامل لحق اللجوء السياسي حيث تبدو في عينيه الخيبة وحزن المهاجرين المبعدين عن بلادهم (ص 22) . وقد تكون هذه الصورة نسخة "مُسقطة" من صورة محمود المُختزنة ، والتي كانت طرية مستثارة بما تجمع حولها من ذكريات عاطفية من أيام الكلية وأيام شغله مع أخيها عادل في الخرطوم . مثلما قد تكون صور الفتاة السودانية السمراء فارعة الطول التي تتبختر في مشيتها الآن ، وتتزاحم حولها عيون الرجال السودانيين العسلية ، هي صورة "مُسقطة" لها حين كانت تلتهمها عينا محمود في لقاء الأمس المفاجيء (ص 22) . ولا يقلّل من دقّة هذا الإستنتاج تخيّلها أنهم [= الرجال السودانيون الصاخبون في المقهى] يرون في هذه الفتاة الأم والأخت والحبيبة الأولى ، لإن مخزونات لاوعيها الإستجابية هي نفسها سرعان ما تنفلت لتكشف الطبيعة العميقة "الآثمة" لدوافعهم فقد :

(تملكتها متعة غامرة وهي تستغرق في مراقبتهم وتتبّع حركاتهم والإستماع إلى تعليقاتهم الماجنة) (ص 23) .

فالتعليقات الماجنة تختصّ بالصورة الكمينة اللائبة التي تتراوح في الوجدان بين ائتسار وانفضاح وقتي ، حييّ ، تعبّر عنه اللغة بمكرها العظيم .

والضغوط المستترة للرغبة المرتجفة تعيد عينيها لتتركزا على وجه الرجل الوسيم الذي حدست أنه كان من قدامى السياسيين المقيمين في لندن أو من المعارضين لنظام الحكم العسكري القائم في السودان :

(كان يبدو من شكله وكأنه تخطّى الخمسين من عمره . تغوّلت على مقدّمة رأسه صلعة لامعة . كان متوسّط السمرة يتحدث في مرح . ويضحك ضحكا صاخبا . لكنه حين يصمت تتمدّد في عينيه أحزان القرون في العالم الثالث) (ص 23) .

ويوازي هذا التوسيع الكوني الغير عادي بين صمت الفرد وأحزان القرون ، شدّة الرغبة الجامحة التي قهرها الوعي بنواهيه الإجتماعية وروادعه الدينية المسلطة على رقبتها ، رقبة الرغبة المسمومة المراوغة التي تحاول - بلا يأس - الظفر بقدر من الإشباع مهما بدا مبتذلا وعابرا كنظرة سريعة مصحوبة بالإحراجات اللذيذة . اللاشعور يلتهم أهدافه عن طريق العين :

(كانت تتأمّله في اهتمام . ولكنه انتبه إليها فجأة . نظر إليها نظرة طويلة حائرة متفحّصة وكأنها مشكلة سياسية اعترضت عليه الطريق دون انتظار . بوغتت باكتشافه لها . ارتبكت للحظات ، ثم عاودت النظر إليه وابتسمت وكانت على شبه يقين من أنه لن يحدّث الآخرين عن وجودها وملاحظتها لهم .

رفع يده إلى رأسه في إيماءة خاصة بالتحية ، ورفعت يدها واستدعت النادل . دفعت الحساب وانصرفت بسرعة) (ص 23) .

