.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة في ماورائيات اللون في ديوان الشاعرة ضحى بوترعة (صفقة مع الريح)

جوتيار تمر

اعتصرت الرؤية الاجهاضية التي تبنتها الشاعرة ضحى من خلال تماسها المباشر مع الواقع البراني الذي تمثل في هزات وعواصف ضربت شواطئ وطنها، فكانت الصبغة الانتمائية طاغية على نصوصها، وكان النفور من ما آلت اليه الاوضاع بمثابة جرح مزمن اصيب به روح الشاعرة، لاسيما انها عاشت مخاض التغيير والثورة التي ارادها الجميع نقطة انطلاق نحو افاق ابعد مما كانت عليه، وكأن الثورة القت بظلالها ومآسيها على روح الشاعرة فجرفتها الى مخاضاتها الموجعة،  وقد ظهرت تلك المخاضات من البدء حيث العنوان " صفقة مع الريح" وكأن مديات الواقع وتمفصلاته قد اوقعت شاعرتنا في حالة من الشك بما ستؤول اليه الاوضاع في وطنها بعدما تلاشى الامان وانتشر الموت المجاني في الشوارع، وتداخلت مضامين الساسة وطموحاتهم مع الحياة الاجتماعية البسيطة التي ارادها الناس بعد ثورتهم فاصبح لسان الحال يقول لقد عقدنا صفقة الحرية مع الريح، لذا نلامس هذا التفاعل الحي والوجداني والعقلي بين الذات الشاعرة وبين الاحداث البرانية، والتي تجلت في صور شعرية ماتعة ورؤى بلاغية ابدعت شاعرتنا في رسمها بالكلمات، ومع تلك المخاضات المتنوعة ظهر اللون كركيزة في الديوان بحيث وجدنا بانه قلما كتبت الشاعرة نصاً في ديوانها دون التطرق الى ماهية لون ما، او حتى الايحاء باللونية سواء كمدلول ايحائي او قصدي، ومن خلال هذه الدراسة النقدية سنحاول التوقف على مصاف اللونية في قصائد شاعرتنا:

لقد ارتكز المعجم اللوني  في ديوان صفقة مع الريح على التعددية اللونية التي يمكن رصد بعض ملامحها ضمن اطارين الاول يعتمد على القصدية كالسواد حيث ورد مرتين، والبياض اربع مرات، كما ورد كل من الاحمر والوردي والاخضر مرة واحدة، وورد النرجسي والفضي مرتين، والثاني الايحائية لاسيما في توظيف لفظة لون التي وردت في  عشر تشكيلات دلالية، بصيغ مختلفة مفردة وجامعة ومقترنة بلونية محددة كالبني والرمادي وبصيغ تشبيهية ايضاً، كما ان لفظة الحبر وردت بشكل واضح في نصوص ضحى وهي اشارة استدلالية يمكن التكهن باحتمالية لونية في بعض مضامينه اذا ما اسقطنا اللفظة على ماهية الكتابة التي وردت بها في اغلب الاحيان الا اننا سنكتفي بذكرها هنا دون البحث في ماوراء استخدامتها، واجمالا اتت اللونية  بدلالات قصدية وايحائية ضمن منظومة مركزة اعتمدت عليها الشاعرة لاغراض شعرية وتشكيلية مختلفة، حيث  يذهب د. دريد يحيى الخواجة الى "ان اللون في القصيدة لاياتي محايداً بل يكون نتيجة احساس في سياق النص، ودلالة ما لها تأثيرها العمق في حملة تجليات النص الخفية، كما انه يعتبر علامة في سياق التعبير الشعري نستكشف دوره في وحدة النص المركزية، وفي تفريعاته التي يردها الى بنية ارتباطاتها في تشكيل النص"،  وهذا ما نلمسه في توظيفات شاعرتنا للالوان بصورة عامة، فضلاً عن ذلك فان الالوان اتت كحراك موازي للذات الشاعرة ورؤاها التي تناسلت ونمت من واقعها سواء على المستوى الانتمائي ام الذاتي الشخصي، وفي كلا المستويين نلامس حراكاً موازيا لاستخدامات اللون بحيث تحقق رؤيتها دون ان تخرج النص من سياقه ونسقه الشعري الحداثي، وهذا ما يجعلنا نعي بان توظيف اللون في مثل هذه السياقات تعني على الارجح رسم صورة نصية مؤثرة. مثلما فعلت في اغلب نصوصها:

