..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


إبراهيم الخياط في ( جمهورية البرتقال )

سعد ابراهيم الجبوري

صراع بين أحلام القصائد ، وحقائق أرض المصائب

دراسة نقدية بقلم

تحت وطأة سياط الوجع المُبكّر ، وأنين سنوات عجاف تلتها ، يكشف إبراهيم الخياط في مجموعته الشعرية ( جمهورية البرتقال ) ، عن جراح نكأتها مباضع الزمن ، لتعلن عن ذاكرة مصابة بالرّهاب !! .

أيكون ذلك قدر المبدعين ، في عالم يُلهمه ُ المبدعون ، ويمنحونه المبرر لأن يُعاش ، فيما يتلذذ هو بجَلْدهم ، ويطرب لسماع حشرجة أنفاسهم المتقطعة !؟ .

إنه الصراع المر الدائم بين سادية الظروف ، وماسوشية المبدعين ونرجسيتهم أحياناً ، هو   صراع البصر في مواجهة البصيرة المتلذذّة بالكشف والتجلي بحثاً عن  الحقيقة ، وإن كان الثمن مرارة الفشل ، بحثاً عنها ! .

إن قراءة متأنية لديوان إبراهيم الخياط ستعلن عن شاعر ينتمي الى جيل المجددين المتمردين ، مع خصوصية تميّزه عن أقرانه ومجايليه ، الذين يستهويهم التمرد على جاهزية الأساليب ، لإرضاء رغباتهم النفسية أو لفت الأنظار إليهم ، دون إبداع  بديل يستحق التبنّي ! .

الأسلوب واللغة

طغت على قصائد الديوان لغة إستعارية مشبوبة ، تكتنفها التشبيهات والترميزات ، التي تبدو مبالغ فيها أحياناً ، أو محشورة عنوة ، رغم أن الشاعر متمكن من اللغة ، ما يمنحه القدرة على إختيار البديل الأنسب ، ليتجنب ما وضع نفسه فيه من إبتعاد عن جزالة بعض التراكيب ووضوح صورها ومعانيها . إن هذا الأسلوب يذكرنا بطابع الغموض الذي كان بدأه محمود حسن إسماعيل ، عبر إكثاره من التضبيب في قصائده .

لنقرأ هذا النص من قصيدة ( على حائط حنا السكران ) صفحة 136:

(( وحين خلعت صليب الحرمان

صار هراوتين

وإختطتا خرائط من إزرقاقٍ أسود

على حائط مشكاك ،

وأطفأتا الكهرب

في حبات قصائدك ،

و - غبحرب -

صارتا عكازتين

وترفعان - على خفر -

ما رثّ من زين إعتدادك

يا تمام العوق

فأدر على مهدومك

- أي على مهدومك أنت -

ما شئت من أحاجيك

الخبيئة عند لات الصحاح

ذلك لتشفى !

وتحتسي البطولة

لو نسأ المستريبون )) .

لعل حالات الذهول التي نعيشها في حياتنا اليومية ، والمعطيات الفكرية للمجتمع ، وروح العصر ، والظروف الموضوعية عامة ، لم تترك للشاعر فرصة الرد أو التفكير بتحديد موقف إيجابي أحياناً ، وذلك ما يجعل الحزن يتراكم في أعماق المبدعين ، ليتفجّر لاحقاً مع رواسب أخرى ، بشكل إحتجاج تعبيري ، تشكيلي أو موسيقي أو أدبي ، ليكون التمرد ، جزءاً من آلية  البحث عن الذات ، أو جلدها! ، وفي ذات الوقت ، ستعبر عن حجم المتراكم بطريقة يلتبس فيها الواقع بالخيال ، والوهم بالحقيقة ! .

