.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غازي القصيبي في رواية (جنّية) - الجنّي .. محلّلاً نفسيّاً (3)

د. حسين سرمك حسن

 

جنّي يفهم تراثنا أفضل منّا :

------------------------------

ويكمل موقف قنديش هذا ، موقفٌ نقدي آخر يرتبط هذه المرة بموقفنا من مراجعة تراثنا الذي صرنا أسوأ من الجنّ في "تصنيمه" وعبادته إلى الحدّ الذي ألقت هذه التبعية الكريهة غشاوة على أبصارنا وبصيرتنا ، تمنعها من رؤية هذا التراث بحسناته وسيّئاته . وإذا كان قنديش قد أشار إلى أن الحداثة قد قلبت مفاهيم وعقول الشعراء العرب وانشغالاتهم ، وإنّ الناس تصطف طوابير لشراء كتب "ملفقة" عن الجن وعوالمهم ، فإنه - في الواقع - يتحدّث عن وجهين لعملة واحدة ، هي عملة الإنحطاط الثقافي والعقلي العربية الرديئة . فعلى مستوى الحداثة يتسلّم المثقف العربي ما يُرمى في سلال نفايات الثقافة الغربية . ففي الوقت الذي صرخ فيه الناقد العربي بـ "فتنة البنيوية" ، كان العقل الغربي قد غادرها إلى ما بعد البنيوية . وفي الوقت الذي رفع فيه المثقف العربي رايات التفكيكية كان العقل الغربي قد انتقل إلى ما بعدها ..  وهكذا . والكارثة الأفجع حين يخرج عليك ناقد عربي يعلن بلا تردّد أنه طوّر البنيوية أكثر من الغربيين أنفسهم . أمّا على مستوى الوجه الثاني اي الموقف من التراث فإن جنّي القصيبي الناقد يطرح - بسرعة ، وهذه هي مهمة  السرد الناجح - أنّه يريد أن يكتب كتابا خاصا عن رحلاته ودراساته في بلاد الإنس يشبه كتاب ابن بطوطة . هنا يدس سمّ البحث الضروري في عسل الإستنامة التراثية :

(إعلم ، يا أخي ضاري ، أن كتاب ابن بطوطة مسلّ جداً ، ومليء بالمعلومات النافعة . وقد كان الرجل نسونجياً من الطراز الأول ، يتزوج في كل مكان يحل به ولا يبالي ، ويتسرّى بالجواري ، ولا يبالي ، ويترك زوجاته وسراريه وأولاده وبناته إذا عنّ له أن يسافر ، ولا يبالي . كما كان طمّاعا جداّ يتوقّع من كل سلطان يقابله ، وكان يقابل سلطانا بمعدل مرتين في الشهر ... وفي الكتاب بالإضافة إلى الأشياء النافعة الكثير من الخرطي . ومن الخرطي المتكرر أنه حيثما يذهب يلقى وليّاً صالحاً يقعد بلا شغل ولا مشغلة ، وعندما يريد شيئاً يمد يده في الهواء فترجع مليئة بالدولارات) (ص 68 و69) . 

# الجنّي قنديش كناقد سياسي :

----------------------------

ثم يبدأ النقد السياسي الجسور الذي يضعه القصيبي ، المعروف بمواقفه السياسية الإنسانية التعرّضية ، على لسان جنّيه قنديش الذي يبادر بفضح ما تريد الدوائر التستّر عليه من تاريخ أسود ومشين لنشأة الولايات المتحدة الأمريكية .. هذا التاريخ الأسود الذي من الضروري الطرق عليه في كل مناسبة ذات صلة لأنها النشأة الغائبة الحاضرة التي حكمت وما تزال تحكم البنية السلوكية والتاريخية للمواطن الأمريكي ونخبه السياسية على حدّ سواء . والمشكلة أن الجنّي يتحدّث وينتقد علنا وبطلاقة ، والمواطن الإنسي "الحديث" يتلفت خائفاً في غرفة الفندق :

(لا يوجد من يمد يده في الهواء وترجع مليئة بالدولارات سوى عملاء "السي . آيه . إيه" ، وهذه المحترمة لم تكن موجودة أيام ابن بطوطة . قاطعته ، بشيء من الخوف وأنا أتلفت في أرجاء الجناح : "أخي قنديش ، أرجو أن تغيّر الموضوع" . ضحك قنديش وقال : "لا تخف . لا توجد ميكروفونات مزروعة) (ص 69) .

