هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


من تجاربي في القسم الداخلي(كتبْتُ هذا الموضوع؛ بناءً على اقتراح جمعية المكفوفين العراقية)

د. خليل محمد إبراهيم

قد يتصوّر الكثيرون؛ أن انضمام ذوي الاحتياجات الخاصة؛ إلى الأقسام الداخلية؛ في أثناء دراستهم؛ يُعرّضهم للانفصال عن المجتمع/دامجا كان أم لم يكُنْ دامجا\ وواقع الحال/ قبل كل شيء\ أن الأقسام الداخلية؛ ليست حكرا على ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن فئات أخرى من أبناء المجتمع؛ قد تنتسب/ لسبب أو لآخر\ إلى الأقسام الداخلية؛ من مثل الأيتام، والذين يُريد لهم أهلوهم الانتساب لمثل هذه الأقسام، كما أن الغرباء والغريبات؛ من طلبة الجامعات وطالباتها؛ يفضّلون ويُفضلْنَ السكن في مثل هذه الأقسام، فيبدو الأمر مستساغا بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة؛ على هذا الأساس.

وسبب استفادة ذوي الاحتياجات الخاصة؛ من مثل هذا النظام الداخلي؛ ناتج عن صغر أسنانهم، وتشتت مساكنهم، وصعوبة وصولهم إلى الدوام صباحا، وعودتهم بعد انتهاء الدوام، فهُم صغار غير مؤهّلين لمثل هذا الانتقال إلا بمساعدة الأهل، وهو أمر صعب، وقد كُنْتُ/ بصفتي كفيفا\ قبل دخولي معهد الأمل؛ في المجتمع؛ دون أن أفكر/ أو يُفكّر أحد أهلي والمختلطين بي\ أن المجتمع دامج أم غير دامج، فقد كُنْتُ أمارس الحياة بشكل طبيعيّ؛ مثل أخوتي وأصدقائي/ على صغري\ وما كُنْتُ أحس تفرقة بيني وبين أخوتي أو أبناء عمومتي، فقد كُنْتُ واحدا منهم؛ لا أختلف عنهم إلا في أنهم يذهبون إلى المدرسة، أما أنا، فمن الصعب عليَّ أن أدرس، لكن ذلك؛ لم يمنعني من حفظ القرآن الكريم، عند الكتّاب.

وبهذا كُنْتُ مندمجا في المجتمع الاعتيادي والدراسي القرآني.

وحين افتتح (معهد الأمل)؛ انتسبْت إليه طالبا، ولم يبدأ داخليا، لكنه بدأ خارجيا؛ تخصصت له حافلة نقل؛ تنقلنا من بيوتنا إلى المعهد، وتعيدنا من المعهد؛ إلى بيوتنا، وكُنّا نحلم بالعيش في القسم الداخليّ، فقد كانوا يُصوّرونه لنا جنة الفردوس؛ من يدخلها، لا يُحب الخروج منها؛ من هنا؛ كُنّا ننتظر يوم انفتاح القسم الداخليّ، وكان يوما حافلا، فقد حضره المرحوم (عبد الجبار فهمي) متصرّف لواء بغداد/ المحافظ\، ليشهد احتفالا لا أجمل منه، فقد حضرتْه طالبات إحدى المدارس الثانوية؛ اللاتي قرأْنَ الأناشيد، وغنيْن، وأقمْنَ احتفالا رائعا؛ انتهى بوليمة فاخرة؛ صحيح أن ما كُنا نحلم به؛ كان رائعا، لكن هذه الروعة؛ انعكست في المساء، فقد ذهب المتصرّف، وبنات المدرسة الثانوية اللاتي اختلطْنَ بنا بعد انتهاء الحفل، وفي أثناء الطعام، وبدا أنه لم يُفكّر أحد في عشائنا، وفكّرت مديرة القسم الداخليّ، ومراقباته، فلم يجدْنَ إلا ما احتفظْنَ به من حلويات؛ نتعشّى به، وقدمْنَ لنا تلك الحلويات؛ آسفات على ما فقدْنَه منها.

وكُنّا مجموعة من البنين والبنات، فقد دخلت البنات الكفيفات الدراسة، لأول مرة في العراق الحبيب، وكانتْ غرف للبنين، وأخرى للبنات، وفي كل الأحوال، فقد كان كل منا؛ متعوّدا على الذين معه؛ من الطلبة والطالبات، والمعلمين والمراقبات / مذ كنا خارجيين\ وكان معنا المتخلفون، والصم، وكثيرا ما كانت تقوم المعارك العنيفة بيننا، لكننا حين تركْنا المعهد؛ كُنّا أصدقاء؛ يُساعد بعضنا بعضا؛ في الحدود الممكنة، كما كانت البنات مثل أخواتنا، وكان بيننا تعاون دراسي أخويّ، وكان المعهد يُقدّم لنا ثلاث وجبات من الطعام؛ توضع على مناضد جميلة؛ فوق كل منها مزهرية خالية من أي نوع من أنواع الزهر، وكان لكل منا كرسيه الحديدي الأبيض؛ المثقب من خلف، ومن تحت، وكان أمام كل منا؛ جرارة فيها منديل أبيض في كيس؛ ينبغي إخراجه من الكيس، ووضعه على صدورنا وأرجلنا، فهو منديل كبير؛ إذا فرشْناه، حمى ثيابنا من التلوث، وما كُنّا نضيق بشيء أكثر من هذا المنديل الذي طالما تمردنا على وضعه على أرجلنا وصدورنا، ولا أذكر أن أحدا لوّثه الطعام، ومع المنديل؛ كانت ملعقة وشوكة وسكين؛ ما كُنّا نستعمل منها غير الملعقة.

