.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عبد الخالق الركابي في (ليل علي بابا الحزين)

د. حسين سرمك حسن

عبد الخالق الركابي في "ليل علي بابا الحزين" :

عميد تقنية "التخيّل التاريخي" في الرواية العراقية (6/الأخيرة)

-----------------------------------------------------

# التفصيلات .. وسؤال الجدوى :

---------------------------------

يتحدّث عبد الخالق مع دنيا عن ظروف يحيى وتورّطه مع الحيتان الجديدة ومنهم نجيب شكري .. إلخ .. ويتفقان على لقاء ولا يتحقق . فيسترجع - ولاحظ كثرة الإسترجاعات - ذكريات عن طفولة يحيى وقسوة ابيه "المبيضجي" الذي زوّجه بفتاة مسكينة هي مجرد "ثقب" للتفريخ ... إلخ .. ثم يسترجع ذكرياته مع بدر والسنين التي أمضاها الأخير في بغداد برعاية المستر "تيلر تومسون" - أبوه الفعلي بسبب خيانة أمّه - لصّ الآثار الذي هرب ثم عاد مع احتلال العراق ، وانخراط بدر في المدرسة الأمريكية للبنين عام 1926 ، وانتماء أخيه "فرج" لمجموعة رأسها "حسين الرحال" ووفر لها أديب عراقي هو "محمود أحمد السيد" غرفة في جامع الحيدرخانة بفضل كون أبوه أماماً للجامع ... إلخ . ثم تفاصيل علاقته بالمستر تومسون ومقابلاته للمس بيل وهديتها اليه عدد من مجلة ناشيونال جيوكرافيك الأمريكية صادر عام 1923 عن مقبرة توت عنخ امون ، وترجمة عربية لكتاب "العصور القديمة" لبريستد صادرة عام 1926 المدنية ... ثم جهود المس بيل والمستر تيلر في تأسيس أول متحف عراقي .. ورحلة بدر مع تيلر بواسطة القطار إلى مواقع التنقيب في الجنوب .. حيث كشف له المستر تيلر ان العمال يبحثون عما خلفه "يهوه" وراءه .. يهوه رب أرباب اليهود .. ثم حديث تيلر إلى بدر الصبي عن اكتشاف عالم الدراسات الآشورية "سميث" عن اكتشاف مذهل وهو رقم مسمارية فيها تاريخ مشابه لأدق تفاصيل رواية الطوفان الواردة في التوراة (ص 239) .. يقول بدر لعبد الخالق :

(لم يرو لي "ثومسون" كل هذه الأمور دفعة واحدة وبالطريقة التي لخّصتها لك على شكل حكاية .. كان يكتفي بترديد بضع كلمات ردّا على أحد أسئلتي المباغتة ... لم أر تومسون إلا وهو منصرف إلى ما شغف به : ممارسة عمله في التنقيب عن الآثار ، أو الإنكباب على الكتابة في بحوث تتوزع بين التاريخ والأنثروبولوجيا ، وكانت المحصلة هي هذه الملفات التي حرص على إهدائها إليّ وقد ترجم أغلبها بنفسه إلى اللغة العربية لييسّر لي قراءتها ، وسأهديها بدوري إليك عساها أن تعينك في مشروعك الروائي - ص 243) .

لكنني أتساءل الآن ما هي الجدوى من هذه الرحلة الطويلة مع بدر .. وذكرياته الواسعة عن - وهنا بيت القصيد - المحتلين البريطانيين مثل تومسون والمس بيل .. ما هي آثار هذه الذكريات في الرواية ؟ ماذا قدّمت للقاريء في نسج حكاية جديدة (حكاية عبد الخالق) من الحكاية القديمة (حكاية بدر) التي أخذت عن حكاية ثالثة (حكاية تومسون وفرج ... ألخ) وهي لعبة "ما وراء سردية - Metafiction " رائعة ؟

سوف تتصل دنيا بعبد الخالق وتخبره بخطف يحيى ، فيسافر إلى الأسلاف للبحث عنه .. ما النتيحة ؟ .. وما دور هذا الإختطاف في الحبكة المركزية ؟ وما هي أصلا هذه الحبكة المركزية التي من المفترض أن تدور حولها كل الأحداث وتوظّف لخدمتها ؟

