..... 
مقداد مسعود 
.
......
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
.
محمد عبد الرضا الربيعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دراسة تحليلية موجزة لإسلوب وأعمال الفنانة العراقية المغترية عالية علي الوهاب

أ د. وليد سعيد البياتي

مقدمة عامة:

منذ البدء كنت قررت أن لا أستعمل مفردة الفن النسوي أو الكتابة النسوية للاشارة الى الاعمال الفنية والادبية للفنانات والاديبات العراقيات وغيرهن، والسبب كنت ذكرته سابقا في أني أرى أن هذا التمييز والتخصيص سيعني أننا سنضطر لان نقول هذا فن رجالي وذاك فني نسائي أو هذا أدب رجالي وذاك غير رجالي وبالتالي نغبن الفن والادب حقهما.

منذ اواخر السبعينات بدأت بالاطلاع على بعض اعمال الفنانة عالية الوهاب مما ينشر في بعض الصحف عنها، كجزء من أهتماماتي العلمية بالفن والادب، ولم تكن تلك المعلومات والاخبار كافية بالنسبة لي لتكوين تصور واقعي وعقلاني عن أعمالها وموهبتها وإتجاهاتها الفنية، كنت أرى انها تقترب من الانطباعية لكنها لا تنغرس فيها، ولعل ذلك كان بسبب سعيها الدؤوب لتشكيل أسلوبها الخاص، ومدرستها المتفردة.

خلال فترة هجرتي اطلعت على الكثير من اعمال الفنانات العراقيات في المهجر، وكنت أقارن بيني وبين نفسي بين هذه الاعمال وغيرها لأكتشف ذلك التميز الذي يكتسبه العمل من خلال الخلفية الذهنية للفنان أو تأثرة بالتاريخ والمحيط والبيئة والواقع الفكري والسياسي. بالتأكيد الكثير من الاعمال لا توحي بأي منظور غير المنظور الفني، إلا أن بعض الفنانات العراقيات إمتزن بكونهن يعكسن الجانب الروحي والنفسي في اعمالهن أكثر مما قد نجده لدى الاخريات ولعل السبب هو تأثرهن بالواقع وبظروف الهجرات وغيرها.

الفنانة القديرة والتشكيلية البارعة عالية علي الوهاب من الفنانات اللواتي يثرن الدهشة لانها تمتلك حساً لونياً عالياً، وقدرة تشكيلية تظهر في جميع اعمالها، وقد وجدت من المناسب ان أضع هذه الدراسة الموجزة عنها لكونها تمثل في تقديري شخصية المرأة العراقية في المهجر بما تحمل من رؤى وأفكار وطروحات غنية وواعية.

حين بدأت بوضع هذه الدراسة وجدت انه من المفيد ان أتوسع في جوانب أخرى منها لتخرج في كتاب خاص عن هذه الفنانة القديرة، وأما هذه الدراسة فستشكل مدخلاً لملامح شخصيتها الفنية والروحية، بما تملك من إتساع في الرؤية الفنية للعمل الذي تقوم به وبما تحمل من هموم قضايا المرأة الشاخصة في أعمالها بشكل مركز.

لم تشمل هذه الدراسة اعمالها التشكيلية الأخرى لاني اردت ان أترك ذلك للكتاب الذي ساضعه عنها، حيث ساقوم بتحليل منهجها وتطور أسلوبها خلال ما يقرب من نصف قرن من العمل الفني المتواصل.

ومن هنا سأتناول في هذه الدراسة قضية المرأة في أعمال الفنانة والتشكيلية القديرة عالية الوهاب لاني رأيت أنها أولت هذا الأمر إهتماما خاصاً فيما يتعلق بجانب الحقوق في الموقف الاجتماعي، وأيضا قضية العنف التي تعاني منها النساء في المجتمعات الشرقية وخاصة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، ولا أنسى مساويء النظرة الناقصة للمرأة ككيان إنساني في المجتمع مما سلبها الكثير من حقوقها القانونية والتشريعية.