 أما عن توصيف الناقد فاضل ثامر للغة إبراهيم الخياط بكونها تراثية ، مشبهاً إياها بلغة الجواهري ( في نصاعتها وإشراقها ) ، وقبل ذلك مقارنته بالسياب وسعدي يوسف ، فأنا لا أرى ذلك ، بل أجد أن عمق المشاعر التي تختزنها العديد من مقاطع القصائد ، وجدة التناول مع وفرة الصور التي تبعث بها  رسائله إلينا ، واللمسات الذكية ، والإستعارات والتشبيهات الحاذقة ، كل أولئك هو ما يمنح شعر الخياط نكهته ، وشهادة مروره إلى شاعرية الكبار ، وليس تكلفه في إستخدام وحشي الكلام أو المفردات القاموسية . لنقرأ المقطع الآتي :

((  طفل المزاهر.. هل تذكر ؟                    

نامت سنون اللثغات على كتفين منك غضتين طوال عشرٍ هُن َّ إستواء الجذر المطلق وإيصاء أب ٍطمّاح يستنشقك ويكتم على زفيره لئلا تتسرّب من خلله ، وتخضر - أنت الذي تخضر - من لثمات أم حنون ندية تطري عودك الذي شف ّ كورق البنفسج ، ومن الحجرين الدريّين هذين تلاقفتك عصي ّ معلمين غلاظ لم تبرح مصافهم إلا ّ وأنت ترفل بوشاح القوادم  - فارس الصف -  وعلى أنامل منك رسم التهجّي والحروف القمرية وخطوط من عصا الرمان .. تحلم ويلفّك حلم : ياهيه ، ترى أي لون يليق بغدك الشاسع ؟ طفل المسامر .. هل تنسى ؟  )) .

ألم تر إنها لغة شفيفة جميلة ، إستطاعت الإيغال بعفوية ورقة باذخة الى عوالم الطفولة المبكرة ، وتوفيق يُغبط عليه الشاعر في نقل القارئ معه ، بهدوء وسلام يشبه الحلم ، ليجوب تلك الذكريات ، بل يكاد يشاركه فيها  . حسن ، هذا المقطع وحده يكفي ليشهد بإمتلاك إبراهيم الخياط حسّاً شفيفاً ، ورقة عواطف لن توحشها قسوة التجارب ومرارة الغربة داخل النفس والوطن ، وإنكسارات الطريق الوعرة التي أُرغم على ركوبها ! .

جذور الحداثة

إن لغة الشعر العربي مرت بمراحل تطورية واضحة منذ بداية القرن العشرين الى سبعينياته ، من الكلاسيكية الجديدة الملتزمة بالعمود الشعري ، الى الرومانسية ، ممثلة بمدرسة الديوان وأبولو ، إذ عُدّ الشابي والأخطل الصغير وشعراء المهجر بصفة عامة ، من أبرز ممثليها ، فضلاً عن إبراهيم ناجي وعلي محمود طه ، فقد عبرت قصائدهم بصدق عن مرحلة مخاض عسير ، إنحصرت ما بين الحربين العالميتين ، مجسدة حالة الضياع والإنكسار والبحث عن الذات بالنسبة للمجتمع العربي ، وزاد أثر ذلك عمقاً لدى المبدعين من فنانين وأدباء ، ليستمرئوا الهروب من مواجهة الواقع  ، الى عالم المثل والخيال الرومانسي ، الاّ أن ذلك الواقع وتلك المشاعر المحبطة ، بدأت تنحسر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، إذ إنفتح المجتمع على تيارات فكرية وثقافية متعددة ، فبرزت ظاهرة المجددين في الشعر العربي ، وفي كافة مجالات الحياة ، ومنها الآداب والفنون والعمارة ، بل وحتى السياسة ، وكان أبرز رواد تلك المرحلة في مجال الشعر ، السياب ونازك الملائكة والبياتي ، ثم بلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد  وسعدي يوسف ولميعة عباس عمارة ، وهي أسماء عراقية ، تقابلها أسماء عربية معروفة أخرى . وخلال الفترة بين أربعينيات القرن الماضي وسبعينياته ، نشطت أساليب التجديد المتمردة ، لتنجب مواليد بعضها أثبت أصالته ، إذ ولد ليعيش ويعمّر ، وبعضها الآخر جاء مشوهاً مستقبحاً ،  دافع عنه البعض بوصفه رؤية سابقة لعصرها ، دون القدرة على إثبات مؤهلات تلك الرؤية ، فيما لفظتها السليقة المهذبة ، ذات الرؤية الثاقبة الحصيفة ، وقصائد إبراهيم الخياط ، من تلك المواليد العابقة بروح التجديد الأصيل ، رغم بعض الهنات التي يمكن تجاهلها أو معالجتها في القصائد اللاحقة .

