.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع الشاعر والاديب سامي العامري (الحلقة الأولى)

حمودي الكناني

 ثلاثون عاماً على بوهيمية العامري مع الشاعر والأديب سامي العامري


الحوار من ثلاث حلقات

هنا الحلقة الأولى

س1: عالم الطفولة عالم ساحر,  فيه الاطفال يمرحون ويسرحون  يأخذون نصيبهم منه ,  فماذا تتذكر عن طفولتك وفي أي منطقة من بغداد ترعرت , وهل كنت طفلا مشاكسا  وهل بقي من هذه الطفولة ما يلازمك للآن ؟؟

شكراً للكناني حمودي الأديب المتميز الذي يستلذ المثقف بمواجهة أسئلته لما تنطوي عليه من بحث عن أسرار وتابوهات وقول ما لا يقال !

رغم أني ليست عندي أسرار كبيرة ولكني وقبل أن أجيبك على سؤالك اللطيف عن الطفولة أقول أن الشعر عندي ربما هو فنار يشير لسفني بأصبع من ضوء شاحب إلى مرافىء كثيراً ما أحسُّ أنها أوهام ولكن هذا الوهم أكثر رأفة من التفكير بالبقاء مبحراً في خضمٍ متلاطم مُرٍّ اسمه أقدار حياتي ، إذن فالشعر هنا هو الأمل بجديد ما أو بخلاص ما وإن كان مجهولاً

وأما ساعاتي التي تمضي بالخوض في تفاصيل الواقع وضروراته وقسوته فهي قطرات تتحرك على سطح زمني الفعلي لتنزلق خارجه لذا فهي لا تنتمي لي ولا أنتمي لها ، ومن هذا المنطلق لم أنجح في كل المهن التي تعلمتها بالرغم من محاولاتي لإضفاء نوع من الشعرية عليها كأن أحمل ديواناً معي أو شريط أغنية ، عبث في عبث ! بل إنني حتى حاولت أن أجيب على أسئلتك شعراً موزوناً ومقفىً وأكثر من هذا حاولتُ أن أجعل أسئلتك تنتمي للشعر أو النظم على الأقل بوضع أوزان متعددة لها تبعاً لما تسمح به طريقتك في طرح الأسئلة !!

طبعاً أمزح معك ...

في الحقيقة الشعر والأدب والفن عموماً يخفي سراً هائلاً في قدرته على بث الحماس من أجل العيش ،

العيش على مستوى أعمق وأرقى وزرع قوة روحية في كيان الشاعر والمتلقي لأجل احتمال آلام الحياة وما فيها من إحباطات وقلق وأزمات فأنا حيوانٌ مثخن بالجروح حسب تعبير نيتشه وأما الشعر والفن والأدب عامة فهو البلسم رغم أنه ليس كذلك دائماً

وأما مشاكسات الطفولة والصبى ـ وما أكثرها ! ـ فهي مازالت  تلازمني ولكن بعد أن تحورتْ أو تسللت خفية وربما جهرة كحشد من عازفي كمنجات ونافخي أبواق ومنشدات وراقصات من مسرح الواقع إلى مسرح الورقة .

كان عمري خمس سنوات حين انتقلت عائلتنا من قرية أبو غريب غربي بغداد حيث ودّعنا زقورة عقرقوف ومبنى الإذاعة  وأعشاش اللقالق والبساتين المطهمة بأنواع الفواكه والثمار والطيور إلى مدينة المأمون المجاورة للعامرية واليرموك والمنصور وجامع أم الطبول وحي العامل وتمثال عباس بن فرناس !

 

س2:  مذا تعني لك (الـﭼـنبة)  وهل  كنت تذهب للسباحة تحت جسر الرصافة ؟

الجِنْبة بِرْكة لا نعلم لحد الآن من أين تتغذى على الماء فماؤها من المياه الجوفية أغلب الظن وهي تقع في مساحة فارغة بين شارع المطار في بغداد وحي المأمون على الطرف المجاور وكان ينبت على أطرافها القصب وإلى هناك عندما كنا فتياناً كنا نهبُّ وبسبب الحر في الصيف كنا ( نطبِّش ) على الجرف كل ظهيرة تقريباً حتى تمكنا من إتقان العوم وقطع الجنبة سباحة جيئة وذهاباً وأما عن جسر الرصافة فقد سبحتُ تحت هذا الجسر في منتصف السبعينيات مع أقراني وكدنا نغرق بسبب التعب وما يغرينا من موج بالتمادي في السباحة حتى منتصف النهر وهذه كانت تُعتبر مخاطرة وقتها !

