.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نظرية العمل السياسي عند السيد الشهيد محمد الصدر ( القسم الاول )

د.علاء الجوادي

 

الشهيد السعيد السيد محمد محمد صادق الصدر قدست نفسه الزكية

تذكرة وعبرة

هذا البحث من البحوث الجادة المبكرة التي كُتبت عن السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر، يهدف الى اكتشاف نظرية العمل السياسي عند هذا الرجل المصلح، امام من اتهمه باتهامات كان ايسرها انه لا يفقه في السياسية شيئا!!! وقد كتبت بعض خطوطه العامة وبعض تفاصيله قبل شهادة السيد وكنت ادرسها ببعض اجتماعاتنا مع ابنائنا واخوتنا ذوي العلاقة القوية بنا. كنا كوسط اسلامي عراقي نحترم هذا المرجع المصلح الجماهيري الكبير، ويشهد على توجهاتنا تلك الكثير ممن حضر في تلك الاجتماعات ... ثم اكملنا كتابته بعيد رحيله وفي فترة كان الكثير ممن يزايد اليوم باسم الصدر الثاني لا شغل له به!!! ان لم يكن ممن يعاديه ويستهزأ به. وكان الدافع الاساسي لكتابة هذا البحث هو تقوّل البعض من خصومه الساسيين عليه انه: لا دراية له بالسياسة! فاردنا ان نثيت بالدليل ان السيد الصدر الثاني رضوان الله عليه لم يكن مرحعا اسلاميا جماهيريا سياسيا دينيا فحسب بل كان يمتلك كذلك نظرية عمل سياسية متكاملة قائمة على اسس فهم التاريخ والواقع والمستقبل.

ولكن الزمن في صعود وهبوط وتقلبات والناس اتباع القوي والراية المنتصرة وعبيد من يمتلك القوة، اما الضعيف فقد قل ناصره وكثر شانئه!!!

كنا ندافع بشدة وبوعي عن هذا السيد الامام الزاهد وكنا نعتبر ظهوره جاء بمثابة ملئ فراغ خطير كادت به الامة ان تنحرف وتزل اقدامها وانه جاء ضمن اكنال ادوار العلماء الربانيين ممن سبقه ومهد له ... وكان البعض من السياسيين والاسلاميين ينتقدونني على منهجي هذا، ولكن عندما اصبح التيار الصدري بما اصبح به من القوة تحول بقدرة قادر ذاك المعادي للصدريين الى صدري يزايد على الناس!!! ويتمتع بكل الامتيازات السياسية التي اكتسبها باسم هذا الخط.

بالصدفة فقط كنت ابحث عن موضوع ما في الشبكة العنكبوتية، فرأيت احد العناكب السامة الكبيرة التي تلبس لكل مناسبة لبوسها قد نشر جزءَ من هذا المقال في صحيفته دون ان يذكر اسم كاتبه خلافا للامانة العلمية والالتزامات الاخلاقية ولاثبات الحقائق التاريخية!!! وكأن هذه الصحيفة ومن تمثل، من انصار الصدر واحبائه ولا تنتمي لجماعة كانت تجاهر بالعداء للشهيد في حياته وسبحان مغير الاحوال!! وسوف اترفع عن ذكر الاسم وسيعرف القارئ الذكي ما اقصد، وبحث عن البحث باسمة فلم اجده بل اكتشفت انه اصبح محذوفا بعدما كان منشورا!!! ولا ادري هل حصل ذلك صدغة ام انه بفعل فاعل؟؟!! لذلك قررت نشره في صفحتي الحبيبة صفحة النور، تثبيتا لحق تاريخي علمي من جهة ووفاءً لمرجع شهيد مجاهد كبير من جهة اخرى. تعامل بعض اخوتي في التيار الصدري بجدية مع البحث ولكن اعتقد انه ينبغي الاهتمام الاكبر به لا سيما في مجال التثقيف السياسي، لا سيما وان احدهم وهو اليوم وزير في الحكومة الحالية ومن تلاميذنا الاعزاء كان مممن اطلع على خطوطه العامة قبل شهادة السيد وعلى البحث كله بعد شهادته.[1]

قصة محزنة ارويها لقرائي الاكارم، في احد ايام بدايات سقوط نظام صدام في العراق، قال لي احدهم، وهو رجل عالم ديني ومعمم ويحترمني كثيرا لانه كان في ماضي الايام من الفلك الحركي المرتبط بنا، قال لي بالحرف الواحد بعدما عرف اني كتبت بحثا مفصلا تخصصيا عن السيد محمد الصدر: سيدنا بماذا تقابل الله يوم القيامة وانت مع علمك وفضلك كتبت بحثا موسعا لدعم محمد الصدر؟؟!!

اجبته بالحرف الواحد: سيد فلان، اواجهه بعد تمسكي برحمته وعفوه ومغفرته بوجه مشرق فرح باني نصرت احد اوليائه والمخلصين من علماء مدرسة اهل بيت النبوة، والذي رزق الشهادة على يد اعتى طواغيت الارض. ولكن قل لي انت بماذا ستواجهه وانت تطعن بعالم سيد شهيد ادى واجبه في نصرة دين الله؟ فلم يحرِ جوابا واسقط بيده!!

واذكر اننا في لندن كنا جالسين باجتماع يوم وصول خبر شهادة السيد الصدر ونحن المجموعة القيادية من اطراف الاسلاميين المتعددة، وكنت في جلسات هذه المجموعة من المدافعين عن السيد محمد الصدر دائما وكلما اقتضى الامر، وكان الوضع اغلبه ليس مع توجه السيد الصدر الثاني ويشكك انه واجهة تتحرك بتوجيهات صدام!!! في يوم شهادته مساء في تلك الجلسة، انبرى احدهم وكان ممن يكثر من شتم وثلب السيد الشهيد الصدر الثاني في حياته ويتهمه واستمر باتهام السيد جعفر بن السيد الصدر الاول والسيد مقتدى ابنه باقذر التهم بعد وفاته، قال يومها الحمد لله لقد بيّض الله وجه السيد محمد الصدر بالشهادة!! وهو كلام به الكثير من الخبث والهمز واللمز والشتم المبطن وينسجم مع نهجه المعادي للشهيد كما اشرنا.

اجبته على الفور: ان وجه السيد محمد الصدر مبيضا بنور الانتماء لآل رسول الله ونور الايمان والصدق والعمل الصالح والتضحية والجهاد منذ مولده حتى شهادته، ولكن الله قد سود وجهك منذ يوم مولدك ظاهرا، وها انت تستمر على تسويده بنفاقك باطنا وظاهرا وبعدائك للسيد الشهيد محمد الصدر! استحي يا هذا واتقي الله!

سكت الرجل ولم يجرأ على النطق بكلمة واحدة، فانبرى صاحب البيت ضاحكا وهو من اقطاب الحكومة الحالية ومن اصدقائي القدماء او من معارفي بكلمة ادق، قبل اكثر من اربعين سنة، لتهدئة الوضع قائلا: سيد علاء منفعل ومتأثر على شهادة ابن عمه الصدر.

قلت له: ابو فلان تعرفني منذ اكثر من كذا سنة في الاعدادية المركزية وفي الجامعة وغيرهما وتدري اني لا انفعل بسهولة انما انا اقول الحق في سبيل الله ولا اخشى لومة لائم او اجامل احدا.

قال معترفا بذلك او لاسكاتي: حقا سيدنا هذا هو حالكم ويعرفه الجميع.

وعودا على بدأ فبعد انجاز هذا البحث تجمعت عندي الكثير من المعلومات الاضافية مما تشكل مادة اولية للبحث عن المرجع المظلوم السيد الشهيد محمد بن محمد صادق الصدر رضوان الله عليه واتمنى ان تتاح لي الفرصة المناسبة وان افرغ مما بين يدي من بحوث شبه منجزة، واكمل بقية العمليات لقلبي الجريح الذي اغلق صدام وحزبة نصف شراينة واكمل قومي واخوتي الاسلاميين اغلاق وسد البقية الباقية منه!! وان يمنحني الله الصحة لانجاز مجلدا ضخما عن نظرية العمل السياسي عند هذا السيد الشهيد الذي اعطاه حقه الشرفاء واساء اليه اخرون ولكنه استمر بغض النظر عن هذا وذاك ينور يهتدي به المستضعفون والفقراء.

مدخل لظاهرة الصدر الثاني

الشهيد السيد محمد ابن السيد محمد صادق الصدر ظاهرة ضخمة بكل أبعادها، فهي ضخمة بحيثيات نشأتها التاريخية، وهي ضخمة بعطاءاتها العلمية الفكرية الثقافية، وهي كذلك متميزة في تصدّيها المرجعي. لقد كانت من الضخامة بمكان استطاعت معه أن تملأ الفراغ المرجعي الناتج من التقاعسات المتراكمة من جهة، ومن الهجمة الشرسة المخططة التي أحكم النظام تنفيذ فصولها من جهة أخرى. إنّ مواجهة الشهيد السيد الصدر الثاني للسلطة ومعاولها القاتلة الهادمة وقد مضى على عملها أكثر من ثلاثة عقود دامية، تفنّن بها النظام العفلقي الصدامي بكل ما يستطيع من أجل تدمير المرجعية الإسلامية في النجف الأشرف، تقع في مصاف الأحداث التاريخية المتميزة في مسيرة النضال العراقي من أجل إقامة النظام الإنساني فيه.

لقد ملأ السيد الصدر الثاني الفراغ وحوّل المأساة التي كانت تعيشها المرجعية الى مبادرة عطاء ضخمة أعادت الى الأذهان أيّام الله الكبرى يوم كان التصدي المرجعي في العراق يشرق بالعطاء الإسلامي والالتفاف الجماهيري الملتزم الزاحف.

وهكذا اختلت الموازين وانبعث العملاق من قمقمه بعدما ظنّ الجلاّد أنّه قد أحكم سجنه ولا أمل في عودته ليملأ الدنيا من وجوده الكبير فيقود الطلائع المجاهدة والجماهير المؤمنة نحو الفجر الصادق بقيام المجتمع الإسلامي.

ولعلّ ضخامة المشهد وسطوع الصورة هي التي أثرت على البعض فعمي أو تعامى عن وصف الظاهرة، وراح يعلن عن رؤيته المشوهة وغبشه المشوش وعمى ألوانه بعبارات النقد الجارح للظاهرة الشامخة المتعالية وكلمات التشكيك اللئيمة الحاقدة لمواكب العطاء والمجد التليد.

والمؤلم في الأمر تكرّر هذه الظاهرة عند بعض المتلبسين بالمظاهر الدينية، فإنّ هذا البعض مازال يتصدى، بل ينصب من نفسه قائداً وعبر العقود في محاربة مظاهر الوعي الثوري الملتزم. فيوماً تراه يخذل الثوار في نهضتهم ويتهمهم بتهم لا تختلف كثيراً عمّا اتهم به السيد الصدر الثاني، وذلك في مطلع القرن عندما قامت ثورة النجف العظيمة تنادي بتحرير العراق وإقامة النظام الصالح الذي يريده الإسلام والشعب العراقي، مما مهّد السبيل وجعله ميسراً لأعداء إبطال جمعية النهضة مفجرة ثورة النجف الخالدة، فأعدموا من أعدموا وسجنوا من سجنوا وشرّدوا من شرّدوا.

وتكرر هذا المشهد ضد حركة الوعي العقائدي في منتصف القرن الذي انصرم فكالوا لهم التهم وخذّلوا الناس عنهم، عندما راح ركب التخلف المتبرقع بالشعارات يحارب روّاد الحركة الإسلامية المنظمة.

وقد بلغوا الذروة في ذلك عندما أعلنوا محاربة العبد الصالح روح الله الذي ثار واضعاً دمه الحسيني الطاهر من أجل تحرير الأمة من أعتى طاغية تسلط في ربوع الشرق في وقته، فكالوا له التهم وناصروا الشاه عليه وألصقوا به ما ألصقوا مما حكته الأيام وشهدت به الوثائق، ولكن أمر الله كان مفعولاً، وكان النصر حليف الإمام الخميني الموسوي ففرحت الجماهير العريضة في بقاع التشيّع والإسلام، والتحقت في حركة هذا الإمام الذي عشقته منذ أوائل الستينات. وانقلب رهط الاتهام ليتصدر الصفوف، وليطيل الاتهام هذه المرة باسم الأمة لأبنائه المخلصين.

ولم نذهب بعيداً، وقد مارس أولئك الأقوام مع المرجع الشهيد الإمام السيد محمد باقر الصدر كل ما استطاعوه من توهين وخذلان وانتقاص وامتهان. لقد تصدّوا لمحاربته أكثر من تصديهم لمحاربة الشاه وصدام أو بقية أئمة الضلال. وكأن مصداق انتسابهم للدين هو محاربة أبنائه المخلصين. وانتقل الإمام الشهيد السيد الصدر الأوّل الى بارئه تحفّ به قوافل الشهداء، وتسير على أثره قوافل شهداء ومجاهدين، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً.