وفي العادة ، يأتي شعورنا لـ "يرمّم" ويغطي ويستر الثغرات التي انفتحت في جداره . وفي الغالب تطفو وبقوة الإنشغالات العقلانية لتوازي الإنهمامات الغريزية وتكبحها ، وليس أهم من الشأن السياسي أولا ، والثقافي "العقلي" المجرّد ، ممثلا بالقراءة لوجه القراءة في حقل الإبداع الأدبي الشائك ثانيا ، من أداة تتيح للشعور استعادة قبضة "أنا" نا الأعلى التي تراخت بفعل المهادنة "البريئة" التي لعبتها دوافع لاشعورنا الخبيثة فتلاعبت بسلطته وقتيا . وقد توفّرت الفرصتان متجاورتان في "محل واحد" : الإنشغال الثقافي والقرائي أمام واجهة إحدى المكتبات العربية التي وقفت تتفحّص عناوين الكتب المعروضة فيها فتفتقد أعمال الطيب صالح صاحب "موسم الهجرة إلى الشمال" الشهيرة وثيمتها الحضارية الجنسية المركبة التي تجري في لندن ، ومعها الكتاب السياسي "النفق المظلم" – ولاحظ رمزية العنوان – الذي قرأته منذ سنوات طويلة وتركته لأنها لا تهتم بالشأن السياسي كما تكرّر دائما ، فوجدت فيه - في هذا الوقت الذي تقتلها فيه الوحشة في شوارع لندن الباردة – (رائحة عروس دافئة مخضلة بعطور الصندل والمحلب والمسك) (ص 24) ..

ومن جديد ، يأتي هذا التخريج "الشعري" المُفرط لملمس كتاب قديم يُستعاد موازيا ومموّها لتثنيات الرغبة الجريحة . وفي نفس المحل ، وهي تستدير لتخرج – تلاقي – مصادفة – صديقتها القديمة "سعاد" التي جاءت مع زوجها في بعثة دراسية إلى لندن وحين أكمل زوجها الدراسة رفضت العودة معه رفضا باتا وانفصلت عنه بالطلاق ، وكانا قد انفصلا روحيا بعد سنة واحدة من تواجدهما في لندن حين اكتشفت أن زوجها يخونها كل ليلة مع غانية جديدة ، بعد أن تكون الخمر قد لعبت برأسه ، وهو يسهر في الحانات يرقص حتى مطلع الفجر) (ص 25) .

وليس عبثا أن تأتي "الخيانة الزوجية" في المقدمة من تسلسل الموضوعات التي تطرقت إليها الصديقتان في جلستهما الحميمة في المقهى ، مثلما لن تدهشنا النقلة السردية والحوارية المباشرة - وبلا مقدمات - حين تقول سعاد للبطلة أنها ستلتقي بالكثير من رموز المعارضة السياسية هنا في لندن ، ليعود السارد العليم لتذكيرنا من جديد ، وعلى لسان سعاد هذه المرة - بعد محمود - بعدم اهتمام بطلتنا بشؤون السياسة منذ أيام الدراسة الجامعية (ص 25 و26) .

إنّني حين أؤكد على ما يشبه "الحتم اللاشعوري" الذي يصمّم أدق أفعالنا من وراء ستار فإنني – في الوقت نفسه – لا استطيع ضمانة إقرار السيّد القاريء ولا المؤلّفة – التي سوف تُستثار مقاوماتها اللاواعية ، حتما ، للحفاظ على تماسك نرجسيتها ، مثلما تُستثار هذه المقاومات لدى نقّاد المناهج الأخرى فيسمونها باللاعلمية والتعسف - . فليس من المتوقع انتظار الموافقة المباشرة والسريعة من تلك الجهات حين نقول إن البطلة - وهي تخرج للقاء صديقتها سعاد للذهاب في رحلة سريعة إلى الريف الإنكليزي ، بمفردها ، بعد أن اعتذر زوجها لانشغاله بمهماته – تخضع لهذا الحتم ، حين تتذكر - وهي تعبر الرصيف نحو مقهى لقائها بسعاد - الدكتور محمود ولقاءها به ، وتتمنى لو أنه كان بإمكانها اصطحابه معهما في تلك الرحلة الريفية (ص 28) . مثلما سوف يستفز الإستنتاج اللاحق المرتكز على حوار الصديقتين "البريء" – وهو بريء فعلا – حول رأي سعاد في حاجة بطلتنا إلى أن تخلع الثوب الذي تتدثر به لأن فستانها طويل وتلبس فوقه بلوفر من الصوف ، فتضحك وترد عليها - مستدعية ذكرى من شهر العسل حين اصر زوجها على أن تخلع الثوب السوداني الذي كان يعوق سيرها ، فاستجابت لطلبه ، ولكنها شعرت وكأنها تسير عارية كما ولدتها أمّها وسط ملايين الغرباء (ص 29) .

 


د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000