..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غازي القصيبي في رواية "جنّية"الجنّي .. محلّلاً نفسيّاً (2)

د. حسين سرمك حسن

الجن يحدّد الإهتمامات المهنيّة ويُلهم الإبداع :

---------------------------------------------

لكن لا غازي ، ولا بطله ضاري ، ولا الجاحظ ، أمسكوا بنتيجة خطيرة من نتائج التشبّع بمخاوف الطفولة من الجن والجنّيات ، وهي أنها – مع توفر عوامل اجتماعية ونفسية وسيرشخصية أخرى طبعا – قد تقرّر الإختيارات المهنية للفرد في مرحلة الرشد . لا يمكن فصل مخاوف فرويد وقلقه في طفولته عن النزعات المحارمية – والتي نضجت معه في موقفه الراشد اللاحق من شقيقة زوجته ثم من ابنته "أنا" – عن مجمل انجازاته الفكرية في هذا المجال . تصوّر معلم فيينا يرسل رسالة إلى خطيبته يسألها فيها هل فكّرتْ بفسخ الخطوبة في الأسبوع الماضي ؟ والسبب أن خاتم الخطوبة سقط من إصبعه في المغسلة حين كان يغسل يديه !! (راجع سيرة فرويد بقلم أرنست جونز) . وقد كانت أول مظاهر هذه التأثيرات المهنية - إذا جاز الوصف - في سلوك ضاري اللاحق هي التفاته – مع بداية دراسته الجامعية – إلى الطبيعة الأنثروبولوجية – إن صح التعبير كما يقول – لهذه الكائنات . فمعظم الجن في المنطقة الشرقية ، حيث الواحات والمزارع والنخيل ، كائنات زراعية على نحو أو آخر . وفي المنطقة الوسطى ، الصحراوية ، تتحوّل هذه الكائنات إلى كائنات صحراوية . وفي الحجاز ، حيث الأماكن المقدّسة ، لا يهاجم الجن إلا الأشرار بشراسة تشير إلى مصير من يرتكب جرما في أقدس الأماكن (ص 38) .

لقد ترك بطلنا تخصّص هندسة البترول الذي أرسلته الشركة النفطية للدراسة في حقله ، واتجه إلى الأنثروبولوجيا . ولا تنزل علينا لحظات التغيير والإختيارات الفاصلة في حياتنا من "الخارج" ، بل تنبثق – وأحيانا بصورة مفاجئة و"إشراقية" غير مفهومة – من "الداخل" .

وما لا يقل خطورة عن هذا الأمر المتعلق بتأثير انشغالات الطفولة المقلقة في الإختيار المهني للفرد البالغ ، هو تأثيرها الخفي في تشكيل الإهتمامات الإبداعية . وهكذا خلقت لديه الإستعداد الفكري والنفسي للخوض في حكاية "الجنّية" التي تورّط فيها ، ويسائلنا – الآن - عن كيفية الخروج من مأزقها هو الشاب المسكين :

(أسألكم ، أيها القرّاء الكرام ، كيف يمكن لهؤلاء الباحثين أن يساعدوا طالباً لم يكد يتجاوز العشرين ، يحمل في رأسه ذكريات غريبة تدور به الدنيا كلما استرجعها ، ويحمل في يده ورقة صغيرة سُطّرت عليها كلمة واحدة ، وترن في أذنه جملة تقول إن ما عليه إلّا أن يحرق الورقة إذا أراد رؤية حبيبته التي ماتت ودُفنت ؟! ماذا بوسع هذا الشاب المسكين أن يفعل ؟!) (ص 41) .

