.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عبد الخالق الركابي في ليل علي بابا الحزين عميد تقنية التخيّل التاريخي في الرواية العراقية (4)

د. حسين سرمك حسن

# المؤلّف في عمله كالله .. "حاضر .. ولا يُرى" :

------------------------------------------------ 

وهذه الشكوك والإعتقادات و"اللاأدرية" ، كان من الممكن تحمّلها – ولو على مضض – من الراوي حين نكون غير عارفين بصلته بالروائي الأصل ؛ المؤلّف الحقيقي : عبد الخالق الركابي . لكن الكارثة هي أن عبد الخالق يعلن لنا الآن انّه هو الراوي ، وأنّه هو كاتب الرواية بشحمه ولحمه . فها هو يجلس في مكتب يحيى يقلّب الكتب التي يستنسخها يحيى فيعثر على نسخة مصوّرة من رواية يقول عنها : 

(روايتي "سابع أيام الخلق" .. فعدتُ بها إلى كرسيي لأسأل يحيى ، وأنا أتصفح تلك النسخة ، عمّا دفعه إلى تصويرها ؟ فأوضح أن سبب ذلك يعود لكون أحد أقسام كلية الآداب في جامعة الأسلاف قرر روايتي تلك على طلبته ضمن منهاجه الدراسي في إحدى السنوات ، فازداد الإقبال على الرواية ، فوجدها فرصة سانحة لتصوير نسخته الشخصية المتوّجة بإهدائي – ص 51 و52) .

إن دخول عبد الخالق ، بنفسه ، إلى مسرح الرواية ، بدلا من أن يكون متخفّياً خلف الراوي سواءً أكان عليماً يروي الحوادث بضمير الغائب أو محدود العلم يروي الحوادث بضمير الأنا ، خلخل تعاملنا مع الراوي وبالتالي مع تقييم الوقائع ، مثلما حدّد حريّتنا التأويلية كنقّاد ومتلقّين . إنّه يقفز فوق القاعدة الأهم التي طرحها "فلوبير" عن علاقة المؤلّف بشخوصه حين قال : 

(على المؤلّف أن يكون في عمله كالله اتجاه الكون، حاضراً في كل مكان، ولكن لا يُرى في أي موضع)

فإذا كانت "مجهولية" هويّة الراوي في الصفحات الخمسين السابقة – بالرغم من أن الشكوك ثارت منذ صفحات الحديث عن شارع المتنبي وتوفير المصادر لكتابة الرواية وغيرها – قد أتاحت لنا حرّية واسعة في تأويل تصرّفات الشخصيات ودلالات حواراتها وأحاديثها فيما يرتبط بشخصية الراوي أو بالمواقف المشتركة بينها وبينه ، فإن كشف شخصية الراوي الحقيقية ، وإعلان تطابقها على شخصيّة المؤلف الفعلية ، سيخلق جهة مرجعيّة تكون مرتكزاً "معيارياً" للتقييم ، ومصدر "وجهة نظر" تُقاس عليها كل وجهات نظر الشخصيات الأخرى . فحين نقل لنا الراوي "المتعادل" الحضور موقفه الخاذل لدنيا في محنتها أتاح لنا مجالا واسعا لتأويل موقفه ، ومحاولة الغور في أعماق دوافعه ، رابطين ذلك بما قاله قبل ذلك عن أن حضور دنيا كان الشرارة أو الومضة الإبداعية التي أشعلت ركام حطب المادة الإبداعية الذي ظلّ يتيبّس منتظراً سنوات طويلة . لكن الآن – بعد أن صرنا نتعامل مع عبد الخالق الحي والواقعي ، لا الراوي الورقي - نجد صعوبة في أن نضع ردّ فعله تجاه دنيا في خانة الخذلان ، بل في إطار ما نعرفه عن معقتدات هذا "الرجل" الروائي ومحدّداته السلوكية . ومثل ذلك نقوله عن موقفه من "مي" وأقوالها التي تسمه بالتردّد وشلل الإرادة والتهرّب . فقد كانت مي بالنسبة لنا تتحدّث عن راوٍ مساوٍ لها في الحدود التخييلية ككائنين مختلقين من مخيلة الكاتب . أمّا الآن فقد اختلّ طرفا المعادلة حيث ظلّت مي تتحرّك في مسرح أذهاننا الهلامي الفضفاض كشخصيّة مُتخيّلة على الورق ، في حين انتقل الراوي من عالم المخيّلة إلى أرض الواقع في صورة عبد الخالق الركابي ، الروائي المعروف والصديق المحدّد السمات ؛ وهذه السمات التي أعرفها - على الأقل في ما هو مُعلن منها – تُخالف كثيراً كلام الشخصيات الأخرى التي تتعامل معه في الرواية حتى الآن .