إنّ ما نريد الوصول إليه هو أنّ موقف الخذلان ومنطق التخلف عن فهم حقيقة الحدث لم يكن وليد ظروف معينة بعينها أو من صنع فئة خاصّة لا غيرها، إنّه منطق التخلف المرتبط بالتكالب على حطام الدنيا الذي يمنع أولئك الناس من الاستفادة من الحدث التاريخي والسير باتجاهه وليس ضدّه أو السير خلافه.

وهذا الموقف من ظواهر القيادات التاريخية وحركات العطاء ينبع من أسباب عدة تجتمع في فترة وتفترق في أخرى. فقد يكون الموقف السلبي وليد حالة الجهل والإنسان عدو ما يجهل. وقد يكون وليد حالة الحسد عندما تنهش الغيرة قلوب البعض، إذ يرون انقياد الناس واتباعهم لرجال لم يخططوا ولم يرغبوا أن يتصدروا المجالس والمجتمع، لكن الرئاسة والقيادة جاءتهم طائعة منقادة، فيأخذ الحسد ينهشهم وينفث الحقد بأفواههم كأن لسان حالهم يقول ما أتعس حظنا نسعى بكل جهدنا لنيلها لكنّها تهرب منّا وتذهب ساجدة على أعتاب من لم يعمل لها.

وهذا نابع من نقص في الإيمان وجهل بقواعد الحركة الاجتماعية واستهانة بعقول الناس.

ومنهم من يحارب ظاهرة القيادات الإسلامية الرشيدة بدوافع وخلفيات الصراعات المرجعية، وتصبح الظاهرة أكثر تعقيداً عندما تتمازج الدوافع الفئوية الضيقة مع الدوافع المرجعية، فيحس ممن اتخذ الحركية والسياسية بخطورة بروز مرجعيات لا يمكنه أن ينتفع بها ضمن لعبته.

لقد سجّلت الفترة ما قبل استشهاد السيد محمد ابن السيد محمد صادق الصدر عدداً من الممارسات، ومن عدد من الجهات قد لا يوحّدها جامع فكري أو وطني أو قومي أو مرجعي، أقل ما يقال عنها إنّها كانت ممارسات سلبية، الى درجة راح البعض من أجل تسقيط السيد الصدر الثاني باتهام السيد جعفر الصدر نجل الإمام محمد باقر الصدر وممثل الإمام الصدر وصهره، وكانت بعض هذه الاتهامات في دينه، كل ذلك ليس عداء لسيد جعفر بل عداء لظاهرة الوعي المرجعي الإسلامي الرشيد ممثلاً بالسيد محمد الصدر.

وممّا زاد الطين بلّة أن ركب المتخلفين المحبطين ما أن سمع بعرس شهادة السيد الصدر الثاني حتى أخذ بالعزف والغناء الجنائزي والرقص الطقوسي مبالغة في إظهار اللوعة والألم في زفاف ركب الشهداء الى الحور العين في جنات الخلود في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

لقد تحوّل المنتقدون والمشككون والشامتون والمتبرئون والحاقدون الى بكائين منكوبين بفقد القائد العظيم.

قال واحد من أولئك القوم: «آه، وكيف سيُسدّ الفراغ القيادي الذي تركه السيد الشهيد محمد الصدر؟؟؟».

أجابه صاحبه وهو يشعر بالغثيان من مثل هذا النفاق والتقلب بالمواقف: «وهل كنت تشعر بدوره القيادي عندما كان حياً؟!!!». كان ينبغي لأولئك القوم المزايدين أن لا يبالغوا في مظاهرهم بعدما تلبّسوا بضدها، وكان لهم أن يتأملوا الأسباب التي حدت بهم الى اتخاذ تلك المواقف الشوهاء لئلاّ يقعوا مرّة اخرى بنظائرها.

ولكن أمام هذه الفئات ذات السلائق المعقدة والطبائع التي لا يرتجى كثيراً من إصلاحها، كانت تقف الجماهير المليونية والطلائع الواعية مؤيدة ومساندة للظاهرة الإسلامية الواعية ممثلة بالسيد محمد الصدر الشهيد الصدر الثاني، كما هو حاله دائماً في المنعطفات التاريخية المهمة ومع القيادات الرسالية الحقيقية.

لقد قام الشهيد السيد محمد الصدر «قدّس الله نفسه الزكية» أحسن قيام بأداء دور المرجع القائد في العراق الجريح، فالتفّت الملايين من الناس حوله وآمنت بخطه واتبعت نهجه، واستشهد هو تطبيقاً لمبادئه، وجماهيره ماتزال تواصل طريقه في عراق علي والحسين والشهداء والصالحين.

وآمنت به الطلائع الواعية من ذوي البصائر وأصحاب العقائد الإسلامية الراسخة، ولا عجب في ذلك، فقد كان عهدهم بهذا المعلم الشهيد بعيداً فلطالما تثقفوا في مدرسته وتدارسوا روائعه وتعلّموا منهج أهل بيت النبوة في العلم السياسي والحركي من كتبه. لقد كان معلّمهم، وقام بمشروعه المهدوي الفكري العظيم بهدي من استاذه وابن عمه الشهيد السيد محمد باقر الصدر «قدس الله روحه الطاهرة»، فكانت صحائف هذا المشروع الكبير خير مدرسة في ربط الأمة وطلائعها الرسالية بقائدهم الحقيقي وهو مهدي آل محمد «ص.

لقد كان السيد محمد الصدر واعياً لما يقوم به، وذكياً في تصرفاته ومواقفه، وحكيماً بعيداً عن الانفعال أو التأثر بعناصر غير لصيقة بمشروعه الإسلامي.

وكان المرجع المفكر السيد الصدر الثاني شجاعاً بطلاً غير متردد وغير هيّاب من الأعداء. وكان يخفي ما يريد إخفاءه كما كان يظهر ما يريد إظهاره بإقدام وشجاعة فائقة حتى لو كلفه ذلك حياته. كان يبذل كل جهده ووقته وكيانه من أجل الإنسان المسلم بصورة عامة والإنسان العراقي بصورة خاصة. لذلك أحبه الناس بعقولهم وقلوبهم وكل جوارحهم.

كان للسيد الشهيد اطروحة كاملة ناضجة في التحرك الإسلامي السياسي في ظل الدولة الظالمة وهو ما دوّنه في كتابه «تاريخ الغيبة الكبرى» وبعشرات الصفحات وقبل شهادته بما يقارب من ثلاثين سنة. فقد استعرض كل الاحتمالات ووضع الحلول لكل منها وما ينبغي للمؤمن من القيام به في كل ظرف من الظروف.

ونحن مطالبون بدراسة فكر ونظريات وتوجيهات السيد الصدر الثاني فإنها مصابيح في طريق العاملين.

لقد أدرك نظام صدام والصهيونية العالمية وأميركا وعملاؤها خطورة مشروع السيد محمد الصدر التغييري فكان قرار تصفيته لئلاّ تقوم بالعراق دولة إسلامية اخرى.

إنّ خطابه الأخير الذي اغتيل من بعده كان خلاصة لأهم منطلقاته الفكرية والتحركية. كان يدعو به الى الالتزام بالإسلام وبالمرجعية الرشيدة المجاهدة، وبالالتزام بالشعائر الإسلامية، مثل مواكب المشي للحسين «ع» وصلاة الجمعة. وكان يعتبر أنّ هاتين الشعيرتين من أفضل وسائل محاربة الاستعمار وفك الحصار الظالم عن العراق.

ولكي لا ننسى، فالسيد الصدر كان أحد أبرز العلماء العاملين في العراق، وأحد ألمع أركان مدرسة الإمام السيد محمد باقر الصدر، وأحد أشهر المفكرين والمنظرين في فكر مدرسة أهل البيت «ع»، وهو من القلة من العلماء الذين درسوا حركة أهل البيت «ع» ومسيرتهم، وهو ما ينبغي استحضاره ونحن نبحث عن نهجه.

لقد كانت معركة السيد الصدر مع النظام المتسلّط في العراق ومن ورائه الصهيونية العالمية والقوى الاستعمارية معركة بقاء أو موت للشعب العراقي. والشعب العراقي من أعرق شعوب الأرض وأكثرها مواصلة لمسيرة الكفاح، لذلك فالسيد محمد الصدر «رحمه الله» مستمر في قيادته كما هو شأن الصدر الأول الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، والصدر الثاني في معركته الداخلية التي شرع بها الآخرون ضده كانت في حقيقتها معركة المنهج ونظرية العمل السياسي والاجتماعي من أجل خدمة الإنسان وإقامة المعطل من شرع اللّه.

و في كلا الحالين، فالمعركة عميقة في جانبها المفاهيمي والنظري، ومن هنا فإنّ من أهم معالم إدامة الصراع مع الظلم من جهة، وإحياء ذكرى السيد محمد الصدر من جهة ثانية، هو استخلاص نظريته في العمل الإسلامي والاجتماعي والسياسي.

مراحل تحرك السيد محمد الصدر

وفي هذا البحث سنحاول أن نلقي ضوءاً على جوانب من نظريته في العمل معتمدين على ما دوّنه أو قاله في مختلف مراحل حياته، منطلقين من أن فهم المراحل اللاحقة منها لا يمكن أن يتم بصورة دقيقة دون الرجوع الى المراحل السابقة. فلم يكن الرجل ينطلق من فراغ، ولم يكن ساذجاً في تصرفاته كما وصفه البعض، بل أن الإنصاف يقتضي منّا أن ننظر بعين من الإجلال والإكبار لمدرسته النضالية في شقيها النظري والعملي، وذلك للتكامل والشمولية التي تظللها.

ومنذ أكثر من أربعة عقود كان السيد الصدر الثاني مواكباً لمسيرة الحركة الإسلامية وحركة المرجعية الرشيدة في العراق. فكان يتفاعل معها بوعي كامل ومشاركة جادة عبرت عن نفسها في كل مقطع زمني متميز بطريقة مناسبة ومدركة لمعطيات المرحلة وملابساتها. ومن خلال رصدنا لمشاركته في مسيرة التحرك الإسلامي الواعي في العراق، يمكننا تقسيمها الى أربعة مقاطع ذات سمات متميزة، هي:

1ـ مرحلة صياغة النظرية والتثقيف بها: وكان تحرك الصدر الثاني في هذه المرحلة ضمن تحرك الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه.

2ـ مرحلة التقية: التي اتسمت بالرصد الدقيق للأحداث والمشاركة الحذرة، واستمرت هذه المرحلة منذ أواخر سنوات الصدر الأول واستمرت الى مرحلة الانتفاضة. لقد كان للسيد الصدر الثاني تصور معين للانتفاضة وكان له بها اسهام يتناسب مع هذا التصور.

3ـ مرحلة التحرك من خلال الهدنة مع النظام: واتسمت هذه المرحلة بالتصدي القيادي، مستفيداً من الظروف التي كان يمرّ بها النظام في بغداد لإعادة بناء التحرك الإسلامي على أسس رصينة، بعدما أوغل النظام في تخريب ساحات ومفاصل هذا التحرك. لقد اتسمت هذه المرحلة من نشاط السيد الصدر الثاني أنها سعت لسد الفراغ القيادي والمرجعي من خلال التفاعل مع الواقع بكل أبعاده المثبطة أو المشجعة.

4ـ وقد انتهت هذه المرحلة بعد توفر بعض المستلزمات مسفرة عن المرحلة الرابعة هي مرحلة الصراع والصدام مع النظام والتي ختم بها الصدر الثاني حياته بالشهادة.

ومن خلال معايشتنا أو متابعتنا لمسيرة السيد الصدر الثاني يمكننا أن نقول أن هناك ثمة تراكماً بين هذه المراحل تبنى بها كل مرحلة على سابقتها. كما أنّ هناك ثمة تداخلاً بين هذه المراحل، فالممارسة التنظيرية كانت مستمرة على طول الخط، كما أنّ التقية كأسلوب من أساليب العمل ظلت تلف الكثير من ممارسات السيد رحمه الله. ومفهوم المهادنة من أجل الانطلاق للمرحلة الأكثر تقدماً في عملية الصراع السياسي كانت موجودة حتى في المرحلة اللاحقة في الدوائر التي يمكن المهادنة من خلالها.

ومضافاً لهذه وتلك فإنّ عملية تطوير النظرية والممارسة كانت مواكبة للمتغيرات والأحداث الطارئة، مما يضفي نوعاً من المرونة في إنزال الأهداف، ويمكن القيادة في المناورة عند الضرورة.

الإسلام الأصيل أساس التحرك السياسي

الشهيد الصدر الثاني منذ مبدأ تحركه الى آخر يوم من أيام حياته كان ينطلق من فهمه أنّ الإسلام هو الرسالة التي ينبغي أن تسود الحياة. وكان يعتقد أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي الممثل الحقيقي للإسلام الأصيل البعيد عن التحريف أو الانحراف. كما كان يعتقد أنّ المرجعية الدينية الرشيدة المتحركة هي حصن الإسلام المنيع.