وبمناسبة الكلام عن جسر الرصافة فقد كان لي أخ أكبر مني بسنتين مات وهو في الخامسة من العمر ولا أتذكر ملامحه فهو يمر في مخيلتي كالطيف أو الحلم الخاطف ، أخي هذا كان اسمه مؤيد وبعد سنوات طويلة جاء إلى الحياة أخ آخر لي سمّته العائلة مؤيد كذلك تيمناً باسم الأخ الراحل السابق ، ومؤيد وهو أصغر مني بحدود عشر سنوات ، غرق في منطقة قريبة من جسر الرصافة حين كان يافعاً وغرق معه صديقه أخو الراعية نازك جيراننا وقد عرفتُ بغرقهما هنا في ألمانيا قبل عشرين عاماً تقريباً

هل تلاحظْ ؟ فهناك ما يشبه السحر في الإسم وغرابة الحالة !

س3:  ماذا كانت تعني لك راعية الغنم وقطيعها عندما كنت تصاحبها في بر العامرية في كثير من الأحيان وماذا يقول لك مزمارها ؟

كان جيراننا في منتصف ستينيات القرن الماضي يربون الأغنام والماعز في حضيرة جنب بيتهم الكبير قبل أن تصدر الدولة قراراً بمنع تربية المواشي داخل المدن وكانت نازك البنت الكبرى لهذه العائلة تخرج بالقطيع كل صباح وتعود في الظهيرة وكنا نصحب هذا القطيع نحن الصغار مفتونين بذلك العالم وغموضه وكثيراً ما شاهدت حالات ولادة لأغنام وماعز في أحضان البر الأخضر القاتم أو المشبع بالضوء وبالنسبة لطفل مثلي كان هذا يعني حالة أدنى إلى الغبطة فهي انقطاع وتلاشٍ في الطبيعة بكل ما تحمله من فتنة في خاطر صبي وفي الحقيقة كنت أحس كما لو أني جزء من هذا القطيع المغتبط بالسير والرعي في البر المفتوح والخضرة الممتدة حتى الأفق وأتذكر الحالة عندما كان يتناطح كبشان في فترة التزاوج وحيث الراعية تمسك بقرنيْ أحدهما ليتوقفا وهي تصيح به : أخوك ، أخوك ! وعدة مرات نطحها الكبشان فعادت للبيت وهي تضع يدها على خصرها وتشكو من الأوجاع ! وأيضاً أجراس الماعز المتدلية من أعناقها وهي تلون الحياة من حولنا بجمالية غريبة وترانيم شجية ولهى ، تدفع مثلي لعالم شاعري منهِكٍ وارتعاش الروح ببراءة نادرة ، خاصةً عندما تعلن هذه الأجراس بأن القطيع عائد للحضيرة فثمة مشهد لا ينسى من فرط عذوبته إذ أن الأخت الصغرى للراعية في البيت كانت كلما سمعتْ رنين الأجراس الصغيرة للماعز ، تطلق الحملان الجائعة والمتشوقة تشوقاً عجيباً لأمهاتها من الحضيرة فتتراكض نحوها على الطريق البري في رقصة مرحة مجنونة فالحيوان عادة إذا جاع فإنه ينطلق إلى طعامه بأقصى سرعة ممكنة سالكاً أقصر الطرق وهذه فطرة ولكن الذي شاهدته هو أن الحملان الوديعة وبسبب سرورها وفرحها بلقاء أمهاتها كانت تركض نحوهن متراقصةً يميناً وشمالاً أي بخطوط هي ليست أقصر المسافات !

بل ( متقافزة هنا وهناك ) حسب تعبير الراحل الماغوط ، وكم وددتُ لو أني أستطع رسم هذا المشهد على الورق بكل هيَفهِ وهذه كانت بعض مزامير الطبيعة وجرح الطفولة البهي

( ولكن لمن تقرأ مزاميرك يا داوود !؟ )

س4: متى بدأت تكتب الشعر ولمن قرأتَ أول قصيدة كتبتها ؟

صرختي بعد الولادة ،

تلك الصرخة الكونية الغامضة

كانت أولى أعمالي الشعرية

ــــــــــ

كان المقطع أعلاه من قصيدة نثر كتبتها مؤخراً .