إن إعتماد الشاعر المجدد على توظيف الرموز والأساطير والشخصيات التاريخية التراثية والميثولوجيا الشعبية ، لا يعد غموظاً ، طالما أمكن بيان معانيها في الهوامش ، أو الإستعانة بالمصادر والمراجع لفهمها ، إذ يجب على المثقف أن لا يجهل تراثه .

لقد إستخدم الخياط الكناية والإستعارة والتشبيه التمثيلي والسرد القصصي ، ليخصّب الصورة الشعرية ، على حساب اللغة البلاغية التقليدية ، كما في النص الآتي ص 119 :

                ((  ها هم يقتربون

وأنا معتصم بالشق ِّ

(( كأن الشق َّ مزار إمام ٍ معصوم ))

ألوذ بمنعطف الشّق ِّ

أتحسس ُ مكبس رمان يدوي ٍّ

أسحب مفتاحه مذعوراً ...

........     )) .

إنها كناية وتشبيه موفقين عن إلتصاقه بالحفرة ، أملاً بحمايته من الشظايا ، كما يلوذ اليائسون من بسطاء الناس بالأضرحة ، رجاء حمايتها لهم ! ،

وفي ذات الوقت ، فقد تجنب التسطيح والتبسيط ، بل ودس بعض الصور الفلسفية والفكرية ، مع سعة في الخيال ، حاول خلالها بذكاء البوح بما يريد قوله ، مع إمكانية لتعدد التأويلات من قبل القارئ ، ما يمنحه حرية أكبر لبيان مكنونات نفسه من أسرار ورؤى لا تحتمل الذاكرة غليانها القابل للإنفجار ، وهو أسلوب إبداعي يفصح عن موهبة ، ويدعو القارئ الى المزيد من الإمتاع القرائي الإيجابي ، عبر إشراكه في إلقاح خياله لإنجاب المزيد من التأويلات المثيرة ، وقد تقف خلف هذا الأسلوب معاناة الشاعر من إحباط نتائج الصراع غير السارة بين ما يؤمن به من فكر تقدمي ينتظر الخلاص على يديه لإنتاج عالم أفضل ، وبين واقع ، جاء إنتصاره ليؤكد أن ذلك الأمل لم يكن سوى حلم جميل ، محاصر بكوابيس الواقع المرعبة ! . وعلى مستوى العلاقات الإجتماعية أيضاً ، خصوصاً في سِنّه المبكرة ، فالشباب معروف بطموحه وجموح خياله ، وكثيراً ما يُصدم بمرارة واقع لم يُعد العدة لمواجهة مفاجآته غير السارة ، فيما الكهول أكثر خبرة في تناولهم الإبداعي ، وإن كان أقل غزارة ، فهو أجدر وأكثر دربة  .

        (( ........

نحت به الى سدرة الترف القوراء

فصار يعرف الطبقات

 والمسافة البيِّنة

بين الكم ِّ والكيف

والسواد الشمولي للغراب الليلي ّ

وصار يبكي

بعد الحزن الأربعين 

على رجيف ناياته

حتى

صار يعلم

أن البحر صغير ٌ

وأن السماء َ دون عيونه   )) .

الترميز وهالة الغموض

إن الإكثار غير المبرر من الترميز، أسهم في خلق هالة من الغموض المفتعل ، وذلك من الهِنات التي يجب تجنبها ، فهكذا غموض ناتج عن وحشي الكلام وغريبه ، وإستعمال مفردات قاموسية ، لن يسهم في إنضاج التجربة ، أو الإرتقاء بها ، أو يعبر عن سعة ثقافة الشاعر ، بقدر تعبيره عن حالة من التكلف غير المأنوس ، فليس البيان والبلاغة سوى الوضوح والإيجاز في إطار لغة بسيطة سلسة  .

  إن لدى إبراهيم الخياط من أدوات الموهبة والرؤية الجمالية البكر ، ما كان سيجنبه هذه المؤاخذات ، ففي العديد من قصائده من السمات ما يفعِّل لقاحها لإنضاج ثمارها ، ولو أنه إكتفى بإستخدام قدرته على الإتيان بالصور والأساليب المبتكرة المعبرة ، لشكل ظاهرة شعرية قد تمتد لتكون رؤية ، ربما أشرفت على إعلان ولادة شاعر كبير ، في زمن نفتقد فيه الى الكبار ! .

