هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جواد سليم الأنسان والفنان والمبدع

خضر عواد الخزاعي

أن أي دراسة بحثية ناجحة عن جواد سليم وفنه تكون بمعزل عن الوسط والبيئة الأجتماعية والسياسية والتاريخية التي كانت محور أهتمام الفنان الراحل جواد سليم ستكون قاصرة وغير موفقة لأن فن جواد سليم  في الرسم والنحت كان أمتداد لهذا التراث الخصب وتفاعل مجموعة العوامل المكونة للبيئة العراقية .

جواد سليم وهو جواد محمد سليم علي عبدالقادر الخالدي (1921 - 1961) يعتبر من أشهر النحاتين في تاريخ العراق الحديث ولد في أنقرةلأبوين عراقيين وأشتهرت عائلتة بالرسم فقد كان والده الحاج سليم وأخوته سعاد ونزار ونزيهة كلهم فنانين تشكيليين وكان في طفولته يصنع من الطين تماثيل تحاكي لعب الأطفال نال وهو بعمر 11 عاما الجائزة الفضية في النحت في أول معرض للفنون في بغداد سنة 1931ولقد أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد.

يعتبر جواد سليم  أحد أهم مؤسسي الحركه الفنيه المعاصره  في العراق وقد أستطاع بزمن قصير أن يضع بصمته الخالده في عالم الفن التشكيليفي وقت كان يعتبر فيه الفن التشكيلي أداة من أدوات الزينة والمكملة لديكورات البيوت الرفيعة الشأن  عدا الرسم والنحت أهتم جواد بالسيراميك وبرسم الكاريكاتير وكان يصنع التحف الفضية والنحاسية وله تصاميم عديدة لأغلفة الكتب منها ديوان الجواهري الأول وديوان (قصائد عارية) للشاعر حسين مردان ومجموعة (عرق وقصص أخرى) لجبرا ابراهيم جبرا والمجموعة القصصية (أشياء تافهة) لأخيه الفنان نزار سليم و(أغاني المدينة الميتة) لديوان شعر بلند الحيدري.