لكن الجنّي يواصل حديثه عن الكيفية التي استأصل بها المستوطنون الأمريكيون الأوائل - الذين يذكّرونك بالسلوك الإجرامي للمستوطنين الصهاينة الأوائل ، وهذا من أسرار التطابق النفسي الخطير بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة - السكان الأوائل للقارة الذين قدّر عددهم قنديش ما بين ثلاثين إلى أربعين مليون نسمة في حين يقدرها مؤرخ مثل تشومسكي بمئة مليون نسمة . أبيدو بكل وحشية عل اساس قاعدة مضلّلة : "أرض بلا شعب ، لشعب بلا أرض" وهي نفس قاعدة الصهاينة في فلسطين السليبة ، ولاحظ أن اسم أمريكا الأول كان "إسرائيل" !! . أمّا عدد الهنود الحمر اليوم فلا يزيد على ربع مليون كما يقول قنديش الذي يعلق على هذا "الإنجاز" الأمريكي الكبير بالقول :

(وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على نجاح الأمريكان الأوائل نجاحاً باهراً في نشر المبادىء الديمقراطية واقتصاديات السوق والجدري والسفلس والويسكي والمسيحية بين القبائل البدائية) (ص 69 و70) .

إنّ هذه الروح الإنتقادية الإقتحامية هي ، أيضاً ، من عطايا القصيبي في روايته هذه ، وهي عطيّة مهمة ، بعد أن جعلت الإتجاهات الحداثية الغربية فن الرواية فنّاً لوصف القناني والكراسي وبلاطات الأرصفة وكل شيء عدا الإنسان .. فنّاً للسلوكيات الجنسية الشاذة خصوصا .. والوثائق التوراتية المطمورة .. والبحث في جذور الأقلّيات - اليهودية بشكل خاص - وعذاباتها مع الترفّع على مشكلات الشعب الفلسطيني المشرّد في تيهٍ فاق تيه اليهود الصهاينة الأوغاد، وحيث تُكسّر عظام سواعد الشباب الفلسطيني أمام أعين العالم الصامت ، وضميره المابعد حداثي الأخرس . وقبل أن نُتّهم بالإنجراف مع تيار نظرية المؤامرة الأسود ، ندعو السادة القرّاء إلى قراءة كتاب : "who pays the pianist ?" "من يدفع أجر عازف البيانو" للباحثة الفرنسية التي كشفت بالوثائق تشجيع وتمويل وكالة المخابرات الأمريكية - CIA للتيارات "الحداثية" في المعسكر الإشتراكي السابق ، ودول العالم الثالث ، وتوجد معلومات كافية عن هذا الكتاب في كتاب "المرايا المحدّبة" للراحل الكبير الدكتور "عبد العزيز حمودة" .

# جنّي القصيبي محلّلاً نفسياً :

----------------------------

لكن عطايا رواية القصيبي هذه لا تتوقّف عند هذا الحد ، فهي تغور عميقاُ في طبقات النفس البشرية المظلمة بشكل خاص ، وتشخّص ، بقوّة ، طبيعة هذا الإنسان الذي خلقه الله - كما يزعم المفسّرون - على صورته . فقنديش يخبر ضاري بأن الجن لا يتقرّب من عالم الإنس إلا بعد تحضيرات هائلة واستعدادات كبيرة تتضمن الدراسة الشاملة لعالم الإنس من نواحي الأعراف والعادات والنكت والألاعيب والأزياء والتنظيمات السياسية والاجتماعية والجراثيم والأمراض .. والأشق هو دراسة تاريخ الإنس ليتحوّل الجني إلى "جني مستأنس" كما يقول . ولكن قبل أن ينطلق الجني المستأنس إلى عالم الإنس عليه أن يحفظ الوصايا العشر في التعامل مع بني آدم (ص 75) . وهي وصايا تشرخ نرجسيتنا المتلفّعة بالمنطق والعقل والإعتدال ، ولهذا ، وبالرغم من أن ضاري يقول لقنديش بأن هذه الوصايا سوف لا تستفزه ، إلّا أنه يستفز بشدة عند سماع أولاها . وهذه الوصايا هي :