  والشيء نفسه نقوله الآن عن يحيى شفيق وهو يواصل الحديث مع عبد الخالق – لاحظ كيف ستتغيّر استجابتك عن قولنا السابق : مع الراوي – عن استنساخ روايته (سابع أيام الخلق) وكيف أنّ له – ليحيى – الفضل عليه لأنه أسهم في شيوع شهرة روايته هذه بين مثقفي الأسلاف خصوصا حين يستدرك فيقول :

(وشاء سوء حظّك أن "رياض" كان أحد هؤلاء المثقفين . فقد تعامل معها لا كنصّ إبداعي ، بل كوثيقة اتهام تقتضي التدقيق في كلّ ما ورد فيها – ص 52) . 

وهنا – وقد دقّ يحيى ناقوس خطر في أذني عبد الخالق – يستذكر الأخير أن رياض كان شديد الإستياء من تلك الرواية حين التطرق إليها في بيت بدر ، حيث كان يتساءل إن كان يحق لمن يؤلف رواية ثلب ماضي الناس على هواه دون أن يُدرك أنّه بذلك يوقع نفسه تحت طائلة القانون . فلم يملك بدر إلّا أن يطلق ضحكة واهنة ليعلّق بعدها ساخراً :

-أتسمع ؟ إنّه يحلم بمقاضاتك قانونياً ، ومن المؤكّد أنه يتحيّن الفرصة الملائمة للإيقاع بك – ص 52) . 

وفي أغلب الروايات التي تعتمد التخيل التاريخي لأحداث معاصرة ، أو المستلّة من حوادث واقعية ، يضع المؤلّفون تنويهاً يشير إلى أن الشخصيات في هذه الرواية مُتخيّلة أو من صنع الخيّال وأنّ أي تشابه في الأسماء والحوادث هو محض مصادفة لا صلة لها بالواقع . من دون هذا التنبيه نتحوّل من الحقيقة الشعرية إلى الحقيقة الواقعية إذا جاز الوصف ، وتُصبح الرواية "تأريخاً" قد يكون عرضة للتشويه وثلب ماضي ناس فعليين – أحياء أو أموات - ، وهذا يتفق مع ما يطرحه رياض بالرغم من أننا ضدّه من الناحية الإبداعية . ودخول عبد الخالق بنفسه إلى مسرح الرواية كما قلت سوف يجعل القاريء يفتّش عن مرجعيات لشخصيات حقيقية توازي شخصيات الرواية . أنا شخصيا دارت في خاطري صورة لشخص يشبه رياض اشتهر بأنه كان يقيم حفلات خاصة تحييها الغجريات في الأسلاف التي تحوّلت – مع دخول عبد الخالق – إلى مدينته المعروفة التي "هاجر" منها إلى بغداد .