أتمنى ان اكون أوفيت حق هذه الفنانة القديرة في هذه الدراسة لما أحمله من موقف فلسفي للاعمال الفنية التي انجزها العديد من الفنانين العراقيين في المهجر، والاستاذة عالية الوهاب تحمل رسالة إنسانية أرادت ان تقدمها للجنس البشري من خلال اللون والشكل وحكمة الموضوع.

جانب من السيرة الذاتية:

كتبت تقول عن نفسها: " أنها ولدت في بغداد عام 1944م لعائلة كريمة يعود نسبها الى أهل البيت عليهم السلام، فهي عالية علي الوهاب من آل الوهاب تلك العائلة الشريفة من السادة ". وبالنسبة لي كمؤرخ وحين بحثي عن أصول هذه العائلة الشريفة، وجدت في تحقيقاتي التاريخية أن هذه العائلة هم من السادة العلوية المتفرعة من قبيلة آل فائز، حيث سكنوا كربلاء منذ منتصف القرن الثالث الهجري كما يقول مؤرخ كربلاء الدكتور سلمان هادي آل طعمة. وقد برز منها العديد من الاعلام من الفقهاء ورجال العلم والفكر والشعراء والادباء والفنانين.

وعادت تقول: "ولدت في عائلة محافظة لم تهتم كثيرا باهاتماماتي الفنية، لان الرسم والفن لم يكن مقبولاً عندهم ولم يعتبر من الفنون النبيلة وهم لم يرحبوا بمواهبي الفنية التي بدأت في سن الخامسة، ثم تذكر ان أول تخطيطاتها كانت في سن السادسة من عمرها ".

وايضا تقول: " في بداية الامر إعتدت ان ارسم ما أتأثر به من مناضر طبيعية إذ لم أكن ارتدت أي اكاديمة فنية حتى سن (18) حين تم ارشادها من قبل الفنان العراقي الكبير الاستاذ إسماعيل الشيخلي، وقد كان معرضها الاول سنة 1968، وفازت بالجائزة الثانية في قبال عدد كبير من الفنانين المحترفين ومن الاسماء الكبيرة ".

في سنة 1979م مستغلة وجودها في بريطانيا لاكمال دراسات الماجستير دخلت معهد ستانهوب في لندن وكما تقول: " فهذه اول دروسها في الفن ".

واما في الجانب الاكاديمي:

1970 بكالوريوس العلوم في العلوم الاقتصادية، جامعة بغداد

1979 ماجستير في الاقتصاد، كلية الملكة ماري، إنجلترا

1980 دراسات في الفن، ستانهوب معهد لندن

2000-2002 دراسات الفن المعاصر في جامعة ألبا، لبنان

التشكيل اللوني:

تتجذر العلاقة بين الشكل واللون في العمل الفني لدى الفنانة عالية في إطار الفهم الكافي لتأثير اللون في الشكل وإنعكاس هذا التأثير على المتلقي، إذ أن الاحساس باللون يظهر في إختيار طبقة أو مرتبة اللون على جداول الخارطة اللونية للعمل، والفنانة عالية تستطيع ان تتحكم في إختيارات الطبقة الونية مما يقدم تأثيرات حسية ونفسية لدى المتلقي، وهي تبدو متأنية ولا تتسرع في إختيار الوانها، وتضعها بالكثير من الحكمة على الرغم من إستعمالها لتقنيات متعددة في العمل الواحد، فهي لا تكتفي بالفرشاة فقط ولكنها تترك لنفسها حرية التفاعل مع العمل الفني بما يتناسب وحاجات كل قطعة بشكل مستقل، على الرغم من أن الأعمال المشتركة ضمن موضوع واحد تنحو منحا متفرداً في العمل التشكيلي الذي تقوم به.

من جانب آخر نلاحظ أن ما يميز الفنان التشكيلي عن الرسام الكلاسيكي، هو قدرة التشكيلي على التعامل مع خامات متعددة لتشكل أرضية اللوحة، اضافة لخوضه في تشكيلة كبيرة من الألوان يختارها للكشف عن معانٍ ومفاهيم محددة يبرزها في عمله ليس لعرض جانباً من مهاراته التقنية ولكن لذلك الاحساس بقيمة اللون وعلاقته بالشكل.