هذه المنطلقات كانت الأسس التي اقام عليها السيد الصدر الثاني معالم نظريته في التحرك، وهو ما كتبه وبينه في كتاباته منذ اوائل الستينات، كما بيّنه في خطبه وتوجيهاته في أيامه الأخيرة.

أساسيات الانطلاق، أو لنقل أساسيات نظرية العمل السياسي عند الإمام الشهيد الصدر الثاني رحمه الله كانت واضحة له منذ البداية. فمنذ شبابه كانت المنطلقات واضحة لديه، وكانت تلك المنطلقات هي الأسس الصلبة التي أقام عليها تصوراته للسياسة والمسيرة والعمل الإسلامي.

في وثيقتين كتبهما السيد محمد الصدر ولم يكن يومذاك قد بلغ العشرين أو أوشك على بلوغها هما: (الفطرة وأثرها في العقيدة الإلهية والتوحيد) و(حول الإسلام وخلود تعاليمه)، يدوّن رحمه الله أهم الأسس، والتي سنستلها أدناه:

1ـ «الدين فطرة الله أودعها الله عز وجل في نفس الإنسان لترشده الى الحق ولتهديه الى الصراط المستقيم. ومن ثم كان الحق وكان الدين أمراً فطرياً قد جبل عليه الفرد في اصل تكوينه وخلقته. ومن ثم أيضاً كانت النفس هي الهادية والمرشدة الى ذلك الحق لمن يصغي الى ندائها ويستجيب لأمرها، ولم يكن لأحد إنكار هذا النداء أو التمرد عليه، فضلاً عن تغييره والتصرف بمحتواه، فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. وإنّ الإنسان لأعجز من أن يغير من ذلك شيئاً إلاّ إذا استطاع أن يغير شيئاً من واقعه التكويني.

ولاشك ان هذا النداء الصادر من أعماق النفس، هو ألصق النداءات بالإنسان وأبلغها أثراً في نفسه، وإنّ الوصول الى الحق عن هذا الطريق لهو أيسر الطرق وأسهلها. لذا فقد كان الاعتراف بالإسلام وبعقائده سهلاً يسيراً وموافقاً للبداهة والفطرة، وللبرهان العقلي الصحيح. هذه هي حكمة الإسلام. هذا هو المغزى العميق الذي أشارت إليه الآية الكريمة

2ـ والإسلام الخالد له معجزة خالدة تتحدى البشر وتثير دهشة الأجيال، لتسير مرفوعة الرأس على مرّ العصور. وذلك لأن الدين الخالد لا تفيده تلك المعجزات المؤقتة التي يقيمها النبي لأهل زمانه إتماماً لحجته، لأنها تتصرم بانقضاء زمان حدوثها ولا تبقى منها إلاّ الرواية والنقل، ثم لا يبقى من النقل على مرّ الزمان إلاّ الظن والتخمين. أمّا القرآن، معجزة الإسلام الخالدة، فقد صمم خصيصاً لكي يلمس إعجازه كل جيل من البشر، وليستدل به على صدق الإسلام وعظمة الإسلام وعمق نظر الإسلام ومدى حكمته البالغة.

والقرآن خالد بأسلوبه وبلاغته، خالد بنظامه وتشريعه، خالد بنصائحه وإرشاداته، خالد بتواريخه وعلومه، خالد بتنبؤاته عمّا وراء الغيب.

3ـ التشريع الإسلامي العظيم وضعه خالق البشر ليطبق عليهم أجمعين بمختلف أجناسهم وألوانهم ومستوياتهم، لأنه النظام الأمثل الذي اختاره لهم ليخرجهم من الظلمات الى النور ويهديهم الى الصراط المستقيم. وإن أقل نظرة في هذا النظام لتبدي للفاحص المتأمل أنّ التعاليم الإسلامية سارية الى جميع خصوصيات الحياة البشرية وأنّها لم تدع صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصتها وأظهرت لها من التشريع والإرشاد ما يسمو بها عن الأدران ويرفعها الى مستوى الإنسانية الأكمل.

والنظام الإسلامي هو النظام الأمثل الخالد، لأنه أحسن النظم البشرية وأصلحها للتطبيق. ودليل ذلك أننا نرى أنّ الفكر الحديث لم يسبق الإسلام بنظرية صحيحة صالحة للبقاء.. وبخاصة في مجالات التقنين والتشريع.

4ـ أكد الإسلام على حقوق الإنسان وفصلها خير تفصيل تحت ضوء حكمته البالغة، قبل الدستور الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن وقبل الدستور الأميركي وقبل لائحة حقوق الإنسان التي أصدرتها هيئة الأمم المتحدة، بأكثر من ألف سنة. ورغم ذلك فقد أثبت الإسلام حصافة رأيه وجدارته في قيادة الإنسان الى شواطئ الخير والسلام.

5ـ إنّ الإسلام سنّ مبدأ التكافل الاجتماعي وحثّ على معونة الفقراء وعتق الأرقاء. وحارب الاحتكار وتضخم الثروة. في زمان لم يكن يفكر بشيء من ذلك أحد.

6ـ المنهج التربوي في الإسلام، منهج واسع وعميق. يتكفل الفرد بالعناية والرعاية، منذ ولادته، ويسير معه في جميع أعماله وأقواله الى آخر لحظة من حياته. بل أنّه قد لاحظ بثاقب نظره أن التربية خلال الحياة غير كافية لأن تُنشئ فرداً صالحاً بمعنى الكلمة، وكما يريده الإسلام أن يكون، لذا نراه قد التفت الى الوالدين فأمرهما بإصلاح أنفسهما وتهذيب سلوكهما لكي لا يرضعا ولدهما الصفات الخبيثة والأخلاق الدنيئة، بل ليربيا جيلاً صالحاً يسعى في خير مجتمعه وأمته، يسطع في ربوعه ضوء الإسلام وتصعد البشرية بجهوده في سلالم الكمال.

7ـ والمقياس الخالد في الشريعة الإسلامية للتفاضل بين البشر، هو التقوى من ناحية والعلم من ناحية ثانية والجهاد من ناحية ثالثة، لا المكاثرة بالأموال والأولاد والزخارف الدنيوية الزائلة، بل أنّ الفضائل الروحية أولى بتخليد صاحبها وأحق أن تسمو به في درجات الكمال.

8ـ التقوى هي هذه المعنوية الرفيعة والنفس العالية التي يكون بها الفرد المسلم (قريباً أمله قليلاً زلله خاشعاً قلبه قانعة نفسه منزوراً أكله حريزاً دينه ميتة شهوته عمّا حرّم الله تعالى، مكظوماً غيظه، والخير منه مأمول والشر منه مأمون.. يعفو عمّن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه، بعيداً فحشه ليناً قوله غائباً منكره حاضراً معروفه مقبلاً خيره مدبراً شرّه، في الزلازل وقور وفي المكاره صبور، أتعب بدنه لآخرته وأراح الناس من نفسه.

9ـ بالغ الإسلام في الحثّ على طلب العلم والاستفادة منه واحترام العلماء والجلوس في مجالسهم والاستضاءة بنور معرفتهم. فمن شهير ما ورد عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله قوله: (مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء)، وقوله (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).

10ـ من هو المسلم ومن هي المسلمة؟ هم جميع البشر. لأن الإسلام دين عالمي قد خاطب البشر جميعاً، ومن ثم فهو يفترض سلفاً ان تعاليمه تطبق الخليقة كلّها. إذن فالإسلام بهذا الحديث الشريف يطالب بتعليم جميع أفراد البشرية، وهي نسبة لم تبلغها الإنسانية الى الآن ولن تبلغها بسهولة ويسر.

11 وأمّا الجهاد فقد (فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً) وأعطى المجاهد درجة من الكمال والفضيلة لا يستحقها القاعد المتخاذل المتواكل المسوف لأعماله والمتباطئ عن تعاليم دينه القويم. والجهاد هو التفاني بجد وإخلاص في إنجاز العمل الذي أوكله الإسلام الى الفرد ليقوم به، فهو باب واسع من الأعمال تنتظم جميع الفعاليات الإسلامية الخيرة وليس مختصاً بحمل السلاح في سبيل الدفاع عن الإسلام كما قد يبدو لأول وهلة.

فالمجاهد يشمل كل من وجد ضعيفاً ينوء بثقل الزمان فأسبغ عليه شيئاً من الرحمة والإحسان، ومن وجد فقيراً ينام الليل ولم يدخل جوفه الطعام منذ أيام فأعطاه شيئاً يسد رمقه، ومن وجد يتيماً قد قذفته داره الى قارعة الطريق فآواه وأشبعه وألبسه وأحسن تربيته، ومن وجد أخاه المؤمن مضطراً الى امر من أمور الحياة وهو متمكن من إعانته، فأعانه على تحمل مشاق حياته، ومن شعر بأن الله الذي خلقه من بعد عدم وأنعم عليه من بعد فقر وأسعده من بعد بؤس أهل للعبادة والدعاء فتقرب اليه ودعاه وأخلص في عبادته، ومن عرف ان الله عز وجل قد أرشده الى خيره وصلاحه وفرض عليه بعض الواجبات فقام بها بأمانة وإخلاص.

12 ـ الدستور الاسلامي هو معجزة من معجزات الإسلام التي أقام بواسطتها حجته وركز عن طريقها دليل صدقه، فهو لا يدل فقط على دقته وعمق نظره وحكمته البالغة في تسيير دفّة الأمور، بل هو يدل على انه وارد من المورد الإلهي المحيط بآمال البشر وآلامهم والمطلع على سرائرهم. ومن ثم كان دستوراً عاماً شاملاً وصحيحاً لم يكن باستطاعة اي ذهن بشري ان يأتي بما يماثله في الصدق والعمق والشمول والخلود.

ومن خلال خطب صلاة الجمعة التي كان يقيمها السيد الصدر الثاني، حول مفاهيم الولاء لأهل البيت والمرجعية الى شعارات ترددها الجماهير ونقتبس منها الشعارات أو الهتافات التالية التي كان يرددها على اسماع الجماهير، وهي:

1- يا امير المؤمنين يا إمام المتقين***إنك النور المبين من إله العالمين

2- هذه هي حوزتنا.. هذه عزتنا.. هي قائدنا.. هي أملنا.

فالنتيجة المستخلصة من هذه الشعارات هي الانطلاق من الولاء لأهل بيت النبوة، وفي ظل المرجعية الرشيدة التي هي العز والقيادة والأمل للأمة.

يعتقد السيد الصدر إن من أهم معالم تحرك الأئمة عليهم السلام كانت:

1- المطالبة الدائمة ـ ولو على الصعيد النظري ـ بمنصب القيادة العامة ورئاسة الدولة الإسلامية. وقد ثقّف الأئمة أتباعهم وقواعدهم الشعبية وعبأوها بهذا المطلب، وقد طرحوا ذلك من خلال مطلب الإمامة.

2- الدعوة لإصلاح أوضاع الامة الإسلامية نتيجة لما ألم بها من ظلم وانحراف وحروب ذات طابع شخصي ذاتي، مما ولد بدوره بؤساً اقتصادياً وتخلفاً اجتماعياً، وهو ما مارسوه من خلال مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أسس تحرك الأئمة من أهل البيت

لقد استخلص السيد الصدر الثاني هذين المفهومين وذكرهما في كتابه الغيبة الصغرى سنة 1970، وهي فترة بداية وصول نظام البعث للسلطة في العراق. وكأني به يريد ان يقول لأبناء الحركة الإسلامية ان إيماننا بمسيرة أهل البيت يقتضي منا الوصول لرئاسة وقيادة الدولة والتحرك بهذا الاتجاه ولو على الصعيد النظري، وتثقيف القواعد به من جهة، وممارسة عملية الإصلاح والتغيير الاجتماعي والدعوة للقضاء على البؤس والفقر والظلم الاجتماعي من جهة اخرى.

ولكن السيد محمداً الصدر كان في عين الوقت يضيف لهذين المفهومين الأساسيين مفاهيم أخرى، نجملها فيما يلي:

1- توخي ما تقتضيه المصلحة الإسلامية العليا، بما يواجه المجتمع من مشاكل والدولة من أزمات.

2- التأييد المحترس المقتضب للدولة وجهازها الحاكم، وهي تخوض الصراع الفكري والسياسي والمادي مع أعداء المسلمين لئلا تقع الجهة الحاكمة في المزيد من الانحراف وهي تمارس هذا الصراع.

3- القيام بدور المراقب والمصلح والناصح تجاه المشاكل الداخلية للدولة الإسلامية، تلك المشاكل التي تنبع أصلاً من الحكام أو الجماعات المنحرفة في الداخل.

