..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نبيل سليمان في (مجاز العشق) : الرواية التي رأت كلّ شيء (10)

د. حسين سرمك حسن

قصّ ماورائي بامتياز :

وفي الكثير من أعماله ، يعمد نبيل سليمان إلى استثمار تقنية ماوراء السرد أو القصّ الماورائي أو ما يسمى الآن بالـ metafiction ، وهي باختصار العمل السردي الذي يلفت انتباه القارىء إلى أوالياته قصداً (راجع دراستنا عن روايته : "هزائم مبكرة") ؛ هي العمل الذي يلفت الإهتمام إلى ذاته كعمل فني . إنها أشبه بالمسرح التمثيلي الذي لا يتيح للمشاهد فرصة نسيان أنه يشاهد مسرحية . والسرد الماورائي لا يتيح للقارىء فرصة نسيان أنه يقرأ رواية . ولها طرق متنوعة منها :

-رواية تتحدث عن كاتب يكتب رواية .

-رواية حول قارىء يقرأ كتابا أو رواية

-رواية تتضمن عملا روائيا آخر داخلها

-رواية يعرض فيها الروائي ذاته ككاتب لها

-رواية فيها تبحث الرواية نفسها عن تفاعل مع القارىء

-رواية يجبر فيها القرّاء المؤلف على تغيير الرواية

-رواية تدرك فيها الشخصيات أنها شخصيات في رواية

وغيرها الكثير ..

وقد اتبع نبيل الكثير من هذه الوسائل الماوراء سردية ، ولكنه في هذا النص جعل هذه الموضوعة مقوّماً مركزيّاً من مقومات معماره ، فمنذ الصفحة الأولى : صفحة المحتويات ، اختار عنواناً غير مطروق تقريباً هو (دليل) ثبت فيه أقسام روايته :

-كالمقدّمات الذي ضمّ نصّي عابرة وعابر

-كالمتون : وضمّ متن الرواية الفعلي

-كالخواتيم : عنواناً فقط للبياض الختامي وهو الإنفتاح التأويلي للنهايات الذي سيضطلع به القاريء كما أفترض . 

ولعلّ اختيار حرف التشبيه "الكاف" للمكوّنات الأساسية الثلاثة يعني ضمنيّاً إمكانية وجود بدائل أو اختيارات تجريبية أخرى ضمن إطار إعادة الكتابة التي يضطلع بها كل قاريء عادة وهو يحاور النص الذي بين يديه وفق مختزنات "أرشيفه" الشخصي .

وفي الصفحة الأولى من متن أو "متون" الرواية ، وفي قسم "موت أغنية" ، يدخل الروائي وعبر بطله ساحة ماورائية السرد :

(عبر الصالون وهو يتمطّى فاستوقفته شاشة الكمبيوتر : تبسّم لها وهمس : قانون الشعث : خجلت الشاشة وأومأت إلى لوحة المفاتيح : تبسّمت المفاتيح وهمست : هل تبدأ اليوم بكتابة رواية أم .. ؟ ) (ص 15 طباعياً والأولى في المتن) .

ثم يمضي الكاتب وعلى امتداد مسار روايته (270 صفحة) في اللعب على أوتار متلاحقة متنوّعة يشعر القاريء بها أن نصّه بأكمله يدور حول كيفية كتابة هذه الرواية (في رحم الرواية الأصلية طبعاً ، وهذه من عطايا سيدة الحكايات : ألف ليلة وليلة) . ففي استهلال القسم التالي : "زلزلة" ، يقول :

(أغرق المطر المدينة طوال النهار وحبس فؤاد صالح أمام الكمبيوتر : يخاتل لذة الكتابة مشنّعاً على رولان بارت وينشد حبّاً تحت المطر مشنّعاً على نجيب محفوظ) ( ص 17) .   