أنا مذهول بالكون وبذاتي أشد الذهول ولولا تعقيدات المدينة ومستلزمات العيش لكرستُ حياتي بأكملها لجنون المعرفة ومنها الشعر والفن والأدب ومع ذلك أعيش في حالات كثيرة أشكالاً من الوجد الصوفي أو الإنخطاف ( نحن في نشوة لو يعرفها عنا الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف ) بتعبير الحلاج وأضيف إلى الملوك والزعماء أصحابَ المليارات والإمبراطوريات الإعلامية والتقنيات الحديثة فيا لبؤسهم وهم محرومون من أعظم النشوات والغبطات !

في السابعة عشر على وجه التقريب بدأت بكتابة الشعر وطبيعي كانت كتاباتي رومانسية ساذجة رغم أنها كانت موزونة بشكل جيد وعلى السليقة وأتذكّر أني كنت كثير الإحتفاء بالطبيعة وتلوين شعري بمباهجها وقد عرضتُ بعض هذه القصائد بخجل على شاعر شاب لطيف في حيِّنا وأتذكر فقط اسمه الأول ( عادل ) فقال لي إنك موهوب ، ونصحني بمطالعة الشعر العربي القديم وإجادة النحو والقراءة للسياب ونازك والبياتي وكان قد عُرف في منطقتنا على أنه شاعر غير أن الحياة لم تمنحه فرصة الإستمرار في الحياة والتعبير حيث خطفه الموت مبكراً في حرب الخليج الأولى مع الأسف

س5:  ماهي حكايتك مع معهد الادارة ، لماذا لم تكمل الدراسة فيه ؟؟

أولاً أحب يا عزيزي أن أشير إلى الخطأ الفادح في مناهجنا التعليمية التي تفصْل المعرفة إلى فروع ، فرع أدبي وآخر علمي فتُخرِّج أنصاف متعلمين فيما الأمر يختلف كلياً في البلدان المتقدمة فمعارف الطالب وهو في المرحلة الثانوية في البلدان الأوروبية مثلاً معارف تتسم بالتنوع فهو يخوض معك بالحديث عن الإلياذة والأوذيسة ودانتي وأعمال شكسبير وغوته بمقدرة ملحوظة وبالحماس نفسه الذي يخوض فيه بالحديث عن قوانين نيوتن ونظريات آينشتاين وداروين وماركوني وعلوم الفضاء وهندسة الجينات وغير ذلك ، وأنا كانت دراستي في الفرع الأدبي وكان معدلي في امتحانات البكلوريا تسعة وستين كما أتذكر وكان هذا في العام 1979 يؤهلني للدراسة في كلية القانون والسياسة أو الإدارة والإقتصاد أو على الأقل في كلية الآداب ولكن لأسباب ربما يعرفها حزب النظام وحده ومعه المنظمة الحزبية فرزوني لمعهد الإدارة والإقتصاد وهذا المعهد كان في بداية ثمانينيات القرن الفائت عُشاً لكلاب المخابرات ومرتزقة الإتحاد الوطني والجيش الشعبي وكنا وفي قاعات الدرس نسمع عبارات في منتهى الفجاجة والسوقية من قبل عميد المعهد وهو يهدد ويتوعد الطلبة إذا لم يعبِّروا عن ولائهم للنظام البائد خصوصاً ، والمعهد كانت فيه نسبة لا بأس بها من الطالبات لهذا فقد كان من العيب وانعدام الذوق التلفظ أمامهن بألفاظ غليظة شوارعية ثم إنه لا سبب كان يدعو لذلك سوى أنهم يأخذون الناس على الظن فبقينا ننظر لبعضنا البعض خلسة من بين المقاعد شاعرين باليأس والغثيان من سبابهم ونفاجتهم وكانت هذه في بداية دوامي في المعهد فأجّلتُ الدراسة لمدة عام ( لأسباب صحية ) على أمل أن لا تجبرني الخدمة العسكرية على المشاركة في حرب النظام المفتعلة مع إيران فلم يكن ثمة عراقي واحد ـ وأولهم كابينة الحكم ـ يتصور أن الحرب ستستغرق سنة مثلاً فكيف بثماني سنوات !؟ وأتذكر الآن وأنا أبتسم بمرارةٍ سيارات الماليبو التي كانت تُمنح لعوائل ضحايا الحرب حيث اعتقد النظام أن الحرب ستكون نزهة لهذا فألف سيارة أو ألفان أو ثلاثة آلاف لن تؤثر على ميزانية الدولة !

