.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مفهوم الزمن في المسرح الفرنسي الحديث

د. شفيق المهدي

 

الأكاديمي

مجلة متخصصة في الفنون

مفهوم الزمن في المسرح الفرنسي الحديث

د. شفيق المهدي/ مدرس

يهدف البحث إلى تحديد مفهوم الزمن الدرامي لدى جون بول سارتر

  

•1-    مشكلة البحث والحاجة إليه:

     عندما نشير إلى بعض أسماء كتاب الدراما فأننا نثبت حقيقة منصفة وهي :

أن هذا البعض قد استطاع أن يجعل من اسمه علامة من علامات تقدم الإنسان وهو يبدع ويبني حضارته أينما كان زمان ومكان هذا الإبداع . هذه الحقيقة تحيلنا إلى أخرى أعمق هي : إن خلود هذا الأسماء إنما تدل مباشرة على فعالية ما أنتجوه من درامات استقرت باعتبارها إبداعا إنسانيا لا يمكن تجاوزه أو تخطيه مهما حاولنا الإغفال أو التمويه. لقد استطاعت بعض الأسماء أن تحافظ على مكانتها لأكثر من ألفي عام كما هو مع يوربيدس واسخيلوس وسوفوكليس وبلاوتيس. بالإضافة إلى مولير وراسين وشكسبير، متذكرين أسماء أخرى في الدراما الحديثة والمعاصرة مثل ستراندبرغ وتشيخوف وآخرين كثر ممن استطاع أن يحقق نفس القوة والمقدرة في الإبداع الدرامي. أن بريق هذه الأسماء ليشتد كلما مضت الإنسانية قدما نحو مستقبلها . أن الاحترام الكبير الذي تلقاه هذه الأسماء ليؤكد إن الإنسانية إنما تلقي باحترامها هذه لما يمارسه المسرح من فعالية اجتماعية لا مناص من استمرارها وتجددها، رغم اختلافات الشعوب حضارياً وثقافياً وعلى تباينات أديانها وانتماءاتها القومية والعرقية، أنها تلتقي وتتماس في وجودها الإنساني. أن أكثر من عشرين قرناً خلت على تقديم العرض الإغريقي الأول يبرهن بما يكفي على أن فن المسرح يمتلك ضرورته الإنسانية المهمة وهو يشبه في هذه الأهمية فنوناً اسبق منه تاريخياً كالملحمة، فسوفوكليس يفعل ألان أكثر مما يفعله هوميروس. لقد استطاع فن المسرح أن يضاهي في أهميته فن الرواية الحديث نسبياً فشكسبير يجاور مارسيل بروست حتما .

وفي عصرنا الحديث لم يتمكن التلفزيون أو السينما تعطيل هذه الفعالية المدهشة للعرض المسرحي ، وربما يلاقي شكسبير احتراماً في نهايات القرن العشرين أكثر مما كان يلاقيه في منتصف القرن السابع عشر أو الثامن عشر مثلاً. إن الإنسانية كلما توغلت في مسيرتها نحو المستقبل كلما ازدادت حاجتها الفعلية للعرض المسرحي، ويرى جان دوفينو ( أن الجماعة تستعين بالمسرح كلما أرادت تأكيد وجودها ، أو القيام بعمل حاسم يتعلق عليه مصيرها ) (3.ص 1 ) .

إن نظرة متفتحة في تاريخ المسرح خصوصاً وفي التاريخ الإنساني على العموم تشير إلى أن الانجازات الكبرى في الدراما قد حدثت في عصر التحولات الحضارية المهمة ، كما هو عند اليونان وبريطانيا ، فرنسا، ومن اجل هذا ربط دوفينو بين تأكيد الوجود ومصير الجماعة من جهة ، واستعانتها بالمسرح من جهة أخرى. لقد سبق لأرسطو أن أكد هذه الأهمية أيضا وعلى مستوى الفرد عندما حدد للمأساة هدفاً اكبر في كونها ( تثير الرحمة والخوف فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات) (1.ص18) مقراً بضرورتها على مستوى بناء وتكوين الإنسان . وهكذا يتأكد الدور الضروري للمسرح ولأية حضارة تريد إثبات وجودها وديمومة هذا الوجود . إن المسرح فن مستقل تتجادل وسائطه وأدواته فيما بينها لغرضية اكبر هي : إقامة جدل مع المتفرج. أن التفاعل التركيبي بين عمل المخرج والمؤلف والممثل والمصمم لا يمكن أن يكون مستمرا دون هذا العنصر الحيوي ، فتفاعل عناصر المسرح تنقطع وترتد على ذاتها عندما لا تضع في الحسبان هذا (المجال الحيوي) المهم مجال المشاهدة أيا كان اتجاه المسرح ، فليس هناك من نمط في بناء العرض المسرحي من ألغى أو اعدم شأن المتفرج . إن الأنماط تختلف في طريقة إقامة العلاقة بين العرض والمشاهد عينه. وهذا يؤكد أن للمسرح فعاليته الاجتماعية - بالإضافة إلى الجمالية - منذ الإغريق وحتى أخر ابتكارات المسرح في القرن العشرين. انم اهو مؤكد أن المكتبات الوطنية والمتخصصة تنضم على الكثير من المؤلفات والدراسات التي تعالج قضايا التأليف والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والمتفرج، لكن هذه الدراسات أو المؤلفات لم تنظر إلى قضية الزمن نظرتها إلى هذه الأساسيات ، قي الوقت الذي لا يمكن لعرض مسرحي أن يقع أو يحدث إلا في الزمن الذي هو وعاء هذه العناصر جميعاً، به تتفاعل وفيه تتشكل، ولا يمكن لمدرسة أو اتجاه نكران دور الزمن أو تجاوزه غير أن أية مدرسة أو اتجاه قد تناول بالدراسة والتحليل المعمقين هذا الوعاء المهم وهذه مشكلة نظرية كبرى، ولو نظرنا في ابرز كتب المسرح لرأينا إهمالا واضحاً لهذه القضية الخطيرة ولعل الدهشة تتسع إذا ما عرفنا بأن اكبر منظري العرض المسرحي أمثال ستانسلافسكي، الكسندر دين، ماير هولد، غريغ ، برشت، ارتو وكروتوفسكي لم يتناولوا أو يتطرقوا لمفهوم الزمن إلا بما ورد عرضاً. أن الزمن المسرحي يفرض نفسه باتجاهين هما :

 

•1-    زمن الفعالية المسرحية ، (العرض).

•2-    زمن المتفرج ، ( المشاهدة).

وهما زمنان مستقلان - متداخلان قي الوقت نفسه. ولهذا يرى الباحث ضرورة تناوله بالدرس والتحليل، وصولاً إلى نتائج قد تنفعنا في توسيع وتعميق الدرس المسرحي، زمن مستقل بذاته. أن الزمن العام ينضم ويتوزع ويتنوع ويتخصص في أزمنة مختلفة كالزمن الفلسفي والزمن الأسطوري والزمن العلمي والزمن الشعري والزمن الفيزياوي والزمن النفسي هي أزمنه تستند إلى استقلالية تخصصاتها العلمية والأدبية الصرفة ، وتلتحق بعلومها وفنونها أيضا كالفلسفة والأسطورة والملحمة والشعر والفيزياء وعلم النفس. والاستقلالية هذه العلوم والفنون فأن أزمنتها مستقلة أيضا فزمن الفلسفة مستقل في مفاهيمه لان الفلسفة مستقلة ، وزمن الشعر مستقل لان الشعر مستقل أيضا وعلى هذا تخضع دراسة الزمن فيهما - مثلاً لتحديدات واضحة ومستقلة ، دون أن ننكر بعض التداخلات والتأصرات فيما بينهما واستقلالية المسرح تدعونا إلى دراسة زمنه حسب هذا الاستقلال فلا يعقل إذن والحالة هذه أن نقوم بنقل أو استعارة مفاهيم الزمن في الفلسفة والشعر وضخها عن طريق الحشر لتحديد مفهوم الزمن في المسرح . أن الذي حفز الباحث على بحثه هذا هو خلو الميدان المسرحي من هذا الاتجاه في الدرس ولتجاوز تشابك المعاني والمفاهيم في دراسة الزمن في ميدان المسرح فقد تقصدنا بحثه عند كاتب واحد هو جون بول سارتر .

•2-    أهمية البحث

تتجلى أهمية هذا البحث على الواجهة التالية :

•1-    فيما يلقيه من أضواء على مفهوم الزمن عموماً وعلى مفهومه في الفلسفة الوجودية .

•2-    فيما يقدمه من معطيات للعاملين في العرض المسرحي حول طبيعة الزمن ومفهومه من اجل تقديم المساعدة الممكنة في حقل المسرح .

•3-    تتجسد هذا الأهمية فيما يقدمه من أساس نظري مفهومي تعوز العاملين في المسرح .

•4-    مسلمات البحث

أن التطبيقات التي تشتق من فلسفة ما تتسق وتلك الفلسفة.

•5-    فرضية البحث

يتفق المفهوم الدرامي للزمن عند جون بول سارتر مع المفهوم الفلسفي الذي أسس له وعمل من اجله في الفلسفة الوجودية.

•6-    هدف البحث

تحديد مفهوم الزمن الدرامي لدى جون بول سارتر

•7-    حدود البحث

يتحدد البحث في الأسلوب الوجودي على مستوى الفلسفة والدراما عند جون بول سارتر.