# لاشيء يؤذي الإنسي مثل الحقيقة ، ولا شيء يسعده مثل الوهم (ص 75)

# لا تتوقّع من إنسي اعترافاً بالجميل (ص 151)

# الإنس يحكم سلوكهم الجنس أولاً ، ثم السلطة ، ثم المال (ص 152) ، وبمجرد أن يطغى عامل واحد طغياناً شديداً على إنسي ، فإنه يفقد الرغبة في العاملين الثانيين (ص 155)

# لا تتوقّع اعتدالاً من إنسي (ص 156)

# الإنسي يعرف أن الشيء حقيقة ، ولا يستطيع ذكره لأنه لا يستطيع إثباته (ص 176)

# لا تحاول توقّع ردود الفعل الإنسية (ص 181)

ومع كل خطوة ووصية ، يستغل القصيبي الموقف لمراجعة حالنا العربي البائس المحيّر . يرد قنديش على استفسار ضاري عن سبب اقتراح الخالة عائشة عليه بأن يأتي إلى المغرب :

(الجنّ لا يحبون زيارة الجزائر خوفاً من الشاهقات الحارقات المبرقات المرعدات . ولا يحبون زيارة موريتانيا حيث يوجد مليون شاعر يقتلون الإنس والجن قتلا باشعارهم . ويتجنبون زيارة مصر حتى لا تعتقلهم المخابرات بتهمة التآمر على أمن الدولة . ويصعب عليهم زيارة العراق حتى لا يُدفنون في مقابر جماعية . ويتجنبون لبنان حتى لا يمصّهم اللبنانيون مصّ الليمون ، كما يفعلون بالسوّاح . ولا يريدون زيارة بلدك [= السعودية] خوفاً من الهيئة) (ص 76) .

# جنّي التناص وعبقرية اللغة العربية :

-------------------------------------

وتثير حكاية القصيبي هذه معضلة مهمة أخرى تتعلق بموضوعة "التناص" .

فما الذي يعنيه التناص بصورة علمية دقيقة ؟

التناص هو ببساطة شبكة العلاقات الكلّية بين النصوص معبّراً عنها بالمقولة الشهيرة "كل نصّ هو نتاج تناص" . إنها الطريقة التي تقترض بها النصوص من بعضها البعض الكلمات والمقاطع ، وقد يعني هذا اقتراض فكرة كاملة أو كلمة أو مفهوم . ابتكرت هذا المفهوم الناقدة ما بعد البنيوية والمحللة النفسانية البلغارية الفرنسية "جوليا كريستيفا" في عام 1966 . فردّاً على ما قاله دي سوسير من أن العلامات اللغوية تكتسب معناها من خلال بنية في نص محدّد ، أشارت كريستيفا إلى أنه بسبب تأثير النصوص الأخرى في وعي القاريء ، فإن النصوص تترشّح دائماً من خلال "شفرات" تجلب معها ثقل وتأثيرات النصوص الأخرى السابقة معها . وعليه فنحن نكون دائما محاطين بشبكة من المعاني التي تخلقها النصوص الأخرى والدلالات المحيطة بها بدلاً من اشتقاق المعنى مباشرة من بنية العلامات كما طرح سوسير ذلك في سيميائيته .

لقد رأت كريستيفا بحق أن القاريء حين يقرأ نصا ما ، فإنه يقرأه تحت تأثير نصوص أخرى كامنة في أرشيفه الشخصي الذي يغربله عند القراءة . وعندما يقترض كاتب معبن من نصوص سابقة عليه ، فإن نصّه يكتسب طبقات من المعنى . أضف إلى ذلك أننا حين نقرأ نصّاً في ضوء نصٍّ آخر فإن كل افتراضات وعوامل النص الآخر تعطي معنى جديداً وتؤثر في طريقة تفسيرنا للنص الأصلي . إنه يعمل كموشور تحتاني يذكّرنا بالسرد المزدوج في الحكاية الرمزية .