أقول لم ينفعني التأجيل ولا الدراسة المتلكئة ولا محاولات التمويه والتحايل على اتحاد الطلبة فما لم تكن مخلصاً للنظام وجرائمه فمصيرك الخطوط الأمامية والموت المحقق ، فحاول  إتحاد الطلبة بشكل غير مباشر التلميح لنا بالإنضمام للكلية العسكرية والتخرج كضباط خلال أربعة أشهر من خلال دورات سمّوها مكثفة أو مركّزة وكانت رتبة ضابط في الجيش تعني الإمتيازات الكبيرة في ذلك الوقت ولكننا عرفنا أنه الفخ فهم كانوا يحتاجون إلى جنود وضباط على عجل لسد الثغرات الكبيرة التي ولّدتها الخسائر والهروب من الجبهات فلم أصغ لهم ومرة طالبونا بإجراء دورات في التدريب على السلاح وركَّبوا في رؤوسنا تهماً باطلة فكانت النتيجة هي الإلتحاق بالجيش والتهيؤ لهجوم إيراني وشيك في قاطع علي الغربي بالعمارة وكان ذلك في عطلة الصيف فكانت تلك العطلة بداية تحول كبير في حياتي حيث تمردتُ ولم أشارك وتخفيتُ ببغداد في بيتنا وبيوت عدد من الأصدقاء الرافضين للحرب والمتخلفين عن الخدمة ثم التحقتُ نادماً حسب لغة السلطة آنذاك بعد أن ضيقوا علينا الخناق وهناك من الجبهة والخطوط الأمامية في بنجوين خططتُ لعبور منطقة الحجاب أو الساتر إلى إيران ففعلتُ ذلك في ليلة قمراء تارةً وماطرة تارةً أخرى حيث كان من شبه المحال عبور حدود العراق من جهاته الأربعة فهي كانت محكمة الإغلاق ومزروعة بخنازير المخابرات والأمن وحرس الحدود بل إنهم جنّدوا الكثير البدو كما نعرف كعملاء وزودوهم بالسلاح

 

 س7 : سامي العامري أنت شاعر مرهف الحس وكاتب جميل العبارة وبارع في انتقاء الكلمات النعناعية , نريد التعرف على سامي العامري الانسان البسيط لا سامي العامري الشاعر ؟

 

شكراً لك صديقي :

( زينُ الشباب أبو فراسٍ لم يُمَتَّعْ بالشبابِ ) !

آلمني كثيراً في بدايات وجودي في ألمانيا أنهم في مركز استقبال اللاجئين في مدينة نورنبرغ وزعونا عشوائياً على أبنية مخصوصة لسكنى اللاجئين في مدن وقرىً ألمانية مختلفة بانتظار البت في أمر قبولنا كلاجئين في هذا البلد ولسوء طالعي كانت حصتي قرية صغيرة على حدود النمسا فحملَنا باصٌ إلى هناك وكنا فقط من الرجال ومن قوميات مختلفة عربية ، كردية ، آسيوية ، أفريقية وبولونية ، وأهالي القرية في البداية رحبوا بنا وتقربوا منا وحاولوا تفهم ظروف مجيئنا إلى بلدهم وعملوا لنا دعوات عشاء وحفلات غنائية وثقافية متنوعة ولكن التخلُّف هو التخلُّف فقد هرع أغلب هؤلاء الرجال اللاجئين إلى المرقص الوحيد في القرية كل مساء ومعروفٌ بمَ يفكر الكثير من اللاجئين وعلى أية حال ضجّ أهالي القرية منا قليلاً قليلاً وضاقوا بنا فقاطعونا بل ضربوا العديد من اللاجئين ضرباً مبرحاً وسخرتْ منا صحافتُهم المحلية ممّا حوَّلَنا إلى مصدر للتندُّر ، تصورْ !

