..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
.
زكي رضا

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استمارة
تسجيل الناخبين
في خارج العراق

......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أسباب وصول حركات الإسلام السياسي لسدة الحكم(4)

محمد الشيوخ

ب- الأسباب الجوهرية:

1-القدرة التنظيمية مقابل تشظي الساحة السياسية

انسجام الخطاب مع البيئة الاجتماعية، ومناهضة الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي، والاتكاء على أرضية الدين والعمل التطوعي الإنساني، وفساد النظم السياسية ومناهضتها للإسلاميين، وتجدر الحركات الإسلامية في مجتمعاتها، مضافا إلى تمتعها بالخبرة السياسية والإمكانات المالية والبشرية، كلها عناصر قوة امتازت بها حركات الإسلام السياسي في معظم البلاد العربية منذ نشأتها، كما هي عوامل أساسية ساعدت بشكل حقيقي في ترسيخ شعبيتها في مجتمعاتها، سيما فيما بات يعرف بدول الربيع العربي.

لكن تلك العوامل وحدها لم تكن كافية لدفع شرائح وقوى المجتمع المختلفة في مصر وتونس لمنح أصواتها إلى الإسلاميين في مختلف جولات العملية الانتخابية ليحصدوا العدد الأكبر من المقاعد يتبوأن أعلى المناصب السياسية في الدولة.فلولا تمتع تلك الحركات بقدرات تنظيمية هائلة، والتي تمظهر في جانب منها خلال إدارة العملية الانتخابية والتحشيد الشعبي، خصوصا في ظل ضعف ملحوظ لدى القوى السياسية والاجتماعية الأخرى،سيما الناشئة حديثا..لولا ذلك لما استطاعت أن تصل إلى ما وصلت إليه.

قد يكون من غير الملائم إجراء أي نوع من أنواع المقارنة بين ما تتمتع به حركات الإسلام السياسي من قدرات تنظيمية وبقية القوى السياسية والاجتماعية الأخرى، خصوصا القوى الجديدة، التي كان لها الفضل الأكبر في حشد الجماهير في الميادين منذ بداية اندلاع الثورات، سواء في مصر أو تونس، وذلك نظرا لوجود بون شاسع بين تلك القوى، وحركات الإسلام السياسي، التي خاضت غمار العمل السياسي منذ زمن طويل، مما اكسبها خبرة طويلة من جهة، وتنظيم هياكلها التنظيمية والإدارية ورص صفوفها بشكل محكم من جهة أخرى.

ففيما يتعلق مثلا بفاعلية الكوادر التنظيمية لقوى الإسلام السياسي، فهم نشطاء محترفون ومتفرغون للعمل التنظيمي غالبا، فيما كوادر التنظيمات الليبرالية والمدنية عموماً، في معظمهم نشطاء هواة غير متفرغين، وإنما هم يعولون على "سرقة" جزء من الوقت المتبقي لهم بعد عناء ساعات العمل وقضاء الحاجات المنزلية والأسرية الضرورية.لذلك هم مشدودون إلى أعمالهم ومصالحهم أكثر من انشدا دهم إلى واجباتهم النضالية.وهم بهذا معرضون للتذبذب لدى حدوث أي انعطاف مفاجئ في الأحداث، فيميلون في بعض الأحايين، والحال هذه، إلى ترجيح جانب مصالحهم(1).

وبما أن كوادر حركات الإسلام السياسي يخضعون في الغالب إلى نمط صارم من التنظيم في إدارة أنشطتهم الحركية، وكذلك يمارسون مختلف واجباتهم انطلاقا من قاعدة "التكليف الشرعي" أو الواجب الجهادي، لذلك هم أكثر ولاء لأهدافهم وفاعلية وتأثيرا على الصعيد الاجتماعي من نظرائهم في التشكيلات غير الدينية. زد على ذلك، فأن سعيهم إلى تحقيق أهدافهم غالبا ما يكون لها الأولوية على مصالحهم الشخصية والذاتية، على عكس سائر كوادر القوى والجماعات السياسية التي لا تخضع إلى نظام ملزم، كما أنهم لا ينطلقوا في تطبيق برامجهم وأجندتهم من إيديولوجيا الدين، وهو عامل له أثره البالغ في المجتمعات الإسلامية.