والشاب المسكين تتمحور محنته "الجنسية" خصوصا في أيامه الأولى في الجامعة الأمريكية في "الخجل" الذي يُحمّل به الفرد العربي خصوصا بفعل حمولة مكبوتة من الآثام المعزّزة بالممنوعات الاجتماعية والنواهي الدينية . هؤلاء يكونون "مربوطين" بحدود التثبيت على موضوع الحب الأول : الأم التي تكون مسكينة في مجتمعاتنا عادة . ولكنهم يستطيعون وبجراءة صادمة "التحرّر" من أسر الربط ، حين ينعتقون من ظلال المكان "الأمومي" الخانق ، والأبوي "الخاصي" . وفي العادة تتم هذه المهمة بمساعدة أنموذج أنثوي يكون بديلا "أمومياً" ، ويحمل صفاته الحانية و"التدريبية" خصوصاً . وهذه السمات توفّرت في المكان المغربي القصيّ ، وعلى يدي الحبيبة "فاطمة" بالرغم من أنها أصغر منه سناً حينما أخذتها الشفقة على "الغريب المذهول الضائع في المطار" (ص 26) . لقد اتخذت قرارها مستقلة عن موقف أبيها الرافض ، كما قام هو بخرق المحظور الأبوي الذي ساندته فيه الأم . وفي ليلة الزفاف ، عاونته بصبر وخبرة القلب الكبير ، على التخلّص من عذريّته المخاتلة وعذريتها . وفي الوقت الذي رأى فيه ضاري أن فاطمة عاملته كمراهق :

(بدأت ليلة الزفاف بمراهق وأسفر صباحها عن رجل) (ص 50)

# ليلة الزفاف تبدأ بطفل .. وتنتهي .. :

------------------------------------

فإنّ الوصف الصحيح هو أن ليلة الزفاف بدأت بطفل وانتهت بمراهق من الناحية اللاشعورية ، إذ ليس شرطا أن يتطابق النمو الشعوري الفكري والاجتماعي الظاهر على النمو اللاشعوري من حيث الدوافع والمكبوتات التي تظل "خالدة" وعصيّة على التغيير بعد مرحلة الطفولة إلا تحت تاثير تجارب فاصلة حاسمة . لقد عاملته "فطّوم" كطفل ، وكانت تعرف بحدس "أمّ" لا يخيب – حدس ترثه الأنثى بفعل البنية والخبرة التاريخية ولا تتعلّمه إلّا قليلاً – أنّ الدوافع الجنسية الطفلية تمتزج مع الدوافع الفمّية عبر مدخل واحد :

(أتذكر ترنيمات الأطفال المغربية التي كانت تهدهدني بها قبل النوم (أي نوم ؟!) ، ومن أطرفها ترنيمة تطلب من الطفل أن ينام حتى ينضج الطعام ، وإن لم يوجد طعام في المنزل حتى ينضج طعام الجيران) (ص 50) .

وفي العادة ، فإن "تثبيتاً" بديلا يحصل لدى الفرد الذي من نمط ضاري على الأنموذج الذي تتوفّر فيه صفات الحنو والصبر والدراية الأمومية ، خصوصا وهو يُختبر لأول مرّة بعيداً عن الحضن الأمومي المُنعم حيث تُستفز مخاوف الطفولة من الإنهجار والإنفصال ؛ مخاوف لم تطفيء جذوتها العلاقات البديلة في المغترب الأمريكي برغم تعدّد الفرص ، بسبب "الخجل" المتسيّد ، واعتقال الإرادة من جانب ، و"التثبيت" على الأنموذج البديل من جانب ثان مكمل . هذا الأنموذج الذي أشعلت الحاجة إليه – برغم المخاطر المرتبطة بتعقيدات كونه جنّاً – كونه قد ارتبط الآن – وعبر ورقة الإستحضار – بحافزين يقلقان مكامن كل الدوافع اللاشعورية نحو خرق "المحظور" – سياسة "الغرفة المغلقة" المخيفة – من ناحية ، ونحو امتلاك إحساس غامر ونادر ، كان مفقوداً عمرا كاملاً ، بالقدرة الكلّية -  Omnipotence" على الإستحضار السحري من ناحية ثانية . التحم الحافزان ، فلم يعد ضاري يطيق صبرا ، وألقى بنفسه في مصيدة الجنّية طائعا مختاراً :

(بعد شهر كامل من الرقص على حافة الهاوية ، قررتُ أن ألقي بنفسي في خضمّ المجهول . انتهزت فرصة غياب زميل السكن في موعد ليلي ، وأقفلتُ باب غرفتي ، وبدأت أرتعد ، مصدّقاً وغير مصدّق ، أنّه لم يبق ما يحول بيني وبين فاطمة ، أو عائشة ، سوى ورقة وعود ثقّاب) (ص 51) .