4- كان الأئمة يتحركون بمقدار الإمكان، وعند وجود الفرص السانحة، آخذين بنظر الاعتبار الضغوط التي تمارسها السلطة الحاكمة ضدهم للتقليل من نشاطهم وإصلاحهم وتأثيرهم بالنسبة لاحتياجات المجتمع الكبرى، مما جعل الأئمة يركزون نشاطاتهم على الدوائر الخاصة من أصحابهم.

5- كانت دائرة التحرك تتسع لتشمل قطاعات أوسع من الاُمّة متناسبة مع درجة ارتفاع الضغط السلطوي ضدهم، أو تمكنهم من ممارسة الأساليب التي تخفي تحركهم عن عيون أجهزة رصد السلطة. المعادلة كما يراها السيد الصدر الثاني هي ان نشاط الأئمة يتناسب كثرة أو قلة مع درجة ضعف الجهاز الحاكم، فتزداد عند زيادة ضعفه وتقل مع قوته.

6- إن موقف القيادات العاملة في خط أهل البيت والعناصر المجاهدة كانت تتأثر بدورها بهذه المعادلة. فكانت حركتها تتصاعد في الامة عند تصاعد حركة الأئمة، وكانت تتضيق عندما يقلص الأئمة تحركهم. إذ ان الأئمة (عليهم السلام) كانوا ينهون أصحابهم «في أوقات الشدة والضيق، عن التصريح بما يخالف القانون السائد والوضع القائم.

وباستعراض هذه المنطلقات في العمل السياسي تتضح لنا بعض جوانب فهم السيد محمد الصدر للعمل السياسي ضمن ظروف الدولة المتسلطة أو الديكتاتورية حسب التسميات الحديثة.

ان طبيعة فهم السيد محمد الصدر لعمل وحركة الأئمة من اهل البيت عليه السلام كانت مصدراً مهماً لبلورة نظريته في العمل السياسي، وقد انعكس ذلك على مجمل تحركه اللاحق.

اما على صعيد الثورة المسلحة ضد النظام، فإن تصور السيد محمد الصدر للثورة من خلال فهمه لحركة الأئمة، يقوم على انهم شاركوا في الثورات ضد الأنظمة المتسلطة وضمن تكتيك استخلصه الصدر، يمكن إدراجه بالنقاط التالية:

1- بعض الثورات شارك بها الأئمة بصورة مباشرة.

2- ان تعاليم الأئمة وروح إرشاداتهم التي كانت تؤثر في نفوس أتباعهم كان لها الدور الأكبر في إلهاب روح الثورة عندهم، ومن ثم إعلان العصيان المسلح ضد الدولة.

3- من خلال دقة التحرك التي اتسم بها عمل الأئمة فإنهم استطاعوا ان يحوطوا نشاطاتهم الثورية المباشرة وغير المباشرة بالسرية التامة والحذر العظيم. وقد قاموا من أجل تحقيق ذلك بإخفاء اي نوع من المستندات والدلالات على مثل هذا الدور على الدول القائمة. وكانوا يستعملون الرموز والمعاني البعيدة والأعمال غير الملفتة للنظر، في قضاء بعض الحاجات الخطرة في منطق الدولة.

4- إن الثورة الصحيحة من الثورات التي كان يقوم بها العلويون زمن الأئمة على الحاكم الظالم ينبغي ان تكون على اساس من الوعي الإسلامي، وهو الدعوة الى تطبيق احكام الإسلام برئاسة الإمام المعصوم.

فإنه وان كان المعتقد ان غرض أكثر الثورات هو ذلك، إلا ان أفراداً منهم ربما كان منحرفاً عن ذلك أو غير واع له. فكانت ثورته اما للدعوة الى إمامة نفسه، أو إمامة شخص آخر غير الإمام المعصوم عليه السلام، أو لمجرد التمرد على الظلم، أو لحب الظهور والسيطرة ونحو ذلك من الأهداف.

ولعلنا نستطيع ان نضع الحد الفاصل في فهم إخلاص الثائر ووعيه، في كونه داعياً الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم. فإن عرفنا أنه دعا الى ذلك، فثورته مخلصة واعية، وإن لم يدع الى ذلك، ينفتح أمامنا فيه احتمال الانحراف وعدم الاخلاص.

إضافة لما مر، نريد ان نشير الى ناحية أخرى من نواحي فهم السيد محمد الصدر لتحرك الأئمة عليهم السلام، ففيما يتعلق بحركة الإمام الهادي (العاشر من أئمة اهل البيت) والذي كان يعيش ضمن الإقامة الجبرية وضمن أشد الظروف قسوة محاطاً بالضغط والرقابة الشاملة له ولأتباعه. وهي ظروف مشابهة لدرجة كبيرة لتلك التي كانت تعيشها القيادة والقاعدة الإسلامية في العراق عموماً وفي مدينة النجف خصوصاً.

وحسب السيد محمد الصدر فقد كان للإمام موقفان هما:

1- إثبات الحق ونقد الباطل في الأوساط غير الموالية له، وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي.

2- المحافظة التامة على أصحابه، ورعاية مصالحهم، وتحذيرهم من الوقوع في شرك النظام الحاكم ومساعدتهم في إخفاء نشاطاتهم بحسب الإمكان.

وقد قام الإمام الهادي في تنفيذ الموقف الأول بالممارسات التالية:

1- النقد السياسي على المستوى الأعلى وهو ما يعبر عنه بلغة الفقه، إنها كلمة حق أمام سلطان جائر.

2- إثبات الحجة على المستوى الشعبي العام بالنحو الذي لا ينافي الحذر والسرية من السلطة القائمة.

3- النشاط العلمي لإثبات أحقية مدرسة أهل البيت.

أما على صعيد الموقف الثاني، فكان موقف الإمام كالتالي:

1- حماية أصحابه والمرتبطين به من الانحراف وبيع الضمير للحكام.

2- حماية أصحابه من الإرهاب بقدر الإمكان.

3- قضاء حوائج أصحابه لما كان يعانيه أصحاب الأئمة وجماعتهم وقواعدهم الشعبية من ضنك العيش اجتماعياً واقتصادياً، نتيجة لإقصائهم عن المسرح العام سياسياً واجتماعياً.

القيادة المرجعية

من أهم معالم النظرية السياسية للسيد محمد الصدر هو إيمانه بدور المرجعية في قيادة الأمة، وإيمانه بنظرية ولاية الفقيه في وقت مبكر قياساً مع غيره من العلماء في الساحة العراقية.

يقول السيد: «إعطاء القيادة العامة في زمن الغيبة الى العلماء بالله، الذين يمثلون خط الإمام عليه السلام.. ذلك المفهوم الذي أعطاه الإمام الصادق عليه السلام صيغته التشريعية بقوله: ينظر أن من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا راد على الله وهو على حد الشرك بالله».

ويضيف السيد الصدر: أوضحه وأعطاه صيغته الاجتماعية الكاملة الإمام الهادي عليه السلام حين قال: لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين اليه والدالين عليه، والذابين عنه دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله.. ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء شيعتنا كما يمسك صاحب السفينة سكانها. أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل.

ويبين رحمه الله أن: الأساس العام الذي تقوم عليه هذه البيانات، هو: إن المسلمين الممثلين لخط الأئمة عليهم السلام وقواعدهم الشعبية الكبرى يجب ان لا تبقى ـ في زمن الغيبة وانقطاع القيادة المعصومة ومصدر التشريع ـ خالية عن المرشد والموجه والفكر المدبر.. يعطيهم تعاليم دينهم ويرتفع بمستوى إيمانهم وعقيدتهم، ويشرح لهم إسلامهم، ويوجههم في سلوكهم الى العدل والصلاح ورضا الله عز وجل. فإن من هذه الجماهير ـ إن لم يكن الأكثر ـ من يكون ضعيف الإيمان والإرادة، يحتاج في تصعيد مستواه الروحي وعلمه الإيماني الى مرشد وموجه، وإلا كان لقمة سائغة لمردة إبليس وشباكه من أعداء الدين والمنحرفين وذوي الأغراض الشخصية والمصالح الظالمة.

إن السيد محمداً الصدر من الفقهاء الذين يؤمنون بنظرية ولاية الفقيه، لكنه في الوقت نفسه يأخذ بنظر الاعتبار الظروف الموضوعية التي تؤثر على درجة بسط ولايته. ففي الوقت الذي يرى ان الظروف غير مناسبة لإقامة الحدود الشرعية باعتبارها من الممارسات المولوية، فإنه يمارس بقوة فعلاً مولوياً آخر، وهو إقامة صلاة الجمعة. وفي الاستفتاء التالي توضيح لهذا المعنى:

بسم الله الرحن الرحيم، سماحة مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد محمد الصدر دام ظله الشريف، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

س: قلتم إنكم من أصحاب ولاية الفقيه، يعني تستطيعون إقامة الحد الشرعي وغيره من الأحكام الشرعية وبنفس الوقت تقولون بان الحدود موقفة الآن في حين ان صلاة الجمعة قلتم انها حكم (بولاية الفقيه)، أليس ان صلاة الجمعة من الأحكام الشرعية أم ماذا؟

ج: بسمه تعالى، لا ملازمة بين إيقاف الحدود وإيقاف الجمعة. وليس كل أمور الولاية العامة موقوفة.

س: هل تصح الولاية لغير الأعلم في المنطقة التي يحكمها؟

ج: بسمه تعالى، أنا قلت بذلك فعلاً لوجود مفسدة عامة مع عدمها.

والفتوى ذاتها تبين بعدا آخر من هذا المنهج، وهو التنزل في شأن الولاية لمنطقة معينة لغير الأعلم منعا للمفسدة الناتجة من عدم وجود الولي الفقيه أصلاً. إن هذا المفهوم النظري عند السيد محمد الصدر منحه مرونة في التحرك السياسي والاجتماعي.

وفي الوقت الذي يعتقد السيد محمد الصدر بالدور القيادي للمرجعية الإسلامية للأمة، فإنه يعطي الدور الأول لمرجعية النجف قبال المراكز المرجعية في المناطق الأخرى مثل إيران، فيقول في معرض إجابته على سؤال عن موقفه من المكان الذي ينبغي ان يكون مقراً للمرجعية: الإجابة عن هذا السؤال تتم على مستويين: مستوى التاريخ ومستوى الحاضر، وكلاهما في مصلحة النجف. فعلى المستوى التاريخي تحتضن النجف مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وفيها أقدم جامعة إسلامية حفظت التراث الإسلامي عبر العصور وأمدت العالم الإسلامي بالفقهاء، الى كونها مقر المرجعية الدينية للشيعة طوال أجيال ومركزاً ثقافياً أنجب من الفلاسفة والعلماء والفقهاء والأدباء ما لم ينجبه مركز إسلامي آخر، والنجف على هذا المستوى لا ينافسها منافس لانعدام التكافؤ.

وعلى مستوى الحاضر علم النجف أوسع وأعمق وادق وأغنى ومعظم فقهاء الشيعة اتبعوا خط النجف الفقهي. وانتصارنا للنجف هو انتصار للتاريخ وللعلم على حد سواء، وعلى عاتقي تقع مسؤولية إيقاء النجف حاضراً ومستقبلاً منارة تشع بأنوارها على العالم الإسلامي.

وعلى صعيده الشخصي، فإنه لم يتصدَّ لموقع المرجعية إلا لشعوره بالضرورة الملحة لذلك. ولنرجع اليه وهو يبين سبب تصديه المرجعي إذ يقول: إني تصديت لهذا الوضع لما يسمى بالمرجعية في حوالي 84 ميلادية لأنه بصراحة كان مقاطعة اجتماعية، لا يدخل بيتي إلا نادراً، وأغلب الاتصالات تكون نسائية، وليست رجالية، أو يتصلون بشخص متصل بالأسرة لا أكثر ولا اقل، وإلا فلا يسلم علي احد في الصحن ولا يسأل عن أحوالي، والمسألة فيها أكثر من سبب، على أية حال لا نريد ان ندخل في ذلك.

كثرت الأقاويل في براني السيد الخوئي، الى حد شك طبقة من الناس بتقليدي، فوصل الخبر إلي فلو كان هناك شخص آخر أعرفه انه كمرجع ومتصد للمرجعية لكنت أقول لهم اذهبوا الى فلان انا لا أريد المرجعية، أو محل الشاهد أني لم اسمع بمرجعية السيد السبزواري إطلاقاً ولم يكن له وجود إطلاقاً، وإنما برز فجاة في زمن متأخر، ولو كنت أعلم ان السيد السبزواري موجود لكنت أقول لهم هذا موجود اذهبوا لتقلدوه، لكني لم أعرف، فقلت اما ان يبقى تقليدهم، لا اقل في حدود فهمهم مشكوكاً فيه وهذا أمام الله مجز أو يبقون بدون تقليد، فمن هذه الناحية، قلت لهم إذا تريدون ان تقلدوني، أنا موجود على اية حال، فقلدني جماعة.