# ديكتاتورية المؤلّف :

----------------------

كان كل شيء في الرواية يسير "بمفرده" ، ولذاته ، لا يربط هذا الطيف الواسع من الوقائع والأحداث والشخصيات سوى جهة مرجعية واحدة هي الروائي نفسه : عبد الخالق الركابي ، موصلا الأمور - كما يقرّر علم السرد الحديث - إلى نوع من "ديكتاتورية المؤلف" حيث يسخّر كل شيء .. وكل شخصية .. وكل واقعة لسيطرة المؤلف وسلطته .. وحيث لا يستطيع القاريء معرفة أي شيء عن أي شخصية إلا بإذن المؤلف واستئذانه , وحيث يحد حضور المؤلف من نمو الشخصيات وتلقائيتها إلى حدّ كبير . 

لم يعثر عبد الخالق على يحيى الذي خُطف ، وذهبت زوجته ودنيا وابنته الأرملة لتسليم الفدية عبر متاهة مدوّخة طويلة ، ثم عدن بخفّي حنين كما يُقال بعد أن ضاعت الفدية وتسلّمها الخاطفون ، ولم يُطلق سراح يحيى . ما هي الدلالات الرمزية  - ولا قيمة لرواية بلا إيحاءات رمزية على الأقل - لوجود يحيى في الرواية ، ولسقوطه بسبب طمعه في المال الذي أدّى إلى اختطافه ؟ 

# رسالة الختام المُربك :

------------------------

قبيل ختام الحكاية يواصل عبد الخالق كتابة روايته ، ويضع عليها اللسمات الأخيرة . كان يؤرّقه شعور بالذنب سببه موقفه من يحيى ودنيا .. فاجعته بالأول كانت تقترن عادة بجهله بمصير الثانية . لم يبق على اكتمال الرواية الموعودة سوى النهاية ، وها هي تأتي في صورة رسالة من دنيا بعد مضي أكثر من سنة على زيارته الأخيرة للأسلاف لمساعدتها في العثور على يحيى . وصلت الرسالة بالبريد الإلكتروني مرسلة من دنيا التي هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية . ومثلما حرّره الأمريكان المحتلون من سجن "الأستاذ" ، صارت أمريكا الغاصبة ملاذاً لدنيا المُمتحنة :

(لا تسألني عن البقعة التي استقرّ بي المقام فيها خلف "بحر الظلمات" ؛ فكلّ بقاع الأرض لم تعد تعني لدي شيئا منذ خيّم هذا الليل الحزين على وطني فهحرته دون وداع ؛ مستهدية سبيلي بنعيب الغراب الذي سيظل يلاحقني أينما ولّيت وجهي ؛ فكل البقاع تتشابه ، سيدي العزيز ، مادامت جهنم قد أمست بحجم الكون كلّه .

أنا الآن في أقصى الغرب الأمريكي ، يطالعني المحيط الهادىء من خلال شرفة شقتي ، وعلى الأرض يتقلب إبني يحيى الصغير قرب قدميّ ، رامقا إياي بنظرة دهشة من عينيه المشابهتين لعيني أبيه ، مستغربا لأنني تأخرتُ في إرضاعه ، غير مدرك أنني تأخرت ، على امتداد عمري ، في أمور كثيرة وفي مقدمتها أنني كدتُ أجعل منه موضوعا للمساومة وهو جنين في أحشائي ، طمعا في الإستحواذ على بيت مترف يقع في شارع الأميرات - نعم لم لا أصارحك بالحقيقة ؟ - لولا أنه جعلني أحسم أمري وأقرر الهجرة : حصل ذلك يوم اتصلت بي هاتفيا منبئا إياي بفشل مسعاك مع نجيب الكذاب ؛ فوسط انفعالي وأنا أرد عليك منتحبة فوجئتُ بأول ركلة منه في بطني ؛ فقررتُ لحظتها نفض يديّ عن كل شيء والنجاة به ، هو ابني الوحيد وسط زبانية جهنم - ص 290 ؛ الصفحة الأخيرة من الرواية) .