 

الفصل الثاني - الإطار النظري

 

•1-    الزمن المسرحي

للمسرح زمنه الخاص كما هو للسينما والرواية والأسطورة والملحمة والشعر. أن المسرح فن يرتكز عليه على محورين أساسيين هما المكان والزمان، هنا -ألان- لكنه لا يقدم هذين المرتكزين كما هما، انه يقدم الوهم بهما لان معادلة المسرح الأساسية تبنى على أساس من الوهم بالواقع. هو بالتالي يقدم زمنه الخاص الذي يميزه عن بقية الفنون والعلوم. أن زمن المسرح زمن متفرد، ومستقل بمعنى أن فهمه يقتضي منا أن نعرف إن المسرح فن له استقلاليته التامة، بمعنى أخر انه ليس زمن باطن ، فهو مكتفي بذاته، له سببياته ومنطقه الخاص وأول شرط هو في كونه زمن حاضر لان (كل فن يرتبط بالبصر وبالعلاقات الايقونية لا يوجد سوى زمن فني واحد ممكن: الحاضر .. ذلك انه يلغي الماضي والمستقبل ) (14، ص، 106 ) وهذا لا يعني فقراً في الزمن المسرحي بل هو سبب من أسبابه الكيانية، فهو يقيم جدليته وتأثيره مع مشاهد لا بد منه، وزمن المشاهدة هو زمن حاضر فقط. وعلى هذا تكون الكلمة والحدث والحبكة وخطوط العمل وحيثيات النص، هي مبادئ أولية لتأسيس الزمن الحاضر هذا، وان كل ما عاداه ملغى تماماً. أن زمن الحدث ليس هو بالشرط زمن المشاهدة والأعم والأغلب في الدراما العالمية ما يقتضي مخالفة زمن الحدث لزمن العرض. أن ماضي الحدث ومستقبله وحاضره تتلازم وتنصهر من اجل إنتاج حاضر العرض. أن زمن النص يسير قدماً أي من البداية حتى النهاية ومروراً بالوسط عن طريق بنى حلزونية أو دائرية أو أفقية وزمن القراءة يقتضي أيضا أن البداية تتبعها نقطة وسطية وهذه تتبعها لحظة النهاية لكن هذه الأزمنة تتكتل في العرض المسرحي لتعلن عن الحاضر فقط ، فالماضي يذهب إلى الحاضر سواء أفقيا أو حلزونياً أو بأية صيغة وكذلك يعود المستقبل ليرتد نحو الحاضر، فتكون صيغة العرض وفق المعادلة التالية :

                  ماضي                                حاضر                        مستقبل

              ـــــــــــــــــ>ـــــــــــــــــــــــ >ـــــــــــ>×ــــــــــــــ<ـــــــــــــ<ـــــــــــــ<ــــــــــــــ

ويجب أن لا نخلط هنا بين مفهومين مهمين ، المفهوم الأول الذي ينضم الماضي والحاضر والمستقبل وهذه تخارجات زمن النص، المفهوم الثاني وينضم عل البداية والوسط والنهاية وهو أمكنة النص فالماضي ليس بداية ولا يستلزم الوسط أن يكون حاضراً كما لا يتوجب أن تكون النهاية هي المستقبل. أن الكثير من النصوص الدرامية تشير إلى المستقبل في بداية النص (الغرس المسرحي) أو أن نهاية النص تعود عن طريق التذكر أو الاسترجاع أو الإخبار إلى الماضي فتتداخل أزمنة النص. أن (شرط وجود الجزء الأول أن لايكون الثاني بادئاً، وشرط وجود الجزء الثاني، أن يكون الأول منتهياً، لأنهما لا يمكن أن يكونا معاً، وإلا ما عادا الجزئين بل صارا جزءاً واحداً لا يتجزأ ) (10،ص8) .

وهذا يكون صحيحاً عندما نتحدث عن البداية والوسط والنهاية والوسط لايبدأ إلا من انتهاء البداية وان النهاية تبدأ عندما ينتهي الوسط، وإذا ما افترضنا - خطأ - بأن الحاضر هو الوسط فأن العرض المسرحي سيكون وسطاً فقط وهذا لا يمت لمنطق المسرح بصلة ، والأحرى هو : أن الحاضر يغلق مفاهيم الماضي والمستقبل أي انه يعدمهما . في الحياة يكون نصيب الحاضر جزئياً -صغيراً - وهو من حيث الحدوث اقل البعدين وقوعاً لكنه ممتلئ وفي العرض المسرحي يكون وجوده شاملاً وممتداً وممتلئاً . إن الزمن المسرحي - وهو الامرئي - يلعب لعبته مع المرئي كالديكور والممثل واللون .... الخ ، فالزمن يحتوي ويصهر وقائعيات الرأي ليعلن عن أهميتها وبدون هذا إلا مرئي لايكون المسرح فنناً بصرياً متحركاً وفعالاً أن         

                                     

                                               (العرض المسرحي )

                                   الإيقاع =   ـــــــــــــــــــــــــــ

                                                      الزمن

 

(18،ص10) معادلة تبين لنا أن مواد القسمة تعلن عن أهمية الزمن في العرض . أن النص رغم كونه مستقل وراسخ ، إلا انه لا يمكن أن يكون إلا صيرورة تتحول عن طريق الزمن إلى كينونة فهو ( الشرط الدائم لتحويل الصيرورة إلى كينونة ، والقوة إلى الفعل والنقص إلى الكمال ) (19،ص76) فبالزمن تتجاوز الصيرورة نقصها لتكتمل بالعرض وتتحول قوة النص الكامنة إلى فعل، عندما يضاف زمن المخرج إلى زمن النص ليكونا وليشكلا عرضا مسرحياً يكتمل بحضور المتفرج فتكون :

فعالية العرض +  مشاهدة المتفرج = الحاضر (ألان+هنا )

•2-    الفلسفة الوجودية : أعلامها ، نشأتها ، مميزاتها .

 

أعلامها :

تنتمي الفلسفة الوجودية إلى مفكرين ثلاث هم ( كير كيجارد ) و ( مارتن هيدغر ) و ( جون بول سارتر ) . هؤلاء هم الذين اعطو لهذه الفلسفة معناها العميق والنهائي . أن الوجودية ترتبط بهذه الأسماء الثلاثة دون أن نغفل بقية الأسماء الأخرى والتي حاولت أن تعطي تميزاً لهذا الأسلوب الفلسفي ، لكن الوجودية بمعناها النهائي قرينة هذه الأسماء .لقد بدأت الوجودية - بمعناها الحديث -  على العكس مما هو شائع عنها ، فقد كانت دعوتها الأولى هي دعوة الإيمان بالمسيح وبالديانة المسيحية وعلى هذا يكون الإيمان بالله من مؤكدات الفلسفة الوجودية في طور التأسيس، فقد كان صاحب الدعوة هو سوريون كير كيجارد (1813- 1855) وهو أبو الوجودية الأول بمعناها الحديث والذي انصب جل اهتمامه ( على الكيفية التي يصبح بها المرء مسيحياً ) (16، ص 74) باعتبار الفرد ذاتاً متحررة من القوالب الجاهزة التي فرضتها الكنيسة عليه ، قوالب ليست لها صلة بالمسيحية كطريقة من طريق الإيمان بالله ، أن المحرك الأساسي لكير كيجارد في دعوته هذه هي ، ردة الفعل الكبيرة على قرن اتسم بطابعه التاريخي الشامل في الأدب والفلسفة وفي نظرية تطور الإنسان ، انه قرن الدراسات التاريخية الكبرى التي شهدتها المجتمعات الأوربية إبان القرن التاسع عشر، تحولات لم تلتفت إلى ذات الفرد وهي تعاني تفكك الأواصر والعلاقات المتعارف عليها سابقاً ، الفرد وهو يواجه عزلته الحادة .

ووجودية كير كيجارد هي خلاصة هذا الخضم مما ألزم وجوديته المؤمنة لكي ( تتحول المسيحية .... من واقع تاريخي عام إلى ممكن خاص لكل إنسان ) (5، ص 1506) لكي يحقق الفرد ذاته عن طريق الإيمان بالله بعد أن تحول الدين إلى إجراءات خالية من حركة وحرية الروح . لقد تبلورت دعوة كيركيجارد إلى ترسيخ حرية الفرد وإيمانه العميق إلى جعل هذا الفرد المحور الأساسي لأسلوب الوجودية في تفلسفها وعبر مراحل تطورها الحديث . أن كيركيجارد وهو يدعو إلى حرية الفرد هذه كان يضع موقفاً مسبقاً لهذه الحرية ، هذا المسبق هو وجوب الإيمان بالله وبالمسيح وهو بهذا يمنحه حرية الوسيلة إلا انه يمنعه في حريته هذه عن الغاية والهدف . وذا كان كيركيجارد قد ناقش الفلسفة من وجهة نظر الميتافيزيقية ، فأن مارتن هيدغر (1889-1976) قد ناقش الميتافيزيقية من وجهة نظر منهج فلسفي . إذا كان المعنى النهائي للوجود الإنساني هو في المثول أمام الله وقوة هذا المثول تكمن في الإيمان فأن هيدغر يدفع بمعنى الوجود إلى ساحة أخرى ( حينما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج عندما يلبي نداء الوجود العام ) ( 5، ص .151 ) وقد استتبع من هيدغر أن يحدد للوجود ثلاثة أوجه هي :

•1-    ( الوجود هنا ) أي الوجود المتعين من حيث زاوية الإنسان في وجوده .

•2-    الوجود - بالمصادقة بما يمكن أن يلتقيه الإنسان في مسيرة حياته .

•3-    وهذا هو الأهم : الوجود من حيث هو كينونة .

وهو بهذا يضع معنا للوجود يرتبط بقدرة الإنسان على أن يكون ( وهذا يعني أن الكائن الحاضر ليس هو بل إمكاناته أو هو نزوعه للوجود باتجاه الغير، غير الذات ، تفتتح على ماهو ليس نفسه ) ( 2، ص 105 ) وبدلا من أن تكون حقيقة الموت في الفلسفة ، حقيقة ميتافيزيقية ، وواقعاً ووجوداً ملازماً للإنسان طالما هو ( وجود ) . إن الموت عنده فناء وإلغاء لوجود الحاضر. لقد وصف هيغل الفلسفة بأنها ( عالم مقلوب ) يمشي على رأسه وهذا مافعله هيدغر أيضا ، وهو يناقش وجود الإنسان في حياته من حيث هي ماضي وحاضر ومستقبل ، واصفاً قوة الوجود في المستقبل - الذي هو فناء - وعليه يتحتم قلق الإنسان المستمر، قلقه من مستقبله الذي لم يتحقق بعد . إننا نحاصر وجود الإنسان بالسؤال ، وحاضره فقط هو المعرض دائماً لاستجواب ، إما أن يكون السؤال أو الاستجواب عن خارج وجوده فأن هذا يعني العدم، وقوة وجودنا هي من قوة الاستجواب الذي يتعرض له الإنسان في وجوده .