يتعبني البياض...تتعبني قبلة عاشق

 واغنية اخر الليل

فهذه الصورة المتجلية التي تعاكس المضمون الظاهري للرؤيا البصرية، باعتبار ان البياض دائما له تأثيره الايجابي والموحي بالسلام والامان، او حتى في الاستسلام، فانه هنا يؤدي دوره التضادي وببصيرة ووعي تام بموجبات المغايرة، لاسيما ان شاعرتنا تعمدت على ان يسبق الفعل المؤثر " يتعبني"  على البياض مما يوحي بعمق الهوة التي تعيشها الذات الشاعرة بحيث اصبح البياض كلون مؤثر بايجابية على الروح والنفس هنا لونا يشير على تعاسة الواقع البراني وصعوبته واحالة البياض الى لون منهك ومتعب على المستوى الدلالي الانتمائي والوجداني معاً وهذا ما يتضح لنا بصورة واضحة من خلال الحراك اللوني ذا التشعب التوظيفي والتشكيلي معاً، فالواقع المغاير الذي حول البياض الى ارهاق وتعب هو نفسه الذي يجعل من الذات تعيش الغربة والوحدة في حالتها الوجدانية، وهذا ما تؤكده الشاعرة في موضع اخر من ديوانها، حيث تبقي البياض ضمن دائرة التعب، والوحشة، والفتنة:

من متعب الى عاشق

يتقاذفه الاشتياق

وماء القلب المخضب بالوحشة والبياض

وهذيان الهواء و الفتنة

هذه التوهيمات البلاغية الدلالية التصويرية الفائقة تجعلنا نعيش واقع البياض الذي تصوره لنا الشاعرة بدقة وحرفية، على اننا نلامس في الصورة الثانية اكثر توحشاً واكثر جدلية في الاخذ بالبياض كلون محرك لتلك الرؤى التي تنادي وتؤمن بها شاعرتنا، فالوجدانية ان سبقت هنا اللونية الا انها كانت المدخل لتعطينا الصورة الاكثر تماساً مع الواقع التي تعيشه، حيث الفتنة التي الحقت الدمار بكل ما هو جميل من حولها جعلتها تضع البياض في خانة الالوان التي لم تعد تؤدي دورها في حياتها ورؤيتها، على الرغم من كونها حاولت ان تفتح للبياض فسحة وممراً للعودة في نص اخر، الا انها فسحة احتمالية تنتظر جيلاً اخراً يأتي ليدفن مخاضات البياض الذي لبس رداء الفتنة، فيعيش بروح الطفولة معبراً عن كينونته:

طفلة تلون الغابة ببياض اللهو

تختصر فيها صوفية العشق

وعلى هذا الاساس تنتظر الشاعرة ا ن ياتي جيل اخر " طفلة" لتلون الغابة ، الواقع المتحول الى خراب فتعيد بلهوها البريء العشق المفقود بروحية التصوف، أي الوحدة والاتحاد من جديد، وهذه الصورة بحد ذاتها تعطينا يقيناً بان الشاعرة لم تقع في اليأس المطلق انما لم تزل تعيش وقع امل ربما ليس بقريب ولكنه ليس بمستحيل، ولا يهم ان كان حلماً في الاساس لانه سيحمل في الاول والاخير لوناً ما يغير معالم الموجود، ولهذا نجدنا في نصوص كثيرة نعيش وقع اللونية بصورة مغايرة تماماً بحيث لاتعطينا الشاعرة لوناً  معرفياً محدداً الا من خلال السياق العام للفظة اللون نفسه، ولكنها في الاغلب مرهونة بحلم آت واخر مدفون او على وشك الدفن:

يمضي حلم

والجسد يزداد سوء في لون الغيوم

حلم يجيء يراق في دمه طفلة...