اللافت في سلوك الحركات الإسلامية التي تتمتع بشعبية كبيرة، مع أنها قد تكون اقرب من غيرها في تحقيق المكاسب وقطف الثمار في أوقات الاستحقاقات الكبرى، إلا إنها لا تعتمد على العمل الارتجالي أو العشوائي أو الصدف في تحقيق المكاسب واغتنام الفرص. وإنما هي تعتمد بشكل رئيس على العمل المنظم والتخطيط المحكم والفاعلية على الأرض في إدارة وتنفيذ برامجها، خصوصا في ظل وجود منافسين لهم في الساحة، وهو ما تجلى بشكل واضح في الحملات الانتخابية التي جرت في مصر وتونس بعد سقوط الأنظمة هناك.

لذلك لم يفاجئ الكثير من المراقبين بنتائج الانتخابات التي جرت في دول الربيع العربي بفوز الإسلاميين،علما بأن القوي الجديدة غير الإسلامية،خصوصا شريحة الشباب،هي التي كانت المحرك الرئيسي في الثورة التونسية والمصرية(وهي قوى متجاوزة للأطر الأيديولوجية والسياسية)، وكان يفترض أن تصل إلى سدة الحكم لكنها لم تحظى بأي نوع من أنواع السلطة، بل أضحت خارج اللعبة السياسية. السبب في ذلك ببساطة يعود إلى أنها قوى غير منظمة، على عكس القوي الحزبية والدينية التي كان إسهامها في الثورات إما قليلا أو منعدما، لكن لأنها قوى تتمتع بقدرات تنظيمية هائلة، استطاعت أن تقطف الثمرة.

وبحسب الباحث خليل العناني، فأن الحضور الضعيف للإسلاميين في الثورات العربية يعود إلي ذكاء قياداتها وإدراكهم لحساسية اللحظة الثورية وحساباتها، خاصة في ظل إرث التربص السلطوي والرفض الغربي لهذه الحركات، مما قد يزيد من احتمالات وأد الثورات العربية وإجهاضها في مهدها، كما حدث في الجزائر أوائل التسعينيات. بيد أن ذلك أيضا لا ينفي ضعف الخيال السياسي لهذه الحركات وعدم استشعارها المبكر للزخم الثوري.

ولعل أهم دلائل هذه الفرضية، بحسب وجهة نظره، ما يلي:

أ- انعدام أو فقر الخيال الثوري لدي التيارات الإسلامية، وذلك نتيجة لخبرتها السلبية مع الأنظمة الحاكمة كما هي الحال في مصر (الصدام التاريخيالدساتير.لناصر والإخوان، فضلا عن المواجهة المستمرة بين مبارك والجماعة طيلة العقدين الأخيرين)، وسوريا (أحداث حماة عام 1982)، وتونس (أحداث باب سويقة عام 1990). وقد اختزنت ذاكرة الإسلاميين هذه الأحداث طيلة العقدين الأخيرين، فكانت النتيجة إسقاط الخيار الثوري من حساباتها، والاعتماد علي المنهج التدريجي كخيار وحيد للإصلاح. ولعله من اللافت أن لغة الخطاب الإسلامي الحركي طيلة العقود الثلاثة الماضية قد خلت من مفردات العمل الثوري كالتغيير، وإسقاط الأنظمة، وتعطيل الدساتير ... الخ.

ب- جاءت الثورات العربية نتيجة لفعل جماعي يتجاوز الأطر التنظيمية والأيديولوجية والسياسية الكلاسيكية، ومعبرة عن قوي وتيارات جديدة لم تعرف العمل الحزبي بشكله التقليدي. فالسواد الأعظم للثورتين التونسية والمصرية لم يخرج من عباءة الأحزاب القائمة، وإنما من حركات اجتماعية وثقافية تتسم بالمرونة الشديدة في حركيتها وأفكارها وعضويتها. وهو ما يختلف جذريا عن طبيعة وبنية الخطاب الإسلامي الحركي الذي يتسم بالمركزية الشديدة والالتزام الأيديولوجي والتنظيمي. وهنا، كان أمام الحركات الإسلامية أحد خيارين، إما المشاركة في الثورات العربية، ولكن وفق شروط وقواعد اللعبة التي يحددها محركوها والداعون إليها، وإما عدم المشاركة، وما قد يؤدي إليه ذلك من خسارة سياسية ومجتمعية ليس فقط بين قواعدها وأعضائها، وإنما أيضا بين جموع الشعب.