من الفينومينولوجيا إلى الوجودية كانت السيرة الفلسفية لجان بول سارتر (1905- 1980). وهو الفيلسوف الذي تبلورت فيه كل معاني الوجودية وهي تطرح نفسها عن طريق المقال والبحث والموقف والرواية والمسرح . لقد استطاع سارتران يطرق كل هذه الأبواب ويتميز بنجاح كبيرين مما منحه احتراما عالمياً قل نظيره في تاريخنا الحديث، ولا احد ينكر انه ترك بصماته الواضحة على طريقة أو طرق التفلسف في أوربا ألان ، وانتشر تأثيره ليصل مداه إلى كل بقاع العالم تقريباً وربما كان أثره في الأدب والمسرح اشد وضوحاً. انج ابريل مارسيل هو الذي أطلق كلمة ( وجودية ) على مجمل النتاج الفلسفي والأدبي الذي عرف بهذه التسمية ، وكان ذلك في عام 1943. لقد أعطى جان بول سارتر لهذه التسمية دفعتها النهائية محولاً إياها إلى كلمة لامست الحس الشعبي الأوربي والعالمي. الغريب إن شهرة سارتر لو تتأتى من كتاباته الفلسفية بل مما كتبه في الرواية ( ثلاثية دروب الحرية والغثيان) ومن نصوصه المسرحية (الذباب وجلسة سرية والممثل كين ....الخ ) بالإضافة إلى مواقفه السياسية المشهورة في حرب تحرير الجزائر وفيتنام . إن النظر إلى العنوان الفرعي لكتابه الكبير ( الوجود والعدم - بحث في الانطولوجيا الظاهرية ) يدلل مباشرة على أن سارتر كان يحسب نفسه على الفينومينولوجيا لكنه اقر في النهاية بأنضواءه تحت تسمية الوجودية وهي تطرح نفسها عن طريق المقال والبحث والموقف والرواية والمسرح . لقد استطاع سارتران يطرق كل هذه الأبواب وبتميز وبنجاح كبيرين مما منحه احتراما عالمياً قل نظيره في تاريخنا الحديث، ولا احد ينكر انه ترك بصماته الواضحة على طريقة أو طرق التفلسف في أوربا ألان. وانتشر تأثيره ليصل مداه إلى كل بقاع العالم تقريباً وربما كان أثره في الأدب والمسرح اشد وضوحاً . إن جابريل مارسيل هو الذي أطلق كلمة ( وجودية ) على مجمل النتاج الفلسفي والأدبي الذي عرف بهذه التسمية، وكان ذلك عام 1943. لقد أعطى جان بول سارتر لهذه التسمية دفعتها النهائية محولاً إياها إلى كلمة لامست الحس الشعبي الأوربي والعالمي . الغريب أن شهرة سارتر لم تتأتى من كتاباته الفلسفية بل مما كتبه في الرواية ( ثلاثية دروب الحرية والغثيان ) ومن نصوصه المسرحية ( الذباب وجلسة سرية والممثل كين .... الخ )  بالإضافة إلى مواقفه السياسية المشهورة في حرب تحرير الجزائر وفيتنام . أن النظر إلى العنوان الفرعي لكتابه الكبير ( الوجود والعدم - بحث في الانطولوجيا الظاهرية ) يدلل مباشرة على أن سارتر كان يحسب نفسه على الفينومينولوجيا لكنه أقر في النهاية بأنظواءه تحت تسمية الوجودية واستمر في العمل تحت هذه التسمية. يحاول الباحث هنا أن يرصد ابرز النقاط التي وردت قي كتابه الكبير سالف الذكر محاولاً مناقشة بعض أفكار الكتاب. أن نقطة البدء عند سارتر هي في إيجاد العلاقة بين الوجود والظهور( فإذا كانت ماهية الظهور هي "في إيجاد الظهور" الذي لايضاد بعد أي "وجود فثم مشكلة حقيقية تتعلق بوجود هذا الظهور )(9،ص17) وهذا يعني أن الظهور لا يحيل إلى معنى الوجود ، وهذا ما يتوضح تماماً في أن كل وجود لا يستطيع أن يعلن نفسه تماماً ، ولو كان كل (ظهور) هو (وجود) - وهذا ما يتبدى لأول وهلة - لما بقي من معنى لجوهر (الوجود) ذلك لأنه يتكشف للجميع ولأمكن الوصول إلى هذا الوجود بطريقة مباشرة بل وسريعة . نرى هنا أن ظهور بعض الكيفيات التي تستطيع أن نميزها كاللون أو الرائحة هو إعلان عن الظهور وليس للفت النظر إلى الوجود، لان الجزئي لايستطيع أن يكشف عن الكلي ، والصورة لايمكن لها أن تكشف عن ( الماهية ) لأنها ليست هي الموضوع بل هي (معنى الموضوع) كما أن الظهور أو الحضور ليس من الوجود الجوهري ، فالوجود هو وجود الكيان وعلى هذا الأساس يكون الموضوع عاجزاً عن كشف كل الوجود كما انه ليس حاجباً له. لا يمكن لنا أن نصرح بفهم الوجود عن طريق الادعاء بفهم الظواهر ويتحتم علينا إذن التفريق بين وجود الظاهرة وظاهرة الوجود من حيث أن الأولى لا ترد إلى الثانية تماماً كما أن الثانية لا تنحل نهائياً في الأولى . أن وجود الظاهرة - مثلاً - لا يقرر حقيقة الشعور في الوقت الذي يستدعي فيه الوجود شعوراً ليس حيادياً على الأقل، بل شعوراً منفعلاً لان (الشعور امتلاء للوجود) كما يقول سارتر. ولأن الشعور لا ينتزع إلا من وجود وليس من عدم ، فالشعور يتجه دائماً نحو المعنى الذي يطرحه هذا الوجود ، والمعنى هو الذي يحدد مستوى انفعال الشعور . فالوجود هو في ذاته وليس غيره رغم حركة صيرورته ذلك لأن الصيرورة تؤكده أي تؤكد ثباته ولهذا نستطيع أن نمنح هذا الوجود - رغم حركته - صفاته النهائية فالوجود هو إياه ، أي هو وليس غيره وحركة الوجود تأكيد على كونه هو ما هو ، فهو لا يشتق إلا من ذاته فقط . إن كل موجود يثير سؤالاً و (إننا في كل تساؤل نقف إزاء كائن نتساءل عنه. وان كل موجود يثير سؤالاً و (إننا في كل تساؤل نقف إزاء كائن نتساءل عنه. وان السؤال يتضمن نوعاً من التوقع بمعنى أن السائل يتوقع إجابة . ولما كانت هذه الإجابة أما "بالإثبات" أو "بالنفي" وفي كل فعل من وضع السؤال إنما نواجه الوجود الموضوعي للاوجود ) (12،ص 75) . إن الوجود يلد الوجود ولا يمكن لوجود أن ينتج عدماً - لا موجود - وكما إننا نقول أن لا شيء ينتج لاشيء فأن العدم لا ينتج عدماً، لان العدم لو أنتج لأصبح موجوداً، وكل موجود ينتج موجوداً أخر لأن التركيب الوجودي للموجود يقتضي هذا ولان العدم لا ينتج عدماً لأنه عدم فأنه لا ينتج موجود أيضا. أن الموجود يرتبط بالموجود والعدم يرتبط بالعدم نستنتج أن السؤال وجود وأن الإجابة على هذا السؤال وجود أيضا .

أن الوجود الإنساني لا يمكن أن يصدر عنه وجوداً أخر ألا في حالة الحرية ، لان (الحرية الإنسانية تسبق ماهية الإنسان وتجعلها ممكنة ....  فالإنسان لا يكون أولا من اجل أن يكون حراً فيما بعد ) (9،ص 81) . هذه الحرية تقودنا إلى موقف خطير في عقد الصلة مع الأخر - الذي هو ليس أنا - وكل أنا ترتبط مع هذا - الأخر - عن طريق العدم (بل هو أصلا أساس كل علاقة بين الغير وبيني ) (9،ص 394) وهذا حكم انطولوجي له محاذيره ، لان الغير عند سارتر لا يمكن أن يكون موضوعاً ولان علاقة كل موجود وموجود لا تحرز لأنها ليست علاقة معرفة ومعرفة. وعلاقة الأنا - بالغير هي اختزال لمحور كبير من محاور كتاب الوجود والعدم. أنما هو أكيد : إن الفكر الوجودي قد تبلور على يد الثلاثة سالفي الذكر ينضاف إليهم أسماء كثيرة أخرى تركت أفكارها وآراءها حول معنى الوجود أصداء متباينة الأهمية . فنتيشه - وهو الحلقة الكبرى التي تقع بين كيركيجارد وهيدغر - قد ناقش قضية الوجود أيضا ، ولكن منهجه الفلسفي ينصرف إلى ما هو خارج الوجودية كأسلوب في التفلسف فهو ينفرد ويستقل بأسسه ومنهجيته، أما (بييركامو) فقد ركز على النتاج الأدبي أكثر من تركيزه على البحث الفلسفي الصرف - عدا كتابه الإنسان المتمرد - حيث طرح هذا المفكر عبث الحياة ولا معقوليتها في كل ما كتبه من نص روائي أو درامي نذكر منها (الطاعون، المقصلة، الغريب ، أسطورة سيزيف، أعراس ، كاليجولا وسوء تفاهم ) وتأثيره واضح وكبير في مسرح اللامعقول . تجدر الإشارة هنا إلى المفكر الفرنسي (جابريل مارسيل) الذي يختلف عن الجميع في أن وجوديته تدعو للتفاؤل والأمل في الحياة ومن جدوى الوجود الإنساني الذي يعزز بالألفة ومحبة الأخر وهو اقرب إلى كيركيجارد منه إلى سارتر أو هيدغر وهو امتداد للأول. ومن مؤلفاته الشهيرة نصوصه المسرحية (العالم الكسور، روما ضد روما ). ولابد من ذكر (ميرلوبونتي) والذي لخص وجوديته إلى كتابه المرئي واللامرئي حيث أثار مفهوماً للتساؤل الفلسفي عن طريق التأمل والديالكتيك والحدس موضحاً اختلاف معنى السؤال في هذه المستويات الثلاثة المختلفة . أما (آنا مونو) فقد عمل على دمج الوجودية مع الكاثوليكية وهي تحمل طابعها المحلي لاسبانيا .

 

نشأتها :

لقد ولدت الوجودية وسط ظروف متعددة ولعل نشأتها الأولى على يد كيركيجارد - منتصف القرن التاسع عشر - لا ترتبط تماماً ببلورتها الأخيرة على يد سارتر يتمم ويعمق كيركيجارد وان وجودية القرن العشرين قد نسجت من نسيج وجودية القرن التاسع عشر لكن ألوانها تختلف . فوجودية كيركيجارد ردة فعل وانقطاع عن كل الفلسفات السابقة عليه . الفلسفات التي لم تؤكد على علاقة الإنسان بالله أو أنها أعادت اهتماماً اقل لهذه العلاقة كما ان الوجودية هنا موجهة ضد نمو قوانين العلم التي زحزحت من استقرار المسيحية التي تؤكد على أن الأرض مركز الكون وبالتالي فأن الإنسان مركز هذه الأرض ، وعليه لابد أن تحظى هذه الأرض وهذا الإنسان بالبحث اللازم وإيضاح وشرح هذه العلاقة هي من أساسيات ومنطلقات الفكر المسيحي .