من أسس النهاية الروائية في علم السرد هو أنها تكون لحظة ذروة - أو أكثر - تقدم المفاتيح الأساسية لما أفلح الروائي في تلغيزه عبر الحبكة .. أو ترسم لها نهايات مفتوحة تساهم في تلغيزها بدرجة أشد وأكثر تعقيدا . لكنني الآن أقف أمام نهاية رواية عبد الخالق هذه "ليل علي بابا الحزين" وأتساءل :

هل المواصفات التي قدّمها المؤلف لدنيا ، وهي مسيحية ، تتيح لها أن تكون "رمزاً" لجماع مصائر الرواية ؟ هل الخلاص من محنة العراق سيكون مآله النهائي هو الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ؟ ذهاب المستعبَد إلى مستعبِده ؟ لجوء المواطن لذي تُحتل بلاده إلى بلد المُحتَل الذي استباحها ؟ هل الحل الختامي لحبكة حكاياتنا هذه - إذا كانت "دنيا" رمزاً - هو أن تُهرع الضحية إلى جلادها لإنقاذ بذرة الحياة الجديدة التي زُرعت في أحشائها من قبل أحد أبناء جلدتها العراقيين وهو يحيى ؟

ثمّ ما هي دلالات هذه البذرة ؟ هذه البذرة من "يحيى" المسلم المتذبذب الفاسد الطمّاع الباحث عن المال والثراء السريع بكل طريقة الأمر الذي يشوّه براءتها .. فهل يصلح يحيى "رمزاً" لأبوة محمّلة بالدلالات الواسعة عن "الرمز الأبوي" المفقود عبر تاريخ هذه البلاد ؟

وإذا كانت كل بقاع الأرض لا تعني لدى دنيا شيئا منذ خيّم "هذا الليل الحزين على وطني فهجرته دون وداع" كما قالت في رسالتها .. فلماذا لم نسمع منها أي كلمة عن هذا "الليل الحزين" الذي فرضه المحتل طوال شوط الرواية الطويل (290 صفحة) ؟!

ولو حاولنا إقامة "تركيب" هيغلي إذا جاز الوصف من أطروحة وطباق يحيى ودنيا - لنوسّع الموضوع فلسفياً - فهل تلك العلاقة بين فتاة - ولنتحدّث بصراحة الحكم التاريخي الذي لا يعرف "المجاز" أو مداورات الشعرية  - من أقلية في بلاد ، ورجل لعوب من أكثرية حاكمة ومهيمنة في البلاد نفسها ، هي الأنموذج الذي يجري سرّاً بين مكونين ينبغي ألّا يستحيا من أقامة العلاقة - الإنسانية العاطفية وحتى الجنسية - بينهما ، هي السبب في مأساة الحكاية أو واحداً من أسبابها ؟ هل هذا الشرخ المسكوت عنه بين مكوّنات البلاد الطبيعية هي السبب في محنتها التي جعلت دنيا تفرّ إلى الولايات المتحدة ؟

ثم ما الذي يعنيه وجود عبد الخالق الركابي بنفسه على مسرح الرواية ؟ ما الذي حقّقه للحكاية منذ أن أدخل ذاته في مسارها غير السلطة الكابتة للمؤلّف بما ترتب عليها من آثار فكرية وفنّية وحتى آيديولوجية أوصلتنا إلى حالة من ديكتاتورية المؤلف كما قلتُ ؟ فقد حوّلَنا عبد الخالق إلى سلطة الراوي "العليم العليم" - إذا جاز الوصف - بدرجة مضاعفة ، بالرغم من أنه حكى الحكاية بضمير الأنا المتكلم !!

# ما هو دور الأسطورة :

------------------------

ثم ما هو دور الأسطورة الرائعة عن كهرمانة التي توقّفت يوم الإحتلال (التاسع من نيسان) عن سكب الزيت من جرارها فتسبّبت في انفلات اللصوص الأربعين ليعيثوا في بغداد فساداً ، والتي كان من الممكن أن تكون فتحاً مهما في التوظيف الواقعي السحري - ودرسه الأعظم مختزن لدينا في رحم سيّدة الحكايات : ألف ليلة وليلة - ؟ لقد فتح بها عبد الخالق باب الحكاية الظاهر ، ولكنه لم يفتتح بها أبوابها السرّية ولم يثرها ولم يطوّرها ولم يوظّفها ؟ لقد ذكرها على الصفحة الأولى . ثم أعاد ذكرها على الصفحة السابعة ، ثم على الصفحة 114 وهو جالس مع جيرانه وبطريقة أشبه بالطرفة منها إلى الوقع الجلل ، لتختفي بعد ذلك إلى الأبد . فما هي قيمة الفكرة التي تُستهل بها رواية على هذا المستوى من الأهمية ثم تُترك ؟