# المنطق مطيّة اللاشعور وعبد الغريزة :

-----------------------------------------

وخلال الوقت الذي سبق إشعال الورقة لاستدعاء الجنية عائشة / فاطمة ، جرت تداعيات سريعة ولكنها عميقة في عقل ضاري دار أكثرها حول غرابة أن يقتنع شخص يتمسك بأسباب العلم ، ويريد أن يصبح باحثا أنثروبولوجيا ، بخرافة سخيفة مثل هذه في نظر العلم ، باحث حاول أن يرجع كل الظواهر المرتبطة بالجن إلى أسباب اجتماعية ونفسية رمزية ، فإذا به الآن يتحرّق إلى استحضار امرأة من المغرب ، بحرق ورقة عليها اسمها بعود ثقاب . لقد تصوّر نفسه وهو يقف أمام اثنين من أساتذته ويحاول تبرير تصرّفه الشنيع ببدائيته بالنسبة لتعليمهما العلمي الذي أتخما عقله به . وفي تبريراته التي يطرحها نعود لنتلمس حقيقة الكشف العظيم الذي طرحه التحليل النفسي والذي شرخ نرجسيّة الإنسان ، والذي يرى أن الإنسان ليس كائنا منطقيّاً بل كائن تبريري – not rational   but rationalized human being ، هذا الكشف الصادم العظيم الذي طوّح بتنفجّات النفس البشرية المتعالية على الحقيقة ، والتي تجيد إخفاء هذه الحقيقة خلف استار المزاعم المنطقية والفلسفية ، هذه الحقيقة هي أن المنطق هو مطيّة اللاشعور وعبد الغريزة ، وأن الرغبة تحرّك الوعي بكل ممكناته ككاسحة ألغام مدرّعة تنظّف الطرق أمام لهاثها مهما كان مسعورا أحياناً ، ومهما كانت صلابة الحواجز التي تواجهها ودرجة إحكامها .

وها هي الرغبة المتلمّظة تحرّك وعي ضاري ليطرح "مبرراته" المنطقية أمام أستاذته البروفسورة في وقفته المتخيّلة أمامها :

(ماذا سيقول للبروفسورة ماري هدسون أقرب الأساتذة إلى قلبه ؟! "كنتُ أريد أن اثبت أن الأسطورة ليست سوى أسطورة . كنتُ أتحدى النزعة البدائية في أعماقي وأضعها أمام لحظة الحقيقة (...) لا تتعجلي في الحكم عليّ يا بروفسورة .. كنت أتبع الطريقة التجريبية التي تعلمتها هنا في جامعاتكم . كنتُ أحاول الخلاص من وهم كاد يدمّر حياتي . أحرق الورقة ولا يحدث شيء ، وأبدأ في إرجاع الوهم إلى أصوله الأنثروبولوجية) (ص 56) .

لكن ، وفي الغالب ، تنسرب خيوط الحفزات اللاشعورية النهمة بين طيات نسيج التخريج المنطقي والعلمي التجريبي :

(كنت أطمع في التخلّص من الجنون الذي صوّر لي أني عرفت فتاة ماتت ثم عادت ثم تزوجتها ... هذا الفتى الذي عانى الغربة والحرمان الجنسي والفشل في العلاقات العاطفية ، كان يحلم بالمرأة التي ستنهي عذابه ، المرأة المثالية ، المرأة الأسطورية . سوف ينتهي كل شيء يا بروفسورة ، بمجرّد احتراق الورقة) (ص 56 و57) .