ومن الأمثلة الشهيرة على التناص هي رواية يوليسيس لجيمس جويس التي تُعد إعادة سرد لملحمة الأوديسة ، وكذلك استخدام أرنست همنغواي لجملة من قصيدة "تأمّل" للشاعر الميتافيزيقي "جون دون" وهي "لمن تُقرع الأجراس" كعنوان لروايته المعروفة . وكذلك إعادة توظيف حكاية روميو وجوليت في حكاية ماريا وتوني في "قصة الحي الغربي" . وحتى الكتاب المقدّس هو نتاج تناص حيث يستعير العهد الجديد أفكار ولغة العهد القديم .

لكن علينا أن نحذر من خلط موضوعة التناص بموضوعة الإنتحال أو السرقة الأدبية ، فمنذ أن اكتسب مصطلح التناص شعبيته صار بعض الكتاب ينقلون مقاطع كاملة دون الإشارة إلى مصدرها . هناك خيط رفيع بين التناص كوسيلة أدبية والإنتحال حتى لو لم يكن مقصوداً .

ومصطلح التناص مشتق من الكلمة اللاتينية intertexto ، وتعني اختلاط الخيوط في أثناء النسج . وحسب كريستيفا فإن جميع الأنطمة الإشارية من إعداد الجداول إلى الروايات والقصائد تتشكّل بالطريقة التي تحوّل وتستثمر بها الأنطمة الإشارية السابقة عليها . لذلك فإن العمل الأدبي ليس نتاج مؤلف واحد ، ولكن نتاج علاقته بالنصوص الأخرى وببنى اللغة نفسها . "وأي نص - كما تقول - يتكوّن من فسيفساء من الإقتباسات ، وهو نتاج امتصاص وتحويل نص آخر" (6) .

لقد ألغى مفهوم التناص الفهم التقليدي لسلطة المؤلف وكون النص من تأليف مؤلف واحد ، وأنه مكتف بذاته ، وراسخ في الزمان والمكان ، بل هو لوح تُكتب عليه النصوص ثم تُمحى لتُكتب من جديد . وبالنسبة لرولان بارت الذي أعلن موت المؤلف في عام 1968 فإن حقيقة التناص هي التي تتيح للنص أن يخرج إلى الوجود (2) .

لقد اقتبس القصيبي وضمّن واستوحى - وهذا هو الأهم - الكثير من متون نصوص أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ووضع لنا قائمة بالمصادر والمراجع في نهاية حكايته . لقد جاءت فصول كاملة (مثل الفصل الثامن : زوجتي جنّية) (من ص 86 إلى ص 94) منقولة من كتب ومؤلفات تراثية ومعاصرة "لا سرديّة" بمعنى أنها كُتبت في موضوعات اجتماعية وفلسفية وأنثروبولوجية وليس ضمن إطار الفن السردي ، برغم قناعتنا بأن السرد ركيزة قائمة في كل أنواع المحكيّات مهما كان نوعها . وأعتقد أنّ ما يهمنا هنا هما مسألتين : الأولى السياق الذي يأتي ضمنه الإقتباس ، أو التضمين ، أو "الإستيحاء" ، والأخير هو الأهم . والثانية هي "الوظيفة" التي ستحققها النصوص المصمّنة أو المستوحاة . والجانبان يرتبطان بطبيعة الحال بـ "قصديّة" الكاتب الذي هو الحي الذي لا يموت . فهذه القصدية تعني أوّلا وجود "مؤلّف" يسيّر النصوص السابقة عليه في وجهة جديدة ويحمّلها بمعان مضافة قد تكون مغايرة . ولو عدتَ إلى جذر مصطلح "الإستيحاء" لتكشّفت لك إشراقات رائعة عن عبقرية اللغة العربية المظلومة من قبل ابنائها أولا تحت الدعاوى الحداثية وما بعد الحداثية . تأتي معاني الجذر اللغوي ، وفق مشروع نظرية اللغة الجديدة التي طرحنا نواها في سياق دراسات وكتب نقدية مختلفة ، في صورة حزمة تنطوي على دلالات "الفعل" البشري المادّية والمعنوية (النفسية والإجتماعية والجمالية .. إلخ) ، مشحونة بعامل "الدهشة" اللاشعورية الأوّلية التي لن تتكرّر . إستوحى - استيحاء  :1- إستوحاه الشيء : استفهمه ، طلب منه أن يخبره عنه . 2 - إستوحاه : استعجله ، دفعه ، حثه . 3 - إستوحاه : دعاه ليساعده . 4 - إستوحى الشيء : حرّكه . 5 - إستوحاه : دعاه ليرسله في مهمة .