خلال تجربتها الفنية الطويلة والعميقة، أنجزت الفنانة عالية كماً كبيراً من الاعمال التشكيلية التي حاولت من خلالها إستعادة ذاكرة الواقع عبر التدريج اللوني، أو ذلك الايقاع الساحر في التناقض بين الحار والبارد مما يعبر أن ثمة تجربة لونية إستغرقت فكر هذه الفنانة الاصيلة.

كتبت لي تقول: " انها لم تتبع مدرسة فنية بحد ذاتها ولكنها حاولت تأسيس أسلوبها الخاص من خلال التراكم الفني لتجربتها الطويلة ". وفي تقديري ان هذا الامر يعبر عن حماسها الشخصي وقدرتها على الابداع من خلال الاعتماد على منهج يتشكل عبر التجربة اليومية للفنان، وهذا بالتالي سيكرس الرؤية الفنة والمفهايم العامة له في جوانب الشكل واللون والقضايا التي يعاصرها ويعبر عنها.

فهي تدرك تماماً أنها تحمل رسالة خاصة وهي تقف خلف فرشاتها، لتكشف عن تلك الاشراقات اللامتوقعة، بما تملك من حس إنساني، هو مزيج بين المرأة ككيان وبين شخصية الفنان في تعامله مع مفردات العمل اليومي.

حين يكون الموضوع قضية:

تعتبر الفنانة عالية الوهاب العمل الفني قضية موضوعية، تحمل فكراً إنسانياً وبعداً نفسياً وروحياً تسير نحو تحقيق غايات في مصلحة الانسان، وهي تقول لنا أن الفنان يحمل رؤية ورسالة لاستنهاض فكر الامة عبر عمله، فحين تضع مجموعة كبيرة من أعمالها عن قضية المرأة، نراها تكافح لاجل حقوقها.

لا استطيع ان أجزم تماماً بانها ترى نفسها في تلك الأعمال، ولكن من خلال تجربتي كفنان تشكيلي وكباحث ومؤلف، استطيع أن أتفهم هذه العلاقة بين العمل الفني والادبي وبين الفنان أو المؤلف، فكل واحد منا يضع احاسيسه وذاته في هذا العمل أو ذاك وهذا أمر بديهي.

قد تبدو الفنانة عالية وكأنها ترسم بعض مواضيعها وهي تفق أمام المرآة وتنقل لنا تلك الاحاسيس في عملها التشكيلي، ولكني أرى أن الموضوع الذي تقدمه ليس حالة من التماهي بين الذات والعمل بقد ما هو محاولة لاستعادة الصورة التي في المرآة وجعلها تعيش الواقع.

السر يكمن في الاحساس بالعمل والموضوع، فإذا كان هذا العمل الفني سيشكل قضية إنسانية فيجب على الفنان أن يكون مخلصاً في عرضها وهذا ما فعلته التشكيلية عالية بشكل معبر.

ولما كان العنف ضد المرأة قد شكل هاجساً نفسياً وإجتماعياً وروحياً، نرى الفنانة عالية الوهاب تعالج هذا الامر في اعمالها لانها ترفض ان تكون المرأة سلعة، أو أداة لتحقيق النزوات الذكورية، وهي تريد ان تستعيد المرأة مكانتها ككيان أصيل في المجتمع. فالمرأة هي الام والابنة والزوجة والحبيبة والعالمة والانسانة المفكرة والواعية بحقيقتها وكينونتها.

لاشك ان قضية العنف صارت موضوعا عالمياً، فثمة منظمات دولية تعالج هذا الامر في مؤتمراتها وحلقات النقاش، إضافة لمحاولات جادت لوضع تشريعات قانونية تسعى لضمان حفظ حقوق المرأة والطفل.

في تقديري لا تريد التشكلية عالية الوهاب تحويل لوحاتها الى قضية سياسية، بقدر ما تسعى لجعلها صرخة إنسانية عارمة، بوجه الظلم، وهي هنا تستلهم عمل المصلحين الكبار عبر حركة التاريخ في مسعاهم لتحقيق غائية الوجود.