# العقل عارياً :

---------------

إنّ هذه العطيّة المعرفية ، هي واحدة من أعظم عطايا رواية القصيبي هذه : النظر إلى العقل عارياً ، وبعيداً عن أرديته المنطقية والعلمية الملغزة الخلّابة . إننا في الحقيقة المنكرة ورثة الإنسان البدائي وخلفاؤه في أرض القرن الحادي والعشرين . ومثلما قال فريزر في موسوعته الشهيرة الغصن الذهبي فإن العلم في جانب كبير منه ما هو إلا وريث السحر . وحين يقرّر العقل أمراً غريباً على سياقات "المنطق" ابحث فوراً عن "المستفيد" على قاعدة التحقيقات في علم النفس الجنائي . وسيظهر المستفيد رغبة لاشعورية عطشى نضجت وحان قطافها ، استوت على سوقها ، واشتد عضدها ، وبلغت من القوة والضغط ما يجعلها تسخّر الوعي المقتدر المكتنز بمعارفه مع تنامي التطوّر العظيم – ومعظم هذا التطور يعود الفضل فيه إلى قوى اللاشعور – ليجد لها مخرجاً تظفر به بالإشباع حتى لو كان جزئيّاً ، وتدغدغ خاصرة نرجسية الوعي والنفس البشرية بالإحساس بمزيد من الإقتدار والقدرة الكلية . مسكين "الأنا" كم يُخدع ويدوّخ ويُستغل !!

وضاري الضبيع – في ما يُشبه التحليل النفسي الذاتي – هو الذي يدحض تلك المبررات السخيفة كما وصفها :

(دع عنك هذا الكلام السخيف ، يا ضاري الضبيع ! آخر ما يهمك الآن هو رأي البروفسور أو رأي البروفسورة . ما يهمك ، الآن ، هو أن ترى فاطمة ، مرة أخرى ، لتخبرك أنها لم تمت ، وأنها هي التي استقبلتك في الزيارة الثانية ) (ص 57) .

ولكن .. وسريعا ، أيضا ، ما يعود هذا الكلام "السخيف" ليستولي على مداركه بطريقة شبه "تسلّطية – obsessive" فهو ، وعلى الرغم من كل دروسه الأنثروبولوجية والنفسية والعقلية ، يصدّق أنه تزوّج جنّية .. الحمّام لم يكن حمّاماً عاديّاً .. ولا العروس ولا خالها ولا الشهود كانوا طبيعيين .

يقوم الآن ضاري – وبتصميم من الروائي طبعاً – بمراجعة تأريخه الشخصي ، و"إعادة قراءة" هذا التأريخ في ضوء المتغيرات الجديدة . وصدّقوني أيّها السادة القرّاء ، هكذا تقوم الأمم الكبيرة بإعادة كتابة وقراءة تأريخها . إنه يعيد الآن قراءة حوادث من تأريخ عائلته وتأريخه الفردي ، يعيد تأويلها من "مكان" جديد ، وعلى هدي منظومة معرفية جديدة ، ليخبرنا بتفسير لظاهرة خطيرة مطروحة أمامنا ، وهي أن هذه الكائنات الجنّية لا تؤذيه وتحبّه وتتزوج منه !! فيقول لنا أن سبب لقب "الضبيّع" الذي يحمله هو أن جدّه الرابع ، الذي هو أول من حمل هذا الإسم ، كان قد نسيته قافلة في الصحراء ذات مرّة ، ووُجد بعد بحث مضن يرضع من ثدي ضبع . إنّه يعترف الآن بأنه يحمل في دمائه وخلاياه آثار الحليب الجنّي ، ويعترف – بعد هذه الأجيال كلّها – بقرابته من الجنّ . ويعترف بأنه ذات ليلة في طفولته – وكان في الرابعة من عمره - استيقظ على صوت حفيف وزفيف ، ونظر من النافذة ، فشاهد "امرأة السعف والليف"المخيفة ، في شكلها الحقيقي .. ابتسمت له لأنها شمّت رائحة القرابة . هكذا تنبثق حوادث تأريخنا الشخصي البعيد من "الماضي" ، مهما كانت غائرة في أعماق الذاكرة ، "الأدلة" المطلوبة لتدعيم سلوكياتنا وافكارنا في "الحاضر" مهما كانت غريبة ومتناشزة مع معتقداتنا المُعلنة .

