.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جوزف حرب : (3) جماليات عودة الأم من قبرها

د. حسين سرمك حسن

أسطورة الإنسان الذي خدع كبير الآلهة : 



 


في الأساطير الرومانية أن " جوبيتر " كبير الآلهة ، طلب من أحد الرومان أن يقوم بتضحية يقدم فيها رؤوسا . استجاب هذا الشخص للطلب وضحّى .. ولكنه قدم رؤوسا من الثوم . مع هذا لم يغضب " جوبيتر " ، بل قبل التضحية – أعني قبل هذا التأويل ، وقال للشخص : 


" سأعطيك ما تريد ، لأنك برهنت على أنك جدير بالحوار مع الآلهة " (4) .


ومن المؤكد أن هذا الشخص لو لم يكن يحمل روح شاعر لما انتصر على الآلهة عبر هذا التأويل " الشعري " لأوامرها . 


.. وجوزف حرب يقدّم أعظم الالتفافات المراوغة في تعامله مع انثكاله بأمه الرؤوم .. الموت الجائر يعلن عن حقيقة صخرية مسننة .. حقيقة رحيلها النهائي : لا رجعة يا جوزف .. والأخير لا يقر بهذا الحكم الذي يعده متحاملا رغم أنه يسري على البشر جميعا : أمراء وفقراء كما يُقال . كان السومريون يقولون : ألا يتساوى الأمير والفقير في حضرة الردى ؟ ، ولكن جوزف لا يقر هذا القانون الأزلي ، فهو لا يمكن أن يقنع بأن أمه الحبيبة قد ماتت .. راحت في " الطريق الذي لا عودة منه " كما يصف العراقيون القدماء الموت . ولهذا نجده يناور من أجل أن يعيد وشائج الرباط الحبي المقدس .. الرباط الأكثر قداسة في حياة الإنسان بإطلاق ، وهو الذي يتأسس بينه وبين أمّه . يعيد هذا الرباط ولو في النوم .. ولو بمقدار حلم . 


وأول هذه المحاولات الماكرة في هذا الديوان هي قصيدة " منامات " . وقد سمّاها الشاعر " منامات " ولم يسمّها " أحلام " مثلا . وهذا يعود بنا إلى أطروحتين : الأولى هي أن لاشعور الشاعر هو شعوره لحظة الخلق الشعري ، والثانية هي أن اللغة ليست سجنا للعقل كما يقول " هيدجر " ، ولا العقل سجين المفردة كما تطرّف " فوكو " من بعده ، بل هي – أي اللغة – مطيّة اللاشعور في خلقها وبنائها ومناحي دلالات مفرداتها ، المجال الأروع الذي تتجلى فيه هذه الحقيقة هو الشعر . وفي هذه القصيدة نجد الشاعر ، " ومن حيث لا يدري " مؤكدين على أن لاشعور الشاعر هو شعوره ، يقوم بجمع دلالات الجذر " نـَو َمَ – نام " المتعددة التي تنسرب في المسارات الصورية لقصيدته هذه . وهنا تتوفر لنا فرصة لمحاولة تطبيقية ثانية في مشروع نظرية اللغة الجديدة : 


محاولة تطبيقية ثانية : 


----------------------- 


من معاني الجذر : نـَوَمَ هو المصدر : النوم الذي يعرّفونه لغويا بأنه غشية ثقيلة تهجم على القلب فتُبطل عمل الحواس ، ولاحظ أنهم يعتقدون أن النوم ينجم عن غشية تصيب القلب لا الدماغ الذي يحتوي – تشريحيا على مركز النوم ، وصحيح أن العرب يستخدمون مفردة القلب للكناية عن العقل ، لكنه في أعمق اشتقاقاته النفسية وصف شعري حيث لا يشعر النائم حتى بنبضات قلبه ، وكأن الأخير توقف ، ولهذا نجد أن من معاني النوم : الموت ، والقبر . وهذا هو لب محاولة جوزف حرب في هذه القصيدة : أن يتسلل في منامه إلى أحضان أمّه الميتة في قبرها ليهديها وردة . والنائمة هو مؤنث النائم ، وتعني الميّتة أيضا . والنيّم : من يُستنام إليه ويؤنَس به ، سواء أكان غيمة أم قبرا . 


ثم تأتي اللمحة الإعجازية التي يقدّمها لاشعور جوزف حرب حيث استخدم الفعل " غفا " ، ويعني النومة الخفيفة في هذه القصيدة أربع مرّات ، وفق هذه الرسمة : 


حسّيت عم ببصَر بنومي كيف إنّي ( غفيت ) ع َ جبيني بنقطة ميّ عم تنزل مـِنا 


وإنّي وأنا و ........................ ( غافي ) بهالنقطة بصَرت : 


إنّي أنا .............................. ( غافي ) تحت كمشي خفيفة من التراب الـّلي : 


أنا و ................................ ( غافي ) بقلبو بصَرت إني نايم بوردي .


