هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نص ( مسّلة العلب )

جمال نوري

عندما وجد الانسان نفسه فجأة امام الطبيعة بكل عذريتها ووحشيتها ورعوتتها ادرك انه ينبغي ان يبحث عن مكان يختبئ فيه ليس خوفا من الوحوش الكاسرة التي كانت تتجول بحرية وانتشاء دون أي اعتبار لوجود كائن جديد هبط ليشاركها حياتها ومن ثم ليضيق الخناق عليها ويحاصرها ويحبسها في سجون حديدية محكمة، بل لخوفه الازلي من سخرية الغرائز وغرابتها اولى الاشياء التي يفكر بها الانسان بعد ان تعلم من الغراب درسه الاول ان يحشر نفسه بين جدران اربعة لا لكي ينقطع عن مهرجان الغابات وشدوها الازلي بل لينكفئ منصرفا لأنثاه ومبتعدا عن الشتاء القارص. لقد بدأت الحرب منذ الوهلة الاولى.. حرب شرسة مستعرة حسمت للانسان في النهاية حرب تواصلت وتطورت آليتها في الغاء الطبيعة وهتك كل ما هو جميل وآسر.. نبش هذا القادم من مكان مجهول في جسد الجبل نابتا ملاذه الخاص بعيدا عن قرقعة السيوف والحراب التي تفشت بين القبائل متخذا أسواره المنيعة متهيأ لحروب جديدة من طراز آخر لم تعد الطبيعة هدفها هذه المرة.. وبدأ يفكر ويتآمر ويخطط في كهوف صغيرة ويمهد لحروب قادمة تحصد قبيلة انحدرت من الجبل لتمكث في الجانب الاخر من النهر باحثة عن حياة جديدة تبدأ مع النهر والغابات المترامية الاطراف. لم يستطع الأقتناع بوجود بشر آخرين يزاحمونه في عيشه ومعركته الازلية مع الاشياء. ثم حفر المخابئ والملاجيء والمواضع الشقية متسللا تحت جنح الظلام ليسطو على نده الانسان وليقفل عائدا حاملا على رؤوس الرماح رؤوسا آدمية استمرت الحروب وتعددت الأسباب. وتعددت اشكال الغرف من حيث متانتها ومقاومتها واصبح جل الوقت ينتهي بين الجدران.. عجيب امر هذا المخلوق والاعجب صلته بالجدران واختبائه المتواصل لسبب او دون سبب. فاذا ما جاء الشتاء اغلق الابواب واحتضن المواقد واذا ما ولى الشتاء قرفص امام مكيفات الهواء هاربا من وجه الشمس التي مزق اواصر الود معها منذ الاف السنين.. والغرف على اشكال متعددة وعلى انماط هندسية مختلفة فمنها المربع ومنها المستطيل وغيرها على شكل هرم فضلا عن غرف صغيرة النوافذ واسعة وغرف اخرى بنوافذ علوية ضيقة لا تسمح بخروج الحرارة والضوء، تمطت الغرف واسترخت تحت البيوت لتصبح سراديب مثالية وموئلا للراحة في القيلولة.. ثم تحولت الغرف الى علبة كونكريتية صلدة، انتشرت على هيئة مستقيمة ثم ارتفعت. اصبحت المدن علبا صغيرة وكبيرة ومتوسطة الحجم وما عاد الانسان قادرا على قياس السنين التي يسلخها وعندما يخرج قاصدا الدائرة يسلك الطريق الى موقف الباص ليلج علبة صغيرة تأخذه الى عمارة مكونة من مئات العلب الصغيرة والكبيرة.. وهناك في الغرف العريضة الفارهة تهيأ مراسيم احتفالية وتهريجية لرجال فقدوا فروات رؤوسهم.. فوق تلك القاعات الفسيحة او تحتها غرف متعددة تختلف في احجامها واشكالها.. فهذه غرفة هندي كهل يعزف على نايه منتظرا رأس الكوبرا التي تلاشت في غيبوبة هلامية.. وفي غرفة اخرى موظفة جميلة تقابل موظفا يرابط على اعتاب الخمسين ترفع ساقيها بين لحظة واخرى لتعجل