التجديد في الصور

فمن أمثلة التجديد في الصور ، قوله في مقطع من قصيدة ( هناءة المحابس ) :

(( ...مات الطل الرطيب في لسان الحسين ،

ولم يتبق في المجرة الجافة

سوى قطرات من ماء الشعر وسأكتبك

 ، بها .. )) .

وهنا سسنلمس رهافة الحس ، وحسن إنتقاء المفردة ، وتوظيف للرمز ، كما في ( لسان الحسين ) تمهيداً لإعلان قراره العاشق عبر صورة مكثفة وعميقة .

ومن أمثلة التوفيق في إنتقاء العبارات الرمزية بدلالاتها التاريخية ، لإضفاء لمسة الذكاء على لغة القصيدة ، وإستدعاء ثقافة القارئ لترتوي من كأس إلهام القصيدة الإستعاري قوله في ذات القصيدة :

(( فخاصمتني بجريرة ( دار الندوة )

وأنا العبد المخطط بالسياط التموينية )) .

كذلك قوله :

(( ومن أين لي به

وذاك الجليد الجلمود

قد إستباحه الأخوة

اللدودون )) .

إذ إن إستخدامه للمفارقة في عبارة ( الأخوة اللدودون ) ، ستوقف القارئ ، وتشركه في رسم الصورة ، عبر تأمله الكيفية التي يمكن من خلالها أن تكون العلاقة الأخوية  ( لدودة ) ؟! . حقاً إنها من قبيل دعوات الشعراء ليكون قراؤهم أذكياء ليفهموا عمق رسالة الشاعر ، وجمال صوره ، ثم ليستمتعوا بقراءتها ، حزناً أو سعادة ! .

ومن مقاطعه المثيرة أيضا :

(( فلو صدق غاليلو وأمست

الأرض كروية ...... )) .

و :

(( .... صار العمر عانساً .... )) .

وهناك العديد من الصور المبتكرة المبثوثة في قصائد الديوان .

السردية القصصية

في الوقت الذي نلمس بعض الإنتقالات المفاجئة هنا وهناك في قصائد إبراهيم الخياط ، إلاّ أن الإسترسال في السردية القصصية ، المكتنزة بالصورالجميلة ، سنلمسه في أكثر من موضع  ، كما جاء في قصيدة ( أفلاطونيا ) ص 112 ، إذ يقول فيها :

(( إليك الأقحوان أردية ً

وريشاً إليك مجسات الوريد

 وهذي مجرة اللوز لك أرجوحة

هُزّيها

بنسائم النسرين الغنج

أو بميس أساور الياسمين

فتنساب رهواً

فتنة عاشقات الأحياء الوطيئة

وتميد كواكب الأسرار التي نهوى

وترن ّ ترن ّ ترن ّ

ترن ّ خلاخل الخيلاء

فتصير أفياؤك المديدة

للأرجوان مروجاً

وللشآبيب العبوقة بيارات

وللحور مراقياً

أو دوحةً للجمان

والفراقد المنثورة ..

... )) .

إنها نموذج للإنثيال الصوري بدفق ذي طابع رومانسي شفيفٍ وشَجي  ، رغم بعض المفردات المنتقات بتكلف وإستعراض لغوي ، أضعف من قوة الصورة وعذريتها .

الإنتماء المأزوم

إن فاحص النص سيلمس في العديد من قصائد الخياط ، نفحات تؤشّر الى إنتماءٍ مأزومٍ ، وذلك شأن معظم المبدعين، كما يؤكد ( ستيفن سبنسر ) ؛ فهم طالما يبدون ملتزمين ولا ملتزمين في آن واحد ، ولعلّ هذه الظاهرة تؤشّر الى معاناتهم من ظروف تحاول قهرهم عبر تبني أفكار ورؤى جاهزة ، ما يدفع العديد منهم الى العزلة المبدعة والتأمُّل ، ما يمكِّن المبدع من تعرية الواقع ، ويلهمه آليات التصدي له ، بل الصراخ في وجهه بكلمة (( لا )) ! .