شكل رقم (1)

في هذه اللوحة في الشكل رقم (1) نشاهد مظاهر العنف الذي يمارس ضد المرأة فالهالة السوداء تحت العين علامة واضحة لاستعمال العنف، وهذه اللطخات الداكنة (الكدمات) على الخد وعلى الصدر والأكتاف والذراع إنما هي تعبير عن القسوة والظلم الذي تتعرض له الكثير من النساء في مجتمعات ذكورية، أو بيئات لاتحمل للمرأة تلك القيمة الانسانية. وحتى خصلات الشعر غير المرتبة تحمل جانباً من ملامح العنف غير المبرر. وحين نلاحظ الثوب الممزق والعباءة المنحدرة تحت الكتف ندرك الحالة المأساوية التي عاشتها صاحبة هذه اللوحة. هذا غير الجسد الانثوي بما يحمل من صفات النضج والتكاملن لتقول لنا ان هذا الجسد الذي هو محل العنف هو ذاته محل الحياة والعنفوان، فنحن أمام سيدة قد تكون هي الام أو الحبيبة وهي السيدة العاملة، و الانثى والانسانة. فالملامح هنا ملامح سيدة شرقية ولعلها من بلادنا العربية لما تحمل من سمرة اللون وشكل الوجه وتلك النظرة.

لعل إختفاء الذراعين تحت الرداء محاولة قد تبدو تعبيراً عن العجز وعدم القدرة عن الدفاع عن النفس، غير اني اجد الكثير من العنفوان في نظرتها المتسائلة ربما عن سبب العنف الغير مبرر من الطرف الاخر.

على الرغم من اني لا أمتلك نسخة من هذا العمل إلا انه كما يبدو لي عملا زيتياً، وقد لاحظت كيف إعتمدت الفنانة عالية على تقنية ضربات الفرشاة القصيرة والمتوسطة، مما يعطي الكثير من التباين اللوني والظلال والمساحات التي تبرز تأثيرات اللون والموضوع على السواء. فالضربات القصيرة للفرشاة قد تعكس منظوراً للخشونة، إلا انها هنا جائت لتشكل تحديا لونياً عالياً، والضربات المتوسطة شكلت تلك الليونة الطبيعية التي يمتاز بها الجسد وقد وظفتها بشكل مغاير ومعبر وهي ترسم مساحات الظلال الداكنة التي تشكل آثار العنف الظاهرة على الذراع والكتف.

خلفية اللوحة الداكنة في الجانب الايسر من الجسد تعبر عن الاضطراب والقلق خاصة عندما نلاحظ هذا التداخل اللوني بين الازرق الداكن والبنفسجي الغامق، لكن ثمة أمل او حلم يلوح في الاضاءة التي تشرق كقمر مضطرب من خلال الغيوم، وهذا يحمل فكرة الصمود والقدرة على البقاء في إنتظار التغيير القادم.

هنا عالية الوهاب تشكل صرخة مدوية ضد الاضطهاد التي تعانيه بنات جنسها من جراء مجتمعات تحمل قيما منحطة لا ترتقي بانسانية الإنسان، فالموضوع والقضية في منهج الفنانة عالية يحتل مساحة واسعة وقادرة على كشف الحقيقة في غياهب التعتيم الاعلامي والاجتماعي. وإني كإنسان قبل أن اكون فناناً ومؤرخاً أعتبر هذا العمل الفني قضية تحمل موقفا قانونياً يدعونا إلى إعادة صياغة تشريعاتنا القانونية بما يحترم حقوق المرأة كإنسان صانع لحركة التاريخ. فالرسالة هنا واضحة وجلية لما يدور حولنا من عنف غير مبرر ويخالف العلاقات الحياتية بين الأفراد.