الحلمية هنا ليست توليفة وهمية، انما هي ارتباطية حسية ادراكية لمحركات الواقع والاحساس الداخلي للذات الشاعرة، فالحلم ان ظل في مساره سائراً، فانه قد يكون بلون ماء، وليس مستحيلاً ان يلبس لون الغيوم، وهذه الغيوم هي المحرك والفيصل في تحديد سياق اللون نفسه، لكون الغيوم عادة ماتكون سوداء، وفي سوداها احتمالية اخرى تفوق اللون نفسه باعتبارها تكون بردائها هذا ماطرة، ولهذا نجد الحلم يلبس الجسد والجسد يلبس لون الغيوم فتحرك مساحة الحلم لتراق في النهاية " طفلة" هذه المعادلة الصعبة في كل مستواياتها تتخذ من معبر لفظة اللون احتمالية مغايرة عن تلازمية اللون الاسود للغيوم، حتى ان الشاعرة نفسها تأتينا بصورة اخرى تعقب الامطار فتجعله مدخل للتمازج بين ماهية الامطار وماهية اللون البني" الترابي" هنا:

تتناوب عليه الامطار

ويغيب اللون البني وصغار الجن....

التعاقب الذي اولدته الشاعرة هنا، الامطار، اللون البني، صغار الجن، هو في تشكيله الظاهر يوحي بصورة مختصرة لوجودية الكائن الانساني، فاذا ماء جعلنا الصورة الرامزة هنا تحكي بمنطق ووعي سنجد بان الماء والتراب والحياة كعناصر اساسية للتكوين تراكمت معا لاينقصها الا النار ليصبح المشهد متكاملا لاسيما وانه مرهون بجذع النخلة  في قصيدة " مريم"   أي في الصورة الاساسية التي تأسست منها اشكالية التناوب، لهذا السبب ان الصورة التي تثبت اللونية هنا بتلازمية البني هو الاصل الترابي الذي توشك الشاعرة ان تعطيه شكل مغاير لكونه اصبح مرهوناً بمترتبات لاثبات لها على الرغم من تاريخيتها وعمقها في الوجود ...

منذ خطيئة في باطن حدقتي

وانا الهو بلون يثير شهيتي للغناء

حين نحدد جغرافية الوجود نعيدها في بعض الميثولوجيات الى الخطيئة، لكن هنا حتى لايكون الالتباس ممكنا نستقطع اداة التعريف عنها" خطيئة" لنوظفها ضمن اطارها الجغرافي المحدود جداً ف " حدقتي" لاتعطي احتمالات كثيرة خارجة عن نطاق الذات الشاعرة، لاسيما انها تلحقها ب" انا" حيث لامجال للتفكير خارج هذا الاطار المحدد، لكن هذا في الوقت نفسه لايعطي انطباعاً بامكانية التأويل الواحد لماهية " خطيئة" بل تعطينا مساحات تخيل غير محددة يمكن ان تتضمن خطيئة وجدانية او خطيئة انتمائية بالاخص ان الثانية هنا توشك ان تغطي اغلب المسامات الوجدانية والفكرية داخل الديوان فالانتماء له الاولوية في توظيفات شاعرتنا حتى وان كانت قد اتسمت بالكثير من الالم، ولعلي اغاير الصورة الظاهرة لشهية الغناء هنا باعتباره غناء من الصدمة الممهدة لتأويلات عميقة مرتبطة بصميم الحراك الشعري والشعوري:

الليل يرغمنا على التأويل

والالوان تتسع في القصيد وحلم الفقراء

هذا مانسميه قيمة الصورة الرامزة النابعة من الاحتمالية اللونية التي توظفها الشاعرة في ديوانها المبني اصلا على اساس توهيمي بلاغي تشكيلي، او بالاحرى امكانية طرح الافتراضية التي تحيل سيمائية اللون الى رمز له فاعليته الخاصة في بنية القصيدة ومسارها البلاغي التشكيلي، فبمجرد تأمل المشهد الليل المقترن بالتأويل ندرك وقتها ان الحالة تتخذ مساراً مغايراً ، لهذا تاتي لفظة" الالوان" هنا بدون قصدية تحديدية انما شمولية ايحائية تخترق بنية القصيدة ولاتقف عند حدودها الظاهرية بل تتعداها الى حلم الفقراء باعتبارهم هنا هم اساس الفعل الحدثي المقترن بتأويلية الليل، والمحرك للذات الشاعرة لرصد الحراك البراني المتيقن بما تؤول اليه الحالة نفسها طالما انها اقترنت بحلم الفقراء، وهذا بالتالي ما يحرك فيها دمها بدهشة من لم تتوقع ان تصبح الامور بهذا الشاكلة المغايرة للتصور...

يفيض دمي الملون بالدهشة

افتح للماء الناعم ذاكرة اخرى

عامل الدهشة هو المحرك الفعال في صيرورة " يفيض" لكون مترتبات السابق تعطي مساحات ممتلئة يمكن من خلالها ادارك ماهية " تفيض" بل احيانا توجبها لكمها الهائل، لكن ما يخلق الدهشة هو كون الدم اقترن هنا بلونية مستحدثة في تعبير عن كون ما يجري لاينتمي اليه، وهذا ما احال الذات الشاعرة الى توظيف الدهشة كمقترن استدلالي للونية الدم نفسه، فضلاً عن استحداث قرين اخر ينتمي الى الدم في تكوينه "الماء" وبنعت يبعث هو الاخر الى الدهشة " الناعم" باعتبار ان الماء لاينعت كما انه لاينتمي الى لونية اثباتية، لكن تلك التوظيفات اجمالاً اتت لتؤثث لعوالم ارداتنا الشاعرة ان نقيسها وفق معايير البراني المستحدث اصلا في فعله المؤثر بحيث يصبح الواقع غير الذي تم انتظاره، ولذلك تنشط الذاكرة فتصطدم بالموجود، مما يحيلها الى اللجوء بخلق ذاكرة اخرى غير التي امتئلت بتلك الصور، ولاج لان تفعل ذلك عليها ان تستند الى العاطفة هنا لايجاد معبر آمن لرؤاها وروحها ....

جربت ان ارتدي لون يديك

واتقاسم معك الخطوات حين تبتعد عنا الارض

هذه التوهيمة الصوفية هي قمة التأثر بالواقع البراني وقمة التأثر بمترتبات الحدث العام الذي اعطت صورة مغايرة تماما لما كانت الذات الشاعرة تنتظره،  فاضطرت الى خلق ذاكرة تعيد بعض الصور المعلقة في اللاوعي والتي اصلا كانت تنتظر استفاقة من الوعي لتكون جاهزة في اداء دورها الوجداني الانتمائي معاً، وهذه الصور وان اتت مغايرة للنسق العام للحراك التوظيفي اللوني السابق الا انها استكمال طبيعي للصيرورة الذاكراتية لدى الذات الشاعرة، وهي لاتتوقف بمجرد وصف الحالة المتاحة والفعالة آنياً انما هي استمرار لفعل كائن مؤثر على روحية الشاعرة وتنتظر من الواقع صورة تبعدها عن مترتبات الصفقة التي لم تكسب الروح الامان..