وكثيرا ما كان يضرب بعضنا بعضا برجله من تحت المنضدة، وكثيرا ما كانت الضربات مؤذية، وربما اشتكى أحدنا إلى المراقبة، لكن مَن الذي ضربه؟!

هذا ما لا يذكره أحد/ على علمه بضاربه\ وتمرُّ الشكوى على خير.

وكان فينا مَن يأكل كل ما يُقدمونه له من طعام، لا يعترض ولا يتأوه، أما أنا، فكُنْتُ لا أحب من طعام الغداء/ في المعهد\ غير وجبة الفاصولياء؛ التي تقدم لنا أسبوعيا مرة واحدة، وهي ما كُنْتُ آكله، أما بقية الأيام، فقد كُنْتُ آكل نصف صمونة كهربائية؛ يضعونها لنا مع الطعام، ومعها قطعة فاكهة، أما وجبة العشاء، فلم تكُنْ محتملة هي الأخرى، لكنها خير من وجبة الغداء، فقد كانوا يُقدمون (المكرونة)، وما كُنْتُ أطيقها، ولا أحتملها حتى الآن، كما كانوا يُقدمون لنا الكبة؛ مع الصمون الكهربائي، ولم أكُنْ أحبُّ هذا الصمون الذي يُقدمونه لنا في كل وجبة، لكن الجائع يأكل الحجار، ومع الصمون الكهربائي/ في بعض الليالي\ يُقدمون ما يسمّونه (كبة حلب)، وهي من عجين الرز الذي يُغلّفون به اللحم والمكسرات في العادة، أما في المعهد، فكانوا يُغلّفون بها البصل المطبوخ الذي ما كُنْتُ أحبه، ولا أحببْته حتى الآن، لكنني كُنْتُ أقشِّر البصل، فآكل الرز وحده.

في ليالٍ أخرى؛ كانوا يُقدِّمون لنا الكباب المقليَّ بسمن لا أعرف نوعيته، فهو يترك/ في الفم\ طعما كطعم الصابون، وهكذا كان العشاء في ليالينا التي كانت سعيدة فعلا، لذلك؛، ولما كان زملائي يعرفون أنني لا آكل شيئا تقريبا طول النهار، فقد كان الصائمون منهم/ في رمضان\ يسرقون لي بعض الرز والفاصولياء، لآكله بعيدا عنهم، فما كُنْتُ أصوم في تلك الأيام، وحتى يوم زارتنا الأميرة (فاضلة)/ خطيبة الملك (فيصل) الثاني؛ ترافقها زوج (نوري السعيد)؛/ رئيس الوزراء آنذاك\ مساءً، لتقف الأميرة خلفي/ قُبَيل ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958\ لم يتحسن عشاؤنا.

وكان إفطارنا عجيبا غريبا، فقد كانوا يُقدمون لنا في كل يوم شيئا معه صمونة كهربائية، ونصف كوب حليب، وكان هذا الذي يُقدمونه لا يكفي فعلا، لكن متصرف لواء بغداد المرحوم اللواء (طارق سعيد)؛ زارنا بُعَيْد ثورة الرابع عشر من تموز، فكان أمامنا الكثير من القيمر والدبس، وكوب حليب ممتلئ، وصمونة كهربائية، فلما دخل متصرّف الثورة، وجد هذا الكم الكبير من الطعام، وسمع المراقبة تسأل:- (من يُريد الحليب؟!)

ولم يُجب أحد منا طبعا، لأننا لم نعتد مثل هذا السؤال، فسأل المتصرّف فرحا بمنجز الثورة:- (كيف طعامكم؟!)

وتوقع إجابتنا بأنه جيّد/ وهو جيد فعلا\ في ذلك اليوم، لكن إحدى زميلاتنا أجابته بأنه (ليس جيدا).

واستغرب هذا الجواب، فسألها:- (أفي بيت أبيكِ تأكلين خيرا من هذا الطعام؟!)

وكان واقفا خلفي، فرفعْتُ رأسي إليه، وسألته:- (وهل أنت هنا كل يوم؟!)

وإذا كان قد دخل مبتهجا مسلِّما، فقد خرج مكتئبا دون توديع.

هذا شيء من تجاربي في القسم الداخليّ، ولو أردْتُ الاستمرار فيه، لأخذ مني وقتا طويلا، فهو كثير وجميل في الحقيقة، وعلى كل حال، فلم أشعر أن القسم الداخليّ؛ فصلني عن المجتمع الذي لم نكُنْ نُفرّق فيه بين الدامج، وغير الدامج، لكنه/ على كل حال\ أضاف إلى تجاربي؛ تجارب كثيرة؛ أغنت خبراتي، ومنحتْني ما ليس موجودا لدى الكثيرين ممَن عاشوا في الأقسام الداخلية؛ أم لم يعيشوا فيها، فعلى تلك الأيام السلام على الرغم مما كان فيها من بؤس.

 

د. خليل محمد إبراهيم


التعليقات




5000