تنقسم حياة جواد سليم الفنية بين مرحلتين مهمتين المرحلة الاولى : وهي مرحلة الأهتمام بفن الرسم والتي رافقها البحث الدؤوب عن هوية مرجعية لهذا الفن هذه المرحلة بدأت مع عودة جواد سليم إلى  بغداد بعد رحلته الدراسية في البوزار بباريس في العام (1938 - 1939 ) وكذلك في روما ( 1939 - 1940 ) والتي عمل خلالها في مديرية الاثار العراقية كمرمم للآثار ومدرس في معهد الفنون الجميلة وتأسيسه أولى الجمعيات الفنية ( جمعيأة أصدقاء الفن ) وأقدم أعماله في هذه المرحلة لوحة ( الملاريا 1941 )  ولوحته (أطفال في الطريق 1944) و (الأبن المقتول 1947) و(الطفل الميت) في العام نفسه في هذه المرحلة يبرز أهتمامه  في أستخدام اللون كما في لوحاتة ( نساء في الأنتظار ورجل في المقهى 1943 )  و (لورنا ) و( زوجة الفنان بثياب عربية 1948) وبعض المناظر الطبيعية حيث يدخل اللون هنا كعنصر أساسي من خلال تحديد المنظر وجزئياته أو جمالية الشخوص أستمرت مرحلة الرسم حتى  الخمسينات من القرن الماضي وكانت تأثيرات بعض الفنانين الأوربين أمثال بول كلي الذي كانت جزءاً من أعماله رسوماته الأستشراقية والتي ساعدته على أن يكون أكثر فهماً لمدلولات التراث الأسلامي والفلكلور العراقي والحضاري والشعبي ويظهر ذلك بوضوح في لوحاته  ( كيد النساء 1953 -  ومسجد الكوفة  1957 - ومسجد الخليفة 1958 ) وكانت هذه المرحلة ثرية بتعدد النواحي الفنية على مستوى الموضوع  المستوحى من الطبيعة مثل (شارع في مدينة بعقوبة 1952) و(الجادرية 1953) والشكل في سلسلة رسوماته (بغداديات) و(زخارف هلالية) المستوحات من التراث البغدادي وأستعارته بعض معالم المدارس العالمية مثل التجريدية في لوحة ( الضحية 1952 ) وفي هذه الفترة رسم جواد أهم لوحاته ( زخارف وبغداديات 1955-1956) ولوحة (أطفال يلعبون (1953 و(الزفة والموسيقيون في الشارع وليلة الحنة 1956-1957)  و(كيد النساء 1957)  و(صبيّان يأكلان الرقّي) و(السيدة والبستاني) و(الشجرة القتيلة  (التي رسمها بعد أن رأى بستانياً في حديقة منزلهم يهوي على شجرة متيبسة لكي يقتلعها فكان ذلك دافعاً لموضوع لوحته التي كان أسمها يشي  برؤية إنسانية تعطي النبات سمات بشرية  و(القيلولة 1958 وهي أخصب سنوات فنه ثم بداية قطيعته مع الرسم لأنشغاله بدراسات عمله النحتي الخالد ) نصب الحرية) في هذه الفترة كان مهمة جواد سليم الأخرى التي لاتقل شأناً عن منجزه الفني هي مهمة البحث وتأسيس لهوية فنية عراقية خالصة تكون مرجعيتها موروثات حضارة وادي الرافدين ورسومات الواسطي والتراث الفلكلوري البغدادي والعراقي وكانت تلك مهمة صعبة وسط ماكانت تزخر بها الساحة العراقية من الفنانين العراقيين العائدين من أوربا مثل فائق حسن وحافظ الدروبي وعطا صبري وأسماعيل الشيخلي الذين كان همهم الشاغل الأنجاز الفني وتأكيد هويتهم الشخصية الفنية على حساب الهوية الجامعة للفن العراقي التي كانت الهدف الرئيسي في بحث ومنجزات جواد سليم الفنية بالأضافة إلى وجود بيئة سطحية في تفهمها لقيم الجمال والذائقة الفنية وتلك كانت معضلة كما يراها جواد سليم حيث يقول في مذكراته التي جمعها الأستاذ جبرا أبراهيم جبرا (إن الزمرة التي تتذوق الفن والتصوير من جمهورنا تفرض إرادتها بصورة عجيبة هؤلاء يريدوننا أن نرسم تفاحة ونكتب تحتها (تفاحة)  ... )

المرحلة الثانية  : وهي مرحلة التحول التدريجي من الرسم إلى النحت وكانت أولى تجاربه النحتية هي منحوتة (البناء 1945 ) تعود دراسات المنحوتة وتخطيطاتها الأولية إلى عام 1944 وفي أواخر عام 1945م ينتهي منها تماماً لقد كان عمل (الأسطة) كبير البنّائين هو الذي أوحى له بالعمل لذا فقد ظهر في العمل النحتي كبيراً ونفذها بطريقة النحت النائيء جامعاً مؤثرات الحضارة الفرعونية والأشورية وهي غنية بالتفاصيل فثمة سبعة أشخاص إلى جانب البنّاء الأساسي يساعدونه في العمل وهناك تخطيط أولي منشور للمنحوتة ضمه دفتر مذكرات الفنان .