وفي القسم الثالث : "صخرة" يكشف لنا معاناته في تعسّر الإنثيال التلقائي للكتابة السردية وارتباك بداياته في مشروعه :

(نهض فؤاد من أمام الكمبيوتر أسيان : تأمّل أنامله التي جرّحتها الصخرة أو القبّة أو مفاتيح الكمبيوتر : عندئذ اعترف فؤاد أن الكتابة تصخّرت : ولبث ينتظر أن تنزّ الصخرة رواية : ) (ص 21) .

وهكذا يواظب فؤاد على الطرق على معضلة كتابة الرواية التي ستصبح أيضاً - بفعل هذا التكرار والحيوية وتظافر عوامل متجدّدة من الصعوبات - همّاً أساسياً للقاريء الذي سيوضع عاجلاً أم آجلاً ، واعياً أو غير واعٍ ، في موضع المشارك المتسائل الباحث عن منفذ لرسم أشياء قد تكون كالمقدّمات أو كالمتون أو كالخواتيم لرواية استعصت وتصخّرت مواردها وصارت مصدر عذاب للراوي والروائي خارج وداخل الرواية .. وله - أي القاريء - أيضاً .

ليس هذا حسب ، بل نجد الكاتب يحاول إشراك القاريء في "كيفية" كتابة الرواية عبر حوارات فؤاد مع صبا وفاتن حول الطبيعة التي ستكون عليها الرواية ، ومكوّناتها ، وحدود استثمارها للأسطورة والموروث وللوثيقة والمعلومة ، وكذلك - وهذا ما لا يقل أهمية وتأثيرا - صلتها بالزمن وأبعاده الثلاثة ، وأولويات إخلاص الكاتب لأيّ منها .

وفي كل لمحة من لمحات الرواية وحوارات شخصياتها هناك مقترب جديد من فن الحكاية ، وضرورته في حياتنا ، وكيفية كتابته ، وطبيعة مكوّناته ، وصلته بمقوّمات فعله التي توفّر له "مادة" هذا الفعل ليكون ناجزاً ، وأهمها : الذاكرة . فالرواية الآن - في ظلّ طوفان العولمة الذي يعادي الهوية والذاكرة ، وفي ظلّ موجات ما بعد الحداثة - تواجه معضلات كبرى أوّلها أنها - وهي التي تستثمر الماضي في الحاضر - صار عليها أن تكتب للحاضر ، ولهذا تجد الرواية الغربية تُكتب للسينما أصلاً ، وتتناول موضوعات "الآن" البشري في جانبه الغريزي : الجنسي والعدواني ، تصوّر الناس هناك تقف طوابير بعد منتصف الليل ، وفي البرد ، تنتظر الجزء الجديد من "هاري بوتر" ، أو تحسب الساعات لصدور الجزء الجديد من "جيمس بوند" . هذا الموقف من الذاكرة والماضي هو ما وضعه الكاتب على لسان الأستاذ محمّد :

(وسائل اتصال تعزّز الخواء : تكنولوجيا تقتلعنا فرادى وجماعات مثل الإستبداد : هويّة تنطمس مثل الماضي والمستقبل : ما بقى لك غير هذا الحاضر يا أستاذ فؤاد : كيف تنكتب رواية إذن ؟
ألهب السؤال خطاه إلى الهافانا وأفرده في الزاوية يهمهم : هذه فتنة : لا حداثة ولا ما بعد حداثة ولا ما قبل : فتنة بأي معنى شرّعه القاموس أو سيشرعه أو أن يشرّعه : هل يمكن أن تكون إذن رواية - فتنة ؟ ) (ص 29) .