حالات إنسانية:

ولإنها لاتريد ان يتم إختزال المرأة في الجسد، فقد قدمت عدداً من اللأعمال تظهر فيها المرأة بدينة وممتلئة للتأكيد أن الجسد ليس هو الهوية الحقيقية لها، وإنها ككيان إنساني لا تعتمد هوية الجسد. فخلف هذا الجسد هناك الروح النقية وهناك الحلم، فالمرأة البدينة يحق لها ان تمارس الحياة بكل أغراضها ومفرداتها، عالية تريد ان تقول لنا: لا تظلموا المرأة بسبب الجسد.

الشكل رقم (2)

في الشكل رقم (2) سيدة بدينة تمارس التمارين الرياضية وهي تحمل أثقالا، نلاحظ هنا الامل والفرح في عينيها تعبيراً عن الرغبة بالحياة، والقدرة على مواجهتها، لان الجسد لن يكون عائقاً أمام تحقيق الحلم، وقد إستعملت الفنانة الوانا تعبر عن الفرح وحيوية الحياة وحرارتها، فالملابس الرياضة الحمراء فيها الكثير من الحرارة، وكذلك الخلفية الملونة تعبر عن الحلم والفرح.

من المهم ان نلاحظ كيف إستعملت الفنانة عالية ضربات فرشاة لينة للجسد مما أعطاه الكثير من الحيوية والمرونة. فهم لم تقدم لنا شخصية رياضية بعضلات بارزة وتقاطيع جسدية دقيقة، ولكنها ارادت إقناعنا بان الانسان الطبيعي قادر على مواجهة الحياة حتى وان كان يحمل هذه الكمية من الشحم تحت جلده.

شيء من القلق والعنفوان:

القلق عنصر مهم في حياة الفنان، لانه بطبيعته النفسية يعيش صراعاً من اجل التكامل، ولعل قلق الفنان ناتج عن السعي في تحقيق الذات، فالفنان يكون حاضراً في كل عمل لأنه هو من يقف خلف الفرشاة والالوان وهو من يواجه اللوحة بكل ما تحمل من لون وقضية.

في الشكل رقم (3) نلاحظ الجسد في حالة إرتقاء وكأن صاحبة الصورة تقفز الى الاعلى، فحركة اليد المنسدلة والاقدام والسيقان المضمومة تكشف عن حالة مناقضة للجاذبية الارضية فالجسد هنا منطلق الى الاعلى، الى الفضاء بقوة، ومن مميزات هذا العمل المهم هو إختزال الفنانة عالية للكثير من التفاصيل سواء في رسم الجسد ليكون الشكل والحركة هو المعبر، أو في خلفية اللوحة ربما للتعبير عن الفضاء.

الاحظ هنا استعمالها لتدريجات اللون الرمادي ربما للتعبير عن القلق، فالمبدع سواء كان رساماً أو كاتباً أو صانعاً يعيش حالة مستمرة من القلق في سعيه لتحقيق الحلم، لان غائية الحياة تكمن دائماً في المجهول الذي لم يتحقق بعد.

يمكن أن أضع هذا العمل في خانة الاعمال الابداعية القليلة الملفتة لنظر الباحث المحقق، فالانتقال داخل الطبقة اللونية الواحدة يبدو مملا بعض الشيء لدى من لم يتعرف على هذا النوع من التشكيل، وقد يوحي هذا العمل بإعمال الغرافيك ذات اللون الواحد، إلا إنها استطاعت كسر هذا الجمود اللوني بوضع حقلة الاذن باللون الاحمر، هذا إختزال آخر لمجمل العلاقات اللونية داخل اللوحة مما يعني قدرة الفنانة عالية على إخراج المشاهد من حالة اللاوعي الى حالة الوعي التدريجي.

الشكل رقم (3)

من المهم ان نلاحظ كيف قدمت الفنانة التشكيلية عالية هذا الجسد المتناسق الذي يشبه جسد شابة رياضية، تقفز بحركة دقيقة وثمة ليونة وقوة في تخطيطات الأكتاف والذراعين، وهي لا تقدم لنا هنا جسدا شهوانياً ولكنها إمراة شديدة الخصوصة تنطلق في حلمها نحو الاعلى فالرأس متجه نحو الاعلى والرقبة ممتدة والاكتاف في حالة إنبساط لكنها تحمل المتانة والقوة في آن واحد. الفنانة عالية هنا تجتاز المساحة الارضية لتلتقي بنا نحو الفضاء اللامتناهي تحقيقا للحلم البعيد.