ومن أعمال جواد المشهورة منحوتته (السجين السياسي) التي قام بتهريبها إلى لندن عام 1953 للمشاركة في المسابقة الدولية مع 3500 نحات حيث فاز بالمرتبة الأولى لفناني الوطن العربي وبالمرتبة السادسة بالنسبة لنحاتي العالم وكان المشترك الوحيد من الشرق الأوسط وتحتفظ الأمم المتحده لنموذج مصغر من البرونز لهذا النصب  نفذه جواد بأسلوب تجريدي خالص  مستخدماً الهلال كشكل يشير إلى السجين الذي يشرق بحرية ويطل خارج القضبان التي تحيط به    بالأضافة لهذا العمل قيامه بأنجاز بعض المنحوتات الفنية منها  تمثالين لمحطة قطار مدينة بعقوبة القريبة من بغداد  وتمثالاً لحصان مضمار سباق الخيل في حي المنصور ببغداد لم يعجب الشركة القائمة على السباق  وشعاراً لمصلحة نقل الركاب بالعاصمة ومنحوتة برونزية للمصرف الزراعي جعل لها عنواناً ( الإنسان والأرض 1955)  نفذها بأسلوب النحت الناتئ   كما صمم عام1956م جدارية عن الثروة النفطية لصالح شركة نفط العراق يتضح فيها الأثر الأشوري اكثر من سواها بتكرار الثيران أسفل العمل  واستعارة شكل الأفاريز أو الأختام الأسطوانية والأشكال التي تذكر بالحضارة السومرية والبابلية إلى جانب عامل السرد الذي يربط بين ظهور النفط من باطن الأرض على شكل شعلة نارية ملتهبة أسفل المنحوتة وبين تحورها على شكل أشجار ضخمة في أعلاها إلى جانب المصغرات المحددة في أنحاء المنحوتة وداخلها أشكال بشرية أو دوائر مرقوشة .

وكانت الأم واحدة من محاور أهتمامات جواد سليم النحتية حيث أنجز عملين الأول ( الأمومة 1952 )  منفذ بطريقة مباشرة مع شيء من الرمزية والشاعرية في حمل  أما التمثال الثاني للأم ( عام 1954م ) فهو يعتمد التجريد  فثمة قوس أو هلال مفتوح إلى الأعلى  يستند إلى قطعة مرمر مجوفة بدورها وكأن الشكل كله يوحي باكتناز الأم للعاطفة والولادة  ومن أعماله أيضاً (الثور  1954) المصنوع من مادتي الخشب والحديد  وفيه يصبح القرنان هلالين كبيرين ويستدق جسد الثور ويطول وكأنه يمثلك امتداده من الخيال والفكرة إلى الفن والتجسد بهذا الامتداد .

في هذه المرحلة التي سبقت أنجاز ملحمته التأريخية ( نصب الحرية ) كان جواد سليم يعيش صراعاً نفسياً وفكرياً في خياره بين الرسم والنحت فهو يقول في إحدى يومياته 29/5/1944(أنا أعيش في القرن العشرين وتقسيم قواي بين الرسم والنحت من المؤكد سيوصلني إلى لا شيء إني أفكر أن أتحرر من الرسم في يوم من الأيام لأني أشعر شعوراً أكيداً أنه ليس بالشيء الذي أعيش من أجله إنه لا يعبر عن نفسي تمام التعبير) جبرا أبراهيم جبرا  ( الرحلة الثامنة ص 169) ولقد كان شكل هذا الصراع في جزء منه منولوجاً داخلياً ورؤية بدأت تستقر في عقل جواد وقرارة نفسه أنه بات قريباً من النحت  (  أستقر في رأسي شيء خطير وهو أني لا أصلح أن أكون رساماً لأني أرى شيئاً وفرشتي تعمل شيئاً آخر وقد استنتجت في كثير من المرات أني لا أرى الألوان بالقوة التي يتطلبها رسام بارع من الصنف الأول وأنا لا أريد أن أكون مصوراً من الصنف المتوسط إني أفكر بالشكل والحجم أكثر مما أفكر باللون ... وأني أجتهد بكل طاقتي وأحرص أشد الحرص في إخراج حتى أبسط القطع في النحت بينما يكون الرسم لي كلهوٍ بسيط لا يهمني إن كان حسب اتجاهي القديم أو الحديث بالنسبة لصوري التي رسمتها قبلاً ) جبرا أبراهيم جبرا ( الرحلة الثامنة ص 177 )