وهذا المقطع المقتبس على صغره فإنه يحمل الكثير من الرؤى والتصورات ذات الصلة القوية بالفهم النظري للتحرك عند السيد محمد الصدر. وهو يعبر بحد ذاته عن نظريته في مواصفات المرجع المتصدي، وهي نظرية يترتب على تحويلها إلى واقع مشاكل عديدة مرتبطة بدائرة الحساسيات الملتهبة في الوسط الحوزوي والمرجعي. وهي تعبر عن خلفية صدامية مع النمط الذي يحيط به.

كما أنه ميّز بين نهجين في الحوزة الدينية، وهو ما اصطلح عليه السيد محمد الصدر بالمرجعية السكوتية، قبال المرجعية الناطقة. وقد قال في خطبته الأخيرة عند حديثه عن موكب المشاة الى الإمام الحسين عليه السلام: لابد من الالتفات الى موقف الحوزة التقليدية السكوتية مما حصل في أمر المشي ومنعه، إنهم كانوا سلبيين مائة في المائة، لم ينبس أي واحد منهم أو من وكلائهم أو اصدقائهم ببنت شفة. بل قد صادف ان التقينا ببعض منهم فنراهم يتحدثون عن اي شيء، إلا عن هذا الأمر وكأنهم لا يعلمون ما يحصل في المجتمع على الإطلاق. لا من الأمر بالمشي ولا بمنعه ولا اكتراث لهم بشيء من ذلك اصلاً، لكي يدعوا السيد محمداً الصدر وحده في الميدان وينسحبوا من تحت المسؤولية بكل سهولة، ولو كانوا قد بينوا رأيهم وآزروا طاعة الله وأولياء الله وشعائر الله لما حصلت النتائج التي رأيناها واسفنا لها. فهم بطبيعة الحال يتحملون قسطاً من المسؤولية سواء رضوا ام غضبوا، وانتم الآن موجودون فاذهبوا اليهم أو من تعرفون منهم واسألوهم عن السبب في هذا السكوت والصمت كصمت القبور بالرغم من وجود المناسبة الدينية المقدسة والشعائر الجليلة، وقد اعتادت الحوزة مع شديد الأسف على عدم التعاون والتكاتف الأمر الذي انتج كثيراً من النتائج السلبية على مر الأجيال مما يكون بكل تأكيد في مصلحة أعداء الله والمستعمرين فهل انتم ملتفتون الى ذلك ايضاً كما قال الشاعر:

إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة***وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وليتهم حين لم يعترفوا أو تجاهلوا امر الولاية، (ولاية السيد محمد الصدر..) ان يهتموا بِرَمز الدين وشعائر الله ومستحبات الشريعة وليس هذا بعجيب بعد ان تركوا الواجب المتمثل في صلاة الجمعة، فكيف لا يتركون المستحب في نظرهم، وكان أفضل ما فعله جملة منهم هو السكوت والاعتذار، بنيما كان موقف آخرين هو الطعن والتشنيع والتجريح، بينما كنا نحب ـ وليس هذا الحب في قلوب المؤمنين فقط ـ بل هو مما يرضاه الله ورسوله والمعصومون، ان يجدوا الحوزة متكاتفة ومتعاونة لخدمة المذهب وإعلاء كلمة الحق وتكثير شعائر الدين، ولن تكون الحوزة عندئذ بقيادة السيد محمد الصدر فقط، بل بقيادة العلماء جميعاً باعتبارهم يداً واحدةً وقلباً واحداً وعملاً واحداً وهدفاً واحداً. وقد قلت مكرراً أننا عندئذ سنكون متمكنين بغض النظر عن السلاح لمواجهة الاستعمار وإسرائيل بكل صراحة وقوة ووضوح.

والسيد الصدر يشخص مرضاً من أمراض الوسط الحوزوي، وهو عدم صلاة المراجع بعضهم خلف بعض، مما يعبر عن نوع من الحالة الذاتية، فيقول وعلى مستوى جماهيري حاشد في صلاة جمعة أخرى:

فمن هو من المراجع يرضى ان يصلي وراء مرجع آخر. ليس الآن فقط، بل في تاريخ النجف منذ تاريخ الشيخ الأنصاري وقبله وبعده. واحد يصلي أولاً ثم يصلي الآخر بعده، هل حدث هكذا شيء؟.

لم يصلّ ولا واحد إطلاقاً. نقسم من الآن، فمن هو من المراجع يرضى بأن يصلي وراء مرجع آخر!!.

أما أنا (يجوز أنكم تريدون أن تحملوني المسؤولية ونعم ما تفعلون) فقد كتبت في الأيام الأولى من صلاة جمعة الكوفة، إلى عدد من المراجع للحضور إلى هذه الصلاة، وقلت في الكتاب إنك إذا حضرت فأنا سوف أقدمك إماماً للجماعة وأصلي خلفك، فتكون الخطبة لي والإمامة لك. وأنا أقول بجواز تعدد الخطيب والإمام في صلاة الجمعة، وحتى لو اراد ذلك المرجع (أيّاً كان منهم) أن يكون خطيباً فأنا أقول تفضلوا أخطب وصلّ بنا، وأنا أكون مستمعاً وأكون مأموماً وبخدمتكم. ولازال هذا الأمر نافذ المفعول إلى الآن، وقد قلت لبعض الإخوان، إن المراجع لو كانوا قد حضروا (وإلى الآن يمكن تحصيل نفس النتيجة)، لكان في إمكان الحوزة والمذهب، بغض النظر عن السلاح طبعاً (ونحن عزّل من السلاح والحمد لله)، لكان في إمكاننا مجابهة إسرائيل بنفسها بما يحصل فينا من تكاتف، وتضامن وعزّة بالله وحسن توفيق وعزّة بالحق وعزّة بأهل البيت وإطاعة الله وأهل البيت، ولكنني ناديتهم فلم يجيبوا طبعاً، كما قال الشاعر: لقد اسمعت لو ناديت حياً.

وقد نناقش السيد الصدر بخصوص الجانب التاريخي، إذ ان عدم صلاة المراجع بعضهم خلف بعض ليست قاعدة كاملة الانطباق على جميعهم. ولسنا هنا في صدد ذكر الأمثلة على ذلك. وعلى اي حال، فقد أراد السيد محمد الصدر ان يدعو إلى مفهوم مهم يبعد المرجعيات من الحالة الذاتية الى الحالة الرشيدة عندما ترى الأمة قياداتها الدينية المرجعية يصلي بعضها خلف البعض الآخر لإشاعة روح التضامن والاتحاد بين القواعد الشعبية.

وفي إطلالة مسؤولة يوضح السيد عبد الستار آل محسن الموسوي، أحد وكلاء الإمام الصدر الثاني، موقع مرجعيته وعطاءاتها ضمن السياق الزمني والظرفي لتصديه رحمه الله. لقد ذكر أهم الأسباب الموجبة لتصدي السيد محمد الصدر، وهي أسباب واقعية يدركها من عانى من ملابسات التحرك والحركة الإسلامية في الساحة العراقية، بل عموم المنطقة. ونحن نورد هذا المقتبس وإن كان طويلاً اعتقاداً منّا بأنه يعبر لحد كبير عن نظرية العمل السياسي الإسلامي التي دعت السيد محمداً الصدر للتصدي لمقام المرجعية. يقول السيد عبد الستار الموسوي:

لا نغالي إذا قلنا إن آية الله العظمى السيد محمداً الصدر دام ظله ومرجعيته يعتبران حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعة شامخة للمسلمين، وملاذاً للأمة الإسلامية في العراق.

كما يعتبر تصديه للمرجعية نوعاً من الإحساس بالمسؤولية الدينية له مبرراته الموضوعية التي فرضت عليه تحمّل هذا الدور الهام. ولأجل استجلاء هذا الأمر وإدراك هذه الحقيقة ومعرفة الدور الكبير الذي يقوم به يجب ان نشير إلى جملة امور يساهم فهمها في استيعاب هذه الحقيقة:

1- من تلك الأمور ان سماحته تصدى للمرجعية الدينية في ظرف استثنائي على كل المقاييس، بل قد تعتبر عملية التصدي ـ في ذلك الظرف ـ نوعاً من المخاطرة بالنفس.

قد لا يدرك أبعاد هذه الحقيقة من يعيش في أجواء وظروف طبيعية. إلا ان المعاصرة الواعية، والفهم الدقيق لمجريات الأمور، والإدراك الصحيح للواقع المعاش يجعل كل منصف يفهم ويقدّر أهمية الخطوة الكبيرة التي قام بها سماحته.

قد لا يقتنع البعض بأهمية هذا العمل وضرورته، وقد يندفع بروح غير منصفة وعقل غير منفتح ليعتبر مرجعيته وليدة حالة خاصة واتجاه معين فيتجاهل مواقف لسماحته هي أوضح من الشمس في دلالتها على اصالة الخط وسلامته، فالمرجعية لا تصنعها الاتجاهات والظروف وإنما إرادة الله عزّ وجلّ وقناعة الأمة بالمرجع وإيمانه به.

وعلى كل حال، فإننا في كل زمان ومكان لا نعدم من يقول لمن هو أعظم وأكبر من السيد الصدر (إن فيه دعابة) أو (يا مذلّ المؤمنين) وأمثال ذلك.

2- كما يعتبر تصدي سماحته في تلك الفترة أفضل محاولة لملء الفراغ المرجعي الخطير، بمن هو أهل لهذا المقام رغم الأخطار المحتملة التي قد تترتب على عملية التصدي.

إن المرجعية الدينية كانت على وشك الانتهاء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع لسنا بصددها، ولم يبقَ منها إلا صُبابة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولم يكن هناك من حل حقيقي لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلا تصدي سماحته لأنه أفضل علاج ناجع لأخطر قضية عرفتها المرجعية.

3- كما أن تصديه سد الطريق على المتطفلين الذين يتربصون الفرص لاستغلال المناصب الربانية لمصالحهم الخاصة حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدسة. ويجب ان نعرف أن للمرجع الديني مقومات أساسية، منها الأهلية واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأمة بالمستوى الذي تتوقعه منه، هذا فضلا عن الاجتهاد الذي هو شرط ضروري لعملية التصدي، ولكن يجب أن نشير إلى ان شرط الاجتهاد وحده ليس كافيا للتصدي بل يجب توافر الشروط الأخرى التي ذكرناها، ولعل عدم توافرها يجعل تلك المرجعية وبالاً على الإسلام والمسلمين. لا نقول ذلك اعتباطاً فتأريخ المرجعيات شاهد على صحة ما نقول، فلقد شهدت الساحة المرجعية على امتداد التاريخ نماذج من المتصدين كان عدم تصديهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.

4- كما ان سماحته يمثل امتداداً للخط المرجعي الصحيح الذي يجب ان يبقى ويستمر، لأنه مدرسة خاصة لا في العمق العلمي ـ الفقهي الأصولي والمعرفي ـ فقط بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعي وما يتطلبه ويقتضيه.

ان المرجعية بذاتها ليست هدفاً وإنما هي امتداد لخط ومدرسة أهل البيت عليهم السلام وما يجب ان يرشح عن هذا الفهم من أدوار ومسؤوليات كبيرة وأهداف سامية.

5- ولا نتخطى الحقيقة إذا قلنا إن مرجعية الإمام الصدر جاءت لتلبي حاجات الأمة الدينية والعلمية والثقافية وذلك لأن سماحته ليس فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمق فيه من معارف فقهية وأصولية فقط، بل تميز بالشمول والتنوع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأمة وخاصة الطبقة الرشيدة المثقفة.

ولعل مؤلفات سماحته المتنوعة تكشف لنا عن مدى اطلاعه الواسع وثقافته العميقة من جانب، وعن وعيه الكبير لحاجات الأمة الفكرية والروحية والأخلاقية من جانب آخر.

ولعل هذه الميزة التي اتسمت بها شخصيته العلمية والقيادية هي واحدة من المحفزات التي جعلت الأمة تلتف حوله وتسير تحت رايته.

6- وسعى سماحته في ظل تصديه للمرجعية إلى الحفاظ على الحوزة العلمية في النجف الأشرف بعد أن تفككت وأذنت بخطر كبير على حاضرها ومستقبلها، فرمم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه.

قد لا يدرك أهمية هذا العمل العظيم من لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية إلا ان الحاضر خير شاهد على أهمية ما قام به سماحته وما بذله من جهود جبارة في حماية هذا الكيان وإمداده بالحياة والحيوية، فلولاه لما كان للحوزة العلمية في النجف الأشرف إلا وجود هامشي لا قيمة له.

كما يذكر السيد عبد الستار الموسوي أن: من خطواته الكبيرة: إرسال العلماء والفضلاء الى كافة أنحاء العراق لممارسة مهامهم الثقافية والتبليغية، وتلبية حاجات الأمة المختلفة. وعلى هذا الأساس شهدت الساحة حركة لا سابقة لها في هذا المجال رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأمور إلا أن سماحته استطاع وبفترة زمنية قياسية ملء شواغر وفراغات هائلة لم يكن بالإمكان سدها من دون تصديه للمرجعية.