ومع كل فكرة جديدة تبزغ حول إشكالية كتابة رواية في هذا الزمن الغابة بحركته القطيعية ، يُدخل الكاتب رأياً مضافاً لشخصية أخرى من شخصيات الرواية تعبّر عن انشغالات تلك الشخصية التي تمثل في الواقع تيّاراً فكرياً واجتماعياً في الحركة المجتمعية المحلية والعالمية . فمع محاورة فؤاد الذاتية السابقة - التي يبدو أنها كانت مسموعة - عن فتنة الحداثة وما بعدها ، وعن رواية الفتنة ، يقتحم شهاب الوزير عليه خلوته في المقهى فجأة ، ويعلّق على مكابدات فؤاد لإسلاس قياد الرواية في الأيام الماضية :

(-إذا كان في صخرتك بترول تصبح سرعتها أبطأ :

خاف فؤاد من أن تُفسد رائحة البترول روايته وصخرته فهمّ بالوقوف لكن شهاب تصدّى له بسخرية أكبر :

-اجعل روايتك من طين : من رمل لو شئت : موجة الزلزال في الطين والرمل أعجب منها في الصخر : السبب ؟ الماء يا فؤاد : الماء الذي لن ينزّ من صخرتك ولا من هذا :

وخبطت كفّ شهاب على عضو فؤاد فتقوّس متوجّعاً ثم فرّ خوفاً من أن يصدّق هذا الهذر ويضيّع من جديد فتنة أو رواية : ) (ص 29) .

وكأنّ - وهذا من المعاني النفسية الدفينة - فعل الحكي دفاع ضد الإنخصاء الفردي والجمعي برغم "خفّة" رأي شهاب ووضعه أولويات أخرى مغايرة .

ولكن رؤيا فؤاد إلى دور الرواية أكثر عمقاً وسعةً وأغور تجذّراً ، فالرواية من الناحية الفلسفية هي "التي ترى ما لا يُرى" ، وهي الكائن الخرافي القادر - من بين كل الأجناس - على أن يلتهم كلّ شيء .. كلّ شيء . وعمليّة الإلتهام هذه تتطلب شجاعة غير عادية فهي مغامرة جرأ عليها نبيل سليمان في روايته هذه :

(ستكون مغامرة : ليكن إذن الفراكتال أو الشعث أو أي عنصر في هذه الحوجلة أو على المائدة اللتين تأتيان على العراء : كيمياء هي ربما : خلق : شهوة تلتهم المصادر والمراجع والخطابات واللغات : ) (ص 144) .

# فتنة الحداثة الخطيرة : فراكتال الرواية :

---------------------------------------

وليست الإشارة إلى مصطلح "الفراكتال" مدفوعة بدافع البذخ الفكري أو الميل إلى إدخال صرعة في الكتابة الروائية . ففي العالم الغربي دخلت "هندسة الفراكتال أو الهندسة الكسورية - Fractal Geometry أو Fractals" في مجالات عديدة من الحياة كالموسيقى والرسم والعلوم الإنسانية والكتابة الإبداعية . والهندسة الفراكتالية أو الكسورية تهدف إلى دراسة الأشكال الهندسية المؤلفة من كُسَيْريات غير منتظمة ومعقدة والتي لا يمكن دراستها من خلال الهندسة الإقليدية الكلاسيكية. مصطلح الفراكتال مأخوذ من الكلمة اليونانية fractus أي الغير المنتظم والمكسور، إستعمله للمرة الأولى في الرياضيات الباحث الفرنسي الأمريكي من أصول بولندية، بينوا مانديلبرو (Benoit Mandelbrot) سنة 1974 والذي يُعتبر مؤسس الهندسة الفراكتالية . الكسيرية إذا يمكن تعريفها على أنها كائن هندسي خشن غير منتظم على كافة المستويات ، ويمكن تمثيلها بعملية كسر شيء ما إلى أجزاء أصغر لكن هذه الأجزاء تشابه الجسم الأصلي . تحمل الكسيرية في طياتها ملامح مفهوم اللانهاية وتتميز بخاصية التشابه الذاتي أي أن مكوناتها مشابهة للكسيرية الأم مهما كانت درجة التكبير . غالبا ما يتم تشكيل الأجسام الكسيرية عن طريق عمليات أو خوارزميات متكررة : مثل العمليات الذاتية الاستدعاء أو التكرارية (8).