وحاولتُ الإنتقال إلى مدينة أخرى ولكن هذا لم يكن ممكناً فلم يعد أمامي إلإ الركون للخمر بانتظار ضوء ما يسكبه ملاك من بين السحب وكنتُ لأسباب روحية فشلتُ بمعرفتها أتحمَّمُ ثلاث مرات في اليوم وأحياناً أكثر من ذلك ولم تتخلل تلك الفترة لمحةٌ شاعرية ملفتة لكي تستثيرني فأكتب عنها برقّة ، إنه كابوسٌ فعلي قابلته بتمرد واحتجاج على الورق غير أني اكتشفتُ لاحقاً أنه صراخٌ سطحي وليس ناضجاً فغضضتُ النظر عنه ما خلا بعض اللمحات الشفيفة التي كانت تبزغ من داخل كياني وهي من بقايا ماضٍ بعيد جداً

ومن ناحية أخرى أنا الآتي من بلدان الكبت والفهم الكسيح  للدين ، أثّرَ في نفسي عدم تطميني لرغبتي الجسدية واشمئزازي ممَّن حولي ومن كل الناس في القرية فمرةً جاء خوري القرية أو قسِّيسها إلى بنايتنا ليفضَّ عراكاً نشبَ بين لاجىء عربي وآخر تركي بسبب امرأة !

وكان هذا الأمر محرِجاً جداً

ناهيك عن أمور شخصية ، منها رؤيتي لحماسي السابق وهو يتبدّدُ ، حماسي من أجل السعي للحصول على شهادة عليا في الأدب المقارن مثلاً ولم يكن لي صديق إلا الدانوب القريب والذي كنت أبثّ أمواجه المتلألئة شجوني وأحزاني كلما هبط الليل

وعلى هذا المنوال استمرت تلك الحال قرابة سنة وأربعة شهور حتى حصلتُ على الموافقة بقبولي كلاجىء سياسي وعندها فقط استطعتُ التنقل في مدن كبيرة واسعة وتعرفتُ أخيراً على بشر مختلفين وإمكانات كثيرة وتنفستُ هواءً نقياً ولكن التجربة السابقة في القرية كانت قد نالت من نفسي وخلَّفتْ في الروح ندوباً لم أستطع إزالتها إلا بعد سنوات وسنوات أنا الإنسان الحساس الذي كنتُ أطمح أن أجد عزاءً وسلوى في وصولي إلى بلد أوروبي ،

وهذه الحقيقة لم أصرِح بها أمام أحدٍ سواك !

وعلى أية حال ، لقد مضى على هذه الذكرى أكثر من ربع قرن

ومنها تعلَّمتُ أني سأواصل حياتي مهما حدث ولن أشكو أو أتذمر

والآن وفي هذه اللحظة أتأمَّل كل تلك المِحَن التي مررت بها وأنا شاب يافع فأبتسم لانهيارها على قامتي دفعةً واحدة انهيارَ جبلٍ من صقيع !

وما أريد قوله أيضاً هو أني بعد ثلاث سنوات من وجودي هنا استطعتُ تعلم اللغة الألمانية والإختلاط بالناس ومحاولة التعرف أكثر فأكثر على كيفية تفكيرهم وما يحبون وما لا يحبون وعاداتهم وطقوسهم ففي السنتين الأولَيَين من وجودي في ألمانيا أي عامي 1986 و 1987 كنتُ أتحدث الإنكليزية مع الناس غير أني اكتشفتُ أن الألماني يعتز بوطنه وثقافته القومية لذا فهو يفضل أن تتحدث بلغته حتى وإن كانت ركيكة ومليئة بالأخطاء النحوية على أن تتحدث بلغة أجنبية كالإنكليزية مثلاً ، علماً أن الكثير من الألمان يتكلمون الإنكليزية بإتقان وكذلك الفرنسية وحين عرفتُ هذا المجتمع عرفتُ شكل الحياة التي تنتظرني فتواءمتُ مع حياة بسيطة زاهدة ولكن ليست عابثة مهمِلة إلا عبر خمسة أعوام عشتُ فيها التشرد والصعلكة عدا هذا فحياتي هي أقرب إلى التصوف الواعي إن جاز التعبير فأنا في حوار شبه دائم مع الله والتأمل بفكرة الموت والجمال والمصير النهائي للعالم ،