وبإيجاز - لضيق المجال - نقول : إنك تجد أغلب معاني ودلالات مفهوم "الإستيحاء" الخلّاق الذي يجعل النصّ ينسرب في بنية النص الجديد من دون أن تشعر به بل حتى أنك تحسّ بوجود الصلة من دون أن تستطيع القطع بها . هذا - من وجهة نظري - هو التناص الخلّاق . أمّا سوى ذلك فهو اقتباس وتضمين وخلافه . التناص الخلّاق يحصل حين يسائل المؤلف نصّاً عن معانيه في موقع نصّه الجديد ، يستعجله ويدفعه ويحثّه لـ "ينطق" و"يتحدث" بما هو مخفي ومسكوت عنه في النص القديم مستثارا بالمحفزّات النصّية الجديدة من أفكار وصور وتعبيرات وغيرها . إنّه "يدعوه" لـ "يساعده" في "تمرير" رؤاه مشتبكة في نسيج رؤى النص السابق معزّزة إياها ، ملتحمة بها ، متصارعة ضدها ، منقلبة عليها ... وكل ذلك من أجل شحن النص الجديد بافكار مُضافة أو المساعدة على مضاعفة قوّتها الإقناعية والجمالية ، أو تهديم النصّ القديم وتخريبه لصالح النص الجديد . إن المؤلّف "يحرّك" المياه الساكنة في بحيرة النص القديم بمحفّز "حجر" من النص الجديد وصولا إلى "تركيب" جديد إذا جاز استعارة الوصف الهيغلي . إن المؤلّف وكأنّه "يستصرخ" النص القديم ، و"يستعجله" طلباً لعونه بمضامينه أو أشكاله ، يدعوه "ليرسله في مهمة" جديدة لم يألفها تنضج تحت خيمة رؤى النص الجديد (لاحظ أن كل المعاني السابقة متضمنة في معنى الفعل : استوحى) .

وكلّ النصوص التي استعان بها القصيبي - تضمينا واقتباسا - من نصوص تراثية أو معاصرة أخرى ، جاءت ضمن سياق الحكاية المتمحور حول علاقة الإنسي ضاري بالجنّية عائشة ، ولتحقيق وظيفة تتمثّل في إقناع القاريء بوجود "مراجع" ترى إمكانية نشوء علاقة بين الجن والإنس ، وتحقيق وصال جنسي بين الطرفين . لكن القصديّة البعيدة - وهي الأخطر - هي السخرية من هذا العقل الخرافي الذي يلاحقنا حتى هذا اليوم .. ترقيق دفاعاته بالتهكّم المُعلن أو المُستتر .. وصولا إلى تسفيهه وهدمه ، والأخيرة قد تكون هي "المهمة المستحيلة" في ظل الجهل والأمية التي بلغت - مثلاً - في مصر بلد الريادة الثقافية 60% حسب بعض الإحصائيات ، و70% في إحصائيات أخرى ، وسطوة التضليل والتجهيل الديني .