فانظر إلى عبقرية اللغة العربية التي تنسرب معانيها بخفة وخفية بين انامل الشاعر الفذّ . إن من معاني الجذر غفا : غفوا وغفوّا الشيء : طفا على الماء !!!!!!!!! ، فلنسأل الآن : ألم يكن جوزف طافيا على الماء ، على الغيمة في منامه ؟؟ . 


وانتبه أيضا إلى أن من معاني نام أيضا : المكان المطمئن يقف فيه الماء ، والغيمة بالطبع مكان مطمئن يقف فيه " الماء " . 


ولكن لاحظ عبقريته هو – أي جوزف – عبقرية لاشعوره في الواقع – فعندما هبط كجنين في رحم قطرة الماءإلى القبر المظلم ، قبر الأم ، صار لزاما عليه أن يتحول من ( الغفوة ) ، النومة الخفيفة ، إلى ( النوم ) ، بما يتناسب مع الجو الخانق ، ومع حالة المحبوب الفقيد الذي راح في نومته الأبدية ( وأكرر أنّ من معاني النوم : الموت والقبر ) ، فتحول إلى استخدام الفعل نام بدلا من غفا : 


كمشي خفيفي من التراب اللي إنا وغافي بقلبو بصَرت إني ( نايم ) بوردي 


وأنا ........................................................... ( نايم ) بهالوردي بصَرت إني قطفتا 


لإيد أمـّي بالقبر 


               وبكيت 


             حــــتى 


             وعِـيت – ص 41 ) 


هذا الرباط المقدّس لن ينقطع لدى " المثبّت " مدى الحياة . تبقى لآثار الفقيدة قيمة نفسية كبرى مهما كانت بسيطة في معانيها الظاهرة . وها هو الشاعر يعلن عن حيرته ، وهو يحمل صورة أمّه ، ولا يعرف على أي جدار يعلقها . لكن ، لأن كل معاني الطهر والقداسة تتجسد في جسدها ، فهو لا يجد محلا لصورتها سوى " كنيسة " ... هناك يعيد الأمومة إلى عرشها الإلهي ... إلى منحدرها السماوي : 


( لمـّا بفكرْ وين علّق صورتك 


مِن ْ كتر ْ ما وِجّك بيشبه 


              وِجّ قدّيسي 


              بفتّش 


              عن كنيسي – قصيدة صورتك ، ص 42 ) . 


وسيلاحظ القارىء أن قصيدة " صورتك " هذه لا إشارة قاطعة فيها إلى أن الصورة صورة أمّ ، لكنه يستطيع أن يستشف هذا المضمون من الإحالة الصارخة إلى سمة القداسة التي قدمها الشاعر . فحتى المرأة الحبيبة المعشوقة حين تتمتع بهذا المستوى من القداسة تحيلنا إلى صورة الأمومة المختزنة في الوجدان . ولعل إحالة جوزيف هذه هي التي تعيننا على فهم المعادلة المُربكة التي صاغتها الإلهة " إنانا / عشتار " في علاقتها بـ " دموزي " حبيبها الإله القتيل عندما خاطبته بعد أن اختطفته شياطين العالم الأسفل : 


(ناحت إنانا على عريسهــــا الفتى:


  لـقد مضى زوجي الحـبيب 


  لـقد مضـى بنــــي ، مضـــى إبنـــــي الحـــــــبيب) .


أو ما ورد من بعض أناشيد الميلاد على لسان السيدة العذراء : 


(كيف أدعوك أيها الغريب عنّا و الذي صار منّا


  هل أدعوك أبناً ؟ 


هل أدعوك أخاً ؟


هل أدعوك خطيبا ؟ً


  هل أدعوك رباً؟


  أنا أم من أجل الحبل بــك 


وأنا خطيبة من أجــل قدســك) . 


ويعود الشاعر إلى معالجة صورة الأم - مرّة ثانية - بإشارة مباشرة يحملها عنوان نص آخر هو " صوره ْ لإمّــو ْ " ، يحكي فيها عن " آخرَ " بضمير الغائب : 


( صوره ْ 


لإمّــو 


معلّقا بالبيت 


ختياره عليّا مسحِةْ 


خريف مزيّن بلون المسا 


وناي 


الشتّي – ص 58 ) . 


ومنذ البداية ، يبدأ الشاعر بـ " أنسنة " صورة الأم الجامدة بصورة تدريجية بخطوة وصفية عن مسحة الخريف المزيّنة بلون المساء ممزوجا بناي الشتاء التي ترين على وجهها . كما أن في عينيها حزنا ، سيظهر أن جانبا كبيرامنه ، هو حزن " مُسقَط –projected " من أعماق الإبن ، لكن الشاعر يحدّد مصدر هذا الحزن في صورة عظيمة التعبير والـتأثير : 


( وعيونها فيهن ْ حزن مثل اللي مارق 


رفّ من طير البكي 


ونازل ع َ حورة خدّها 


من الرفّ عصفوره ْ – ص 59 ) . 