ولكن هذه الفكرة التي رفضها فؤاد في حواره مع صبا التي عرضت عليه أفكار كمبيوترية هندسية (شكلية) لتطوير كتابته السردية ، وأفكاره عن "البنية" الروائية . وأنا أعتقد - وهذه وجهة نظر شخصيّة مطروحة للنقاش  - أنّ في موقف فؤاد الكثير من الصحّة ، لأن هذا الموقف الهادف إلى تعميم نتائج وقواعد الهندسة الكسورية على المجتمع البشري بأكمله يقوم على أساس فلسفة المجتمع الغربي المادية التسووية التي ترى أن المجتمع البشري جزء من الطبيعة ، وأن ما ينطبق على الطبيعة من قوانين ينطبق على المجتمع البشري ، وما يٌستخدم من وسائل وأدوات ومناهج لدراسة الطبيعة يمكن أن يُستخدم لفهم الإنسان . في الهندسة الكسورية يمكن أن تأخذ مثلثاً صغيراً وتعمل على تكراره آلاف المرّات فينتج لك في النهاية شكلاً مختلفاً نوعيّاً عن المثلث يتميّز بـ "اللاانتظام" بصورة كاملة ، لكن اصله الكمّي هو مثلث . ووفق هذه الصيغة يحاول المفكرّون الغربيون تفسير واحد من قوانين المادية الديالكتيكية الماركسية وهو قانون : التحوّلات الكمية إلى التحوّلات الكيفية . وهذا أخطر ما في تيار ما بعد الحداثة الغربي .

وهذا من الآثار شديدة الخطورة على الوضع الإنساني التي أفرزتها الفلسفة المادية الغربية ، وهي تتعلق بركيزتها الجوهرية التي تناقض ما يؤمن به فؤاد ، فهي ذات مرجعية كامنة ونهائية . والمرجعية هي الفكرة الجوهرية التي تشكّل أساس كل الأفكار في نموذج معين ، والركيزة النهائية الثابتة له التي لا يمكن أن تقوم رؤية للعالم دونها (هي ميتافيزيقا النموذج) ، والمبدأ الواحد الذي تُرد إليه كل الأشياء وتُنسب إليه ولا يُرد هو أو يُنسب إليها . ومن هنا يمكن القول بأن المرجعية هي المطلق المكتفي بذاته والذي يتجاوز كل الأفراد والأشياء والظواهر ، وهو الذي يمنح العالم تماسكه ونظامه ومعناه ، ويحدّد حلاله وحرامه  . ووجوده هو ضمان أن المسافة التي تفصل الإنسان عن الطبيعة لن تُختزل أو تُلغى . وبالنسبة له فإن الإنسان قد اصبح مركز الكون بعد أن حمل عبء الأمانة والاستخلاف . أمّا مرجعية المجتمع الذي يحكمه عقل مادي فإنه يؤمن بمرجعية مخالفة جذريا .. مرجعية كامنة في العالم (الطبيعة أو الإنسان) ؛ العالم الذي يحوي في داخله ما يكفي لتفسيره دون الحاجة إلى اللجوء إلى أي شيء خارج النظام الطبيعي . ولهذا لابد أن تسيطر الواحدية المادية حصرا ، ولا مجال لأي ثنائيات مثل الله والإنسان ، أو الروح والمادة ، أوالجسم والنفس ، أو الخير والشر .. إلخ . وفي هذه الواحدية المادية يتوحّد الإنسان بالطبيعة بحيث يُرد كله إلى مبدأ واحد كامن في الكون ، ومن ثم فإن عالمنا المادي لا يشير إلى أي شيء خارجه . فهو عالم لا ثغرات فيه ولا مساحات ولا انقطاع ولا غائيات ، تمّ إلغاء كل الثنائيات داخله .. وتم تطهيره تماما من المطلقات والقيم ، وتم اختزاله إلى مستوى واحد يتساوى فيه الإنسان بالطبيعة هو مستوى القانون الطبيعي / المادي ، أو الطبيعة / المادة (المطلق العلماني النهائي) . وفي مثل هذا العالم الواحدي الأملس لا يوجد مجال للوهم القائل بأن الإنسان يحوي من الأسرار ما لا يمكن الوصول إليه ، وأن ثمة جوانب فيه غير خاضعة لقوانين الحركة المادية . بل ويمكن تطبيق الصيغ الكمّية والإجراءات العقلانية الأداتية على الإنسان ؛ كما يمكن إدارة العالم بأسره حسب هذه الصيغ . ويتحول العالم إلى واقع حسي مادي نسبي خاضع للقوانين العامة للحركة (ومن ثم قابل للقياس والتحكم الهندسي والتنميط) وإلى مادة استعمالية يمكن توظيفها وحوسلتها .