# الراوي يمكن أن يُعتقل :

------------------------ 

إنعكس هذا الوضع الشائك على واحد من الأحداث الفاصلة في الرواية ، ويتمثل في اعتقال عبد الخالق – لاحظ البون الشاسع والجذري حين تقول اعتقال الراوي – حيث كان يجلس في مكتب الإستنساخ ، ويلاحظ اضطراب يحيى ، وهو ينظر إلى محل الحلّاق المقابل حيث كان يتناوب بالظهور ، كل بضع دقائق ، شابّان ممتلئان ، يرتديان بزّة باللون نفسه . كانا حارسين شخصيين لرياض مدير المتحف – لم نكن نرى حرّاسا شخصيين لمدراء المتاحف في المدن العراقية – رياض الناقم على رواية عبد الخالق ، والخصم اللدود ليحيى لسبب سنعرفه لاحقاً وهو محاولته الإعتداء على دنيا يوم كانت موظفة في المتحف ثم فصلها الأمر الذي دفع يحيى إلى مساعدتها وتشغيلها في مكتب الإستنساخ لديه ثم الزواج منها سرّاً . كان الرجلان منتصبين أمام محل الحلّاق لأن رياض يحلق شعره . وكان يحيى مضطرباً يتحدّث عن رياض كعقرب مرفوعة الذنب مهيّأة للسع في أيّة لحظة . وهنا يسترجع عبد الخالق – ولاحظ أن الرواية كلّها سلسلة من الإسترجاعات ولهذا خطورته كما قلنا وكما سنرى – ذكرى خاطفة عن إحدى زيارات يحيى لعبد الخالق في "المجلة" – لم لا يصرّح عبد الخالق باسم المجلّة ؟ - وكان ناقماً على رياض – الذي كان قد تسلّم حديثاً إدارة المتحف بعد موت مؤسسه بدر – ولا أعلم كيف يستمر شخص مصاب بجلطة ونصف مشلول بإدارة متحف ؟! – وفي تلك الزيارة ، بدا يحيى ، وكما يقول عبد الخالق :

(ناقماً على رياض ... لا يكف عن تشبيهه بالعقرب المهيّاة للسع دون سابق إنذار ، فلم أملك يومذاك إلّا أن أسأله عن "اللسعة" التي ناله بها ، فأجابني أنّه استغنى عن خدمات موظفة كانت تعمل في المتحف في زمن المرحوم بدر بعقد مؤقت – هل سيتردّد القاريء في القول أن هذه الموظفة هي دنيا ؟؟ - ، فعدتُ أسأله إن كانت تلك الموظّفة تمت إليه بصلة قربى ؟ فتلجلج بالجواب قبل أن يوضح أن تلك الموظفة جارة له ، يواجه بيتها بيته ، فضلا عن كونها مسيحية تعيل وحدها بيتاً هاجر أغلب رجاله إلى أوروبا وامريكا – كما هو دأب هذه الطائفة في السنوات الأخيرة – يضج بحشد من عجائز وعوانس فاتهن قطار الزواج – ص 54) .

والآن يقول الركابي بعد أن عرفنا كقرّاء – قبله كمؤلّف - أنّه تأكّد لديه أن تلك "الموظّفة" لم تكن سوى "دنيا" نفسها ؛ وبذلك تعزّزت شكوكي من وجود صلة عاطفية تربط يحيى بها ، وهي صلة لا تخلو ، كما يبدو ، من منافس خطير يتمثل برياض (ص 54) . 

إنّ شعورا ينتابنا كقرّاء ، حين نقرأ تفصيلات الذكرى "الخاطفة" السابقة والركابي ينظر إلى يحيى المرتبك ، إنّ الذكريات ، وحتى الوقائع الراهنة في بعض الأحيان ، تأتي متسلسلة ومرسومة لتدور حول عبد الخالق بصورة رئيسية ، كروائي مؤلّف ، وكشخصية حاكمة ومتسيّدة وممسكة بزمام الحكاية بصورة رئيسية . وحين كان عبد الخالق يسأل يحيى عن سرّ علاقته بدنيا كان الأخير يجيبه بأن كل ما هنالك هو أنه يعتمد عليها في إدارة المكتب لقاء مبلغ محترم ؛ فهي ، برغم خجلها وتحفّظها ، ذات ثقافة رفيعة ، مهووسة بقراءة الروايات العالمية ، تحرص على اقتباس ما يرد فيها من مقاطع تثير انتباهها فتدوّنها في دفتر سيعجبك لو استطعتَ إقناعها بالسماح لك بالإطلاع عليه . وكان يختم حديثه زاعما أنه لم يعمد إلى استنساخ أية رواية من رفوف الروايات المعروضة في مكتبه إلا بعد استشارتها (ص 48) . ولم نجد أي توظيف لهذه المعلومة في القادم من حوادث الرواية ، كما لم يكن لها أي دور في سلوك دنيا .