في قتله مغللة اياه في سورة الذهول التي ستقرب نوبته القلبية الاخيرة.. وفي غرفة اخرى رجل سادي طلقته زوجته امسك بمسدسه وشرع يطلق النار على المارة.. ليس بعيدا عن هذه الغرفة يقطن رجل فقد ذراعية يجتر ذكرياته النازفة وامرأة جميلة لم يدركها الخريف بعد، تنتظر امام مائدة عامرة بالرسائل والمواعيد رجلا لم يخلق الا لاسعادها.. واطفال مسالمون ينظرون بتأسٍ من خلل النوافذ الى مدينة الالعاب والملاهي، وفوق طوابير الغرف او تحتها هنالك ملاجئ كونكريتية رهيبة صممها الانسان لتقيه من عواصف النار، تحتضن الرجال والنساء والاطفال، تمنع عنهم فواجع القذائف وغضب الامطار.. تخفق هي الاخرى في توفير الامان فتحترق وتحرق معها الانسان.. فتخيب امل هذا الهارب من أتون الحرب باحثا عن ملاذ باذخ. الغرف.. الغرف.. الغرف.. العلب.. وهذا الانسان العجائبي الهارب دوما المختبيء دوما في غرفة ضيقة او واسعة مبتعدا عن كل شئ وعن لا شئ.. مسورا نفسه بالحديد والكلام والعويل.. محتفظا باسراره وعواطفه وخلجاته في علب صغيرة يخبئها ايضا في علب اكبر.. وفي النهاية يقتنع رغما عنه بغرفة مستطيلة تحت اكداس التراب.. بمتقع.. يضحك.. يبكي.. يغني.. يكره.. يتقيأ.. يشتم.. يلعن.. يبصق.. يركض.. يقرفص.. يجترح.. احجيات جديدة.. ويهندس الغازا كونية طازجة.. يحفر في جسد الحكمة ويتقيأ قصيدة نثر مخللة بالتوابل الفرنسية.. يهرب داخل القصة والرواية، يتقوقع مثل خنفساء هرمة تحت انقاض الكلمات والمعاني.. يتستر تحت الوجوه والاقنعة ناشدا خلاصة في استكشافات وتجليات الناقد البارع المتجلبب بعباءة البنيوية والتفكيكية والاسطورية حاملا مشرطه الاهيف منقضا على لحمة النص ليضيع في انفاقها ودهاليزها، وغرف فارغة اخرى يضيق ساكنوها باكداس النقود التي لم تعد سببا في سعادتهم ولكن طريقا مغضبا نحو تهشيم الرؤوس الخلوية الحالمة ابدا باحتضار الحصار، مدن اخرى تشبه الغرف تحتضر وتشيخ تعاود النهوض والاستيقاظ في ظهيرة قائضة لتلم شتات جنونها وبعثرتها في صحوة قادمة.. في وسط المدينة او على اطرافها القصية وفي الاحياء المتخمة بالفقر ساكنون ممتقعوا الوجوه مأخوذون بروائح المياه الثقيلة النتنة التي سورت بيوتهم وغرفهم. وزرعت في ابدانهم ادرانا ودمامل وبثورا عجلت في احتضارها.. يطرقون.. يحزنون.. يساومون على غرف بيوتهم، غرفة بعد اخرى، والبدين الحائر ببدانته ينتزع اكداس النقود لقاء (شيش التسليح) وآجر البناء الرخيص.. تضمحل الغرف وتتقلص.. هذا الجانب من المدينة بدأ يزول تدريجيا.. خطر حقيقي يداهم وجود الانسان هنا، والخطر المستفحل قادم من تلك الوجوه المنتفخة ابدا.. اصبحت المدن غرفا متراصة ومتقاطعة ومتعامدة تنوء بثقل الساكنين من تجار وباعة وقوادين وسماسرة وعاهرات وتماثيل خشبية هشة، وروائح نتنة وتوابل واسماك ورسائل متعفنة وقوارير من دمع وسكاكين مختلفة. في الشارع او في الافق،علب ملونة تتحرك بلا هوادة، وعلى جانبي الطريق غرف تغلي. تسور بسورة غضب فاجعة، تنوء باثقالها وقاطنيها الذين ادمنوا النوم والغناء والبكاء والجوع وكتابة الشعر.

 

جمال نوري


التعليقات




5000