والمصيبة - بل الكارثة - في هذا المجال المرتبط بتوظيف هذا الموقف الأسطوري ، هو أنّ عبد الخالق جعل عنوان القسم الثالث والأخير من روايته هو : "كلمات كهرمانة الأخيرة" . لقد اختتم روايته - بعد انتظار طويل لنهاية مناسبة - برسالة دنيا التي وصلته عبر البريد الإلكتروني من الولايات المتحدة ، ومعنى هذا أن كلمات كهرمانة الأخيرة هي كلمات دنيا الأخيرة . وبهذا يتركنا في حيرة وتشوّش شديد حيث لم يقدّم لنا أي إشارة أو لمحة حتى لو كانت عابرة عن التطابق - بل حتى التقارب - بين شخصية دنيا وشحصيّة كهرمانة ، ولم نلمس منه أي ميل نحو هذا الإتجاه عبر صفحات الرواية . وكل ما في الأمر هو أن عنوان القسم الثالث هذا "كلمات كهرمانة الأخيرة" ونهايته تشير بما لا يقبل النقاش إلى تطابق الشخصيتين . فلماذا ؟ وعلى أي أساس ؟ بمعنى هل أن كهرمانة التي توقّفت عن صبّ الزيت في جرارها هي دنيا التي فرّت بجنينها إلى الولايات المتحدة ؟ شيء لم أجد عليه براهين فنّية ولا سردية ولا فكريّة .

وما هو موقع "بدر" الذي كنت أتوقع أنه سيقدّم الحكاية "الأصلية" ؛ الحكاية الأم ، التي سوف يمدّ المؤلف وشائج متينة منها - وفق تقنيات ما وراء السرد - تسير من الإحتلال الأول حتى الإحتلال الثاني .. تعاونَ فرج مع رمز من رموز المحتل في الإحتلال الأول ، وساعده في تهريب آثار بلاده ، ولكنه كان ثائرا عليه .. تربّى بدر في حضن المحتل ، وكان ابنه المنغّل .. والنتيجة ؟ كان الختام بيد دنيا وجنينها .. وكلاهما لا يمتلكان المواصفات التي تؤهلهما للعب الدور الرمزي الكلي والختامي ، واختفى بدر وفرج من موقع القوى الحاكمة التي ترسم مسارات الحوادث وتتحكم فيها .

# ما هو دور المخطوط ؟

--------------------------

وهناك موضوعة "المخطوط" ؛ مخطوط "الراووق" الذي بذل تومبسون الجهود المستحيلة للعثور عليه ، ثم لم يظفر به بل عرف بـ "المصير المحزن" الذي انتهى إليه . ما هو هذا المصير المُحزن ؟ وما هي أهميّة هذا المخطوط بالنسبة لهذه الرواية ؟ وما علاقته ببدر وفرج وأمّهما شذرة ويحيى ودنيا ورياض وتومبسون .. وأخيرا بعبد الخالق ؟! أليس كذلك ؟ ألا تُبنى الروايات الحقيقية عبر تشابك علاقات شخصياتها وتقاطعها في نقطة محورية يمكن أن تتمثل في المخطوط ؟ لكن المخطوط لم يرد له ذكر قبل الصفحة 242 ، ولم يعد له ذكر بعد الصفحة 243 !!

# تحيّة للشرف :

---------------

من وجهة نظري ، وعلى أساس المفارقة السابقة التي افتتحتُ بها دراستي هذه ، في سبق الواقع الجحيمي العراقي لمخيلة الكاتب التي تبقى مُترفة مهما كانت درجة تماهيها مع العذابات الجهنمية التي يشهدها الواقع ، فإن عبد الخالق قد بذل جهدا خرافيا في إنجاز روايته هذه . الرواية هي الفن المميت بلا تردد . وقد قدّم حكاية الواقع العراقي المهول الذي جعل الولدان شيبا بعد الإحتلال الأمريكي القذر لوطنه ؛ قدمها بشرف وأمانة ؛ الشرف تتم تحيّته عليه مادام واحد من الكتاب الأدعياء يقول في روايته أنه شعر بألم في قلبه حين سمع بنبأ أسر المجندة "جيسيكا" . لا بدّ أن نحيي عبد الخالق الشريف الغيور .