إن شدّة حزن " الصورة " الطافح في عيني الأم " الختيارة " ينبع من روح الإبن المفجوعة ،  الإبن الذي حلت في عالمه اشباح الخراب بعد فقدان الأم الحبيبة التي كانت مصدر دفق النماء في حياته .. صار هشّا قابلا للكسر : 


( ويوقف 


يطّلع فيا ، ويبكي 


ويبكي 


يحسّ إنّـو صار 


بعدَا دراج غطّاها العشب 


وبيوت 


مهجوره ْ 


وإيّام 


طُوْلا من قصب ْ 


للريح مندوره ْ – ص 59 ) . 


شعور ماحق بالإنهجار والوحدة الموحشة .. بكاء متواصل مرّ .. وإحساس بخواء مدوّ .. كلها تجعل الحياة شيئا لا يستحق أن يُعاش ، ويصبح الموت خيارا وراحة . وإذا كان الإبن المتيّم في قصيدة " منامات " هو الذي يحاول إعادة الإلتحام بالأم المتوفاة وهي في قبرها عبر سلسلة من الإستحالات الحيوية ، فإن الأم - هنا - هي التي تُعنى بابنها في حركة خرافية مدوّخة .. تُعنى به بعد موته وهي ميتة .. تعود إلى الحياة لتطل على قبر ابنها / الطفل فقط .. طفلها الأثير الذي تركته طفلا وظلّ طفلا بالرغم من نضجه ليعود طفلا ، وهو في قبره . هذا رضيع دائم برغم كبره ، افتقد مصدر البقاء الأول برحيل واهبة الحياة الأولى : الأم . الأم العظيمة الوفيّة لرباطها المقدس الذي تعاهدت عليه مع ابنها ، تكون وفيّة وفق محددات لاشعور الإبن المثبّت حتى بعد الموت : 


( وماتْ 


صارو ال ْ يمرقو بالليل حدّ المقبره 


يشوفو ع َ قبرو خْيال 


أبيض 


مثل طالع ياسميني 


ع َ القبر 


صارو 


يحسّو 


في مَرَا صَوْتَا 


عم ينيّم طفلْ – 60 ) . 


في تلك القصيدة ، منامات ، يصبح الإبن وردة هي ذاتها التي يريد قطفها ليد أمه وهي في القبر .. فيفز من نومه باكيا .. وهنا ، في هذه القصيدة " صوره لإمّو " تصبح الأم وردة ياسمين ، والوردة في الحالتين رمز أنثوي مؤصّل . الوردة الأم تنيم وليدها في قبره ، وكأنه وُلد توّا من رحمها . بالموت يتخلّص الإنسان - وإلى الأبد - من " صدمة الميلاد " كما يقول المحلل النفسي الشهير " أوتو رانك " الذي يعدّ الموت أعلى أشكال العودة إلى الرحم الأمومي . لكن الأم هنا لا تكتفي بالنهوض من قبرها ؛ الشاعر لا يكتفي بأن يُنهضها من قبرها لتحنو على ابنها المتوفى ، بل يقدّم لنا البراهين المؤكدة على مصداقية هذا الإنبعاث الذي يحصل بعد الموت : الناس تشاهد قبر الأم فارغا في " معجزة " مدوّخة : 


( يلاقو في قبر 


ما في حدا 


ولوحــه  


الإسم ع َ رخامها 


ممحي 


ومكسوره ْ – ص 60 ) . 


لقد " انبعثت " من تحت التراب في عمليتي " خروج " متوازيتين ومترابطتين .. لقد كانت الأم ، في الحقيقة ، محتبسة في قبرين : الأول ترابي نهائي ضمها بعد موتها ، والثاني ورقي انتقالي ضمها في إطار الصورة ، لكنه فعل نفسي إجرائي يبغي المثكول منه الإحساس عبر الفن ، فن التصوير ، بأن الراحل مازال " معلّقا " على جدار الحياة .. فـ " التصوير" عملية " استنساخ " لأرواحنا في الحقيقة .. ألهذا كان الإنسان البدائي يُصاب بالرعب عندما يقوم مستكشف غربي بتصويره ؟ .. 


ومن القبر الترابي انبعثت الأم ، وصار الناس يرونه خاليا مهجورا .. ومن الصورة " فلّت " الأم ، فأصبحوا يرونها خالية .. لقد لحقت بابنها الحبيب .. رضيعها الدائم الذي لن تتركه أبدا حتى بعد موتها وموته : 


( فاتو ع َ بيتو نهار ْ ، لمّا طلّعو 


مطرح م َ إمّــو 


كان 


علّق صورتَا 


شافو على بروازها يمكن بكي 


وإمّــو ال ْ مثل شمس المسا 


فلّت من الصوره ْ – ص 61 ) . 


تتحدث بعض الكتب الأنثروبولوجية عن قبيلة " الآسرا " البدائية التي يتعين أن يموت الواحد فيها إذا مات أحد أحبائه (5) . 


د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000