لقد زخرت العديد من قصائد الديوان بالعبارات المستحدثة المؤشّراتية ، والإقتباسات الإستعارية ، ومن أمثلة ذلك ، النماذج الآتية من قصيدة ( تفعيلة الخذلان ) ص 142 :

(( تحلم ب هل أتى على الإنسان حين .. )) ، وهي مقتبسة من الآية القرآنية : (( هل أتى على الإنسان حين من الدهر ........)) . و : (( يا عاشقاً تناهبته الغيرة الطبقية  )) . و: (( قلبي على قلبي ينوح )) . وفي صفحة 149 : (( صرت جثة تسعى وتجمعك بوتقة من فخّار أوروك))، فإن الجثة في هذا المقطع تعني الموت ، إلاّ أن الشاعر مؤمن بأن للشعر إمكانية جعل جثة الشاعر تسعى لتلجأ الى حميمية مكان تنتمي إليه ، مثلما ينتمي إليها  ، إنها بوتقة ٌ من فخّار أوروك ، وهي كناية عن التجذّر في الوطن ، وأن الروح لن تنام بسلام ، إلاّ وذلك الصلصال الجنوبي الأصيل ، يحنو عليها كأم ٍّ رؤوم  ! .

ولعل قصيدة ( يا إمرأة الوجع الحلو ) ، معدودة في قصائد الديوان الجميلة المميزة بالعفوية وصدق المشاعر ، وأسمحُ لنفسي إ طلاق صفة العِفِّة عليها ، لعدم تقليدها (تبرُّج ) بقية القصائد للشاعر ذاته ، أو سواه من الشعراء ، فهي نسيج من الوصف الإستعاري الناضج ، صيغ بلغة رقيقة بسيطة ، طوَّعها الشاعر بحذَق في الربط بين حالتين ، الأولى مستلهمة من الموروث الديني ، وتحديداً ما جاء في قصة يو سف ، والأخرى تتشكل من ظروف الشاعر وعواطفه بمرجعياته الوجدانية الراسبة في قعر ذاكرته السحيق . هنا يقدم حوارية لمن يتقن قراءة ما بين السطور ، أو الشفرة التي يلجأ إليها المبدعون عند التصدي للمحضور . إنها صناعة جريئة في ربط الماهيات المختلفة عبر كشف حاذق لما يمكن أن يجعلها مؤتلفة ، إذ نلحظ المقاربة بين قميص يوسف وإغراء إمرأة فرعون ، مقابل صورة إغراء ضفة نهر خريسان أو ديالى له ، والفرق أن يوسف فضّل السجن عن تلبية تلك الغواية ، فيما هو يتمسّك بإغراء نهره الأثير ، جاعلاّ إغراء جمال الطبيعة الحانية ، أكثر قوة وتأثيرمن قوة إغراء الجنس ، إنها مفاضلة تستحق الإعجاب ؛ لجرأة التناول وحسن المقاربة، وجمال الصورة والصياغة  ، وصدق المشاعر وعفويتها ، وفي النهاية ، إكتمال شروط منح هذه القصيدة شهادة إعتراف بالشاعرية والأصالة ، وسأختارمقطعاً من  قصيدة ( يا إمرأة الوجع الحلو )  ؛ كي أشرك القارئ في مسحي النقدي لها ، إيجاباً أو سلباً لايهم ، بقدر أهمية تفعيل المشاركة .

: (( أهبط بين فراتين إثنين

أنزوي في ألق العشب

ثم أحكي للبساتين الصديقة

عن النار والنارنجة والناطور

عن مجمرة خضراء شرق الصدر

عن نهرنا الغض الذي ما شاخ

وعن ((بعقوبة )) إذ ينتابها - بالغفلة -

إثر زفاف المطر الساذج

طقس قزحي

وعنك يا إمرأة الوجع الحلو أحكي ...