وفي هذا الإطار تصبح المعرفة مسألة تستند إلى الحواس وحسب ، ويصبح العالم الطبيعي هو المصدر الوحيد أو الأساسي للمنظومات المعرفية والأخلاقية ) (9) .

ووفق الهندسية الفراكتالية ، يصبح الإنسان مكوّناً "كسوري" تتراكم "كمّيات" منه ، بالآلاف أو بالملايين ، لتتحوّل إلى "نوعيات" جديدة . إنه المايكروزوم (الإنسان) الذي يتراكم ويتراكب ، ليصبح الماكروزوم (الكون) . 

ووفق هذه الرؤيا نحن نقف الآن أمام وجهتي نظر متناقضتين في طريقة كتابة الرواية وتقنياتها . ولنستمع إلى حوار صبا وفؤاد :

(-تعال تعلّم وجرّب .

أمرت صبا وهي تنتزع القلم من الكمبيوتر ثم تجلس قبالة الشاشة : اقترب فؤاد متهيّباً فرأى أشكالاً تتوالد : ميكروزوم وماكروزوم جزيء فلكي يكبر حتى يفيض على الشاشة فينتج جزيئاً جديداً يكبر حتى يفيض على الشاشة قينتج جزيئاً جديداً وليس من جزيء يشابه جزيئاً :

بعد قليل التفتت صبا إلى فؤاد تسأل :

-ماذا يمكن أن يعني ذلك لروايتك ؟

-لا أنا ولا الرواية مفرخة أشكال .

قال فؤاد بحزم فعادت صبا إلى الكمبيوتر قائلة بانفعال :

-غلطان : الإنسان مفرخة أشكال : الرواية مثل أي كتابة مفرخة أشكال : لكن لا أحد يدعوك ولا يدعو روايتك لأن تكون هكذا : في الوقت نقسه عليك أن تفكر بكتابة الفراكتال : قبل الطوفان كنت تحدّثني عن قانون الشعث : تعال تعلّمْ وجرّبْ :

-قانون الشعث ليس الفوضى :

قال فؤاد بحزم أكبر :

-من يتحدّث عن الفوضى ؟ انظر أمامك : هذا عِلْم : طوفان من الأخيلة التي تحدث الآن لأول مرّة على هذه الشاشة : انظر لكنها أخيلة يمكن أن تكون خارج الشاشة : أنتَ هنا تستعيد بداهة الصيرورة : أنت هنا أمام نواظم للبيولوجيا والطبيعة تتجاوز المعلوماتية (...) منذ متى ونحن نقسر العالم على الإنتظام ؟ الإنتظام يقود إلى التماثل كما يقود اللانتظام إلى اللاتماثل : هذا قانون إن أحببت وليس فوضى : جرّب أن تدفع بهذا القانون إلى أقصاه وفكّر بما يمكن أن يعنيه لرواية . ) (ص 142 و143) .

ولا أجانب الصواب إذا قلت أن الكاتب قد نقل هذا القانون من الكمبيوتر إلى الرواية ، وحاول دفعه إلى حدود بسيطة بعد أن سمّمت صبا أفكاره ، فكانت النتيجة وقوع الرواية في بعض المطبّات التي جعلت الشخصيات في بعض المواضع عبارة عن "كسور" خصوصاً في تداعيات أفكارها وفي حواراتها الداخلية .