لقد وجه فكر عصر النهضة ضربته القاسية للفكر اللاهوتي حتى تمكن من (صياغة مبادئ جديدة ، أو مقولات فلسفية وعلمية ، ساهمت في تشكيل رؤية كونية جديدة طرحت فهماً أقرب بعض الشئ ، إلى موضوعية العالم الخارجي ، وأنجز مشروع دين واختلاق طبيعية ) (11،ص24) والدين الطبيعي يتعارض حتماً ومقولات الديانة المسيحية ، كما أن ثبات نمو الفلسفات الفعلية وانجازات العلم بخطوط صاعدة منذ عصر النهضة (1500-1600) قد أتت ثمارها في القرن التاسع عشر وبما لا يتفق ووجودية كيركيجارد التي يستوجب العودة إلى الديانة المسيحية ، ففلسفته لاهوت متطور ومعمق يقترن بالقرن التاسع عشر وهو يحاول أن يعيد الفرد إلى المسيحية وما على هذا الفرد إلا أن (يسعى إلى ذلك سعياً حثيثاً : أن يناضل وهذا يعني إن الشخص لايكون نقياً أخلاقيا أو مسيحياً لمجرد انه ولد كذلك ، بل بالسعي والعمل ) (17،ص 35) ، فليس عنده أن يعيش الفرد إيمانه بل عليه أن (يعرف ) هذا الإيمان الذي يعيده (إلى اللحظات الأولى من ظهور المسيحية - إلى نفس الإحساس المباشر بالإيمان الذي به من رأى المسيح وسمعه ) (17،ص 318)  ولعل هذه الدعوة إلى داخلية الروح والعودة إلى اللحظة الأولى تشكل قفزة من فوق التطورات الفلسفية والعلمية التي سادت الفكر الأوربي وهي عدم اكتراث لما أنجزه العقل الإنساني في فترة نمو العلم . إنها دعوة الروح وحاجاتها وهي تحاول ان توقف القرن التاسع عشر عند حدود لايمكن الوقوف عندها .

ويأتي القرن العشرين وفي نصفه الأول تقع اكبر مجزرتين في تاريخ البشرية - نقصد الحرب العالمية الأولى - التي هزت البنى الروحية للمجتمع والفرد الأوربي وألحقت بوضعه الروحي خراباً هائلاً ، وما أن بدأت أوربا محاولاتها لتطبيب جروح هذه الحرب حتى انفجرت الحرب العالمية الثانية التي قضت على ما تبقى من مرتكزات روحية ولما كان ينادي بالعودة إليه كيركيجارد من قبل . ولابد ان هاتين الحربين العالميتين قد أسفرت عن تطورات فكرية بحجم الدمار والقتل الذي عانت منه المجتمعات الأوربية . وكان للوجودية ان تتلون بلون أخر على يد مارتن هيدغر وجان بول سارتر وان تزداد تطرفاً باتجاه آخر . ولعلها ليست مفارقة أن هيدغر وسارتر لم يكملا نفس الخط الذي بدأه كيركيجارد بل تقاطعا معه وباتجاه لا يولي قضايا الرب أهمية قصوى . ففي الوقت الذي وجه فيه كيركيجارد أحتقاره للفلسفة والعلم باعتبارهما قضيتان خادعتان وجه سارتر جهده وفكره لإدانة الحروب التي ذاق طعمها وهو جندي يخوضها عن عدم قناعة كما انه عرف معنى الأسر على يد الألمان النازيين، لكن هؤلاء الثلاثة الكبار قد التقوا في توجيه الاهتمام الكافي نحو الفرد التائه، الحائر، المشتت ، الضائع الذي مزقت معتقداته وإيمانه .

مميزاتها :

لقد اتسمت الوجودية بثوابت وسمات أساسية يشترك فيها الجميع على اختلاف وجهاتهم وأسلوبهم في التفلسف . أن السمة الكبرى لها هو انها تبدأ ( من الإنسان لا من الطبيعة - فهو فلسفة عن الذات "الذات أكثر منه فلسفة عن لموضوع ) (16،ص12) مما جعل الأسلوب الوجودي نقيضاً لفلسفات هيغل وماركس وكانت وبقية الفلسفات التي أولت الطبيعة والتاريخ أهمية قصوى ، كما أن اتخاذ الوجودية من - الذات - اهتمامها الأول لا يدعونا إلى وضعها موضعاً يقع تحت خيمة المذهب المثالي بل أن الوجودية تحتك وتصطدم مع هذا المذهب لأنها تتخذ من (الوجودية) الإنساني شرطاً يسبق(ماهيته) اللاحقة على وجوده المتحقق في شرط الحرية التي هي نسيج كياني للفرد فليس من المعقول أن يولد الإنسان ثم تولد حريته من بعده. إن وجود الإنسان لا يعني انه جزء من الكون أن وجوده تام وتمامه يكمن من صراعه المأساوي مع الغير. إن العالم متهم ومدان وهذا يقضي ان يكون نوع الصراع مأساوياً ، على أن إدراك الحقيقة يشير إلى (ا ناول خبرة للفرد مع الآخرين هي خبرة أنداد وليس خبرة صراع ) (13،ص209) لكن الوجودية تذهب بعيداً باعتبار علاقة الفرع مع - الأخر - العالم - الكون إنما هي خبرة صراع مستمر وهذا ماترك أثره الكبير فيما أنجزه هؤلاء الوجوديين ومن تأثر بهم من أثار فلسفية وأدبية .

3-الزمـــــن والوجوديــة :

إن واحدة من الموضوعات الأساسية التي تناقشها الفلسفة هنا هي موضوعة - الوجود - التي لاتكتفي بذاتها بل يمكن اعتبار الوجود ( عتبة ) اولى للدرس الفلسفي الذي يناقش جوهر هذا الوجود في استقصاء ماهيته ، أي ماهية الوجود وفي هذا تتحقق قضيتان بارزتان :

الأولى الإقرار ألثبوتي بأن الإنسان موجود أولا وهذه غاية كبرى من غايات الدرس الوجودي الثانية ماهية هذا الوجود ، وهي التي تحيلنا إلى دراسة الزمن الوجودي باعتباره محور بحثنا . إن حقيقة الإنسان الأولى هي في وجوده وهو هنا لا يتجاوز وجود غيره من الموجودات الأخرى من الطبيعة ، لكن وجوده هذا يتحقق في مستواه النوعي عندما ينجز هذا الوجود الأولي وجوده في الزمان باعتباره فهماً ووعياً ، إن الكائنات جميعاً تعيش وتحيا الزمن وهي في هذا لا تحقق فروقاً نوعية بأية درجة من الدرجات ، فالنبات يعيش في الزمن وكذلك الحيوان والإنسان أيضاً . لقد أشارت بعض الدراسات العلمية إلى إن إحساسا مبهماً ينتاب الكائنات التي تتصف بوجود الدماغ وان هذا الإحساس هو منتهى مطاف حركة هذه الكائنات وهي تعيش دورتها في الحياة ، لكن ما يميز الإنسان الذي يتفرد بالعقل هو وعيه بالزمن ، والإحساس بالزمن ليس إلا خطوة أولى تجاه الوعي فهو ليس كالوعي الذي وقف على الإنسان دون غيره . ولان الوعي بالزمن صيغة كيانية للإنسان فأنه وحده الذي يضفي على الكائنات وجودها المتعين ، وجودها في الزمن الذي لا تعرفه . إن الإنسان عندما يمنح صفة الوجود لهذه الكائنات فأن منح الصفة هذه لاتعني أن الإنسان قد خلقها أو أوجدها بل أنه يمنحه صفة لا تعرفها هي نفسها ، فالحيوانات - أرقاها - لاتعرف بأنها تعيش بالزمن والإنسان العاقل هو الذي يمنحها هذه الصفة وهذا معيار . إن الإنسان يعي وجوده من خلال وعيه لولادته وموته وهذا الوعي يتأتاه عن طريق رصد ولادة وموت الآخرين التي لايمر الإنسان بهاتين الحالتين إلا لمرة واحدة ، فهو يجهلها لكنه يتمثلها عن طريق - الأخر - انه يمر بالموت مرة واحده مثلاً ، وكل وعي بعد الموت ليس وعي وما هو قبل وما هو بعد إنما هو العدم . القبل هو الماضي وقد افلت تماماً من يد الإنسان، المستقبل زمن قادم إلا انه غير متحقق وغير منجز ولذلك فهما عدمان ، أما الحاضر فهو لحظة الوجود التامة - علينا أن نلاحظ أن هذا الحكم الفلسفي لا يخضع لاعتبارات تحددها السياسة أو تخطط لها الاقتصاد - لان جهد الوجودية ينصب على بحث وجود الإنسان باعتباره القضية الانطولوجية الكبرى إن هيدغر ينظر إلى الحاضر باعتباره لحظة احتكاك بين ماضي الفرد ومستقبله فـ( لكي ينجز المستقبل نفسه يجب أن يصبح حاضر، وهذا الأخير بدوره ماضياً ، وهكذا تتحقق وحدات الزمان الثلاث ) (10 ، ص270 ) أي أن تخارجات الزمن من الوجودية لا تأخذ معنى ثباتها التقليدي بل تستبدل وضعها النوعي عند الإنسان الذي يعيش حاضره وهو يستحضر الماضي كما انه يرصد المستقبل وهذا من وجهة نظر الوجودية ما يوقعه في - اللا توازن - وهو صفة الإنسان التي تميزه عن الحيوان الذي يعيش انه خارج ماضيه ومستقبله . هذا اللا توازن يدفعه باتجاه الذنب الذي (يبدو حتمية مأساوية ) (17،ص293) وهذه الحتمية هي التي تجعل من الوجودية تكثف الحياة تكثيفاً مأساوياً يحدد نوع الصراع الذي يعيش الإنسان أنواعه - صراع الفرد مع ذاته ومع الآخرين - يترتب على هذا الصراع شعور مستمر من القلق والتوتر. أن اشد أنواع الصراع مأساوية وقسوة هو الصراع الوجودي لأنه ليس عياني، - مع المجتمع مثلاً- بالمعنى التقليدي بل هو الصراع المتخفي باعتباره موقفاً صراع مع القوى التي لا تتكشف على مسطح العلاقات الإنسانية في التاريخ أو الاقتصاد أو العادات والتقاليد فهو صراع تأمل في الوجود المأساوي الذي يعيشه الإنسان في الزمن ليس بمعناه التعاقبي المجزأ في الماضي ، الحاضر ، المستقبل  بل في تفاعلات هذه التخارجات الثلاثة في لحظة واحدة هي (الزمانية الكلية) كما هو عند جون بول سارتر. أن الوجودية لا تؤمن بمفهوم السلسلة التي تترابط فيها حلقات الأبعاد بمتوالية متتابعة تكون فيها الأبعاد مستقلة عن بعضها . لقد نظر سارتر في ثلاثة أنواع للوجود الإنساني ضمن الكون :

الأولى :  أن الوجود ذاته هو الوجود غير الواعي أو وجود الأشياء ، وهو وجود لا يعرفه الزمان كما أنها لا تعد تزمنية أو التزمن .