وقفة : حين يسبق الواقع الجحيمي مخيّلة الكاتب :

------------------------------------------------

لقد تحدّثتُ كثيراً عمّا أسميته بـ "أدب عصر المحنة" أو "أدب الشدائد الفاجعة" ، وهو الأدب الذي يتناول المحنة الجهنّمية التي مزّقت المجتمع العراقي ، إنساناً ومكاناً ومفاهيم ، والتي أوقعت المبدع العراقي في مأزق خطير يسبق فيه الواقع الجحيمي المُرعب المخيلة المبدعة ، بخلاف ما تعارفنا عليه في أزمان وأماكن سابقة ومعاصرة يحاول فيها المبدع شحذ مخيّلته كي تسبق الواقع وتجعله يلهث خلفها . وفي هذا الإختبار العصيب الذي اشتعلت ألسنته بعد الإحتلال الأمريكي القذر لوطننا ، صار مطلوبا من الكاتب العراقي التعبير عن هذا العالم العراقي الأسفل الذي طفح وصار عالماً أعلى ترى الناس فيه سكارى وما هم بسكارى .

وتحدثتُ كثيراً ، أيضاً ، عن تقصير المبدعين العراقيين - في شتّى المجالات الإبداعية - في ملاحقة وإثراء هذا الأدب الذي يجسّد المحن المدمّرة والأهوال الساحقة العاصفة التي مزّقت جسد ووجدان الإنسان العراقي وشخصيّته ، وقوّضت ركائز وطنه ومجتمعه بصورة مرعبة ، وبلا رحمة ، وإلى الأبد . ويبدو لي أن هناك معادلة إبداعية تمسّ صلب عملية الخلق قد انقلبت على رأسها في الواقع العراقي الجحيمي الدموي "الجديد" ، وهي المعادلة التي تتصل بعلاقة المبدع بالمادة الواقعية التي تقدّمها الحياة الإجتماعية المحيطة به بكل متغيّراتها . ففي أي وقت ، وفي أي مكان ، يلتفت الكاتب لوقائع منتقاة من المحيط الذي حوله ، ويتأملها ، ويختزنها ، لتختمر ، ثم تعمل مخيّلته على تشكيلها في صور ومضامين خلّاقة جديدة ، يحاول مستميتاً ، وبكل طاقاته ، على أن "تسبق" الواقع ، وتجعله يلهث خلفها . أي أن قاعدة الفعل الإبداعي المتفرّد هي : إن مخيّلة المبدع تحاول أن تسبق الواقع .

سمعنا كثيرا عن امرأة ممتحنة ومُحبطة تبغي الإنتحار بفعل خيبات حياتها العاطفية وإجهاض أحلامها الشفيفة ، ولكننا لم نشاهد في حياتنا امرأة تريد أن تلقي بنفسها من الشرفة إلى الرصيف ، لتموت قرفا من حياتها وتخفّفاً من آثامها ، فيرتفع إليها الرصيف !! وقسْ على هذا المثال المأخوذ من رائعة "فلوبير" : "مدام بوفاري" . أي أن عظمة أي مبدع ، ودرجة اقتداره ، تُقاس ببعد الشوط الذي يحقّقه بين نتاجه الإبداعي الخلّاق والحالة الواقعية .. الإعجاز التصويري الهائل الذي يخلق واقعا جديدا باهرا .. أو "ما فوق واقع" إذا جاز الوصف .

لكن في عراق ما بعد احتلال خنازير الولايات المتحدة الأمريكية لترابه المقدّس بعد عام 2003 ، حصلت مفارقة خطيرة شكّلت مأزقاً مُربكاً للمبدع العراقي وهي : إن الواقع العراقي صار يسبق مخيّلة المبدع . ولهذا صارت الكثير من النصوص التي يبذل فيها الكاتب والشاعر جهداً هائلاً ، لا تحقّق التأثير النفسي المطلوب لأن ما تصوّره - نثراً أو شعراً - صار يلهث وراء ما يقدّمه الواقع الرهيب من حوادث ووقائع جعلت الولدان شيبا . المخيّلة صارت تلهث خلف الواقع ، ويتسع الشوط بينها وبينه كل يوم ، بل كل لحظة.