ولكن بالرغم من كلّ ذلك فإن فؤاد - ومن ورائه الروائي - كان يدرك أنّ هذه التقنيات سوف تجعل كل شيء في الرواية قابلاً للحوسلة وللحساب والإحصاء والخضوع لمخططات هندسية وبيانية ، وهو ما أفلح به البنيويون بفعل شعور النقد بالنقص تجاه حركة العلم الساحقة ، فحاولوا تقعيده على أسس رياضية و"فراكتالية" . يدرك فؤاد الذي تشغله حتى النقطة أن هذه الطرق الهندسيّة ستجرّد الرواية من أعظم إمكاناتها ، وهي أنها "ترى ما لا يُرى" ، وستحوّل الروائي من "نبي" إلى مسّاح دوائر . إنّهم لا يتحمّلون رؤية اي إنسان يبدع بذاكرته وقوّة إلهامه ولا يحمل كمبيوترا تحت إبطه . الرواية بالنسبة لفؤاد مرتبطة بهذا الجزء الكامن في الإنسان العصي على الحساب والذي يقدّم لنا كل لحظة حكاية جديدة بشخصية جديدة لا يستطيع فؤاد أن يلفّقها أمام الحاسوب ، ولا يبتلع صوتها ويراكمه ليحوّله إلى صوت "نوعي" محسوب ومُهندس :

(ذوات لا تبلعها ذاتك يا فؤاد ولا هذا العراء : أصوات كما في ساحة الشيخضاهر لا يلفّقها صوتك : رواية - ماء : رواية - موت : رواية - حياة : رواية بحث وأسطورة يا صبا : لا تتركيني وحدي : حتى النقطة تشغلني يا صبا فكيف بالمستقبل ؟ انظري إلى هاتين النقطتين (:) أبواب مفتوحة : اسألي غواتيسيلو يا عزيزتي وانظري إلى هذا السعي المحموم كي تتقوّض الذاكرة : نظريّات وحكّام وعولمة وفنون وعلوم وما لا يُحصى : كي تتخلّصي من أمسك ويومك وتنقذفي إلى غدهم : وكل ذلك في الماء يا صبا : من الإقتصاد والجيولوجيا إلى التاريخ والجغرافيا إلى السياسة والقانون إلى الإجتماع والديانات إلى الحرب والسلام إلى الحكايات والأساطير : تعالي إذن نكتب معاً هذه التي ترى ما لا يُرى : ) (ص 144) .

إذن لم يختر فؤاد الماء موضوعة لروايته لأن حربه مشتعلة وستشعل في  وجودنا الحرائق بحيث لا يتوفر لنا ماء لإطفائها حسب ، بل لأن الماء هو "أصل" الحكاية . وهذه الحقيقة من المفترض أن صبا كأنثى هي أقدر على فهمها واستيعابها .

ملاحظة سريعة : سيثبت مؤتمر عمّان أن تعامل فؤاد المتحمّس مع موضوعة الذاكرة تسمه "الخفّة" أيضاً حيث سينسى كل شيء عن الكيان الصهيوني .. سينسى حتى أن هذا الكيان دمّر بيت أخته "أمل" في القنيطرة واحتل الجولان ، مثلما نسي قبل ذلك الكثير من ثوابته في علاقته بشهاب الوزير .  

ولو عدتَ لتتفحّص وجهتي نظر الطرفين : صبا وفؤاد حول دور الزمن في بناء الرواية : الماضي أم المستقبل ؟ لوجدت أنهما تنطبقان على السمات المركزية لـ "العابرة" و"العابر" التي حدّدها نبيل سليمان في البداية . وبسبب هذا الفارق التركيبي سيقترح فؤاد في حوار القسم التالي : "عشق" أن يكتبا الرواية معاً ، وحين تردّ صبا بأنها بالكاد تعرف قراءة رواية فكيف تكتبها ، يقول لها فؤاد :

-إذن نعيشها (ص 147)