الثانيــــة : وهو الوجود للغير الذي يرتبط به الوجود الثاني بعلاقة تقوم عليها كل الصراعات والتوترات الإنسانية . صراع بين زمنين زمن الذات المعزول - الفرد - وزمن الموضوع ، الأخر ، وهذا صراع متشابك ومعقد ينفصل ويتداخل فيه الزمنان، لان كل زمن يحاول أن يستقل عن الأخر ن وكل أنا هي في صراع مستمر مع - الهم - ( they )  .

وهذا الصراع يستوجب منا أن ننظر إلى أبعاد الزمن المزعومة ليس ( كمجموعة من المعطيات - يجب جمعها - مثلاً كسلسلة لا متناهية مؤلفة من "الانانة" بعضها ليست موجودة بعد ، وبعضها الأخر لم تعد موجودة - بل كلحظات مبنية structures في تركيب أصيل ) (9، ص 201) وهكذا ترى وجودية سارتر في هذا التركيب أصالة وشمولاً نهائياً يدلل على عدم استقلال كل عنصر من عناصر .

•1-    طرائق جمع المعلومات :

استخدم الباحث الطريقة التاريخية ، وطريقة تحليل المحتوى ، حيث استعرض الباحث تطور الفلسفة الوجودية منذ منتصف القرن التاسع عشر لكونها الفترة التي تمثل البداية الحقيقية لتأسيس الفلسفة الوجودية الحديثة على يد ( كيركيجارد ) بالإضافة إلى التطورات التي لازمت ابرز مميزات هذه الفلسفة على يد ( هيدغر ) وكذلك ( سارتر ) الذي يعد بحق المفكر الذي أعطى الوجودية معناها الواسع ، العميق . لقد تم تحليل محتوى الادبيات ذات العلاقة بالموضوع مع تحليل النصوص المسرحية مما يعين الباحث على التوصل إلى تحقيق النتائج وقد شمل التحليل :

•أ‌-       الأدبيات والكتب والمجلات التي تعين الباحث في بحثه

•ب‌-  نصوصاً مسرحية من تأليف جان بول سارتر .

•2-    أداة البحث :

اقتصر البحث على طريقة تحليل المحتوى كأداة للوصول الى النتائج .

•3-    مجتمع البحث وعيناته :

يشمل مجتمع البحث الفلسفة الوجودية عموماً لاستخلاص مميزاتها والتعرف على مفهوم الزمن فيها وقد اختار الباحث ثلاثة نماذج من نصوص سارتر المسرحية وبطريقة عشوائية ليستنبط ويستخلص مفهوم الزمن المسرحي عنده وبما يمكن من تدعيم نتائج البحث التي سيتوصل إليها الباحث .

•4-    نصوص مسرحية مختارة ( دراسة تحليلية ) :

•1-    مسرحية الذباب :

الذباب : زمنان، الزمن الأول، وهو زمن الأسطورة والنص عند الإغريق ، وهذا لا يعنينا رغم أن هذا - الزمن الأول - هو مادة الزمن الثاني : والذي هو زمن نص مسرحية - الذباب- لسارتر.

إن عقد مقارنة بين بنيتين ليس من واجب بحثنا هذا إلا إذا أريد معرفة تأثير الأول على الثاني وهذه تقتضي المقارنة بين الأسطورة الإغريقية وبين النص الأول الذي اخذ عنها ، ومن ثم مقارنة الذباب بهما وهذا ما لا يقتضيه البحث هنا . وفي - ذباب - سارتر يكون الزمن لا واقعي - بمعنى إن البنية الكلية لزمن النص هي بنية تغلفها الأسطورة - لكن المؤلف - عالج هذا الغلاف الأسطوري معالجة معاصرة من حيث اللغة والعلاقات والشخصيات والأهداف. إن البنية الزمنية للذباب تناقش مفاهيماً مختلفة مثل الندم ، الحرية ، المسؤولية ، الفرد وعلاقته مع الآخرين

. يتشظى الزمن العام لهذا النص باتجاهات مختلفة هي :

•1-    زمن شخصية أورست - وهو زمن أساس لأنه زمن الشخصية الفعالية والأولى في النص .

•2-    زمن الشخصية الكترا - وهو زمن أساسي في النص ينعزل عن زمن شخصية أورست شكلاً إلا انه يلتقي معه مضموناً من حيث الهدف الرئيسي وهو الانتقام لمقتل الأب اجا ممنون - فهو منفصل ومنعزل أولا لان وجود الكترا هو كذلك من حيث هو صفة لألكترا يميزها عن زمن أخيها - اورست - لكنه تماماً بعد الانتقام من حيث الشكل والمضمون عن زمن اورست .

•3-    زمن الإله جوبتير - وهو مزيج من زمن أسطوري - غير واقعي - ، وواقعي بمعنى أن جوبتير له - حسب النص - ما للإنسان من صفات .

•4-    زمن الكائنات غير العالقة ، الذباب ، الجنيات ، وهو زمن أسطوري خالص فالجنيات لا تشيخ ولا تهرم وهي شابة مدى الدهر .

•5-    زمن مدينة ( ارغوس ) وهو زمن يدلل على انطفاء هذه المدينة باعتبارها مكان ، وموات سكانها من حيث هي مدينة يقطنها البشر. أن زمن المدينة هو زمن الكبير لأحداث ووقائع هذا النص المسرحي وفيه يعالج المؤلف الزمن من حيث أثاره على سكان المدينة، كما انه يعطي لهذا الزمن صفاته التي هي - الموات ، الملل ، العبودية ، هذه الصفات نستنتجها من خلال الإشارات المادية الكثيرة التي أوضحها المؤلف وهي :

•أ‌-       هذه الشوارع المقفرة .

•ب‌-  الهواء المرتجف .

ج- نسوة عجائز بثياب سوداء .

د- الأبواب المغلقة التي ترفض أن تفتح .

هـ - الحر اللعين .

و- اللباس العام لأهل مدينة ارغوس - هو الأسود .

ز- جدران ملطخة بالدم . وملايين الذباب ورائحة مجزرة .

وأمثلة عديدة يلقي بها المؤلف سواء عن طريق توصيفاتها في خلق الجو النفسي العام للنص او على لسان الشخصيات ، فالزمن إذن هنا زمن موات من الناحية المضمونية .

يعتمد جان بول سارتر على الوحدات الثلاث والتي زعمتها الكلاسيكية الحديثة وهي وحدة الزمان  ، وحدة المكان ، وحدة الموضوع ، غير أن المؤلف هنا يقيم معالجاته من منطلق وجودي وليس كما تحدده الكلاسيكية . أن ما يهمنا هو أن زمن الحدث المسرحي يقع خلال (24) ساعة فقط وهو الزمن المسرحي لنص الذباب . إلا أن أحداث هذه الـ (24) ساعة تناقش وتعالج زمناً يمتد لـ (15) خمسة عشر عاماً ، أي منذ واقعة مقتل - الأب اجاممنون ) وحتى مقتل - ايجست - لكن زمن النص في وقوعه يعالج أحداثا تبدأ من دخول اورست لمدينته ارغوس، صباحاً وحتى تنفيذه لانتقامه من ايجست ثم خروجه من ارغوس في صبيحة اليوم الثاني، وهذا يقع في حدود دورة شمس كاملة - أي أربعة وعشرين ساعة فقط -  وهي التي تشكل يوم عيد المدينة بذكرى موتاهم .

  أن الأساس الذي يميز الشخصيات الرئيسة هو : الاغتراب في الزمن . إذ تعيش الشخصيات الرئيسة اغترابها عن واقعها الصحيح ، فأورست منفي منذ خمسة عشر عاماً مما عزله عن مكانه - وطنه (ارغوس ) فهو وحسب ما يقول (لم اشهد مولد طفل واحد من أطفالهم ، ولا حضرت أعراس بناتهم ولا اعرف اسماً واحداً من أسمائهم) لكن هذا الاغتراب ولد عنده دافعاً للانتقام والثأر بل انه إحدى القوى المحركة فعالية شخصية في النص، أن اغترابه الروحي يقوده لإعادة التوازن المفقود في مدينته (ارغوس) ، لكن هذه الغربة تبدوا اخف من غربة شقيقته (الكترا) فهي وان لم تعرف معنى المنفى إلا أن منفاها كان من النوع الأشد حرارة ، فهي وبعد مقتل أبيها ، تعمل مأمورة كخادمة في بيت القاتل (ايجست) الذي يشارك أمها الجريمة والفراش أنها منزوعة من وضعها الاجتماعي والروحي ، معزولة عن الناس كالطاعون ، لكنها تنتظر - وهذا ما يخفف عزلتها - شيئاً ... هو شقيقها بالتأكيد . والإله جوبيتر الذي يجب أن يتوحد مع نفسه يكشف عن اغتراب في وجوده (منذ مئة إلف سنة أرقص أمام الناس ، رقصة بطيئة قاتمة ويجب أن يتفرجوا : فما دامت عيونهم مثبته عليَّ فأنهم ينسون أن ينظروا إلى أنفسهم . فإذا نسيت نفسي لحظة واحدة .... ) هذا الذي يقوله جوبتير يكشف عن غربته ، عن عزلته مع نفسه ، وليس هذا فقط بل يكشف عن ما هو أهم : أن كل المدينة لا تتوحد مع نفسها ، فهم لا ينظرون في أنفسهم، فما دام على ارض ارغوس بشر ، فأن جوبتير عليه أن يرقص - كذباً - وان يشغل الناس بالنظر إليه.  وايجست هو الأخر يعيش هذه الغربة المقيتة ( لقد عشت بلا رغبة ، بلا حب ، بلا أمل ) وهو تعب جراء ما يعانيه لذلك يتقبل مقتله بطريقة لا مبالية . أن اغتراب الشخصيات هنا مفهوم ومعروف من قبل نفس الشخصيات التي تعيش هذا الاغتراب. في نص مسرحية (الذباب) يحتمل الزمن قدرية واضحة ، قدرية المصادفة في عدم مقتل (ايجست) على يد رجالات (ايجست) وفي لقاء (ايجست) مع شقيقته (اليكترا) ، كما ان هذه القدرية تتضح أكثر في مالقي عليه من مهمة قتل (ايجست) لأنه ينتمي إلى مصير أجداده (الا تريدين) .