لا شك ان قلق الفنان المعاصر مرتبط بالحدث التاريخي وبالبيئة ومجمل المتغيرات في قضية الثابت والمتحول، وهذا ما يدفعه للتعبير عن ذاته بهذه الشدو في بعض الاحيان.

لوحة الراقصة:

الشكل رقم (4)

قالت لي انها: " لوحة سامية جمال "، هنا لا يمكن إخفاء العلاقة بين الجسد والشهوانية الذكورية، ولعلها تعمدت ان تقدم لنا هذا العمل الفني الذي يبدو في الوهلة الاولى كلوحة كاريكاتيرية من أعمال الفنان المصري (رخا) او من أعمال (صلاح چاهين)، لكن بالتأكيد هذه واحدة من أعمق اعمال التشكيلية عالية. فالجسد اللين بمرونته الراقصة وتلك الضحكة الشهيرة على شفاه سامية جمال يزيل كل شك في انها هي، من المهم ملاحظة استعمال الفنانة عالية للفرشاة الناعمة في رسم الراقصة سواء الجسد بما يحمل من تفاصيل غنية أو ملابس الرقص الحيريرية وتلك الظلال الدافئة التي تعكسها هذه الحالة تحة الاضواء. فهي تنتقل بين تدريجات الاوكر الى الوردي الناعم والبرتقالي ثم الأخضر المشوب بالذهبي في حالة من التناسق اللوني المريح للعين.

هي توظف العلاقات اللونية خلال تقديمها للموقف، فقد يقول أحد ما: انها تشبه لقطة بالكاميرا، وأقول: لم لا، فلطالما حاول الفنان استعمال هذه اللحظ الساكنة ليعبر عن الحركة أو الفرح الغامر، فلقطة الكاميرا تستقطب الحدث وتختزنه ليبقى مستمراً، والفنان يعيد لحظة الانتشاء بالحدث بسبب بقاءه كنوع من التكرار اللامتناهي

وأما الحضور فعلى الرغم من انها إختزلت الكثير من الملامح إلا إنني يمكن أن أتعرف على الملك فاروق ببدانته وطربوشه، في الزاوية اليسرى السفلى من اللوحة وقد يكون شخصا آخر، وايضا ذلك الذي يبدو كأحد أمراء المغرب بملابسه البيضاء وطريقة لف عمامته، ثم يمكن أن تجد شخصية العمدة الثري، وهو يصفق طربا والى جانبة أحد الاعيان ممن لايضع الطربوش على رأسه.

الكثير من هؤلاء يلبسون ازياء راقية والطرابيش على رؤوسهم للتعبير عن المرحلة الزمنية التي عاشتها الفنانة سامية جمال في لوحة التشكيلية البارعة عالية الوهاب.

اللوحة توحي بان الجلسة كانت في احدة حدائق القصور الغنية وللعلها في قصر فاروق نفسه، فثمة ملامح للاشجار في الليل وعلى الجانب الايسر العلوي اضاءة لينة تناسب الحالة.

والان كموقف إجتماعي هل نعتبر هذه اللوحة عملاً مستهجناً لانه يبرز هذه المشاعر أو الاحاسيس؟

منذ البداية كنت أنظر لأعمال التشكيلية البارعة عالية الوهاب بانها تحمل موقفاً إنسانياً في العلاقات الاجتماعية أو المفاهيم حول المرأة والجسد والسلوك الاجتماعي، ولما كان الفنان والاديب والفيلسوف والمفكر مرآة عصره، فانه يحمل تلك المسؤولية في كشف هذه الإشكالات الفكرية والاجتماعية والفلسفية على السواء، وحين تكون اللوحة قادرة على التعبير، تكون القصيدة ايضاً قادرة على التعبير، ومسؤولية الفنان تكمن في فهم مبادي العلاقات الانسانية وتطوير الايجابي فيها وكشف السلبي منها.