الأنجاز التاريخي لجواد سليم ( نصب الحرية ): هو أكبر نصب في الشرق الأوسط تم تنفيذه في المساحة الفاصلة بين حديقة الأمة وساحة التحرير  أما محتوى هذا النصب العظيم فتتكون من 14 جزءاً تمثل ثورة 14 تموز التي قام بها الشعب ضد الحكم الملكي الاستبدادي من أجل تحريره يقول الناقد والروائي جبرا إبراهيم جبرا أن فكرة نصب الحرية كانت تراود جواد منذ منتصف الأربعينات لكنه لم يرَ الوقت آنذاك يصلح لتنفيذها وعندما جاءت ثورة 14 تموز أيقن جواد إن الوقت أصبح مناسباً لتنفيذ حلمه بينما تقول لورنا زوجة الفنان جواد سليم بأن فكرة نصب الحرية جاءت من المهندس المعماري رفعة الجادرجي لقد أقترح رفعة إقامة جدار عريض مرتفع في ساحة من ساحات بغداد الكبرى على هيئة بوابة عالية أو لافتة تستند من جانبيها على الأرض وكان المطلوب من جواد نحت مشهد بارز من مادة البرونز يعلق على صدر اللافتة أما جواد فلم يكن يريد النصب مرتفعاً ومعلقاً بعيداً عن المارة أراده قائماً على الأرض في متناول الناس بحيث يستطيعون الإقتراب منه وتفحّصه عن كثب وتلمس منحوتاته بالأيدي خشي رفعة في حالة وضع النصب بمستوى الشارع أن يتسلقه الصبية أو أن يكتب المارة أسماءهم فوقه لكن هذه الفكرة لم تزعج جواداً إذ كان يرى أن كل نصب يكتسب مزيداً من الجمال عندما يترك الناس بصماتهم عليه مثل الآثار العالمية المزينة بأسماء آلاف السياح والتواريخ المحفورة عليها دون أن يفسد ذلك جلالها أو قيمتها الفنية وفي محاولة أخيرة لإقناع رفعة اقترح جواد إقامة بركة مائية أمام النصب تمنع العابثين من الوصول إليه وقال إن انعكاس المنحوتات على صفحة الماء سيكون مثيراً حسم رفعة الجادرجي الجدل قائلاً إنه تمكن بصعوبة بالغة من إقناع المسؤولين بفكرة نصب كبير كهذا وبالتالي فإنه يخشى أن يصرفوا النظر عن الفكرة إذا تضاربت حولها الآراء بعد هذه الحجة وافق جواد على إقامة النصب كما يريدون واستُدعي إلى مقابلة الزعيم عبدالكريم قاسم للأستماع إلى توجيهاته قبل البدء بالتصميم وخرج من المقابلة شديد الارتياح والإعجاب بشخصية الزعيم قاسم  وتوضح لورنا أن عبدالكريم قاسم لم يطلب من جواد أن يضع صورته وسط الجدارية كما زعم بعضهم لكن بعض المنافقين المحيطين بقاسم أقترحوا عليه أن توضع صورته في قلب الشمس السومرية التي تتوسط النصب ويبدو أنه لم يخضع للاقتراح بدليل أن الصورة لم توضع في النهاية .

في هذا العمل الأستثنائي في الفن التشكيلي العراقي والعربي والشرق أوسطي عمل جواد بكل جهد وأخلاص ليكون عمله هذا تتويج ملحمي لحضارة وادي الرافدين برمتها أستحضرت بأرادة العراقيين من خلال ثورة تموز 1958 ولقد هيأ لها كل مستلزمات النجاح والهوية الوطنية بأستحضاره لكل مفردات ماضي العراق المشرقة وحضارته الرافدينية مستخدماً الدلالات الرمزية لهذه الحضارة من ( ثور وحصان وشمس وأمومة وخصب وعزاء وموت ومياه ) وفي آذار 1959 سافر جواد إلى إيطاليا ليقضي أشهراً طويلة في مصهر خاص بفلورنسا  يصنع المصغرات بعد تخطيطها ثم يعمل مع مساعديه ( ومن أبرزهم النحات الشهير وتلميذه في المعهد محمد غني حكمت) لكن الفكرة الواضحة في ذهنه أنه سيصنع ملحمة بالمعنى السردي والفني تحكي تاريخاً وحاضراً لذا أراد لها أن تكون بهذه السعة وأراد لها أنه تكون بأسلوب النحت الناتئوليس المجسمات متأثراً بالفن العراقي القديم وفكر في لوح عريض هو الأرضية التي تستقر عليه وحدات النصب التي يبلغ عددها أربع عشرة وحدة تضم خمسة وعشرين وجهاً عدا الحصان والثور  ويمتد هذا اللوح المعلق خمسين متراً وبارتفاع أكثر من ثمانية أمتار  ووضع جواد  منحوتاته على إفريز عرضي في أستعارة تعددية لأسلوب الخط العربي فوق سطر طويل أو مايشبه  عمل الأفاريز والجداريات العراقية القديمة  أو شكل (اللافتة) أي القطعة البيضاء أو الملونة من القماش يرفعها المتظاهرون ويكتبون عليها الشعارات المؤيدة للجمهورية الوليدة وهذا ماجعل ناقداً مثل جبرا أبراهيم جبرا يذهب برؤيته للنصب وتفسير وحداته (على أنها مفردات "بيت من الشعر العربي يقرأ من اليمين إلى اليسار فكل وحدة هي فكرة قائمة بذاتها ولكنها تتصل بالأخرى في سياق يؤلف المعنى الذي يعبر عن النصب بأجمعه( توق العراق إلى الحرية منذ القدم وتقديمه الضحايا في سبيلها ) جبرا أبراهيم جبرا  ( جواد سليم ونصب الحرية ص37 ).