الكترا : وأنت حفيد أتري، ولن تنجو من مصير الاتريدين .. ولكن القدر سيطلبك في سريرك ، ستحمل العار، أولاً وبعد ذلك ترتكب الجريمة بالرغم منك .

   هكذا تخاطب الكترا شقيقها اورست ، إذن لا مفر من هذا المصير المتحتم والقدر الذي لابد منه ، فالجريمة دمه ووجوده أيضاً . واليكترا وأورست يعيان هذا القدر (هناك طريق أخر) وهذا الطريق هو طريق القتل والجريمة بأي معنى من المعاني، وهما - وخصوصاً اورست- لابد أن ينفذ ما رسمه له القدر ، والقدرية صفة تشترك فيها شخصية (ايجست) عندما يحذر من انه سيقتل هذه الليلة وعلى يد ابن أجاممنون أورست . ايجست- آه (فترة) ولكن هذا هو المقدر ماذا باستطاعتي ؟ انه يقر القدر ويتساءل هل في الاستطاعة الهروب من هذا القدر ، وطريقة قتل ايجست تؤكد هذه القدرية - هذا المقدر الذي يروق له تماماً ، وهو تهب ، تعب جداً لعدم تنفيذ القدر ضربته حتى الآن . على مستوى أخر يعمل الندم على أمانة الزمن وتجميده ، والندم في هذه المسرحية مركز بذاته ن فالمدينة كلها تعيش الندم .

  العجوز : إنني نادمة أيها السيد ، لو كنت تعرف كما أنا  نادمة ، وابنتي أيضا ، وصهري يضحي ببقرة كل سنة ، وحفيدي قد ربيناه على الندم ) .

   وفي موضع أخر توضح إحدى الشخصيات من : أن المدينة تندم بأجمعها ، والندم هذا شيء يوزن وزناً . وبدلاً من أن يفعل الندم فعلته في الانطلاق والحركة ، فأنه يستبيح المدينة ويدمرها ويقضي على روحها ويجمد زمنها ليحيلها إلى خلية لملايين الذباب الذي يطارد البشر وفي يوم هو ( عيد الأموات ) تقع أحداث المسرحية والناس على أشد ما يكون الندم ، والعيد زمن حركة ممتدة وواسعة ، غير انه عيد (الأموات ) والموت هو انتهاء الزمن فهو صفر، أي أن غلاف هذا اليوم يعلن عن عدميته وصفريته بالرغم مما تجري فيه من أحداث ترتبط أساسا بزمن متحرك يعود - لاكترا وأورست ، والمفارقة هي إن الكترا تعلن عن ندمها أي بعودتها لهذا الزمن الصفري في الوقت الذي تتحرك فيه المدينة خطوة كبرى نحو زمن متحرك بعد مقتل (ايجست) الملك غير الشرعي .

   أن مسرحية (الذباب) تقوم على صراع حاد بين قوتين ، هي قوة الحرية متمثلة بـ (اورست) وحده بالاضافة الى (الكترا) باعتبارها رديف سرعان ما يتعثر ويسقط في الهاوية (هاوية الندم) وبين قوة أخرى هي قوة العبودية التي يقودها (ايجست) الملك غير الشرعي وقوة رديفة اخرى هي قوة الاله (جوبيتر) الذي يحذره ولا ينقذه من ميتته الشنيعة والهادئة !! . المدينة تعيش حريتها وعبوديتها باعتبارها مكاناً - ليس محايدا - لصراع هاتين القوتين ، انه صراع (الفرد) متمثلاً بـ (اورست) ضد الجميع ، ولم يكن صراع اورست من اجل حريته الشخصية فقط وإنما من اجل حرية الجميع ، حرية ارغوس التي استباحها الذباب والندم بعد أن تخلت عن تحمل مسؤوليتها.

    لقد أكد سارتر مأساوية الحدث المسرحي في كل شئ، الأموات الذين يغزون المدينة ، الذباب الذي يستبيحها، استذكار مقتل أجاممنون ، الحياة المريرة لالكترا ، الجدران الملطخة بالدم ، وليتوجها بمقتل (ايجست) الملك وبمقتل (كليمناسترا) على يد ابنها (أورست) وأبنتها (الكترا) ميتة بشعة بطعنها أثنى عشر مرة بالسيف ، أن حدث المسرحية حدث يحدد جنس المسرحية المأساوي ويعطيها طابعها النهائي : فالمأساة تتواجد في كل شيء ، في الملابس ، في الجدران ، وفي الشخصيات مما يجعلها توزن وزناً عن حق .

    ان صيرورة الزمن في هذا النص يعلن عن انه زمن خطي - مستقيم في نمو الأحداث وتطور الشخصيات ، كما أن تقدم هذا الزمن يدلل على هذه الخطية التي تتسم بها الكثير من النصوص المسرحية ، لكن سارتر يلون هذا الخط بلونه الخاص، بوجوديته التي ينادي بها ويدعوا لها في تحمل المسؤولية التامة من أجل الحرية بوصفها فعل وجود يلازم وجود الإنسان - الفرد وهذا لا يكتفي فحرية الفرد - أورست هنا - تعتبر حرية منقوصة - ما لم تتحقق حرية المدينة كلها (ارغوس) وهذا هو الهدف الأكبر الذي عمل من اجله أورست ، انه لاينتقم لأبيه بل ينتقم من اجل حرية مدينته (ارغوس) .

•2-    مسرحية جلسة سرية :

تتوضح البنية الزمنية في هذا النص باتجاهين، الأول : أن النص ينجز زمنه في الـ ( هناك ) وهناك هو يوم الحساب ، اليوم الأخر ، القيامة ، بعد أن تم تصفية الحساب مع الشخصيات وبعد ان ادينوا ، ليلقى بهم في (الجحيم) ، أذن زمن (هناك ) يعدل ويقترن بـ(الجحيم) كمكان : أن الشخصيات الثلاث أدينت بناءاً على ما فعلوه في الـ (هنا ) الدنيا ، على أفعالهم في زمن سابق وجاء القرار : أن مكانهم هو (الجحيم) ولا يعني (الجحيم) بأي حال من الأحوال ، لايمكن أن يفهم منه آلات التعذيب، الكلاليب ، شوي الجسد بالنار ، بل يعني الأسلوب الأخر، هذا الأسلوب هو انفصال وعزلة الشخصيات في الزمن .

   أنيز : سيكون العذاب عن طريق الانفصال .

وليس معنى الانعزال أن يوضع الفرد لوحده في حجرة أو زنزانة ، ولكن أن يوضع آخرين لا يتم التفاهم معهم ، ولو عزلت الشخصية كل على حدة لمات الصراع ولأنجز العزل معناه المباشر، وهكذا جمع سارتر ثلاثة شخصيات في حجرة واحدة ، رجل واحد وامرأتين ، كل له خطاياه ، وسلوكه وفهمه ، وجراء تقاطع هذا الفهم ، أصبح كل واحد منهم لا يفهم من قبل الأخر . أن أزمنتهم مستقلة وكلما حاولت هذه الأزمنة أن تتداخل ، أن تتأصر وقع الانفصال . ومعنى العزلة بينهم أنها تتضمن محاولة كل منهم أن (يعيش) لوحده دون الآخرين . وكلما حاول هذا (الواحد) أن ينجز هذا كلما ضاقت حلقة العزلة والانفصال مما يتولد عنه وضعاً مأساوياً ، مؤلماً بحق :

   جارسان : كنت أفضل أن أظل وحيداً. إنني ... أريد أن أفكر في الأشياء التي تحدث في الخارج ، ولأحطم حياتي، والإنسان يفعل هذا بطريقة أفضل وهو منفرد. أن فكرة العذاب - إلى الأبد - هو أ، يعذب كل واحد الأخر بكل شيء -باحتمال وجوده على الأقل - فهو ليس عذاب الجسد ، بل هو عذاب الوجود الإنساني ، عندما يجبر الفرد على التواجد مكاناً وزماناً مع آخرين لايعرفهم .

جارسان : يجب على كل واحد منا أ، ينسى أن الآخرين موجودان .

أنيز : .... هذا سخيف للغاية .. لكنك لا تستطيع أن تمنع وجودك هنا .

لقد اقتضت الصفة المسرحية للإيهام بالواقع أن يستدرجنا سارتر إلى معنى مألوف بل وواقعي للمكان لكي يتمكن من خلال النفاذ من الإيهام بالواقع إلى احتمالات الجحيم ، فالمكان مؤثث تأثيثاً واقعياً، وأشياء المكان (هناك) هي ما تندرج عليها حياتنا اليومية ، فالجحيم يوهم بمكان - الحياة الدنيا - انظر في أثاث حجرة التعذيب ليتضح لنا هذا. أرائك للنوم ، أفرشة ، قاطعة أوراق، فرشاة أسنان ، جرس كهربائي ،مرآة  ، تحفة برونزية ، مدفأة لنتصور أن مدفأة في الجحيم ، أنها هنا لاتحيلنا إلى مفارقة أو سخرية ، بل تحاول أن تعيدنا إلى الواقع اليومي . لكن لهذه الأشياء وظيفتها التي تعزز العزلة .

  الأضفاءة لاتطفئ مطلقاً مما يسبب ألماً للشخصيات .

الفرشاة الواحدة عن قصد، تستعمل من قبل الثلاثة وهذا يخلق اشمئزازا مريعاً . جرس كهربائي ، يتوقف عمله في الأزمات التي يكون فيها الجرس الوسيلة الوحيدة لطلب النجدة أو المساعدة وعندما يغلق الباب، باب الحجرة. أن أثاث الغرفة وطرازه يخلق عزلة تامة ، فالأثاث يعود زمنه إلى فترة الإمبراطور الثاني لويس فيلب .

    وثبات طراز الأثاث مع عدم إطفاء الإضاءة واستحالة النوم رغم النعاس كل هذا يسهم أسهاما فعالاً في خلق الجو النفسي العام . جو العزلة والانفصال .

جارسان : لن ينام أحد

الخادم : أن الأمر كذلك

جارسان : تماماً كما توقعت

فالزمن ، زمن يقظة على ما فيه من نعاس ، و (هناك) تعني الحياة بلا انقطاع .