كما نلحظ أن سماحته حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلغين الذي يمثلون القدوة الطيبة ليمثلوا المرجعية الدينية بما تعنيه من قيم وآمال، وتجنب إرسال من لا يتمتع باللياقة، وحرص كل الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسببه ذلك من مشاكل وإحراجات كبيرة.

وسعى سماحته إلى تربية طلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف تربية إسلامية نقية موفراً لهم كل ما هو ممكن من الأسباب المادية والمعنوية التي تتيح لهم جواً دراسياً مريحاً يمكنهم من تخطي المراحل الدراسية بصورة طبيعية.

فبالإضافة الى تلبية احتياجاتهم المادية المختلفة تطغى رعايته المعنوية على كل شيء مما يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقق له الراحة النفسية اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به ومن ثم هداية الناس إلى ما يرضي الله عز وجل.

والسيد محمد الصدر لا يخفي الواقع لذلك نراه يعترف صراحة بهذين النهجين في الحوزة والمرجعية، ويبين أن اصطفاف الآخرين ضده ليست هي مسألة شخصية بمقدار ما هي مسألة منهج. ويستفيض السيد محمد الصدر في شرح هذه القضية في المرجعية فيقول: الخلاف موجود، ولكنه ليس في هذا الجيل فقط، وإنما منذ مئات السنين ومنذ وجدت المرجعية كان الخلاف موجوداً بين المراجع، لحد ما، من الواضح أنهم قليلاً ما يتزاورون فيما بينهم مع شديد الأسف، حتى أنه يمكن تطبيق هذه الحكمة: اجتمعوا على باطلهم ـ أي باطل ـ وتفرقتم عن حقكم، فالمسألة ليست في هذا الجيل فقط ولكن في أجيال كثيرة وهذا واضح جداً، حتى الجيل السابق حينما كان السيد الخوئي والسيد الحكيم والسيد الشاهروي والسيد الشيرازي وآخرون أيضاً كنا نلمس نفس هذه النتائج، التي نلمسها الآن، لكن الوضع الآن يختلف عن السابق بشيء معين، ففي الحقيقة وفقنا الله سبحانه وتعالى لإيجاد مرجعية منفتحة تحمل هموم المسلمين وتحمل أعباء ومشاكل المسلمين وتخاطب الشارع مباشرة إذا صح التعبير، فمن هذه الناحية، هذا خلاف جذري، وكان هذا الخلاف مغفولاً عنه إذا صح التعبير، ففي الأجيال السابقة، كانوا يختلفون على الأمور الجزئية، والآن الأمور ليست جزئية بل معتد بها.

فمن هذه الناحية، طبعاً أنا قلت في إحدى صلوات الجمعة إن الفرق هو أن السيد محمداً الصدر ناطق وهؤلاء صامتون، وهذا يكفي فرقاً بين المنهجيتين في المرجعية القديمة والمرجعية التي أتبناها وادعو لها وإن شاء الله حسب إمكاني، ولست أنا القادر وإنما القدرة لله سبحانه وتعالى، أن تستمر هذه المرجعية أو يوجد هناك مراجع من هذا القبيل الذين يعاملون الناس بالحسنى ويحملون همّ المسلمين وينفعونهم بدرجة فعلية وكبيرة ومهمة، على كل حال، هذا الكلام موجود ولكن أرجو من الله سبحانه وتعالى أن لا يؤدي إلى سوء، لأنه في الحقيقة كل الروابط موجودة، نحن على دين واحد ومذهب واحد، وفي منطقة واحدة وهي عاصمة العلم وهي النجف الأشرف، كذلك حوزة واحدة وتحت راية إمام واحد وهو أمير المؤمنين عليه السلام فمن هذه الناحية فالمسألة منتهية وكذلك المفروض فينا، وإن شاء الله نكون كلنا على مستوى قضاء حوائج الناس ديناً ودنيا، هناك فرق وهو أن السيد محمداً الصدر رزقه الله على اية حال، وقد يكون هذا نعمة وقد يكون هذا نقمة، شيئا من قوة القلب التي يستطيع أن يتصرف بها، صحيح أنا أقول بالتقية، عند وجوبها، ولكن التقية المكثفة التي تؤدي بالإنسان إلى إهمال وضع الناس بعنوان هذا الكلام مخالف للتقية، بالحقيقة هذا لا ينفع إلا الأعداء، وهذا ينبغي أن يعلمه الناس، فمن هذه الناحية، قوة القلب التي رزقتها أنجزت كثيراً من الأمور.

طريق التضحية

التضحية والفداء وبذل النفس من أجل الأهداف احتلت حيزاً مهماً في نظرية السيد محمد الصدر السياسية. ففي الوقت الذي يمارس السيد محمد الصدر أعلى درجات التقية نراه ينظر لمسألة التضحية في سبيل الإسلام وفي سبيل إقامة حكمه. يناقش السيد هذه القضية من خلال إثارة شبهة إلقاء النفس في التهلكة التي يتذرع بها بعض المحسوبين على الدين والتدين للتخلص من المسؤولية تجاه الإسلام والمسلمين. فقد كتب سنة 1994 أنه: ينبغي لنا ونحن بصدد الحديث عن حركة الحسين (عليه السلام) وثورته أن نتصدى للجواب عن بعض الأسئلة الرئيسة بهذا الصدد. ومن أهمها ما قد يرد على بعض الألسن من أن الحسين (عليه السلام) ألقى نفسه في التهلكة، وإلقاء النفس في التهلكة حرام بنص قرآني.

«إن المراد من التهلكة ليس هو التهلكة الدنيوية بل التهلكة الأخروية، وهو التسبب إلى الوقوع في جهنم بالذنوب والباطل ولا أقل من احتمال ذلك، بل من الواضح أن التعاليم الأخرى الموجودة في سياقها كما سمعنا فيما سبق هي من الطاعات إذن فتكون قرينة محتملة على أن المراد من هذا النهي التحذير عن ترك الطاعات والوقوع في المعاصي.

ويقول رحمه الله: ونحن نرى الناس كلهم تقريباً بل تحديداً يضحون مختلف التضحيات في سبيل نتائج افضل. سواء من ناحية الأرباح الاقتصادية أو المصالح الاجتماعية أو النتائج السياسية أو الثمرات العلمية أو اي حقل من حقول الدنيا الوسيعة. فإنه يحتاج إلى تضحية قبل الوصول إلى نتائجه. ومن الواضح أن هذه النتائج ما دامت مستهدفة لم يعتبرها الناس تهلكة أو خسارة بل يعتبرونها ربحاً وفيراً ورزقاً كثيراً لأنها مقدمات لها على أي حال.

فإذا طبقنا ذلك على حركة الحسين (عليه السلام) أمكننا ملاحظتها مع نتائجها بكل تأكيد سواء النتائج المطلوب تحقيقها منها في الدنيا أو المطلوب تحققها في الآخرة. فإنها نتائج كبيرة ومهمة جداً. وليس من حقنا اصلاً أن نلاحظ هذه الحركة منفصلة عن النتائج خاصة بعد أن نعلم علم اليقين أن الحسين (عليه السلام) إنما أرادها لذلك وإن الله سبحانه إنما أرادها منه لذلك. إذن فتسعيرها الواقعي وإعطاؤها قيمتها الحقيقية إنما تكون مع ملاحظة نتائجها لا محالة.

من الواضح عقلاً وعرفاً وعقلائياً أننا إذا لاحظناها مع نتائجها لم تكن (تهلكة) بأي حال، بل كانت تضحية بسيطة مهما كانت مريرة في سبيل نتائج عظيمة ومقامات عليا في الدنيا والآخرة لا تخطر على بال ولم يعرفها مخلوق. ويكون الأمر بالرغم من أهميته القصوى بمنزلة التضحية الخاصة في سبيل المصلحة العامة. وفي مثل ذلك لا يكون من حق أحد الإرجاف بأنها (تهلكة). فإذا لم تكن تهلكة لم تكن مشمولة لحكم التحريم في الآية الكريمة.

إنه لا يحتمل فقهياً وشرعياً في الدين الإسلامي أن تكون كل تهلكة محرمة بل الآية الكريمة إن وجد لها إطلاق وشمول فهي مخصصة بكثير من الموارد. مما يجب فيه إلقاء النفس في المصاعب الشديدة أو القتل أو يستحب كالجهاد بقسميه الهجومي والدفاعي ومثل كلمة الحق عند سلطان جائر.

متى تنتهي التقية؟. ومتى تبدأ الثورة؟

حسب تصور السيد محمد الصدر، إنه: «لاشك أن التقية واجبة عندنا بنص الآية الكريمة والسنة الشريفة وإجماع علمائنا. أما القرآن الكريم ففي أكثر من آية كقوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة). أما السنة الشريفة فأكثر من نص كقوله (عليه السلام): (التقية ديني ودين آبائي)، وقوله عليه السلام: (ولا دين لمن لا تقية له)، وقوله عليه السلام: (التقية درع المؤمن الحصين)، وغير ذلك. وأما الاجماع فهو واضح لمن استعرض فتاوى علمائنا، بل الحكم يعتبر من ضروريات المذهب.

لكن السيد محمداً الصدر يوضح: «إن الأدلة الدالة في الكتاب والسنة على مشروعية التقية، ليست دالة على الإلزام والوجوب بل على الجواز، أو ـ بتعبير آخر ـ إن العمل بالتقية رخصة لا عزيمة. ومن هنا يمكن القول: إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان مخيراً بين العمل بالتقية وبين تركها ولم يجب العمل بالتقية في حقه. وما دام مخيراً فقد اختار الجانب الأفضل في نظره وهو فعلاً الأفضل في الدنيا والأفضل في الآخرة هو نيله للشهادة بعد صموده ضد الانحراف والظلم والضلال.

ومن هنا أيضاً كان عمل أصحاب الأئمة والمعصومين عموماً مع العلم أنهم كانوا عارفين بالأحكام متفقهين في الشريعة مرتفعين في درجات الإيمان. فعمار بن ياسر عمل بالتقية حين طلب منه مشركو قريش الطعن بالإسلام ونبي الله. وبتلك المناسبة نزلت الآية الكريمة. في حين أن عدداً من الآخرين تركوا العمل بها ودفعوا حياتهم في سبيل الله كميثم التمار وسعيد بن جبير وحجر بن عدي وزيد بن علي الشهيد وغيرهم.

وخلاصة الراي عند السيد محمد الصدر أن: «التقية واجبة إلزاماً فيما إذا توقف عليها هدف اجتماعي عام مهم، كالمحافظة على بيضة الإسلام»، أما في حالة أن الأمر لم يكن كذلك بل على العكس «فإن حفظ الإسلام ـ كما في زمن الإمام الحسين ـ كان متوقفاً على التضحية لا على التقية.

الانحياز للأمة

قد يتبرع البعض بتحليلات وهم يدرسون تاريخ الأمة تؤدي إلى إلقاء اللوم عليها. والسيد محمد الصدر ممن يقف إزاء مثل هذه التحليلات موقف الناقد لصالح حركة الأمة. وهذه مفردة مهمة في نظريته السياسية للعمل، يقول: إن مما يبالغ في التأكيد عليه الخطباء الحسينيون لأجل الزيادة في المصيبة وحشد العواطف، التأكيد على تألب الناس ضد الحسين (عليه السلام). حتى أن افراد القبائل، وهي مئات الألوف، قد خرجت كلها لحرب الحسين (عليه السلام)، ولبعض الخطباء سياق كلامي خاص يعدد فيه رايات القبائل التي أقبلت للحرب، فيعدد أسماء خمسة عشر قبيلة أو أكثر، من الساكنين في الكوفة وجنوب العراق، كتميم وفزارة وبجيلة ومذحج وربيعة وطي وأسد وبني فلان وبني فلان.

وينفي الصدر هذه المزاعم على أسس دقيقة تكشف ان الأمة لم تكن بهذه الصورة السلبية التي تصور بها إزاء قضية الحسين. وقد يضيف البعض لهذه النظرة السلبية لموقف الأمة من الحسين نظرة سلبية أخرى، لعلها نابعة من حساسيات قومية أو مذهبية، فنراه يصف أهل الكوفة بكل بذيء من المواقف، ويقدح بهم بل ويسري ذلك على أعقابهم إلى أبد الآبدين. بل ويوسع من مفهوم الكوفة ليشمل به كل العراقيين.

والإمام محمد الصدر ينفي ويفند هذه المزاعم مثل تفنيده لسابقتها، كيف لا وقد اتخذ من الكوفة قاعدة لانطلاقه. يتناول الصدر مسألة أهل الكوفة بموضوعية كاملة فيقول: «صحيح، أن الكوفة أو سكانها لم يكونوا مجمعين على الولاء لأمير المؤمنين عليه السلام بل كانت في اتجاهات مختلفة حتى من الدهرية والخوارج وغيرهم. إلا أن الذي يفيدنا في المقام أمور:

أولاً: إن الأغلب من سكانها كان وما زال موالياً لأمير المؤمنين عليه السلام.