لم يصوّر اي كاتب في العالم ما يسمّى بـ "طشت الخرده" أو "طست الخرده" . والطشت أو الطست - لمن لا يعلم - هو إناء كبير مستدير من نُحاس أو نحوه يستعمل للغسيل . أمّا الخردة ، وجمعها خردوات ، فهي قِطَع المعادن الصغيرة ، أدَوات معدنيّة مختلفة كالأقفال وأدوات المائدة ، أشياء قديمة فقدت صلاحيَتها ، ويمكن استعمالها من جديد في شكل ما ، كقطع الحديد أو الزّجاج ، أو الورق العتيق . هذه معاني طشت الخردة في أي مكان من العالم .. أمّا في العراق ؛ عراق ما بعد الإحتلال الذي وعده الأمريكان المسعورون بالديمقراطية والتحضّر والرفاه ، فإن معنى طشت الخردة هو التالي :

بعد أن تحصل تفجيرات السيارات المفخّخة وسط التجمعات البشرية الكبيرة ، تتمزّق أوصال أجساد الضحايا شرّ ممزق .. وتتطاير الأرجل والرؤوس والعيون والأحشاء والأصابع والأنوف ... فيتم جمعها في طشت يوضع في المستشفى ثم تقوم الناس بإكمال أجسام ابنائهم الممزقة . وقد تتم عملية "التركيب" بعد عدّة محاولات ، مثلما قد لا تجد الأم المثكولة العضو المطلوب لإكمال جسم ولدها الحبيب !! في أي كابوس .. وفي أي نص .. شاهدتَ - سيّدي القارىء - مثل هذا الطشت ؟!

 عودة : الأمانة ضد الفن :

---------------------------  

وقد قلتُ إن عبد الخالق قدم حكاية شعبه المحتل المعذّب بشرف وأمانة .. وحييته على الشرف . لكن المشكلة تكمن في "الأمانة" التي هي ضد "الفن" .. الفن ضد الصدق ، وأول من يعرف ذلك هو عبد الخالق نفسه . ولو كان أصل الفن الصدق لأصبح ديناً . دعوني أقل بصراحة  : كل شيء ذكره عبد الخالق في هذه الرواية ليعرض ويصوّر ماساة العراق بسبب الإحتلال يستطيع أي مواطن عراقي تقديم أمثلة على ما هو أبشع منه . لكن ولا قاريء يستطيع إخراج حكاية العذاب هذه في صورة روائي يحاول كتابة رواية من خلال وثائق أو ذكريات يقدّمها شخص اسمه بدر .. وحول هذا العمل البؤرة تدور علاقات شخصيات أخرى وتتحدّد مصائر وترتفع  إرادات ووجودات وتنهار أخرى وتتحطّم .

في كل صفحة كان عبد الخالق يحدّثنا عن التغيّرات الجحيمية التي عشناها بعد الإحتلال القذر وحتى هذا اليوم . لكن المشكلة أننا عشنا هذه الوقائع كاملة وكنّا "شخصيات" فاعلة فيها ، وبعضنا كان "بطلاً" في غمارها . وهذا العامل أضعف عنصر التخييل والمفاجأة وهما ركيزتان حاسمتان تجعلان الرواية تتقدّم على الواقع . لم نكن نفاجأ لا بالسلب ولا بالنهب ولا بتفجير المراقد أو الحرب الطائفية أو القتل على الهوية واغتيال الأبرياء . ما يفاجئنا ويحقق المتعة والدهشة هي شخصية بدر وفرج وشذرة ودنيا وتومسون لو توفّرت بؤرة - كالمخطوط مثلا - تلتحم عندها مصائرهم فتتحقق وحدة الحكاية حين تمتد عبرهم من الإحتلال الأول إلى الإحتلال الثاني ، ويقدّم الروائي عملاً تخيلياً تاريخياً يمتد على مسافة قرن من الزمان .

 

هوامش :

----------

(1)ليل علي بابا الحزين - عبد الخالقالركابي - رواية - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت - الطبعة الأولى - 2013 .

(2)عبد الخالق الركابي يغدق علينا رائعته (ليل علي بابا الحزين) - شكيب كاظم - جريدة المشرق - 2/2/2014 .

(3) و (4)نحو وعي ثقافي جديد - د. عبد السلام المسدي - - كتاب مجلة دبي الثقافية (34) - دار الصدى - 2010 .

(5)مذاهب فلسفية - محمد جواد مغنية - دار مكتبة الهلال - بيروت - بلا تاريخ.

(6)الزمان والسرد -  بول ريكور -  ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم - دار الكتاب الجديد المتحدة - بيروت - الطبعة الأولى - 2006 .

(7)أفكار لأزمنة الحرب والموت - سجموند فرويد -  ترجمة سمير كرم - دار الطليعة -  بيروت -

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000