ولهذا فأن عيونهم خالية من الجفون أو الرموش .                                       

ولكي يزيد سارتر عذاب الشخصيات وانقطاعها ولكي يصعد من حدة الصراع يعمد المؤلف إلى إقامة صلة بين ( هناك ) حيث الجحيم - مكان النص - مع الـ (هنا ) الحياة الحاضرة ، فالشخصيات تتبين مايحدث لاصدقاءهم وأهلهم في حياتهم ، وهذا يزيد عذابهم ، إنهم يتبينوه فقط وبسرعة أنهم سكان الـ( هناك ) الثلاثة ينظرون إلى سكان الـ( هنا ) غير أن القدرة على التمييز صعبة ، لان الأشياء تجري بسرعة شديدة على الأرض ، وهنا يكون الزمن سبباً للألم والعذاب وليس بنية صراع أو محتوى فقط ، إن النهار والليل يجريان بسرعة رهيبة مما يصعب عليهم أن يتحققوا من الشخصيات ومن الأحداث والوقائع على الأرض التي فارقوها بحكم الموت .

   استيل : الأمر هكذا . أن أولجا تخلع فستانها ، لابد أن الوقت قد جاوز منتصف الليل . كم يمر الوقت سريعاً ، على الأرض !

     وفي موقع أخر تنظر استيل من جحيمها لترى عشيقها وهو يرقص مع غريمتها .

استيل : .. انظري، أنها تمسح صدرها الكبير الضخم فيه ، وهي تنفخ في وجهه.  إلا تستطيع أن تدرك سخفها ؟ لماذا لا تضحك ؟

أوه ، أكان يكفي أن انظر إليهما ، فتبتعد . لم يبق شئ منك على الأرض ....

استيل : ... أنه يطوح ويدور بها ويدور .. الأخر يدعو للجنون ..

وكما أن استيل ترى ما يجري على الأرض كذلك يتحقق نفس الشئ لـ( انيز ) و ( جارسان ) وكل مايرونه يحقق لهم عذاباً وألما كبيراً. ولهذا هم يجأرون من الشكوى ، فهم يتمنون العودة إلى  الأرض ولو للحظة واحدة.

استيل : .. لكم أود أن اذهب للأرض للحظة واحدة وان ارقص معه ثانية .

ومثل هذه الرغبة ، يرغب جارسان أن يعود للأرض أيضاً .

جارسان : ... آه لو استطع أن أكون بينهم مرة ثانية ليوم واحد فحسب . لكن الأبواب مغلقة , موصدة , إذ لاعودة للأرض . أن ما يقع في (الـ هنا ) يعزز مأساوية زمن الشخصيات في (الـ هناك)ويجعل مأساويتها أعمق وأشمل , فزمن الأرض يدير ويحرك زمن الجحيم وهو الذي يدير علاقات الشخصيات التي تخضع لقدرية واضحة لا فرار منها .

جارسان : .. أن كل شيء قد أعد وفكر فيه من قبل .

فالجحيم قضية مرتبة سابقاً ، ودون أن يعزز هذا التدبير له , يكتفي سارتر بالإشارة فقط لكي يعزز من الإيهام بالواقع وهذا الذي يريد أن يصل إليه المؤلف .

  في النص - جلسة سرية - تتحقق ثلاثة أزمنة تنجز تواجدها باتجاهات ثلاثة تنصب في أناء واحد .

الأول : هو زمن الشخصيات في الجحيم وهو لايتجاوز الـ ستة أشهر .

الثالث : زمن حياتهم على الأرض, وذكرياتهم عنها وهو زمن عمر كل شخصية .

هذه الأزمنة تجتمع في وحدة واحد وهو ما نسميه في المسرح بـ (وحدة الزمان) وهو (24) أربع وعشرون ساعة وهو الزمن الذي نادت الكلاسيكية الحديثة والذي يتطابق مع وحدة المكان (الحجرة) التي تجتمع فيها الشخصيات لتحقق فعلها الكبير في الوجود .

وهذه الأزمنة هي التي تشكل منها النص المسرحي .

   أن من أساسيات الصفة المسرحية لسارتر هي في بثه لتوصيفات زمنية في داخل النص , إذ يشيع المؤلف بين قوسين كلمات في النص مثل ( صمت ) و ( سكوت ) و ( فترة ). وهذا يحدث بديلاً مادياً للكلام مما يزيد في الترقب وتوتير الحدث المسرحي وهذا ما فاتني ذكره في مسرحيته السابقة ( الذباب ) إذ يلجأ إلى نفس الطريقة التي يلجأ إليها في هذا النص ( جلسة سرية )، وبث هذه التوصيفات هي عمل من أعمال صناعة النص ومن حرفية التأليف. أن المؤلف يرسخ ويعمق من وجود الشخصية من خلال عزلها الإرادي عن الآخرين . فالأخر هو العذاب وهو الجحيم وبه تلغى حرية الفرد ومن دونه تعتبر حريته ناقصة وهذه هي المأساة ولهذا صرخ .

جارسان : ..  الجحيم - هم الآخرون .

وهذا هو معنى (جلسة سرية) التي تلخص أهدافها في ( الجحيم ).

3- مسرحية موتى بلا قبور :

يحدد سارتر مأساوية هذا النص منذ البداية ، فعنوان المسرحية يتضمن كلمتين تدلل على المأساة , موتى وقبور, الموت وحدة مأساة والقبر دليل محسوس على أن مأساة قد وقعت لأحد الناس على الأقل, لكن سارتر لا يضع المأساة في هاتين الكلمتين، انه يتجاوز بها إلى معنى أبعد في ( لا ) النافية ليرسخ حجم المأساة عندما يكون الموتى ( بلا ) قبور. الموت هو أقامة الحد عن عمد أو غير عمد للحياة أي للزمن. والقبر هو علاقة مادية معرفة لفناء وموت شخص - انقضاء أجله ، أي زمنه والمأساة التي تحدد - المسرحية تكمن في أن ليس للموتى قبور, والموتى شهداء من اجل الوطن , والنظر إلى زمن الشهيد عند كل الأمم ليس كالنظر إلى زمن الموتى العاديين. أن الزمن الأول يستدعي توتراً أشد ومأساة أعمق وبطولة استثنائية .

   يضع سارتر محتوى مسرحيته في قسمين، القسم الأول زنزانة الأبطال والمناضلين الفرنسيين وهؤلاء يتميزون بزمن بطولي لأنه زمن استشهاد - القسم الثاني - مكتب تحقيقات للجيش النازي ، وزمنه متهالك , متعفن والصراع الدرامي يقوم بين الزمن الأول بشخوصه ومواصفاته الأخلاقية السامية وبين الزمن الثاني وشخوصه ومواصفاته اللاأخلاقية , ويحدث الاحتكاك ثم التداخل بين هذين الزمنين ليعلن النص في النهاية عن سيطرة الزمن الثاني زمن النازية .. ولكن مع انتصار الزمن الأول - زمن المناضلين من رجال المقاومة الفرنسيين -  الأول مسيطر بالقوة لكنه يخسر الحياة لسقوطه الأخلاقي والثاني ينتصر - رغم فناء من يمثله - ليعلن عن انتصار ارداة الشعوب .

   ماذا فعل سارتر مع بنية النص وزمنه ؟ يتغلب الزمن من طرفي الصراع فهي لا تعرفه بمعنى أن الزمن في حساباته العادية أمر لا تعرفه الشخصيات جميعاً .

هنري : كم هي الساعة ؟

كانوري : الساعة الثالثة

لوسي : الساعة الخامسة

سوريه : الساعة السادسة

كانوري : أننا لا ندري

ثم يدفع المؤلف كي يعزز هذا الضياع بالموقف إلى أقصاه

هنري : .. نحن منسيون من الدنيا بأ جمعها .

وهذا يؤكد ليس ضياعهم وتشتتهم بل عزلة وجودهم في الحياة ولكي يسحق سارتر شخصياته ويدمي وجودها المأساوي فأنه يعين لهذا النسيان - الذي هو الموت من وجهة نظر الآخرين - معنى وجودياً شاملاً وعميقاً .

هنري : لا يستطيع الإنسان أن يموت كالفأر من اجل لاشيء .

واللاشيء تعني أن الموت يشكل معنى الهزيمة أولاً وأخيراً. أنه العدم المحض، لكن ماذا يعني اللاشيء انه انعدام الهدف. فرنوا : ..أن كل شيء على غاية من القسوة : أنني لااستطيع أن انظر إلى وجوهكم فهي تخيفني .

لوسي : .... أجل كل شيء على غاية من القسوة .. بت لا أطيق ...

والشخصيات تتصارع بين حدين زمنيين وجوديين بين شيء لا يمكن احتماله لقسوته وبين لا شيء يتحقق فيه الموت لا يؤكد قضية ميتافيزيقية ولكنه لا يلغيها أيضاً . أنه يؤكد عبث الحياة وعدم معنى الوجود الإنساني . يقع هذا في جهة ومكان رجال المقاومة الفرنسيين . أما على جهة الألمان ، فالزمن يتشابه مع زمن الفرنسيين لكن ليس لنفس الأسباب - فالجلاد لا يشبه الضحية عموما - السبب هنا هو التوتر النفسي الشديد والضياع في الشغل والانهماك في حفلات التعذيب التي يقيمونها ، وهذا يدفع إلى إفلات الزمن حتى في ابسط إشكاله الوقت أو اليوم .

لا ندريو : ( متنهداً ) حقاً أن اليوم أحد ...

بلوران : يوم الأحد كنت أخذ سيارتي فألتقط غانيه من "منماركر"  ...

فـ( لاندريو ) يتذكر أن اليوم أحد يفعل دافع خارجي هو أن جهاز المذياع أعلن أن اليوم أحد ، ولكن يعطينا سارتر حجم سقوط النازيين - بجعل يوم الأحد - والذي هو يوم لتذكر الكنيسة على الأقل ، يجعله في ذكرى النازي يوم لالتقاط الغانيات، أن ذكرياتهم التي هي زمن استرجاعي، ذكريات تتحلل من معناها الأخلاقي كذلك، أن انهيارهم الأخلاقي وهم على أرض فرنسا المحتلة يتقدمه انهيار أخلاقي سابق . اللا جدوى هناك فعل وجود أخلاقي متسام, والذكرى هنا فعل سقوط وانحلال . غير إنهما ينتجان عن نفس الزمن ، لكن الأسباب تختلف بين الحالتين. إن الاختلاف بين الزمنين يضع العزلة ، عزلة الفرد مع ذاته وعزلة مع الآخرين .

لوسي : إنني أكرهكم جميعاً .

جان : إنكم لتثيرون ذعري .