يسقط غصنك المنحني فوق غيم خفيف

يطفو من مخيلة ليلتك لون الروح الرمادي

فعل الاسقاط ليس بتعبير مجاني عبثي استخدمته الشاعرة لرسم ملامح شيء محدد، انما هي استعارة تبعث الدهشة المستكملة للدم الملون بالدهشة، فارتابط "يسقط" ب" غيم" ومن ثم ب " لون الروح الرمادي" تجعلنا نعيش وقع الرؤية بتجليات متباينة في احداثياتها التشكيلية واستنباطاتها التأويلية باعتبارها تثير تعددية تأويلية واضحة من حيث التناغم البنيوي للغة والرؤية معاً، وهي في الاصل اتت مكملة لاسقاطات لونية اخرى سابقة ولاحقة وظفتها الشاعرة لايصال الصورة بتقنية الدهشة التي اعتمدتها في جذب مكونات الصورة نفسها، على اعتبار ان رمادية الروح هنا ليست بامر طارئ انما هي امتداد للحراك السلبي البراني الذي اثر في كينونة الروح واخرجتها حتىذاكرتها الاخرى التي استعانت بها، ولهذا نجد بان الشاعرة تعيد رسم الصورة باللون الرمادي لكن هذه المرة تعيره للدم  " لم اكن قريبة مني لكن خفقة الدم خلف اللون الرمادي ،، تزيح الحلم في منتصف النعاس .."  وبتضاد مع الروح الصوفية التي حاولت قبل الان ان تلجأ اليها باعبتار ان الذاكرة الاخرى ايضا لم تستطع ان تستوعب مرتبات الواقع البراني فادخلت الروح في معترك الانفصام مع كينونتها ودمها واحلامها، وفي محاولة جادة من الذات الشاعرة ان تستوعب الموقف الاجمالي حاولت ان تستعين بصورة رامزة مؤثرة في بنية القصيدة ومعبرة عن الانتمائية المغايرة للصورة الظاهرة " الكف المرفوع كلون الشمس ..." هذا الكف يمكن تخيله يراود مقبض الباب بصورة مغايرة بعيدا عن التجسد السطحي، حيث يمكن ان تحيلنا الى ذلك الكف التي تريد تغيير الواقع دون ان تلجأ مضطرة الى مغادرة جغرافيتها، وهي بذلك تؤثث لون الشمس كمدخل استعلائي لتلك الكف المطالبة بحق وجودها وحق الابقاء على محصلات الفكر القائم من اجل تغيير الواقع وليس من اجل صور وهمية تحاول طفلة ما ان تغير ملامحها بلهوها البريء وهي في الاصل تلهو في الغابة، وهذا ما جعلت الشاعرة تدخل معترك التساؤلات لتخرج من تجويفاتها الحلمية المنغلقة على اثارة اللونية كمنطلق اساس للتصوير والسؤال وفجر اخر..

من وضح الحلم اكتبه واراهن الحياة بصورة وسؤال

ثم ادخل الصحو بالوان تستكمل بهاء الفجر

يقدم لنا هذه الصورة في سيمائية اللون شيئاً مختلفا من حيث الاسيقة الشعرية السابقة باعتباره هنا يمنطق تلك المسارات من اجل استحداث نمط وجودي اخر، لهذا نلامس فيه اختلاق صحوة فعلية في التشكيلات البلاغية  للفظة " اللون " التي اعتمدتها الشاعرة بحيث اصبحت هنا اكثر نضجا من حيث الفكرة التي اراها تتكئ على ما تثار من احتمالات المعنى وتنسج علاقات منتظرة، في كينوتها وهذا ما يمكن ملامسته من تغير البنية اللغوية في توضيحاتها الدلالية الموظفة ضمن الاطار الحلمي، فمن احلام مسكونة بتعبية الواقع نجدها تنطلق من الحلم نفسه لايصال رؤاها المتقدة والتي تبدأ بالكتابة كايحاء بالبدء او بداية جديدة، ومراهنة الحياة من حلال معتركه الاكثر ايحاءً التصوير والتساؤال وكل هذا من اجل اثبات الرؤية التي تستحق المحاولة بنظر الشاعرة والتي من خلال تدخل الصحو بالوان اخرى غير التي سبقت وان اجهضت امانيها بواقع مغاير وجديد لاسيما بعد الصفقة الاكبر في تاريخها، صحو فيه فجر مكتمل،، وعلى الرغم من ان الشاعرة نفسها تعي صعوبة الامر الا انها اغتنمت تلك الصحوة في ذاتها لتعبر عنها بشفافية لونية واضحة وذلك لكون ان قلبها لم يزل محملاً بالكثير من الاماني..