  الآن يخرج رياض من صالون الحلاقة تحيط به جوقة المحتفين به . وبخلاف تمسّحه بالركابي في السابق ، بدا مترفّعاً يتأمله بازدراء . وقد تصاعد الخلاف بين رياض من جانب والركابي ويحيى من جانب آخر ، حين بدأ الركابي بالسخرية من كلام رياض بأن الأمريكان سوف يندحرون على أسوار بغداد حيث علّق الأول قائلا :

(المعروف أن بغداد أمست دون اسوار منذ أواخر القرن الناسع عشر ، فقد أمر الوالي العثماني نامق باشا بهدمها بعدما ألغى اختراع المدافع مسوّغ وجودها ، حتى إذا ما خلّفه مدحت باشا عمد إلى استثمار لبنات تلك الأسوار في بناء القشلة – ص 55) . 

وحين يرد عليه رياض بأن بغداد تحميها صدور الرجال لا الأسوار .. يتدخل يحيى بسخرية أكثر ضراوة دعاه فيها إلى الإستعانة بمفارز المرور لتنظيم حشود المقاتلين الذين سيتصدون للأمريكان !! 

ولا أدري من هو الشخص الذي كان يمتلك الجرأة والجسارة آنذاك للتشكيك بالحرس الجمهوري وفدائيي صدّام والحرس الخاص وجيش القدس (ص 55) . ألا يعتقد عبد الخالق أن الأمر فيه مبالغة شويّه . إنّ دخول عبد الخالق بنفسه كان كارثة فنّية على الرواية ، والقاريء العراقي الذي يعرف الركابي سيضطر إلى التدقيق في أدق العبارات والأوصاف مثل أن يقول عبد الخالق أنه كان يطوي درجات السلم ، أو أنه تقدّم من حارسي رياض اللذين يبغيان الإعتداء عليه واعترض سبيلهما (ص 56) . 

والمشكلة أن عبد الخالق بعد أن اتهم رياض – محقّاً – بأنه يقدّم خدمات "خاصة" من خلال إقامة حفلات تحييها "الكاولية" لذوي الشأن ، ويرد عليه الأخير بتهديد واضح ، يعود ليسأل يحيى :

-ما معنى كلامه ؟ 

ونحن كقرّاء فهمنا المعنى بلا لبس .

# الإرتجاعات الفنّية سلاح ذو حدّين :

------------------------------------ 

في اليوم التالي يتخلّف يحيى عن القدوم ، فيشتعل قلق عبد الخالق من أن يقوم رياض بما لا تُحمد عقباه .. ومع يأسه من قدوم يحيى مع انتصاف النهار ، يسترجع ذكرياته الماضية عن دقّة يحيى وانتظام مواعيده . وهنا يتمثل جانب من الإفراط في استخدام تقنية الإسترجاعات كمّاً ونوعاً وتوقيتاً . فمن المناسب أن يستعيد عبد الخالق ذكرى سريعة تؤكّد دقّة يحيى في مواعيده ، ليبرّر لنا سبب اشتعال مخاوفه من غياب يحيى ، خصوصاً أنّ هذا الغياب جاء بعد الخلاف الشديد مع رياض خصم يحيى والذي كاد يصل حدّ الإشتباك بالأيدي ؛ خلاف ينذر بشرّ مستطير . لكن أن نستدعي ذكريات عن مظهر يحيى الشنيع وخليط ملابسه المتنافر – أشار الراوي إلى هذا الخليط قبل صفحات - ورائحة البصل التي تفوح من فمه لأنه يفضل تناوله مع الكباب ، فإننا بذلك نُجهض التصاعد الدرامي الحاضر الذي وضعنا فيه القاريء وينتظر نتائجه المباشرة بقوّة . إنّ طول المسافة الزمنية التي ننقل القاريء إليها من الحاضر إلى الماضي عبر هذه التقنية يجب أن يُحسب بدقّة لأنّ قاريء أي رواية .. وأكرر أي رواية ، يريد أن يعيشها في "الآن" و"هنا" ، ولا يهمه من تاريخ الشخصية الماضي سوى ما يزيد متعته وتوتره وانفعاله بالأحداث التي تعيشها الشخصية في الحاضر . 