وهذه في الحقيقة طريقتنا في سرد وقائع حيواتنا كل لحظة ، فنحن أفضل كتّاب الروايات ، نكتبها على صفحة زماننا الشخصي الوجيز الآفل . وذ بهذا يختلف عنّا فؤاد ونبيل سليمان ، فهم يكتبون على متصّل الزمان الوجودي الذي يتيح لحكايتهم فعلا أوسع وحضوراً أكبر ، نحن نكتب ما نراه ، وهم - الروائيون - يكتبون ما لا نراه من تفاصيل حيواتنا ، ويمسكون بلحظاتها الهاربة منّا أبداً . وفي السعي لتثبيت تلك اللحظات وتصويرها يوفّرون لنا الإمتداد الخلودي الذي نضيع أعمارنا عبثا في البحث عنه :

(إن الحياة - كما يقول معلّم فيينا - تفتقر وتفقد أهميتها حينما لا يتعرض للخطر أغلى ما في لعبة العيش نفسها من قيمة وهو الحياة نفسها . إنها تصبح مسطحة . إن روابطنا الوجدانية ، وشدة حزننا غير المحتملة تجعلنا لا نميل إلى جلب الخطر لأنفسنا ولأولئك الذين ينتمون إلينا . إننا لا نجرؤ على أن نفكر في القيام بأشياء كثيرة للغاية تكون خطرة ولكنها مما لا غنى عنه . ويشلنا التفكير في من سيحل محل الإبن لدى الأم والزوج لدى الزوجة ، والأب لدى الأبناء ، إذا ما وقعت كارثة . ويجر استبعادنا الموت من حساباتنا في أعقابه عددا من الاستنكارات والاستثناءات . ونتيجة حتمية لهذا كله أنه يتعين علينا أن نبحث في عالم الرواية ، في عالم الأدب بشكل عام ، عن تعويض عن إفقار الحياة وتسطحها ، فهناك لا نزال نجد أناسا يعرفون كيف يموتون ، بل أنهم في الحقيقة قادرون على قتل آخر ، وهناك فقط يمكننا أن نستمتع بالظرف الذي يجعل في إمكاننا أن نروّض أنفسنا على الموت . أي أننا خلف كل تقلبات الحياة ، نحتفظ بوجودنا دون أن يمسّه شيء . ذلك أنه من المحزن للغاية أن يكون الأمر في الحياة كما في لعبة الشطرنج ، حيث يمكن أن تؤدي حركة خاطئة واحدة إلى خسارتنا المباراة ، ولكن مع اختلاف هو أنه لا يمكننا أن ندخل مباراة ثانية في الحياة ، فلا مباراة إعادة ولا تعادل ، أما في مجال الأسطورة والرواية فإننا نكتشف ذلك التعدّد في الحياة الذي نتوق إليه . إننا نموت في شخص بطل معين ومع ذلك فإننا نعيش بعده ، ونحن مستعدون لأن نموت مرة أخرى مع البطل التاريخي بالقدر نفسه من الأمان ) (10) .

وقد عاش فؤاد وصبا الرواية ، كتباها ، أمامنا بصورة حيّة ، وعلّمنا نبيل سليمان من خلالهما أن الرواية تُعاش وتُكتب في اللحظة نفسها ، ويحنو نصّ الكتابة على نصّ الحياة بلطف مثل حنوّ الرحم الأمومي على جنينه . فالرواية أنثى . وتلك الأنثى الأسطورية الأصل التي استعار فؤاد - أو نبيل - حكايتها ليعلّم إحدى شخصياته - ويعلّمنا من خلالها - الكيفية التي نعيش ونكتب فيها حكاية هذا الوجود العام المدمّر .. هذه الجحيم التي يتهرّب من وصفها والإمساك بها وكتابة رواية الكيفية التي يُشوى فيها حاضرنا وماضينا ومستقبلنا بلا هوادة ، تحت مسوّغات معطّلة ومغلوطة عن الفارق بين الحكّاء الفنان والسياسي ، وكأنّ الروائي إذا كتب بيقين قاطع يصبح سياسيا أو آيديولوجياً ، ويخرج من دائرة الفن . هذه المعضلة واجهتها صبا وفؤاد في مؤتمر عمّان . كانا - وعبر نقاشهما مع الصهيونيين الوقحين : نمرود وملكة - يعيشان أخطر فصول "الحكاية" التي "يجب" أن يكتباها . لكن فؤاد يتعكز على مقولة لميلان كونديرا صحيحة تماماً ضمن سياقها الغربي ، ومشوّشة وتتطلّب الكثير من التعديل في سياقنا العربي :