وكان قلبي يحمل خضرة قميصي وحرية العبارة..

تلك هي النقطة التي تنطلق منها عبارتها المحملة بالكثير من الاماني  علها ترسو على شواطئ الحرية المنشودة والتي من اجلها كانت الصفقة الاهم في تاريخ وجودها، ولذلك نجدها تغاير النسق العام لاستخداماتها اللونية فتأتي هنا ب" خضرة" كمدلول واضح لاهمية الترابط الزمكاني في نصوصها الناقلة لواقع الانتمائي من جهة، ولتصوراتها لذلك الواقع بعد التغيير من جهة اخرى، والاعتمالات التي تريد ان تؤثث عوالمها القصية كمدخل مغاير لما كان ولما هو الان، فلتجأ الشاعرة من اجل تفعيل تلك الرؤى الى محددات لونية واضحة ومسميات اقترانية تفيض الاحتمالية مثلما نجدها في هذه الايقونة" هنا نرجسة تحت سماء تحوم في فضاء لايرى" و في " تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة.." وفي " نشتهي الفاكهة في الجمر .. نعبر النرجس الشبقي.."، نجد في هذه الالتقاطات سواء من حيث تكرار اللون او تلازميتها لمقترنات ذات دلالات انتمائية واخرى وجدانية صوفية، علاقة متينة بالصياغة التي قد لاتلتزم بالتوجه الى توظيف الدلالات اللونية مباشرة بل تعمل على صياغتها وفق معطيات متداخلة يحفز وتنشط الكشف والتحليل، وبلاشك يعد هذا من احدى مرتكزات النص الشعري الحداثي الذي يحتفي بالمغايرة في اسستثمار اللونية وجمالياتها في تشكيل النص وفي  مكوناته، فلكل من " الفضة" و"نرجسة" سياقاتها المحددة ضمن اجمالي النسق الشعري النصيي الحداثي هنا، مما يحيلنا بالتالي الى استقدامات تلازمية اخرى يمكن من خلالها صياغة الرؤيا الاجمالية لهذه الالتقاطات اللونية ذمن مسمياتها وجغرافيتها، وعلى هذا الاساس يلزمنا تتبع خطاها لمعرفة منطقها المخصوص لاسيما انها تكررت في مواضع اخرى بدلالات وصور يستنبط منها توحشاً كما في" وهم يقتسمون حلمك..يفتحون قميصك الفضي للريح..." فهذه الصورة المتوحشة والتي تنقل بجدلية واضحة الواقع العياني الذي بات يعيشه الانسان في وطنها يجعلنا نعيش وقع قولها تدخلين قميص الشعب كشمس مبللة بماء الفضة من قبل، وهي الصورة المتوحشة نفسها التي جعلت منها تقحم وربما لاول مرة الاحمر في مقتضيات رؤيتها حين تقول " يتمدد في العراء كذئب... ثم يختض.. يحمر ويغدو قبيلة بين جمر وحصى..." ان هذه الرؤية المتوحشة التي تعطي  صورة الواقع الانساني في وطنها تبهر وتثير الدهشة فهذه التراكيب قلما تجتمع في نص ابداعي حداثي لكونها تراكيب يمكن ان توظف ضمن سياقات تضادية مغايرة في بناها الشعرية القصدية منها والايحائية، ولكن الشاعرة وبثقة وظفتها لتعطينا موقفها من جهة، وتصويرها للواقع من جهة اخرى، وتنبأها للمستقبل كرؤية مستقلة باعثة على التأمل فهذا التناسل الذئبي لاياتي  لينثر عبق الورد في الواقع انما سيخلق ممرات ومساحات دم لانهاية لها..وعلى ايقاع الدم يختمر رؤاها لتحول الحلم المجهض في البداية والباحث عن انتفاضة في وقت ما الى الالتجاء للسواد كمعبر عن هويته الجديدة..