والعزلة تعني في ما تعنيه جمود الزمن في لحظة معينة وعلى مستوى الفرد أو في علاقته مع الآخرين ، هذه العزلة تخلق توتراً روحياً يعكس قوة الصراع لينتج فعلاً تطهيراً يشبه الاعتراف في الديانة المسيحية , عندما يقف المذنب ليعترف بذنبه أمام رجل الدين، لكن الاعتراف هنا يحدث في أن يقف الفرد أمام ذاته ، أو أمام ذات الآخرين الذين يحمل لهم هذه الكراهية .

   في هذا النص يعلن الصراع عن زمن خطي أفقي حيث تطرح المضامين الوجودية في شكل أو بنية صراعية تقليدية تتضمن بداية ونهاية  +ـــــــــــــــــــــــــ+ــــــــــــــــــــــ+

وعبر خطين لا يلتقيان مطلقاً حتى في الإعلان عن نهاية النص .

 

  

                                                الفصل الرابع

 

نتائج البحث ومناقشاتها :-

من خلال دراسة الفلسفة الوجودية أو النصوص المسرحية في الإطار النظري وإجراءات البحث تبين للباحث : أن الموضوعات الأساسية التي يركز عليها الفيلسوف الوجودي ويلح في تناولها وتكرارها هي موضوعات تقوم على أساس الصراع المأساوي للفرد مع ذاته ومع الآخرين، وهذا الصراع يتخذ طابعاً تأملياً عميقاً تندرج فيه قيم الألم .والموت ، القلق العزلة والخطيئة , ومثل هذه القيم لا يمكن إلا تعطي للصراع طابعاً مأساوياً مريراً , ففي مسرحية الذباب تعلن الشخصيات عن ندمها لأنها سكتت عن جريمة قتل ( أجاممنون ), الكل يأكله الندم ، والندم فعل مأساوي سلبي لأنه يختزن الخطيئة في كيان النادم ولأنه يقر بأن ( الكل ) لا يستطيع أن يفعل شيئاً تجاه ما يحيطه من عبودية وقتل . لكن ما يمحو هذا الندم هو القتل وهذه دماء تقع مرة أخرى - عندما يعمدا ورست لقتل الملك ( ايجست ) ويذهب بالقصاص بعيداً حيث يقتل أمه ( كليتمسترا) والقتل يخلق مأساة للبعض وللكثير فهو خطيئة وجودية لا تغتفر فكل قتل يستدعي قتلاً أخر وهكذا هي دوامة مسرحية الذباب . أما بالنسبة للمأساة في نص مسرحية ( جلسة سرية ) فأنها تتخذ وضعاً أخر هو في عزلة شخصيات النص جميعها ، فالكل يعاني من العزلة رغم وجود الأخر ، بل أن الأخر هو سبب العزلة إذ لا يتم الاتصال الإنساني، فكل شخصية تنوء بالشخصية الأخرى , فكل له عالمه الذي يعيش فيه والذي ينقطع بدوره عن عالم الأخر الذي يقلق وجود الفرد وهو يعيش بين الآخرين، فالعزلة عذاب مستديم ولكن لا مفر منه فالجحيم هم الآخرون و وهكذا يرفع سارتر المعنى المتعارف عليه للجحيم باعتباره تعذيباً مادياً ليمنحه سمة أخرى، سمة عذاب الروح القلقة من وجود الأخر, مهما كان وجوده , وفي مسرحية ( موتى بلا قبور ) يحدث الموت بفعل القتل عن عمد نتيجة لتصارع قوتين تختلف الأولى عن الثانية اختلافاً تاماً ، فقوة الخير المتمثلة برجال المقاومة الفرنسيين يلحقها الأذى الشديد والقتل المروع لأنها لا تريد أن ترتكب خطيئة الخيانة ، الخيانة للوطن التي تساوي خطيئة الوجود الإنساني للفرد الفرنسي عندما يقر بالاحتلال  الغازي لأرضه, ومستوى الصراع هنا يعلن عن دمويته ومأساويته التامة . ولكي يكثف سارتر معنى المأساة فأنه يجري الحدث كله في (24) ساعة فقط انه يضغط الزمن لكي يمنحه قيمة مأساوية اشد ، فالزمن ضيق ومتوتر لا يسمح بالامتداد خارج ما يحدث في يوم واحد وهذا ما نجده في مسرحية الذباب وجلسة سرية وموتى بلا قبور, فالزمن فيها لا يعدو ساعات معدودة وهذا ما فعلته الكلاسيكية الحديثة ونادت به إلا أن سارتر يمنحه قيمة أخرى هي قيمة الوجود الإنساني للفرد في صراعه الدائم مع نفسه ومع الآخرين, صراعاً ذاتياً ينأى عن قيمة الموضوعية, والمكان يعكس هذا الضائقة لأنه هو الأخر محصور بالزمن وهو يحاصر الشخصيات أيضا , المكان المخرب , كما هو في مدينة ارغوس في مسرحية الذباب والحجرة الضيقة كما هو في جلسة سرية والمكان المحتل من قبل الغزاة كما هو في موتى بلا قبور, والخراب والضيق والاحتلال تولد زمنا مأساويا مؤلماً .

أن البنية الزمنية عند سارتر بنية كيانية تعبر عن نفسها عن طريق خطوط أفقية تستمر من البداية إلى النهاية دون التواء لان الماضي لابد له أن يصل إلى مستقبل هو نهاية النص سواء كان هذا المستقبل مجبرا على العودة إلى الماضي أو ليجد له منفذاً أخراً , فالزمن يجري أفقيا مهما كانت الصعاب والألم , فهو لا يقف إلا في وقوع النهاية المأساوية .

 

خلاصة النتائج : -

1-يتركز الطابع المأساوي بمعناه الخاص - المعنى الوجودي - فيما كتبه جان بول سارتر من نصوص مسرحية .

2- تندرج قيماً ومفاهيماً عديدة ضمن الزمن المأساوي للنص السارتري مثل القلق والموت والندم .

3- يعتبر صراع النص عن بينه وبين الآخرين .

4- يجري خطي الفعل والزمن هنا أفقيا , (تراتب خطي ) .

5- يحافظ جول بول سارتر على وحدة الزمان في نصوصه المسرحية .

 

الاستنتاجات :

أ- يتطابق الزمن المسرحي مع الزمن الفلسفي عند جان بول سارتر وهذا ما يؤكد الفرضية .

ب- يتميز سارتر عن بقية زملاءه في البحث عن زمن خاص للفرد وهو ينشد حريته .

 

2-التوصيات:

يوصي الباحث بما يلي :

أ- أن يستوعب المخرجين المسرحيين مميزات الزمن عند سارتر مما يعينهم على بناء العرض المسرحي .

ب- على الممثل المسرحي أن يستوعب مفهوم الزمن عبر تقنياته الخاصة باعتبار أن معطياتها تخلق ديناميكية خاصة له .

ج- أن نصوص سارتر لا تنطبق وواقعنا الحضاري لذا يتوجب الحذر في تقديم هذه النصوص .

 

المقترحات :

نظر المفهوم الزمن المسرحي في النص الدرامي عند سارتر ولما له من انعكاس مباشر على صيغة العرض المسرحي يقترح الباحث القيام بالدراسات التالية :

أ- العلاقة بين الزمن المسرحي ومكانه عند الوجوديين .

ب- العلاقة بين الزمن والإيقاع .

 

 

                                                   المصادر

  

1- أرسطو طاليس , فن الشعر, ترجمة عبد الرحمن بدوي, دار الثقافة ,بيروت :1973.

2- بيكون, غايتان، أفاق الفكر المعاصر, ترجمة لجنة من أساتذة وجامعيين, منشورات عويدات, بيروت : 1965 .

3- دوفينو، جان ، سوسيولجية المسرح ، ترجمة حافظ الجمالي ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق : 1976 .

4- زوندي، بيتر، نظرية الدراما الحديثة، ترجمة د. احمد حيدر، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق : 1977 .

5-  زيادة ، معن ، الموسوعة الفلسفية العربية ، المجلد الثاني ، ط1 ، معهد الإنماء العربي 1980 .

6- سارتر، جان بول ، جلسة سرية ، ترجمة مجاهد عبد المنعم ، دار النشر المصرية ، القاهرة : بلا تاريخ .

7---------- ، --------- ، الذباب ، ترجمة حسين مكي ، دار مكتبة الحياة ، بيروت : بلا تاريخ .

8--------- ، ---------- ، موتى بلا قبور، ترجمة د. سهيل إدريس ، دار الآداب ، بيروت : 1956 .

9----------- ، ---------------- ، الوجود والعدم، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الآداب ، بيروت : 1966 .

10- شاهين ، سمير الحاج ، لحظة الأبدية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت : 1980 .

11- فرحان ، محمد جلوب ، بيئة الفكر الفلسفي الحديث ، منشورات مكتبة بسام ، الموصل : بلا تاريخ .

12- للكتاب. القاهرة : 1981 كرانستون ، موريس، سارتر بين الفلسفة والأدب ، ترجمة مجاهد عبد المنعم ، الهيئة المصرية العامة .

13- كريفيثنر، أي : فيلبس ، الفلسفة والأدب ، ابتسام عباس ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد : 1989 .

14- لوتمان ، يوري، مدخل إلى سيميائية الفلم ، تر نبيل الدبس ، النادي السينمائي ، دمشق : 1989

15- لوكاش، جورج ، الرواية التاريخية ، ترجمة صالح جواد الكاظم ، وزارة الثقافة والفنون، بغداد : 1978 .

16- ماكوري ، جون ، الوجودية ، ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام ، عالم المعرفة ، الكويت : 1982 .

17- مونتاغيو ، إلى ، البدائية ، ترجمة د. محمد عصفور ، عالم المعرفة ، الكويت : 1982 .

18- المهدي، شفيق، الإيقاع في المسرح، مجلة أفاق عربية، العدد تسعة، السنة الثالثة عشرة ، بغداد : 1988 .

19- ميرهوف ، هانز ، الزمن في الأدب ، ترجمة د. اسعد رزوق ، مؤسسة سجل العرب ، القاهرة : 1972 .

 

                                                    الهامش

  

لم نذكر من الأسماء إلا ما قرأنا عنها ولها ولم نستشهد بنصوص تقع بين الفلسفة والأدب إلا ما قد قرأناها حقاً ، لكننا لم نناقش هذه الأسماء أو الكتب تحرزاً من أن يأخذ البحث وجهة أخرى في الإطالة والتوسع ، مما لايجد الباحث موجباً لها .

 

 

                    نشر هذا البحث في مجلة الأكاديمي   /   مجلة متخصصة في الفنون

 

                                 العدد 17 / المجلد الخامس / السنة الخامسة

                                                        1997

                           رقم الإيداع في المكتبة الوطنية ببغداد 2338 لسنة 1981

د. شفيق المهدي


التعليقات




5000