(تساءلت صبا عمّا إذا كان لكلّ هذا الكلام موقع فيما سيكتبان : أبحاث الندوة التي انتهت أمس : الزيطة والزمبليطة : السلام التائه في هذه السيارة كما هو تائه في العواصم والتاريخ وبين الرؤساء والملوك والكتّاب والشعوب :

روى فؤاد عن كونديرا أنّ كل ما يُفكّر به يمكن أن يكون في الرواية شريطة أن يُبعد الروائي أفكاره عن أيّ نظام أو يقين :

-لماذا ؟

سألت صبا مستنكرة :

-اليقين وإقناع الآخرين والتحريض حرفة السياسي أمّا الروائي فلا :

صاغ فؤاد بترجمته تعليق كونديرا فقالت صبا :

-فؤاد حبيبي : الإحتمال من حرفة السياسي أيضاً : والتحريض من حرفة الكاتب أيضاً : دع الشروط لمن يشاء : سنكتب رواية بلا شروط : ) (ص 230) .

ونبيل سليمان لا يريد إقناعنا بطريقة السياسي ، لكنّه ينقل ويصوّر ويدفع من وراء ستار ، وهذا واجب عليه ، ومن حقّنا أن نطالبه به حين يكتب روايته التي هي حكايتنا . ها هو ينقل لنا المصطلح الذي نحته الروائي الراحل "أميل حبيبي" في روايته "اخطية" ، وهو "إسرام" من كلمتي إسرائيل - أمريكا وربّما عنى : إسرائيل الأمريكية ، أو أمريكا الإسرائيلية ... أو ) (ص 100) .

# وقفة مع أميل حبيبي : ينحازون ضدنا حتى في النشر والتوزيع :

---------------------------------------------------------------

في لقاء الروائيين العرب والفرنسيين الذي عقده معهد العالم العربي في باريس عام 1988 ، عقّب الروائي الفلسطيني "أميل حبيبي" حول دور النظرة الغربية الضيّقة إلى العرب في منع انتشار ترجمة الأعمال الروائية العربية في الغرب بالقول :

(لا أستطيع أن أُنكر شواهد عديدة تشير إلى أن هذه النظرة المسبقة إلى العرب تمنع أو تعرقل انتشار الترجمات من العربية . أعطيكم مثلا من الولايات المتحدة الأمريكية (هو الواحد لا يجرؤ أن يحكي مواجهة فيحكي عن الغائبين !) (تصفيق) . تُرجم كتابي "المتشائل" إلى اللغة الإنكليزية ، اللغة الأمريكية ، ونُشر في دار نشر نيويوركية مشهورة ، وبعد سنتين أرسلوا لي الحساب أنه بيع من الكتاب مئة وخمسون نسخة . قُيّض لي بعد ذلك أن اسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وسألت الأصدقاء ، قالوا توجد كتالوجات ، وكلّ ما يُنشر يُذكر في هذه الكتالوجات . ووجدنا إلى جانب اسم كتاب "المتشائل" أنه بيع ، اختفى من السوق ، نفد . هذا لا يعني أن ما قيل عن نواقص معينة في الرواية العربية هنا وهناك هو غير صحيح . ولكن نحن نودّ أن يقوم الإحترام المتبادل للثقافات ، للأذواق ، ليس فقط في استذواق الفلافل والفول ، وإنما أيضاً في استذواق تراثنا وطريقتنا في المعالجة الإنسانية ) (11) .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000