وبعد هذه المحاكمة ، أو لنسمّها المنازلة الساخنة بين قوى الوعي وقوى اللاوعي ، لم ينتصر الوعي المُسلّح بمعارف الأنثروبولوجيا وعلم النفس والإجتماع ، كما هو متوقّع ، بل استرخى وتأمّل وتحالف مع قوى اللاوعي التي أوقفته بين خيارين : إمّا أن يمزّق الورقة فيفقد موضوع حبّه الوحيد إلى الأبد ، وإمّا أن يحرق الورقة .. وهذا كان قراره :

(بيد مرتجفة أشعلتُ الثقاب وقرّبته من الورقة وبدأت أرقب الدخان الأزرق الكثيف الذي انبعث ، فجأة ، من الورقة وملأ جو الغرفة) (ص 60) ..

أحرق الورقة الرُقية .. وها هو ينتظر مجيء حبيبته الجنّية من الدار البيضاء بالمغرب إلى لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية .

فما الذي حصل ؟

يفتتح الروائي الفصل السادس "حكايات الجنّي قنديش بن قنديشة" من حكايته – وكالعادة - ببيتي شعر لابراهيم ناجي :

انفردنا ، أنا والقلبُ ، عشيّا

                  ننسجُ الآمال ، والنجوى سويّا

فركبنا الوهمَ .. نبغي دارها

                  وطوينا الدهر .. والعالم .. طيّا 

وكأنّه – وهذا تعبير عن قصديّة غازي العالية في كل خطوة يخطوها من خطوات حكايته – يريد أن يوحي إلينا بأن الشعر لا يبلغ فاعليّته القصوى في النفس البشرية من دون إيمان الشاعر بـ "عمل الجنّ" – ألهذا كان لكل شاعر جاهلي جنّياً ؟! – هذا ما سيؤكّده الجنّي قنديش بعد قليل حين يقول لضاري أن مصدر الشعر الوحيد هو عبقر ، وعبقر منطقة تجارة حرّة في عالم الجنّ :

(كان شعراؤكم في الجاهلية يعترفون بهذه الحقيقة ، ويفاخرون بها ، ويجاهرون بوجود شياطين تنفث الشعر في روعهم ... بل إن الشعراء في الجاهلية كانوا يلقّبون أنفسهم "كلاب الجنّ" اعترافاً بفضل الجنّ عليهم . فيما بعد ، يا أخي ضاري ، جاءت صدمة الحداثة، وبدأ شعراء الإنس يتحدثون عن المعاناة والتجربة والقلق الوجودي والبنيوية ، ونسوا أن كل الصرعات الشعرية من إنتاج عبقر) (ص 66) .

وهنا يثور تساؤل خطير وهو : هل كان الشعراء الجاهليون "مجانين" لأنهم كانوا يعتقدون بوثوقية عالية أن شعرهم من نعم فيض الجن ؟ هل كان جرير – مثلا – مجنونا حين يستعصي عليه البيت ويبدأ بالصياح : أخوكم .. أخوكم ؟