ثانياً: إن الاتجاهات الأخرى في الكوفة تمثل (جاليات) قليلة جداً.

ثالثاً: إن هناك عدداً من النفوس أو الأفراد تشكك ـ على الأقل ـ في جواز حرب الحسين (عليه السلام) أمام الله سبحانه وإن لم تجزم بحرمته وهذا يكفي.

وصحيح، أن الكوفة غدرت بأبيه وأخيه، كما قالوا للحسين (عليه السلام) حين أرادوا ارجاع نظره عن السفر إليها، إلا أن هذا هو الظاهر الذي فعله الأشرار وهم القلة منهم. وهذا لا ينافي وجود من يواليه فعلاً أو يتورع أمام الله سبحانه وتعالى عن حربه.

وصحيح، أن الحسين (عليه السلام) لو وصل إلى الكوفة فعلاً وهي تحت حكم عبيد الله بن زياد، لم يستطع أن يجد أحداً يبايعه. إلا أن هذا لا ينتج معنى الإخلاص لابن زياد من قبل الجميع. بل ينتج أن الناس كانوا يومئذ في خوف ورعب من إظهار الولاء للحسين (عليه السلام) وهذا لا يعني ـ بكل وضوح ـ استعدادهم لحمل السيف ضده، أو قل حمله بهذه السعة وبهذه المرارة والقسوة».

ويضيف: «بحسب ما هو معروف من نظام النفوس أو القلوب أنها لا يمكن أن تنقلب من هذه الصداقة الحميمة إلى العداوة القاسية بين عشية وضحاها.

ويؤكد تصوره هذا كذلك في نفيه لموقف الناس السلبي من مسلم بن عقيل.

إن هذا التحليل ينبع من التحقيق العلمي الدقيق أولاً، ومن موقف مسؤول تجاه تاريخ الشعب العراقي ثانياً. وفي ثنايا تحليله لموقف الناس من مسلم بن عقيل نجد عنده تصوراً يكشف عن عقلية تنظر بعمق لطبيعة الجانب التنظيمي من العمل الميداني السياسي المعارض في ظل دولة إرهابية قوية، وذلك عندما يتحدث عن فلسفة تخفي القيادات الميدانية المهمة في مرحلة النكسة مع وجود القيادة العليا. إلا أنها في موضع أصبحت به تقترب من التصفية المحققة التي لا يمكن ردها ومنعها بالقوى الموجودة.

يكتب السيد محمد الصدر في تحليل ظاهرة تفرق أصحاب مسلم بن عقيل عنه مع العلم أن من الكوفيين من هم على درجة عالية من الإخلاص للحق المتمثل في مسلم بن عقيل والحسين عليهما السلام، فيبين: المخلصون الكاملون كانوا قلة لا يستطيعون وحدهم الدفاع عن مسلم بن عقيل ولا حفظ حياته وحياتهم. فلما رأوا فشل الحركة وتفرق الجيش عنه لم يشعروا بوجوب المحافظة على حياته شرعاً لليقين بكونه مقتولاً لا محالة، حتى ولو كانوا هم إلى جنبه، بل سيقتلون معه أيضاً. إذن فمسؤولية الدفاع عنه والحفاظ عليه ساقطة عنهم يقيناً، إذن فخير لهم أن يحافظوا على حياتهم وهم كوفيون يعرفون المدينة وطبيعة ساكنيها، وهو غريب جديد عهد بهذا المجتمع.

وأما سبب محافظتهم على أنفسهم فلا ينبغي الإشكال فيه في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فواضح لصعوبة تعريض النفس للقتل وخاصة إذا كان بلا موجب وبشكل غير منتج كما عرفنا. أما في الآخرة أعني في التكليف الشرعي في الدين فلأن بقاءهم خير من موتهم، لاحتمال أن يفيدوا المجتمع بقليل أو بكثير، وأن لا يخلوا الساحة بالمرة لعبيد الله بن زياد وجماعته يفعلون ما يشاؤون دون وازع من دين أو ضمير أو رقيب أو حسيب.

مضافاً إلى احتمال تأييدهم للحسين عليه السلام فإنهم كانوا عالمين بأنه مقبل عليهم وقريب الوصول إليهم بالرغم من طول السفر وبعد الشقة إذن فلعلهم يستطيعون رؤيته أو معاونته أو نصرته أو امتثال أوامره. صحيح، أنهم لم يكونوا يعلمون بحادثة كربلاء كما وقعت، لأنها لم تكن وقعت. إلا أن نصرتهم للإمام الحسين (عليه السلام) إجمالاً ولقاءه وامتثال أوامره أياً كانت هذا مما كان هؤلاء الخاصة يستهدفونه بصراحة ووضوح. فإن بقي الحسين وانتصر بقوا، وإن قتل قتلوا معه. وعلى أية حال فينبغي لهم في التكليف الشرعي الذي يعرفونه أن يحافظوا على حياتهم الآن ليطبقوا مثل هذا التكليف في المستقبل عند لقاء الحسين عليه السلام.

الخطيب الرسالي

واحدة من المفردات المهمة في نظرية العمل السياسي عند السيد محمد الصدر في جانبها العملي هي إصلاح المنبر الحسيني وتفعيله كمؤسسة تأثير وترشيد بين صفوف الأمة. فالخطيب الحسيني يمكنه أن يتحرك على ساحات واسعة تتوسط مختلف قطاعات الأمة. فإذا أصلح طرح الخطيب وفق منظور ناضج فإن الناتج هو أمة من الإسلاميين الواعين المؤمنين الذين يحملون الفكر النقي والتوجه السليم. ومن هنا اهتم السيد محمد الصدر في نصحه للخطباء، ومن جملة وصاياه الإرشادية لهم:

1- الوعظ والإرشاد فإنه من الضروريات والواجبات في هذا المجتمع وكل مجتمع وفي هذا الزمان وفي كل زمان لكي تصل الموعظة الى أهلها ويستفيد منها أكبر عدد ممكن سواء كانت الموعظة مرتبطة بقضايا الحسين «عليه السلام» أم لا. فإنه في تلك القضايا من العبر والمواعظ ما لا حد له فضلاً عن غيره.

2- عدم إيذاء أحد من الناس أو من الطوائف في كلام الخطباء وهو معنى (التقية) فإنها واجبة على كل حال، ما لم يكن الأمر خارجاً عن موردها، يعني أن يحرز الفرد أنّ كلامه سالم النتيجة.

3- التورع عند نسبة الأقوال والأفعال الى المعصومين «عليهم السلام» وغيرهم كذباً فإنّ الكذب على المعصومين من أعظم الكبائر، والكذب على غيرهم كبيرة سواء على الأشخاص التأريخيين أو على مؤلفي المصادر أو على أي مؤمن ومؤمنة.

4- أن يتورع الخطيب عن ذكر الأمور النظرية والتأريخية أو غيرها مما تثير شبهات حول الأمور الاعتيادية في أذهان السامعين ويكون هو قاصراً أو عاجزاً عن ردها ومناقشتها أو غافلاً عن ذلك بل يجب عليه أن يختار ما سيقوله بدقة وإحكام وإلاّ فسوف يكون هو المسؤول عن عمله فيقع في الحرام من حيث يعلم أو لا يعلم.

5- أن لا يروي الخطيب أموراً مستحيلة بحسب القانون الطبيعي حتى وإن ثبتت لديه بطريق معتبر. لأنّها على أي حال ستكون صعبة التحمل على السامعين.

6- من الأمور التي ننصح بها الخطيب الحسيني أياً كان أن يحاول برمجة مصادره وأقواله جهد الإمكان ويضعها في قالب واحد منسجم وليس متنافراً أو متناقضاً من ناحية ولا متوحداً ومتنافراً من ناحية، بل يذكر أموراً متقاربة تاريخياً منسجمة نظرياً ويبذل أقصى إمكانه فيه.

7- أن يدع ما أمكن التفلسف فيه من الحوادث أعني التعرض الى الحكم والأسباب التي اقتضتها، ما لم يحرز في نفسه الإصابة كذلك. وإلاّ فليدع ذلك.

8- أن يدع الخطيب التشكيك فيما تسالم العامة عليه أعني جمهور الناس على صحته فضلاً عن إنكاره بصراحة فإنه ينبغي أن يستهدف هدايتهم وتوجيههم نحو الطاعة والعقيدة ومن الواضح أنّهم إذا وجدوا مثل هذا التشكيك في كلامهم سوف يفقدونه ويسقط من أنظارهم فيسبب ذلك عدم سماعهم لمواعظه وإرشاده أو بعدهم عنه أو مقاطعتهم له عملياً.

قضية الانتظار والإمام المهدي

هذه المسألة من أهم الأسس التي تقوم عليها نظرية السيد محمد الصدر في العمل السياسي. لكي نفهم كيف يفكّر محمد الصدر وهو يتحرّك أو يتوقف عن الحركة، حسب الظاهر، ينبغي لنا أن نتعرف على فهمه لمسألة الإمام المهدي المنتظر، الذي يعتقد السيد محمد الصدر أنّ كل النشاطات الإسلامية الصالحة والمخلصة ينبغي أن تصب من أجل الإعداد لظهوره. ذلك الظهور الذي يعني بكلمة أخرى قيام دولة آل محمد الإسلامية العالمية التي تملأ الارض عدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

السيد الصدر من خلال هذا المرتكز الفكري ليس سياسياً فحسب، بل يمكن تصنيفه سياسياً عقائدياً وداعياً لفكرة إسلامية عالمية إنسانية. ومن هنا نجد البينونة والتنافر بين نهجه والنهج البراغماتي المصلحي، أو الميكافيللي الوصولي، حتى لو تلبس الأخير بكل البراقع الإسلامية وأطلق على نفسه أفضل التسميات الدينية والألقاب الروحية.

السيد الصدر من خلال الأطروحة المهدوية يهدف الى إعداد الفرد الصالح الرسالي المسلّح بالعقيدة الإسلامية ويهدف الى بناء المجتمع التوحيدي القائم على أسس العدالة الاجتماعية. وسيكون للعراق عنده معنى آخر مضافاً الى كونه وطنه، وللعراقيين معنى آخر مضافاً الى كونهم شعبه. فالعراق حسب هذه الأطروحة هو البلد الذي سيقيم المهدي دولته فيه، والعراقيون هم أكثر الناس احتكاكاً واستجابة له.

إنّ إشارتنا بشيء من التفصيل لتصورات السيد محمد الصدر حول قضية الإمام المهدي تأتي ضمن محاولتنا لاكتشاف أهم معالم ومرتكزات نظريته في العمل السياسي. انه يعنون هذه المساحة من نظريته بعنوان (التكليف الإسلامي الصحيح خلال عصر الغيبة الكبرى). وعصر الغيبة الكبرى، لمن قد يكون عليه هذا المصطلح غريباً، هو عينه العصر الذي نعيشه والذي يمتد في عمق التاريخ لأكثر من ألف سنة. إنّ لهذا التكليف استحقاقات على صعيد السلوك الفردي والسلوك الاجتماعي، وله مقتضيات على الصعيد النفسي والثقافي.

إنّ أهم مرتكز يستند عليه في تفاصيل النظرية هو: «الاعتراف بالمهدي عليه السلام كإمام مفترض الطاعة وقائد فعلي للأمة، وإن لم يكن عمله ظاهراً للعيان، ولا شخصه معروفاً. وهذا من الضروريات الواضحات، على المستوى الإمامي للعقيدة الإسلامية.

يعتقد السيد محمد الصدر أنّ المردود العملي لمثل هذه الفكرة على «الفرد المسلم، أن يعلم أنّ إمامه وقائده مطلع على أعماله وملم بأقواله، يفرح للتصرف الصالح ويأسف للسلوك المنحرف، ويعضد الفرد عند الملمات.. حسب الفرد ذلك لكي يعي موقفه ويحدد سلوكه تجاه إمامه، وهو يعلم أنّه يمثل العدل المحض، وإنّ رضاه رضا الله ورسوله، وإن غضبه غضب الله ورسوله.

كما أنّ حسب الفرد أن يعرف أنّ عمله الصالح، وتصعيد درجة إخلاصه، وتعميق شعوره بالمسؤولية تجاه الإسلام والمسلمين، يشارك في تأسيس شرط الظهور ويقرب اليوم الموعود. إذن فالجهاد الأكبر لكل فرد تجاه نفسه بحمل المسؤولية الكبرى تجاه العالم كله، وملئه قسطاً وعدلاً كما ملئ ظلماً وجوراً. فكيف لا ينطلق الفرد مجاهداً مضحياً عاملاً في سبيل إصلاح نفسه وإرضاء ربّه.