وتلاحظ لجوئي التلقائي إلى نقل النكتة والخبر المرح والصور الطريفة النادرة التي تنتمي لفن خداع البصر في صفحتي على الفيس بوك مثلاً وكل هذا تستطيع اعتباره جزءاً من استراحتي العقلية فأنا كثير التأمل وقارىء نهم أقرأ أكثر من عشر ساعات يومياً وفي شتى التخصصات وأفعل هذا منذ أكثر من ثلاثين عاماً طالما لدي الكتب الجديدة والمثيرة لفضولي المعرفي واليوم وبفعل الإمكانات الهائلة التي يقدمها النت فالذي يعيقني عن الإستمرار في القراءة هو التعب الجسدي أو تعب البصر وفي السابق كنتُ أريح ذهني وذاكرتي من الإجهاد عن طريق التخطيط الفني ونفذتُ الكثير من التخطيطات في حياتي غير أني لم أحتفظ إلا بالقليل منها ، وهي هواية شخصية تخصني وحدي أمارسها منذ سنين طويلة نسبياً وأحياناً أدعو كؤوس النبيذ ولكن صحتي واعتبارات العمر نوعاً ما لم تعودا تسمحان بذلك إلا نادراً لهذا ألجأ كما أسلفتُ إلى الطرفة البريئة أو القوية اللاذعة وأتبادلها مع الأصدقاء وكل هذا له علاقة مباشرة بنشأتي والبيئة التي ترعرعتُ فيها وطبيعة أصحابي القدامى ولطافتهم .

كل ما أريده في حياتي هو السيجارة والقهوة والإنترنت وقليل من النبيذ أحياناً وحديقة عامة أتجول فيها ثم صديقة أزورها وتزورني بين الحين والآخر ! هل أعجبك ؟ فكم أنا خفيف الظل على الدنيا إذاً ، أنا الذي أحمل في وعيي هموماً أثقل من جبال البيرانس ؟

 

س8 : لماذا أراك في بعض الأحيان باكياً ملتاعاً في أحلامك وفي يقظتك وعندما تمشي أو تقعد ، هكذا تحدثني سطور كتاباتك أو يخال لي هذا أحياناً ، هل تندب أملاً لم يسطع في دروب حياتك أو خــلاً خانك أو حباً لم يكتب له النجاح ؟؟

أها ، في بداية محاولاتي مع قصيدة النثر في منتصف الثمانينيات جرَّبتُ الكتابة على غرار أسلوب الماغوط فقد مدحه الكثير من المثقفين أمامي في مركز اللاجئين بطهران فكتبتُ نصوصاً نثرية احتجاجية عالية النبرة وبحكم تجربتي القاسية أيضاً في السجن والجيش والجبهة وسوء المعاملة لاحقاً من قبل الجانب الإيراني لي ولأغلب العراقيين الذين لم يتناغموا مع توجهات نظام طائفي قمعي سلفي كالنظام الإيراني إلا أنني وجدتني لا أجيد هذا اللون من الشعر ثم إنه لا يعكس ما يجيش في كياني صور وأحلام كما أسلفتُ في ردي على سؤالك السابق ويوماً ما قررتُ بأن الحل الأنجع هو الحب وفي أكنافه سأنتقم لنفسي من هذا العالم اللئيم !

وبالفعل تعرفتُ ذات صباح على فتاة ألمانية يهودية عن طريق المصادفة ، والرائع فيها وفيّ أنني ما عرفتُ أنها يهودية إلا بعد مرور شهرين على علاقتنا وهي أيضاً لم تخبرني لأنه لم تكن هناك ضرورة أو سياق يستدعي قولها بأنها يهودية إلا حين تعرض الفلسطينيون إلى قصف عنيف من دبابات وطائرات إسرائيلية وكنت أصغي معها وأرى ذلك في التلفزيون فسبَبْتُ الإسرائيليين واليهود معاً ! وكنتُ بالفعل غاضباً جداً بسبب الضحايا والخراب وكنتُ أيضاً لم أزل شاباً لا أجيد الخوض في السياسة ومكر الساسة إلا بلغة انفعالية فقالت لي بعتاب : لا تُسبَّ اليهود أرجوك فأنا يهودية ! فاعتذرتُ لها وبينتُ وجهة نظري فقبلتْ عذري ثم انتقلنا بكل رشاقة إلى موضوع آخر ... تلك الفتاة أفادتني بقدر ما أفدتها معنوياً وروحياً وكانت متحررة جداً وهذا ما أفادني كذلك وعلمني قيمة الجرأة وضرورتها للنجاح في مجتمع رأسمالي مادي أو للإفلات من قبضته على الأقل ... !