المهم أن "عمل الجنّ" ذاك ، هو الذي ساعد ناجي على أن يركب الوهم فرساً لا يطوي المسافات حسب بل الدهور أيضاً . ويأتي هذا "العمل" في بيتَي ناجي بعد أن انفرد الشاعر بقلبه مستذكرا حبيبة القلب ، وصار الشاعر – بعد أن طفحت الغريزة  - جنّياً قادرا على اجتراح المعجزات ، في حين أن صاحبنا ضاري يقف في موضع ، هو معكوس وضع الشاعر حيث يتوسّل الورقة المشتعلة بعود الثقاب – والثقاب أداة أنتجها العلم تُسخّر هنا للخرافة .. هكذا هو حال عقولنا وحيواتنا بلا انتفاخات مرضيّة – أن تصبح "فرسا" تطوي المسافات والأزمان لتحضر حبيبته من المغرب إلى أمريكا ! لكن الذي حصل هو أنّ ما أحضرته الورقة هو شاب بزي غربي وملامح عربية يعرّفه بنفسه بالقول :

(أنا أخوك الجنّي قنديش بن قنديشة) (ص 64) .

وبمكره المبيّت ، يرسّخ القصيبي في أذهاننا حقيقة أن كل حكاية الجنية هذه ، بالرغم من ظاهرها اللعبي الطفلي – وهو جوهر ما يُسمّى بـ "الواقعية السحريّة" كما أسلفتُ – مُصمّمة لمضامين فكرية ومعرفية شديدة الخطورة والحساسية مما هو مرتبط بسرّة الوجود البشري الراهن . هناك رؤى وأفكار كبيرة وحاسمة تكمن خلف استار الحادثة أو الحوادث الخرافية المتعاقبة التي تجري على مسرح الرواية . ويقوم القصيبي – وهذه سمة أسلوبية رائعة في هذا النصّ – بنثر تلك الرؤى والأفكار بهدوء وبطريقة غير تعسّفية على أرض الحكاية ، و "يمرّرها" بصورة غير مستفزّة .. فمن أعدى أعداء الفن السردي الناجح ، هو أن يتحوّل إلى منصّة للوعظ واستعراض العضلات الثقافية .

في أول لحظات اللقاء الذي جمع ضاري بالجنّي قنديش في فندق "بيفرلي هيلز" ، يلفت الجنّي – ومن ورائه غازي طبعا – نظر ضاري إلى حقيقة قصور ، ليس العقل البشري حسب ، وإنما البنية العضوية البشرية التي نتفاخر بها . فقنديش يقول إن اسمه هذا هو اسم حركي لأننا معشر الإنس ، لا نستطيع نطق اسماء الجن الحقيقية لأن لهواتنا وحناجرنا وحبالنا الصوتية غير مهيّأة للنطق بها (ص 64 و65) . آذاننا البشرية لا تسمع ترددات الأصوات إلا بين ذبذبتي 20 – 20000 كيلوهيرتز ، أي أن الاصوات التي خارج هذين الحدّين لا نستطيع سماعها ، فكم يفوتنا من الأصوات يومياً .. و - وهذا هو الأهم – تاريخيا وحضاريا ؟! وقبل مدّة قرأت خبراً عن نجاح مجموعة من العلماء الفرنسيين بتسجيل صوت الأشجار حين تعطش !ّ! ويمكنك أن تتصوّر كم هو قصور حواسّنا ؟ وكم ينتظر عقلنا من جهد وبحث وعمل لكي نكتشف جوانب يسيرة من ألغاز هذا الكون ؟!

# الجني قنديش يسخر من العقل العربي والمثقفين العرب :

---------------------------------------------------------

ثم تحصل نقلة أكثر أهمية حين يقول قنديش لضاري أنه مثلما لدى الإنس رغبة متأججة وانهواسية في تسقّط أخبار الجن وحكاياتهم ، فإن لدى الجن – بالمقابل – رغبة عارمة في معرفة أخبار الإنس . ولكن رغبة الأخيرين متوازنة وأكثر علميّة وأشد موضوعية ورصانة من رغبتنا نحن معشر البشر . وهذه رسالة كبيرة من االقصيبي . يقول قنديش مخاطباً القرّاء العرب من خلال ضاري :