في الخاتمة:

نحن هنا أمام تجربة فنية غنية لإنسانة وفنانة عراقية، استطاعت أن تحقق ذالتها بالكثير من الصبر والتحمل ومواجهة الواقع، تحتاج الفنانة التشكيلية عالية الوهاب إلى الكثير من الأهتمام من قبل أبناء جيلها فتجربتها العالمية أغنت حياتنا باللون والشكل وذلك الاحساس الراقي.

فنحن عندما نتحدث عن العمل الفني، فاننا نتحدث عن الفنان نفسه بلاشك، فالروح الفنية والاحاسيس والمشاعر والرؤى والاحلام والصراعات كلها تظهر في حركة الفرشاة وفي اللون وخامة القماش (الكنفاص) والعلاقات اللونية وهي تعبر عن المفاهيم التي ارادها الفنان ان تكون رسالته للانسانية في صراعها مع الوجود ومتغيراته.

لا يمكن للفنان أن يكون كاملاً، لكنه مثل الكاتب والمؤرخ والاديب يتكامل من خلال عمله ونتاجه الفني، وهو يحقق فلسفته من خلال مجمل العلاقات اللونية في العمل، لانه سيرى ذاته في ضربة الفشاة وفي علاقة المساحة اللونية بالشكل، وكلما أقترب الفنان التشكيلي من فهم قيمة العلاقات اللونية وفلسفتها كلما إستطاع أن يعبر عن مضامين العمل الفني الذي يقدمه للناس. في هذا الكم من اللون استطاعت الفانة التشكيلية عالية علي الوهاب ان تسجل حضورها، وتعبر عن كيانها الانساني في الحياة.

أ د. وليد سعيد البياتي


التعليقات

الاسم: الاستاذ الدكتور وليد سعيد البياتي
التاريخ: 24/11/2013 14:00:59
اخي الدكتور عصام حسون الموقر، الف شكر لتعليقاتكم وملاحظاتكم المهمة والمعبرة وهذا دليل كبير على اهتمامكم بقضية الموضوع، نحن في المهجر نعاني من نسيان ابناء العراق لنا وانا عندما اكتب عن الفنانة التشكيلية عالية علي الوهاب فاني اكتب عن معرفة عميقة باسرتها وبيئتها ومعاناتها في تحقيق حلمها التشكيلي، ونحن نعيش عصر يتم تقديم الفاشلين فيه واصحاب المواهب الرديئة وحجب العقول والعلماء والمواهب الراقية. تحياتي لكم واتمنى ان يأتي يوم اجد من يكتب عني في خضم تسارع العمر واقتراب النهاية
تقبلوا خالص الود اخي العزيز
أ.د. وليد سعيد البياتي.

الاسم: د.عصام حسون
التاريخ: 23/11/2013 22:15:22
الاستاذ الدكتور المبدع وليد سعيد البياتي !
ارق التحايا لكم...
مقالتكم عن الفنانه المبدعه عاليه الوهاب رائعه وجميله وقد كان تحليلكم للوحات الفنانه الوهاب راقيا برقي وجمال هذه اللوحات وفعلا وكما عبرتم فلكل لوحه قضيه حاولت الفنانه ان تعبر عن صرختها لظلم المراه لما تتعرض له من عنف الرجل المشتق من عنف السلطه على عموم الشعب المظلوم مما يترك انعكاساته على العلاقه الاستلابيه ما بين الرجل والمراه والتي هي انعكاس لحالة التداعي الخطير في حياة المجتمع العراقي. اما اللوحه الثانيه فهي تعبر عن حق المراه في ممارسة الرياضه كما هو الرجل, واللوحه السوداء فهي تمثل جمال جسد المرأه الذي ابدع صنعها الخالق عز وجل لتكمل حياة النصف الاخر الرجل..تحياتي لاشتغالكم المبهر في هذه المقاله وتحيه لاشتغالات الفنانه التشكيليه عاليه الوهاب مع تمنياتي لكما بالموفقيه وراحة البال !




5000