ويوماً ما فاجأتني بتصرف غريب عليَّ حيث زارتها صديقة لها لم تلتقِ بها منذ شهور فدخلتُ البيتَ فوجدتهما معاً عاريتين على السرير !

ووسط دهشتي قالت لي : أنا مثلية وصديقتي أيضاً ثم مدت لي صديقتها يدها فارتبكتُ ولم أدر كيف أتصرف ولكني أتذكر أني شتمتهما وخرجتُ من الشقة على الفور وكان الوقتُ ليلاً وبقيتُ سهران في إحدى الحانات وبعدها انفصلنا !

وقد كتبتُ وقتذاك عدة قصائد عن تلك التجربة منها قصائد عمودية ومنها قصائد تفعيلة.

وكانت لي علاقتان مع أديبتين عراقيتين واحدة منهما التقيتها فيما بعد وكان القاء حاراً ولكننا لم نستمر نظراً لظروف صديقتي العائلية التي أحترمها فانفصنا بأسلوب متحضر أي دون زعل من بعضنا ومما كتبته عن تلك العلاقة :

أسرارُنا تتوالى

والدربُ قيل وقالا

 

فالحبُّ أينعَ كرمةً

في الخافقَين فمالا

 

وزها كسنبلِ دجلةٍ

وكبرتقالِ ديالى

 

ما ضرَّني أو ضرّها

وقضى الإلهُ وصالا ؟

 

وإذا قضى أمراً وفى

سبحانهُ وتعالى !

ــــــــ

في الواقع شغلتْ المرأة حيزاً مهماً من تفكيري وقد سئمتُ مبالغات رجال الشرق في هذا المضمار وحتى الكثير من المثقفين منهم وما ينسبونه لأنفسهم من ( أمجاد ) عاطفية ومغامرات جسدية فتحس وأنت تصغي لهم وكأنك تستمع إلى حكايات ألف ليلة وليلة ، هذا بدلاً من محاولتهم تشخيص المشكلة واقتراح حلول واقعية لها ،

يقول أدونيس وهو مُحِقٌّ :

( من أعقد المشكلات عندنا وأشدها إلحاحاً هي مشكلة الجنس )

وحين يسأله المُحاوِر عن الحل برأيه ، يجيب بما معناه : لو عرفنا السبب كما عرفه رامبو لما كان لهذه أن تصبح مشكلة ، يقول رامبو : ( يسوع ، يا لِصّاً أزلياً يسلبُ البشرَ نشاطهم ) .

ومن ناحيتي فأنا لم أكن أريد في حياتي غير امرأة واحدة متفهمة أعيش معها الحب بأسمى معانيه غير أنني لم أعثر على المرأة الحلم تماماً وربما هي محنة الشاعر أو الفنان على طول الخط ولكن لا بأس فهذا الأمر لم يمنع قلبي من التدفق بالحب دوماً فكل الذي يحتاجه امرؤ مثلي هو النظرة العميقة للأشياء وكيفية إغرائها كي تمتثل له فتتعرى أمامه ، هذه النظرة الذاهلة هي التي تجعلني أصيح بأن هذا العالم جميل رغم كل شيء وأن الحياة مليئة بالحياة .

وجل ما أطمح إليه هو الإحتفاظ بهذه النظرة الشرسة الوديعة للأشياء ، هذه النظرة التي ترسلني إلى ممالك خارج الزمن ومعاييره حيث ثوانيه قرون من الروعة وإلا فأنا عارف بأني فانٍ ومن حولي فانٍ وما حولي فانٍ معي ، وللمتنبي بيتٌ ضمن قصيدته الفذة الشهيرة التي مطلعها :

ما لنا كلُّنا جَوٍِ يا رسولُ

أنا أهوى وقلبك المتبولُ ؟

ــــــــ

يقول فيه وهو يشير إلى الإنسان القاطن في الدنيا وهو على وشك مفارقتها بأن من رأى الدنيا بعينها أي من صوَّر نفسَه في مكانها ورأى أهلها وهم على وشك توديعها شاقه النظر إليهم مثلما يشوقه النظر إلى حُمول الراحلين ويعني بالحمول الأبل التي تحمل الهوادج وأما القُطّان فهم القاطنون :