تبدأ هذه الملحمة السردية برمز الحصان كرمز عربي يشير إلى الجموح والقوة فهو بدون فارس وإذا كان الحصان يعج بالحركة والنفور فإن جسده مغطى بأجسام بشرية تقرن الثورة بالإنسان وعندما نصل إلى الجزء الأوسط وهو الجزء الأهم في النصب حيث يُشير إلى نقطة التحوّل ويتألف من ثلاثة تماثيل على اليمين يُطالعنا تمثال السجين السياسي الذي تبدو الزنزانة فيه على وشك الانهيار تحت تأثير رجل مزَّقت ظهره السياط ولكن القضبان لا تنفصل في النهاية إلا بإصرار وقوة وجهد الجندي الذي يظهر في الوسط وذلك اعترافاً بأهمية دور الجيش في ثورة 14 تموز ثم تأتي النخلة والمرأة الحبلى رمزاً للخصب والخيرات التي تحملها بنت صغيرة في لقاء نهرين دجلة والفرات  وتبرز ايضاً معجزة الزارع الجديد بالمسحاة ( أداة الزراعة التقليدية في ريف العراق) مع ثبات وقوة أرجل الفلاحين ثم العامل الصانع واقفاً بشموخ وبيده أداة (ورمز) العمل أي المعول وبينهما  أي الزارع والعامل  ثمة ثور ضخم يطالع المشاهد وكأنه يكمل صورة الحصان في أول النصب وهو استدعاء للمؤثر الأشوري لطاقة الثور رمزياً وفنياً .

لقد أستنزف هذا العمل الخلاق الجزء الأكبر من طاقة وجهد جواد سليم حيث تعرض خلال عمله فيه إلى ثلاث نوبات قلبية كل واحدة كادت أم تؤدي بحياته  وعندما تم الأنتهاء من صب المنحوتات وجيء بها إلى العراق وبوشر في تنفيذها وبأشراف جواد سليم ومشاركته في وضع وحدات النصب في كانون الثاني 1961 تعرض جواد إلى آخر أنتكاساته المميتة كما يصفها الدكتور خالد القصاب الذي كان قريباً منه وقتها ونقل إلى المستشفى الجمهوري في بغداد ليفارق الحياة يوم 23 كانون الثاني 1961 وكانت الى جواره زوجته لورنا حيث قال لها آخر كلماته  (تصوري اني اراك الان ملاكا .. تصوري انت لورنا ملاك ) أن الكتابة عن جواد سليم وفنه لايمكن لبضعة أوراق أن تحتويها أو تفي بحقها فلقد كانت حياته ومنجزاته مسيرة أبداع وحراك وتأسيس لم يوقفها إلا الموت المبكر الذي توج به ملحمته الكبرى نصب الحرية .

  

خضر عواد الخزاعي


التعليقات




5000