وماذا لو حكيت ؟

أفتفقه البساتين سِرّ وضوئي

من نهر المدينة ليلاً ؟

وأني

في البحر الأول من ليلي ذاك بكيت

وفي البحر الثاني كذاك

وفي رابعة الليل

الفضي أتيت

لوحدي

أطلب مسرى أقدام تطأ الماء ، ..... ))

ومن القصائد التي تستوقف القارئ ، قصيدة ( حداء الغرانيق ) ؛ فهي بذات شاعرية القصيدة السابقة ، ولو إحتملت المقالة لأوردتها ؛ لإمتاع القارئ بصورها ورهافة لغتها ، وحميمية موضوعها الذاتي ! .

الوزن والجرس الداخلي للمفردة

يعد العروض الذي ترتبط به القافية وحرف الروي في الشعر العربي ، الأساس في موسيقاه ، فضلاً عن الجرس الداخلي للألفاظ ، وأجد أن إبراهيم الخياط ، مثل معظم المحدثين ، يميل الى تجنب العروض و وطأة موسيقى العمود الشعري ، فيلجأ الى الإيقاع الموسيقي العام .

إن التمكن من النظم على تفعيلات البحور الكبيرة ، يعد لدى العديد من النقاد ، من مقاييس الفحولة الشعرية ، وإن كنت لا أتفق كثيراً مع هذه الرؤية ، لإعتبارات التطور الثقافي والإجتماعي المعاصر ، الذي يقلل من أهمية هذه المقاييس ، ولكن في الوقت ذاته ، ولكوننا غير مقطوعي الجذور ؛ فإن للمقياس المذكور أهمية ما زالت مؤثرة ، وعليه وجب على الناقد أخذ الأمر برؤية علمية مرتبطة بالمرتكزات النقدية المنهجية المعروفة .

إن إبراهيم الخياط ، رغم تمرده على الأوزان ، وإكتفائه بموسيقى المفردة ، إلاّ أنه يقع أسيراً لها في بعض المقاطع ، كما ظهر في قصيدة ( الخذلان ) ، إذ حاول بدءها بتفعيلة بحر المتقارب ( فعولن ) ، إلاّ أنه لم يوفّق في الإستمرار . كما نجده في المقطع الآتي ص 143 يقول :

(( قلبي على قلبي بكى

في غزوةٍ لم يشتكِ

في غزوة ٍ أخرى إشتكى  )) .

والمقطع يعتمد تفعيلة بحر الرجز ( مستفعلن ) . ثم يعود في آخر مقطع من القصيدة الى نفس التفعيلة :

(( قلبي على قلبي هفا

في غزوة لم يرتو

في غزوة ٍ أخرى إكتفى

قلبي على قلبي نعم )) .

نلاحظ أن الشاعر ، مهما حاول التهرب من الإلتزام بالوزن والقافية ، إلاّ أنه يقع أسيراً لجمالية الإيقاع ، فنجده مستدرَجاً الى إقحام مقطع يختلف تماماً عن إيقاع باقي مقاطع القصيدة ، التي لم يضبطها سوي الجرس الداخلي ، وإيقاع الصور والمعاني الحسية ، التي شكلت رسائل للقارئ تمر عبر سُلَّم موسيقى المشاركة في الخيال ، والدعوة الى التلصّص على أفكاره وتجاربه الخاصة .

إن معاينتنا لقصائد المجموعة أشّرت الى إستخدام الشاعر لمعظم تفعيلات البحور الشعرية ، ولكن ، دون التزامها في مقاطع كاملة يمكن أن تجعلنا نضعها في خانة الشعر الحر ، أو شعر التفعيلة ، فقد أثبتنا وجود تفعيلات بحور : الهزج ، الوافر ، الرمل ، الرجز والمتقارب ، وغيرها ، أي أن الشاعرلم يلجأ الى الشعر المنثور صرفاً ، بل ، إستخدم إيقاع التفعيلات غير المنظمة بآلية معينة ، وكأنه ترك لكل تفعيلة فرض نفسها بحسب لحظة الإنفعال الخاصة به أثناء حضور الإلهام ! .

أخيراً ، أجد أن عليّ الإعتراف بحاجة المجموعة الى دراسة أوسع ؛ لتمنح إبراهيم الخياط إستحقاقه كشاعر مجددٍ ومبدع .

سعد ابراهيم الجبوري


التعليقات

الاسم: رند الربيعي
التاريخ: 29/08/2016 13:40:14
قراءة موفقة لشاعر يستحق الوقوف
عند نصوصه البكر




5000