من رآها بعينها شاقَه القُطّا

نُ فيها كما تشوقُ الحُمولُ

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

برلين

آذار ـ 2014

 

حمودي الكناني


التعليقات

الاسم: إلهام زكي خابط
التاريخ: 13/04/2014 21:58:09
حينما نحب أن نقرأ القصائد الجميلة لشاعر معين بالتأكيد نرغب في أن نتعرف على الجوانب الأخرى لهذا الشاعر وهذا ما قام به الأديب الرائع حمودي الكناني في حواره الجميل مع الشاعر البليغ سامي العامري
مع جزيل الشكر لكلا الأثنان
مودتي

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 11/04/2014 06:07:57
نعم أيها الصديق الفذ شعراً وحذقاً في التقاط ما يخفيه الإنسان من جروح !!
الرائع الساعدي
بعض ما يحزنني أحياناً من الماضي هو أني كنتُ فيه مهمِلاً وكسولاً
غير أني أعود فأقول هو العصر الذي نحيا فيه يقتل ما فيك من إرادة واعية ودفق نبيل فنحن لا ننتمي لهذا العصر مهما حاولنا إيهام أنفسنا بخلاف ذلك
الآفاق مغلقة رغم أن قلوبنا مفتوحة على مصاريعها
ولكن لا يهم فنجاحنا ربما تمثل بكبرياء نادرة حملناها كما لم يحمل سيزيف فهو فشل في الوصول بصخرته إلى القمة رغم محاولاته اللا نهائية وأما نحن فركزناها عند أول محاولة للتسلق !
محبتي الخالصة مع كأس أناناس وأردفها بكيوي ثم مانكَو !
أقول هذا بمناسبة حديثك الأخير عن روعة بلدان أمريكا الجنوبية

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 11/04/2014 05:49:35
صباح المسرة للصديقة الفنانة المتألقة الطائي
ضحك صديقي الإنباري أو ابتسم طويلاً حين أخبرته بزيارتك برلين
أعتقد من الجميل أن تنشري بعض أعمالك الأخيرة فقد راقت لي كثيراً
أو حاولي نشر بعض نصوصك النثرية
فرحتُ برقيّ انطباعتك ولطفك
دام لك العبير مع الود والتقدير

الاسم: جميل حسين الساعددي
التاريخ: 11/04/2014 01:03:10
حوار صريح أجراه الأديب المبدع حمودي الكناني مع الشاعر الرائع صديقي العزيز سامي العامري
الذي أعرفه عن سامي أنه يعاني , وفي أعماقه جرح لم يندمل زرته مرة في الدار, استرعت انتباهي صورة لفتاة معلقة على الجدار, سألته من تكون هذه الفتاة أجاب حبيبتي التي توفيت بمرض خبيث , ثم سالت دموعه, بعدها أخرج كتابا من تألفيه, وقال لي كم جميل لو ترجمت هذا الكتاب إلى الألمانية.. قلت سأكون سعيدا , لكنني مثقل الآن بهموم , ووقتي ضيق , ولست في وضع يسمح لي بترجمة كتاب. سامي العامري إنسان حقيقي وشفاف.. وهو شاعر من الطراز الرفيع.. الأخ حمودي نعته بالبوهيمية, أنا ارى سامي إنسانا فطريا ما زال يعيش مثل طفل في أحضان أمه الطبيعة..في سامي تجتمع صفات الشاعر الحقيقي, الذي يتحدث من قلبه , ويكشف عن أحاسيسه ومشاعره, بدون تحفظ أو خوف
سامي العامري ظاهرة متميزة في الشععر العراقي المعاصر,
جديرة بالقراءة والتحليل من أجل الإستفادة منها
نشكر الأديب المبدع حمودي الكناني على هذا الجهد, الذي بذله بالتعريف ببعض الجوانب من حياة الصديق الشاعر العامري
احترامي وتقديري للإثنين

الاسم: سلمى الطائي
التاريخ: 10/04/2014 16:12:43
محبتي ايها السامي الرائع
أخبرتك بفرح بأني خزنت الحوار لجماله والدراما فيه!
وساحفظ بقية الأجزاء
وأتمنى ان يصدر ككتاب
مع الشكر والاحترام للأديب حمودي الكناني




5000