# حداثة العفاريت المغاربية :

-----------------------------

ولكن المشكلة التي يمزّق القصيبي الأستار عنها تبدو لها وجوه أخرى مثيرة وغريبة ، وتتمثل في هذا "البحث" الحداثوي الأنثروبولوجي لدى الأخوة المغاربة الذين أتخمونا بكل ما هو حداثوي وما بعد حداثوي .. بلا حساب ومن دون تدقيق ، وكأن التسليم بمعطيات الحداثة وما بعد الحداثة الغربية أمر مفروغ منه ، وبخلافه نواجه الموت المعرفي الزؤام . فهذا الباحث "محمد أديوان" يخصّص فصلا كاملا للجنّية "عيشة قنديشة" في كتابه (الذاكرة والمجال والمجتمع) ، يصل في ختامه إلى كونها رمزاً للدفاع عن حقوق المرأة المُستضعفة ، وعامل تماسك ووحدة في المجتمع المغربي ضد الإستعمار والإمبريالية . ولا أدري هل هذا هو الطريق الصحيح الذي اتبعته الحداثة الغربية في تحقيق انعتاق المرأة وتحرّرها في بلدان الغرب ؟! . يرد عليه باحث مغربي آخر هو "مصطفى واعراب" الذي يقدم في كتابه (المعتقدات السحرية في المغرب) صورة أقل جمالا واشد رعبا للسيّدة الجنية عيشة قنديشة ، معتبرا إياها صورة للإلهة عشتار / إنانا إلاهة الحب السومرية/ البابلية القديمة المعروفة . وتثور في ذهني تساؤلات كثيرة عن هذا الكم الكبير من الفضائيات والمؤلفات والأطروحات التي تنشغل بدراسة الموروث "الجنّي" العربي بصورة حداثية ، محمّلة إياه معان ودلالات حداثية خطيرة ، وكأنها تريد أن تقول لنا أنها ظواهر حيّة وثرة فتمسّكوا بها واستمروا في البحث بها أيها العرب المغفّلون ولكن وفق مفاهيم الحداثة الغربية التي صُّمّمت أصلا لبحث ظواهر فكرية واجتماعية ونفسية وتاريخية مستعادة أو قائمة وفق أحكام "العقل" الناهض الحيّ الذي صفّى كل ما هو "ميتافيزيقي" فيها لصالح "الحقيقة" الواقعية الصخرية المسننة التي يستند إليها العلم ومنطقه .

ولكن ، من الضروري جدا ، أن نقف قليلا لنفك خيوط عقدة قد تكون تكوّرت في عقل القارىء وأمام عينيه ، وهي المتعلقة بأهمية التفريق بين التوظيف المقتدر لعملية "التخييل" والطاقة "التخييلية" لدى الإنسان المُبدع خصوصا ، والإنقياد المذعن المستسلم البائس للعقول الجهول لمنتجات عملية التخييل والطاقة التخييلية هذه . دعونا نتوقف قليلا أمام الإستيعاب والإستثمار الحي لـ "شطحات" القدرة التخييلية البشرية في ابتكار منجزات "واقعية" بطانتها نماذج الخيال . وسيكون توقفنا عند عطايا النص العظيم ؛ سيّدة الحكايات "ألف ليلة وليلة" :

اطلعتُ ذات مرة على مقالة تتحدث عن الصور البدائية في سيدة الحكايات "ألف ليلة وليلة " التي كانت نماذج أولية لمبتكرات علمية اختُرعت لاحقا.  جاء في المقالة أن الليالي تحدثت عن البساط الطائر وها هي الطائرات تنطلق حاملة مئات الناس، قرأنا عن الزير الطيار الذي تمتطيه الساحرة العجوز وتدير به لولبا فيرتفع في الهواء ، وها هي المناطيد تحلق في الفضاء ، وروت الليالي قصة الملك الذي وهبه بعض مردة الجن صندوقا مسحورا يدير فيه لولبا ، فتبرز من الصندوق فتيات حسان يجلسن على منصة ويغنين الأغاني ، وهذا ما يحصل في الفوتوغراف والتلفاز والسينما، أما الشمعدان المسحور الذي كان الشاطر حسن يضيء شموعه فتظهر منها فتيات رائعات يرقصن ويمرحن ، وهو ما نراه في السينماتوغراف، وملك العجم الذي أعطاه أحد الكهان طاسة ذات طلاسم ورموز سحرية فكانت جيوشه تقاتل في أقصى الأرض يشاهد حركاتها كأنه بينها ، هو التلفاز بعينه ، والمدفع الرشاش يقابل سيف الملك الشمردل الذي ورثه عن ابناء نوح ، ويكفي أن يهزه أمام الجيوش الكثيفة فيموت منهم آلاف مؤلفة ، وما قولك في المارد الغواص الذي استعبده أحد الشطّار فكان يركبه ويغوص به في أعماق البحار ، وهو ما حصل أيضا عندما قاد عبد الله البحري عبد الله البري إلى أعماق البحار ليشاهد عجائب المخلوقات ، وهذا يتجسّد الآن في الغواصات .

ولكن شتّان بين هذه الرؤية ، والموقف التخريفي الذي تتكاسل فيه شعوب كاملة عن مواجهة محنها الكارثية ، وسواد حاضرها ومستقبلها ، منتظرة الخلاص على يدي الساحرة العجوز ، وبسيف الملك الشمردل !!

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000