فالانتظار حسب تصور الصدر مدرسة جهاد وتربية للعاملين، ترتبط بمهمته في حمل الرسالة الإسلامية لأمته والعالم.

ويعتقد السيد محمد الصدر أنّ الذي سيحقق الغرض الإلهي من خلق البشرية هو الإمام المهدي المنتظر، لأنه سيبني مجتمع التوحيد الصالح الذي تطبق به الأحكام الإلهية، وهو ما دعت إليه الرسالات السماوية وبشرت بتحقيقه الكامل عند مجيء المصلح المنتظر. ومن هنا فهو لا ينظر الى قضية المهدي كقضية إسلامية فحسب، فضلاً عن كونها مختصة بالشيعة، بل إنّه يراها قضية عالمية على مستوى كل الأديان السماوية.

 

 

[1] بقلم الدكتور السيد علاء الجوادي الموسوي، لندن - 1999، وقد نُشر هذا البحث مع جملة بحوث اخرى ضمن كتاب واحد فيما بعد باسم "الصدر الثاني دراسات في فكره وجهاده، نخبة من الباحثين، اصدار مؤسسة دار الاسلام في لندن، سنة 2002، ص191-267.

 

د.علاء الجوادي


التعليقات

الاسم: ثامر راضي عباس
التاريخ: 25/12/2015 11:05:48
بحث رائع من مفكر وعالم كبير
ويجب نشر البحث بكتاب مستقل
انصح ابناء التيار الصدري بقرائته

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 08/02/2014 20:12:36
اخي الغالي الاستاذ محمد رضا الحسيني المحترم
تحية مسائية عبقة برفيف الذكريات الاخوية في ايام المحن
واشكرك لسؤالك عن صحتي ودعائك المخلص لي....

ثم اهلا وسهلا بك وانت تمر على صفحتي فتنورها بطيب وفائك وكرم اخلاقك....
ثم تكتب تعليقا عميقا نابع من خبرة في شؤون المرجعية وادوارها ورجالاتها.

والاهم هو انك عاصرتني وانا ادافع بصدق واخلاص عن هذا المرجع المظلوم قبل شهادته وفي ايام محنته مع من يفترض انه يجب ان يقف الى جواره.
إذ كنت انت ومجموعة اخرى من اخوتنا شهودا على مواقفي المخلصة تجاه هذا المرجع النبيل يوم كان الناس لا يدافعون عنه بل يتبرئ البعض منه خشية على لقمة عيشه التي يزوده بها مراكز قوة لا تنسجم مع السيد الشهيد الصدر
كما انك كنت شاهدا على الانقلاب الفجائي عند الكثيرين بعدما نال السيد الشهيد وسام الشهادة بل اخذ من كان لحد قبل يوم من شهادته يشهر به في كل مكان تحول باسرع من البرق ليتصدر قائمة المنتفعين من شهادته وهذا هو شأن الدنيا التافهة وديدن رجالها....
كما انك عاصرت كيف اصبح البعض ممن ينتفع من هذا الرجل العظيم وتياره للوصول لمبتغيات دنيوية محضة الا تعسا لمن يعبد الدنيا وشهواتها وسلام الله على سيدي الامام الحسين عندما قال الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت معائشهم
لقد دافعنا عن هذا لرجل المجاهد لله في الله ولم نستخدم ذلك للوصول الى مغنم فالمغنم نطلبه من الرب الجليل والشفاعة نطلبها من خاتم المرسلين واهل بيته الاطهار
سيد علاء

الاسم: محمد رضا الحسيني
التاريخ: 07/02/2014 23:35:52
في البداية دعائنا لسعادة السفير الأستاذ الدكتور الجوادي بدوام الصحة والعافية.

ونشكر أستاذنا الجوادي على هذا البحث القيم، بدراسة الجانب السياسي لمرجع مصلح امتاز بكونه ظاهرة جماهيرية اجتاحت الشارع العراقي بالرغم من القبضة الحديدية للنظام الديكتاتوري البائد.

وسواء اتفق المتابع المهتم مع جميع ما جاء في هذا البحث، أو اختلف مع بعض نقاطه، فأن لهذا البحث أهميته البالغة، وهذه الأهمية تأتي بنظري من أمرين:

أولاً: إن كاتبه هو أستاذ باحث أكاديمي علامة، له منهجيته في البحث وأسلوبه الرصين المعروف في الكتابة، وقد أثبت ذلك من خلال عشرات الأبحاث والكتب والمقالات والمحاضرات.

ثانياً: إن كاتب هذا البحث هو من خارج نطاق ما يُطلق عليه اسم التيار الصدري، أي أن البحث جاء بحيادية بعيد عن الضغوط الذاتية والموضوعية التي عادة ما يفرضها الانتماء إلى تيار أو حركة أو حزب، فكانت عناصر البحث هي الموضوعية والقناعة الذاتية والقواعد الأكاديمية المتبعة في هذا النوع من البحوث.

أدام الله استاذنا الجوادي، والحمد لله على سلامته.

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 07/02/2014 20:27:24
الاخ الحبيب الفاضل فاروق عبدالجبار عبدالإمام المحترم

مرورك كريم مليئ بالوفاء
وتعليقك رائع تشع منه نجوم السماء
وكلماتك مثقلة بالمعاني ولمعات الاضواء

ساظل اقدم من دمي لحنا لسير القافة واحدو لمسيرة الصحراء
نحن واياكم نثمن كل من عمل من اجل الانسان
وقارع الطغيان
وناضل من اجل الفقراء
من اجل المظلومين والجياع والبؤساء
ونحن نمخر في الطريق رغم المحن والبلاء
نضع يدا بيد في انشودة الاخاء
اخوك سيد علاء

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 07/02/2014 20:20:11
الاستاذ الفاضل د.رياض حسن طه المحترم
شكرا على مرورك الطيب
وتعليقك العطر
وكلماتك الحبيبة
واسعدني ان اقدم علما نافعا لاخوتي الاعزاء
ودمت لي اخا كريما طيبا

سيد علاء

الاسم: فاروق عبدالجبار عبدالإمام
التاريخ: 07/02/2014 08:43:49
السيدابن السادة الميامين : الدكتور علاء الموسوي الجوادي : الحمّــد لله والشكر لمولانا العظيم الذي يلطف بعباده المؤمنين ويأخذ بأيديهم نحو السلام والإطمئنان ، لقد فرحت وأنا أقرأ هذه المداخلة البحثسية لشهيد بذل دمه رخيصاً في سبيل ما يؤمن به ، هذا ثانيناً ، أمّــأ أولاً فإني أقولد نحمد الحي الأزلي الذي عافاك وشافاك ، وأجلسك مجلساً كنت تركته بعض الوقت لمعالجة ما خلفته ايام سوداء حالكة ، عاشها العراقيون الشرفاء الذين إبتلوا بحاكم طاغٍ لم يضع نصب عينيه سوى
البطش وحرق كل ماهو خيّر في عراقنا الحبيب ، شكراً ايها الرحمن الرحيم ؛ لأنك فتحت شرايين المحبّة لأخينا البار ( علاءبن سيد حسين ) الشكر لك أيها المولى الكريم الذي أثلجت قلبي ؛ بأن أعدت لي صديقاً قلقت عليه كما أقلق على أهل بيتي ، أنه أخي في الإنسانية وأخ في عراقيتنا التي لن تبيدها أيام المحن ، شكراً لك أيها السيد وأنت تكتب لأن هذا يعني أن نسغ الحياة الذي يجري في شراينكم قد منحكم قوة إضافيّة لأكمال مسيرة النجباء الأبرار .
لم أقرأ جميع ما تفضلت به للألم أصاب عيني لكني إقتطفت منها بضعة أسطر ؛ بإعتقادي كانت مفتاحاً حقيقاً لبقيّة البحث الذي لم تكن - كعادتك - أن تمر عليه مرور الكرام ،بل لقد طرزته بدرر التحليل بما يشبع رغبة القاريء الذي لا يكفّث عن السؤال ليضع الحقيقة نصب أعين المتشككين ،لقدأقطتفت المقطع أدناه ، وكلي ثقة بأنك السيد الذي يعفو عند المقدرة ، والله ولي التوفيق .
واليك ايها السيد المقطع الذي أشرت إليه :
(إنّ ما نريد الوصول إليه هو أنّ موقف الخذلان ومنطق التخلف عن فهم حقيقة الحدث لم يكن وليد ظروف معينة بعينها أو من صنع فئة خاصّة لا غيرها، إنّه منطق التخلف المرتبط بالتكالب على حطام الدنيا الذي يمنع أولئك الناس من الاستفادة من الحدث التاريخي والسير باتجاهه وليس ضدّه أو السير خلافه.) يالله كم أنت متواضع ، تعرف ولا تحرف ، بل تضع ا لنقاط قبل الحروف ؛ ليستقيم المعنى والمبنى .
بوركت وبوركت تلك الدوحة الوارفة الظلال

أخوك
الصابئي المندائي
فاروق عبدالجبار عبدالإمام

الاسم: د.رياض حسن طه
التاريخ: 07/02/2014 06:19:54
السيد د.علاءالمحترم لقد قرأت سورة الفاتحة لواليديكم بعد قراءتي لبحثكم الموقر واشكركم جزيل الشكر لوضعكم اياي في صور كنت غافل عنها وكم كنت بحاجة اليها كثر الله امثالكم واطال عمركم واسعد ايامكم سيدي

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 06/02/2014 21:25:45
الفاضل الدكتور مسعود عبد الرزاق الهاشمي- عمان الاردن المحترم

شكرا على المرور
وشكرا على التعليق
وشكرا جزيلا على الكلمات المهمة والعميقة التي ذكرتها

المخلص سيد علاء

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 06/02/2014 21:24:03
الاخ العزيز الكريم محمود داود برغل المحترم
شكرا على المرو الكريم والتعليق العميق
واتمنى لك كل خير
واتمنى لك السعادة وان تسير نحو عشك الذهبي
تقبل محبتي واخلاصي
ولا تنسانا من الدعاء دائما
سيد علاء

الاسم: محمود داوود برغل
التاريخ: 06/02/2014 19:28:13
صاحب السيادة والسعادة الاستاذ الدكتور علاء الجوادي المحترم
اطيب التحيات والتمنيات
حقا انه بحث من البحوث الجادة
والامتياز فيه انه كتب مبكرا
طيب الله ثرى السيد الشهيد الثاني صاحب النفس الزكية
وحفظ الله صاحب هذا العطاء الثر الاب الغالي ابا الكوثر الموقر

الاسم: الدكتور مسعود عبد الرزاق الهاشمي- عمان الاردن
التاريخ: 06/02/2014 14:31:06
سيدي الدكتور المفكر السياسي والاديب الشاعر دكتور علاء الجوادي
ابدعتم ابداعا اكاديميا رفيع المستوى في كتابتكم عن اكبر ظاهرة اسلامية سياسية نعاصرة وهي ظاهرة التيار الصدري، واعتقد ان بحثكم بمثابة بحث مدرسي لاسس الحركة الاسلامية الصدرية
بلا مجاملة لك يا استاذنا انها ارقى دراسة وبحث حول الاستاذ المرجع محمد الصدر الذي انطلق من اطار وطني عراقي محض لبناء مجتمع ومقارعة سلطة دكتاتورية

ولك السبق في تقديم هذه الرؤية العميقة يا ايها المفكر الكبير.

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 06/02/2014 14:26:26
اخي الكريم الباحث والاديب الفاضل السيد السعيد العذاري الحسيني المحترم
السلام عليكم من صديق وفي

شكرا على مرورك الكريم وواضح ان مثل هذه الكتابات الجادة تنال اهتمام امثالكم من الافاضل لما تحتويه من قضايا وامور يصعب على كثيرين هضمها وفهمها.

تعليقتكم كلمات نور افتخر بها وشهادة صدق من انسان خبر الامور والحوزات العلمية وشؤون المرجعية ... وبحثي هذا مخصص لتلك النخبة من الباحثين!!

نشر اليوم القسم الثاني من البحث وارجو منكم قراءته فهو استكمال لاطروحتنا تجاه العمل السياسي عند هذا العالم المجتهد المرجع المتميز في تاريخ المرجعية من جهة وتاريخ العراق السياسي الاسلامي من جهة ثانية...

شكرا اخي الحبيب على تعليقتكم التي تعادل عشرات التعليقات

اخوكم المخلص سيد علاء

الاسم: سعيد العذاري
التاريخ: 05/02/2014 18:11:16
الاديب الواعي استاذنا الدكتور علاء الجوادي رعاك الله
تحياتي وتمنياتي لك بالتوفيق
موضوع رائع وقيم وبحث متكامل في جميع محاوره وتفاصيله
بارك الله بحهودك
ابكتني مواقفك الدفاعية عن السيد الشهيد محمد الصدر
كنا قبل استشهاده نستطلع من سانده وازره ودافع عنه فكنت ياسيدنا في طليعة المؤيدين لنهضته والمدافعين عنها




5000