وترتبط بالإرتجاعات الفنّية هذه ظاهرة أخرى في الرواية تتمثل في "التكرار" الذي يتسع ليشمل مظاهر وسلوكيات لا تخدم الموقف السردي الراهن للشخصية . ففي هذا الموقف وغيره يحصل تكرار في الإشارة إلى أحداث سبق للكاتب أن تناولها مثل الإحالة إلى ملابس يحيى المهرجلة .. قبلها أعاد الحديث عن رياض وخدمته المنافقة لعمّه بدر وطمعه بثروته وكيف كان يستقبله في الكراج (58 و59) . كما "يكشف" لنا الروائي عن أنّ يحيى قد أخبره في تلك "الإستعادة" الذاكراتية أن رياض يسهر مع مدير أمن المحافظة أو مدير المخابرات أو المسؤول الحزبي سهرات صاخبة تتواصل حتى الفجر تحييه ، في الغالب ، فرقة من "الكاولية" (ص 61) . وكان قد أضعف المفاجأة قبل أربع صفحات حين عرض أمامنا مشهد الشجار مع رياض حين قال هو نفسه للأخير بأنّه يقيم حفلات ماجنة لذوي الشأن (ص 57) . 

ويختم عبد الخالق هذه الإرتجاعة بالقول أنه سأل يحيى عن مصدر معلوماته عن رياض وسلوكه كديك "هراتي" مع موظّفات المُتحف فأجابه :

-إنها معلومات موثقة تزودني بها إحدى موظفات المتحف .

ويعلّق على هذا الجاوب بالقول :

(تلك الموظّفة لم تكن سوى "دنيا" كما اكتشفتُ في سفرتي الأخيرة تلك إلى الأسلاف – ص 62) 

ومن جديد فقد عرفنا كقرّاء هذا الأمر قبل صفحات . 

عصراً ، تأتي مجموعة ترتدي ملابس زيتونية يقودها "حمزة مقطاطة" أحد طلبة عبد الخالق أيام كان مدرساً في الثانوية . وهنا يحصل استرجاع بقدر صفحة كاملة يستعيد فيها عبد الخالق حادثة مشهورة عن هذا الطالب الذي سيظهر أنه إبن أخت "أيوب العرضحالجي" الذي مهّد لنا السبيل للتعرّف عليه بصورة مقصودة عند حديثه عن  جولاته مع يحيى .. سيشرح لنا الروائي مظهر حمزة الأنثوي وكيف يضع المسدس في الجانب الأيمن من وركه ، ووسائل الغش التي يتبعها والحادثة التي اشتق منها لقب "مقطاطة" فلازمه حتى الآن . تأتي هذه الذكريات ، والموقف مخيف أو مقلق ، لأن مضمونه واضح ، وهو ما يشبه إلقاء القبض عليه . ومن الجلي أنه استرجاع غير مناسب .         

المهم ، يقتاده حمزة لمقابلة "الأستاذ" الذي يبدو أن رياض قد أبلغه بما يشوّه سلوكه وسمعة صديقه يحيى ليثأر منهما . اعتبر الأستاذ قيام يحيى بالتصوير في مدينة حدودية قرب إيران وفي ظروف حرب ، وأنه كان عليه أن يمنعه .. وأن قاضي التحقيق اصدر أمرأ بتوقيفهما لهذا السبب ، ولتهكمه على الجيش الوطني ، والقول إن بغداد أصبحت من دون اسوار .

يقوده حمزة مقطاطة إلى "السرداب" الذي سيمضي فيه مدّة توقيفه ، فيجد أمامه يحيى ونجيب شكري المتهم باستخدام جهاز "ثريا" ، و "عطا" العدواني وقد اعتلى الصبي "عبود" كتفيه ، و "موسى حداد" الذي انتفض الآن وهو يصحّح اسمه إلى "موسى هادي الحداد" وكأن غلطة لا تُغتفر قد حصلت ، فقد اعتقل بسبب تشابه اسمه مع شخص هارب إلى إيران . 

