هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الرائحة

جمال نوري

انتشر الخبر مثل رائحة حصان نافق أزكم الأنوف، وافقد العقول صوابها، وما كان كل ذلك قادرا على انتزاع الشك الذي ساور الساكنين في الجوار منذ ليل امس، ولولا انهم تأكدوا عن كثب من احكام رتاج الباب وانكفاء العجوزين في غرفتيهما في الطبقة الاولى لما صدقوا من ذلك شيئاً... ومع ما يمتلك العجوزان من قدرة واهنة في تمييز الاشياء، لكنهما استطاعا ان يدركا بما لا يقبل الشك ان ابنتهما تخاطر باشياء كبيرة متذرعة بآلاف الاعذار مزهوة بغياب آخر الاخوة الذي غادر البيت بملابسه الخاكية فاسحا لها كل الفرص ليمهد لعلاقة مع مستطرق آخر يجوب الشوارع باحثا عن سقط المتاع والصنادل القديمة وأواني الطعام المستهلكة لقاء اجر زهيد.. ضاق ثوبها الوردي منسحبا الى الاعلى قليلا كاشفا عن كرة صغيرة سرعان ما بدات تتسع وتتكور ورغم كل ما فعلته لاخفاء ذلك او لاسقاطه الا انها اخفقت في ذلك وانصرفت الى التفكير بحلول اخرى تضمن مزيدا من الوقت ومع ان الامر كان سينطلي لوهلة اخرى على العجوزين الا ان الام ادركت بفطنتها ان الامر متحقق تماما.

ارتمى الشيخ على السرير تاركا خلفه سبعين عاما من المصاعب والاهوال استنفذت جسده ومشاعره ووضعته الان امام صفعة مؤلمة ستشيعه الى قبره حتما. كانت العجوز اكثر تماسكا، اسندت الشيخ وبذلت ما بوسعها لتهدئته او في الاقل لاعادة ذاكرته التي انطفأت للتو..

اسدلت الستائر منذ تلك الليلة واحكم رتاج الباب واوصدت النوافذ واكتفت الشمس بزيارة الفناء في ساعات قليلة من النهار وتسرب الملل الى نفسيهما وهما يكابدان مرارة الانتظار المريع الذي بدأ يتفاقم يوما بعد اخر.. ثلاث برقيات ارسلت على الفور احداها الى الابن الاكبر في احدى الجامعات الراقية والثانية الى موظف يعمل في مدينة قصية والثالثة الى الجندي الذي غادر قبل ما يزيد على شهرين.. اعقب ذلك انتظار ممض والآم مهلكة انقضت على العجوزين الغارقين في احزانهما.

النهار يمضي بطيئا موجعا والمؤونة المتبقية اوشكت على النفاذ مع ان العجوز لم تكن تضع الا كسرة خبز عفنة امام غرفة البنت في الطبقة العلوية.. نظر الشيخ الى الباب الموصد منذ سبعة ايام ولم يستطع ان يتماسك فانفجر باكيا محاولا ان يخفف شيئا من هذا العبء الجاثم على صدره وجل ما كان ينتظره هو وزوجته المتكورة عند عتبة المطبخ طرقات شديدة تقتل هذا الصمت الرابض منذ سبع ليال، لم يكن هناك وقت للعتاب والحوار لقد اقتنعا دون اتفاق ان الامر قد حصل وانتهى. وما من شئ عاد يشغلهما غير عودة احد الأبناء في النهاية. انسحبت الشمس بعد مدة لتحل الليلة الثامنة بمواجعها وجراحها فضلا على الرطوبة والعفن الذي بدأ يلتهم الغرف جميعا.. رائحة غريبة كانت تزكم الانوف تترك في العيون الرابضة خلف الباب دهشة ازلية وترقبا حذرا لما ستؤول اليه الامور، لم يكن الامر هينا وربما كان مصدر تشف لبعضهم الاخر.. انتظرت العيون مقدم احد الابناء من احدى تلك المدن الثلاث القصية، الابناء الذين غادروا اليها بمحض ارادتهم ناشدين امجادا ومستقبلا زاهرا رافلا بالهدوء والسكينة.. في الليلة التاسعة هطل المطر مدرارا وغسل الأشجار والبيوت والشوارع وتعالى نشيج المرازيب معلنا عن حزن يحصد القلوب.. وقف الشيخ امام النافذة المسدلة ساهما مطعونا بليالي الانتظار التسع مؤرقا غادره النوم وعذبه الصبر، اشاح براسه الى اليسار وشاهد تحت ضياء المصباح الواهن صورا وحصرانا وخنجرا غافيا في غمده منذ ثلاثين عاما، تحت اكداس الغبار معلقا على الجدار، تحت صورة له التقطها بشق الانفس نزولا عند رغبة مصور ذي ذائقة عالية لم يكن يقبل باقل من صورة معبرة موحية.. اقترب متثاقلا متكئا على عكاز بال وتناول الخنجر واحس بثقله بين يديه الواجفتين.. استل الخنجر من الغمد وايقن في اللحظة التي امسك فيها بالمقبض بان الباب الخارجي لن يطرق ابدا.. ولم يعد هناك ثمة امل بعودة الابناء الثلاثة.. ثم شرع يذرع الفناء متجها نحو السلم، كان المطر قاسيا ومؤلما ينثال برعونة استحضر كل طاقاته وطوى السلالم بعد لأي.. ونظر من هناك الى الظلام الحالك المترامي يغفو تحت وابل المطر الجارف، تنفس الصعداء وشعر بان الرائحة قد غادرت البيت الى الابد.

 

جمال نوري


التعليقات




5000