(لاحظتُ أن لديكم ، معشر الإنس ، حب استطلاع لا ينتهي يدفعكم إلى الهوس بالجن وعوالمهم . وأكبر دليل على ذلك انتشار الكتب التي تزعم أنها تعلم تحضير الجن بينكم انتشارا يفوق انتشار كتب الرياضيات والفسلفة والطبيعة والتاريخ مجتمعة . على سبيل المثال ، يا أخي ضاري ، شاهدت في بيروت طابورا طويلا مصطفا أمام مكتبة أكل الدهر عليها وشرب لشراء مجلّد اسمه منبع أصول الحكمة ، تأليف الإمام الحكيم أبي العباس أحمد البوني . وفي هذا المجلد من خرابيط الإمام وهلوساته ما يشيب له شعر الإنس والجن ... وفي القاهرة ، يا أخي ضاري ، وجدتُ الناس يتدافعون أمام مكتبة متهالكة لشراء كتاب اسمه السرّ المظروف في علم بسط الحروف للشيخ محمد الشافعي الخلوتي الحنفي ، ويزعم مؤلفه ، سامحه الله ، أن كتابه يحتوي "ما يحتاج إليه الإنسان في كل وقت وأوان من قبول ومحبة .. وبغضاء وفرقة .. والنصر على الأعداء ... وإذا كنت تستغرب ، يا أخي ضاري ، هذا الهوس فسوف أزيدك من الشعر بيتاً وأقول إنه حتى في الرياض ، حيث تعلن الهيئة الطوارىء على مدار السنة ترصّداً للمشعوذين والسحرة ، حتى في الرياض وجدتُ عددا كبيرا من مواطنيك يتخاطفون كتاباً اسمه الدرّة البهيّة في الأسرار الروحانية للشيخ محمد بن علي الطندتائي ، يزعم فيه أنه يمكن فك المسحور إذا ردّد الإنسان : "يا شاطليش أطارش كارش فيرش غيدش كياش" . حسبه الله تعالى هذا الطندتائي الكذوب) (ص 68) .

تثير المواقف النقديّة لهذا الجني مرارة حارقة في نفوسنا نحن المتلقين من الإنس الذين نرى هزالة عقولنا في مرآة عقول من نعدهم كائنات خرافية ومتخلّفة . ومن المفارقات المخيفة هو أن المثقف العربي يطبع من كتابه – فرحا ومستبشرا - ألف نسخة لربع مليار عربي ، لا يباع ربعها في أحسن الأحوال ، في حين تهدر آلات المطابع بمؤلفات الجن والعفاريت . إن الطوابير التي يتحدّث عنها قنديش هي من علامات هزيمة المثقف العربي الذي انحسر دوره في كل المجالات .. فلا خريط حداثة ولا خرابيط تفكيك . صار المثقفون العرب عصبة تتراطن في ما بينها ولا أحد يعرف بها ولا يهتم لأمرها . الناس تقول : للمثقفين العرب دينهم ولنا ديننا .. لا ثورة ولا تحرّر بعد أن صار الباعة المتجوّلون هم الذين يتصدّون للفعل التغييري ضد الطغيان والثأر للكرامة المهدورة . (هنا مجال لاقتباسات من طرابيشي؟؟؟) . إن أي كتاب عن الجن يبيع عشرات الألوف من النسخ بما يفوق آلاف المرّات ما يبيعه أي كاتب عربي بنيوي أو تفكيكي حداثي أو ما بعد حداثي !!

وهذه الصورة المهلهلة لحالتنا العقلية المعرفية التي يعرضها الجنّي الناقد قنديش أمام ضاري فيها تأمّلات كبيرة تصدر من جنّي ، تأملات "متقدّمة" وذات طابع "ثوري" وتطوّري في المراجعة والتقييم وإصدار الأحكام ، في حين أن بطلنا الإنسي اختصاصي الأنثروبولوجيا يتراجع – بل ويتدهور – على سلّم التطوّر المعرفي .

 

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000