كنت وحدي اعبث بالفيض

انسخ الفجر على لوح الحلم...واذرع السواد

كنت اصبغ الليل بخلوته..

تنوعت سياقات اللون في نصوص شاعرتنا حتى انها اعتمدت الكثير من الاعتمالات بشقيها الاملية واليأسية الا انها اجمالا انتهجت التعبير عن مكنونها الذاتي الشخصي وموقفها تجاه البراني " الوطن" ضمن نسق متصاعد، حتى اصبح تنبأ بما لايمكن تصوره بسهولة، ولهذا نجدها تنبهنا الى نقطة الحسم في كونها لاتاتي برؤاها من فراغ وانها تتحمل مسؤولية ما تقوله فعبثها بالفيض لاياتي اعتباطيا انما من قناعتها وادراكها بالموجودات والمؤثرات التي تفيض عليها من كل صوب فتجعلها تارة تعيش وقع الحلم المجهض وتارة وقع الحلم المتمرد على الواقع والباحث عن بداية جديدة، وتارة اخرى عن الحلم الذي يكاد يتم وأده دون ان يحفظ للفجر من مساحة، فتأتي التقاطاتها الشعرية موحية بتفنن ووعي لتضفي على الايقاع الجواني حتمية التمازج بينه وبين البراني، وهذا ما يجعلها في كل مرة تصل الى هذا اليأس ان تتخذ من الطفولة ممرا لفتح ممرات جديد على الرغم من توارثها للسواد..

سماء البارحة هي نفسها

سوداء جدا في حدقة طفل

وعصفور بريش منخك

تلك هي الصورة التي باتت تؤرق روحها وامانيها وكل موجوداتها ، فالزمنية هنا ليست محددة بقدر ما هي امتداد منغرس في الوقت نفسه، حيث توق الشاعرة الى حياة جديدة غير التي كانت وآلت اليه الامور في حاضرها تجبرها على الانقياد لميلادات جديدة والطفولة هي التي ترمز لتلك الامتدادات المتجددة في رؤاها والتي تحاول ان تخرج من يأسها ووقع البراني عليها، حتى وان كانت ستتخذ مسارات غريبة لكنها في الاصل مسارات تعطي انفراجاً وحرية وحياة اخرى..

هذا الذي يتوسط بين ارض تكتمل بعشاقها

والمشهد الضيق بصرخة في اتجاه التوابيت الوردية

تلك هي المساحات التي تريد الشاعرة ان تخلقها في انصهارها الذاتي الشعري هنا، حيث الاتحاد والحلول بالتراب الذي يضم تحت انقاضه رفات ارواح من ارادوا للواقع وردياً لمن يأتوا من بعدهم دون ان يكون الدم والسواد هما ما يلونان الواقع، وبهذا تنتقل الالوان في مخيلة الشاعرة الى محاكاة الواقع" الوطن" و "الانسان"  الى لغة الروح بكل ما تتناوبها من اتكاءات المشاعر على حركة النفس التي تريد ان تتشكل من خلال الوانها ما يسجد رؤيتها وانفعالاتها وتوحدها بترابها وانسان وطنها على الرغم من ما في توظيفاتها اللونية من علامات تزخر بدلائل حياة مقهورة.

  

جوتيار تمر


التعليقات

الاسم: المصطفى العمري
التاريخ: 21/02/2014 21:10:05
صديقي الغالي جوتيار تمر.
قراءة رائعة سبرت أغوار الفقة الريحية الرائعة لضحى بوترعة.
لك الشكر على هذه القراءة مع التقدير والإحترام لكما معا: ضحى وجوتيار.




5000