في "السرداب" / المعتقل ، يمضي عبد الخالق – وكل القرّاء يعلمون أنّه لم يُعتقل فعليّاً – أوقاتاً مزعجة ومذلّة وسط رائحة البول والغائط الخانقة . ولكن أزعج ما فيها – له ولنا كقرّاء - هي عودة المماحكات واللجاج الكريه الثقيل الذي طال وتكرّر . في النهاية يتمّ "تحرير" المعتقلين من قبل مجموعة من الجنود الأمريكيين لنعود إلى العار العظيم الذي جلّل الراوي وجلّلنا جميعاً عدا البعض من آكلي أثداء أمّهاتهم . يخرج عبد الخالق ورفاقه الموقوفون ظلماً ، وقبل مغادرتهم الدار ، ووسط الأعداد الغفيرة التي كانت تسلب وتنهب محتويات البيت ، يلتحق بهم ثلاثة رجال يبدو أن "الصدفة" أتت بهم ليتناقشوا حول معضلة السلب والنهب التي رافقت الإحتلال ودوافعها النفسية والسياسية في هذه الساعة ؛ ليُسمعوا عبد الخالق ويسمعوننا من خلاله :

(والتحق بنا ثلاثة رجال طلب أحدهم منا ، وهو يشير إلى الحشود الهائجة ، ألّا نستغرب مما يحصل ، فبرغم اشمئزازه من تلك الأعمال إلا أن ذلك امر لا مفرّ من حصوله بعد سنوات طوال من الكبت والحرمان .

وأضاف آخر مبتسماً :

-تأكّدا أنه لو أن واشنطن أو نيويورك تعرضتا لاحتلال مماثل لتصرف الأمريكيون على الشاكلة نفسها .

وعقب عليه أحد زميليه بنبرة ثائرة :

-الكارثة أن هذه الأعمال الفظيعة تجري على امتداد المدينة وتحت سمع المارينز الأمريكيين وبصرهم دون أن يتدخلوا - كما رأيتما بأنفسكما – في الأمر مكتفين بالسخرية مما يجري ، مشبهين العراقيين دون استثناء بـ "علي بابا" وخصومه اللصوص الأربعين ! 

وعاد الأول يضيف قائلاً :

-ليس غرض الجميع السلب والنهب ؛ ونحن الثلاثة خير مثال على ما نقول ؛ فقد جنّدنا أنفسنا تلقائيا للحصول على التقارير والملفات السرية وقوائم بأسماء السجناء الخاصة بأجهزة الأمن والمخابرات .. – ص 100) . 

إن تحليلات السلوك الصائبة هذه يجب أن تُترك للباحثين الإجتماعيين والنفسيين وللكتاب السياسيين من ناحية ، وأن لا تُطرح بصورة مخطّطة تفرغها من تلقائيتها من ناحية أخرى . فلماذا يختار هؤلاء الرجال الثلاثة عبد الخالق ويحيى ليبرّروا لهم سلوكيات المواطنين العراقيين السلّابين النهّابين ، وكأنهم يشرحون الأمر لصحفي أجنبي ؟! 

وفي الشارع يشاهد عبد الخالق ويحيى كرنفال السلب والنهب المؤلم في الأسلاف ؛ كرنفال يعبّر في حقيقته عن ضعف التربية الوطنية للمواطن العراقي التي أنكرها الباحثون "الرسميون" طويلا من جهة ، وكمون شخصية البدوي النهّاب الوهّاب في أعماق شخصية المواطن العراقي الذي تحدث عنه الراحل الدكتور علي الوردي طويلا ولم يصدقه "الرسميون" من جهة أخرى . وشاهدا أيضا الجنود الأمريكيين يحيّون حشود السلّابة بالعبارة التي اشتهرت عنهم :

-برافو ألي بابا .. برافو ألي بابا !! (ص 101)


د. حسين سرمك حسن


التعليقات

الاسم: بلقيس الملحم
التاريخ: 31/05/2014 08:58:52
أستاذي العزيز
الناقد الفذ/ د حسين سرمك
عبد الخالق مشى بين شوراع أُهدر دم نخيلها في وضح النهار
وأنت لم تزوِّر المعنى ..!
لذا قامت لهذا النص قيامة الجمال رغم الوجع
والتي لولاها لما استمرت الكتابة..
تحياتي لكما




5000