ج- لم تكن مشاركة الحركات الإسلامية في الثورة أمرا اختياريا أو بقرار تنظيمي، إنما كانت أمرا واقعا فرض عليها بفعل تطورات الفعل الثوري الذي كان سريعا وحاول الجميع اللحاق به. فعلي سبيل المثال، رفضت جماعة الإخوان المسلمين في مصر المشاركة إيجابيا في تظاهرة 25 يناير 2011 في بداياتها. وهو أمر ليس غريبا علي الجماعة، التي لم يكن لها حضور ثقيل في غالبية المناسبات التعبوية التي قامت في مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية (لم تشارك الجماعة في إضراب 6 أبريل 2008 وغيرها من إضرابات العمال والمهنيين والضرائب العقارية ... الخ)، وذلك إما بسبب تخوفها من قمع النظام لها، أو عدم تأثيرها في هذه الدوائر الساخطة. في حين جاءت مشاركة الإخوان في الثورة المصرية، بعدما تأكد لها أن ما يحدث يتجاوز كونه تظاهرة فئوية، كي يصل إلي العمل الثوري التاريخي. صحيح أن نفرا من شباب الإخوان قد انخرط في الثورة منذ يومها الأول (إسلام لطفي وأحمد عبد الجواد ومحمد القصاص)، بيد أن ذلك لم يأت بقرار تنظيمي، وإنما من خلال مشاركة فردية عكست الفجوة الجيلية والفكرية داخل التنظيم ألإخواني. وما لبثت الجماعة لاحقا أن انضمت للثورة بكل قوتها وأصبحت طرفا فاعلا في ديناميتها سياسيا وميدانيا. وفي تونس، كانت حركة النهضة آخر الملتحقين بقطار الثورة التونسية، وذلك نتيجة لضعف الحركة وتآكل بنيتها القاعدية بسبب الضربات المتلاحقة التي تعرضت لها طيلة العقدين الماضيين، فضلا عن انفصال المستوي القيادي (الذي كان أغلب رموزه في المهجر) عن القواعد الحركية في تونس.

د- لم يكن متاحا للإسلاميين بأي حال أن يعبروا عن هويتهم الذاتية في الثورات العربية، ليس فقط لأنهم لم يشعلوها أو يبادروا للقيام بها، وبالتالي لا يحق لهم تلوينها بشعاراتهم وأيديولوجياتهم، وليس أيضا لتخوفهم من أن يتم إجهاض الثورة بسببهم، وإنما أيضا لإدراكهم عواقب ذلك علي دورهم، وإمكانية بقائهم كجزء من التركيبة الثورية فيما بعد. فكما قلنا سابقا، لم يكن شباب الثورتين التونسية والمصرية ليسمحوا ببروز أية هوية فئوية أو عمودية قد تؤثر في شمولية الثورة، وتحجب صورتها كحركة قاطعة للمجتمع، ومعبرة عنه بكافة جماعاته وأطيافه. صحيح أن ثمة حضورا لبعض رموز التيارات الإسلامية في المشهد الثوري (علي العريبي والعجمي الوريني في تونس، ومحمد البلتاجي وبعض قيادات الصف الثاني في مصر)، إلا أنه كان حضورا ملتزما بالتيار الثوري العام، وليس متمايزا أو منفصلا عنه.

هـ- لم يحتكر فصيل حركي بعينه المشهد الإسلامي في الثورات العربية، وإنما تنوعت خريطة الإسلاميين الذين انخرطوا في العمل الثوري، بحيث ضمت مختلف فصائل وجماعات التيار الديني، بدءا من الإخوان المسلمين، مرورا بالحركة السلفية، وانتهاء ببقايا التنظيمات الجهادية التي كان لها حضور في الثورة المصرية بدرجات متفاوتة. وهو ما يؤكد مجددا تجاوز الثورة المصرية للأطر الأيديولوجية والعقائدية لمختلف القوي الدينية والسياسية. فلم يحدث من قبل أن انخرط الإخوان والسلفيون والجهاديون، وفي بعض الأحيان الصوفية، في عمل تنظيمي وحركي يستهدف تغيير نظام الحكم، ليس فقط بسبب الاختلافات الشديدة بين خطاباتها وأيديولوجياتها، وإنما أيضا بسبب العداء التاريخي الذي وصل إلي حد الاتهام بالتواطؤ مع النظام السابق، كما كانت الحال بين السلفيين والإخوان علي سبيل المثال.

إذا كان حضور التيار الإسلامي في الثورات العربية متماشيا مع حضور بقية القوي الأخرى، وباعتباره يعبر عن فصيل اجتماعي وسياسي موجود ومتجدر في المجتمعات العربية، ولم يكن حضورا استئثاريا أو استثنائيا بأي حال من الأحوال - وهو أمر مهم وفارق، حيث اعتادت الحركات الإسلامية أن تكون هي المحرك الأساسي للشارع العربي، خاصة في الشرائح الدنيا والوسطي - فإن الثورات العربية هي أعم وأشمل من أن تختزل في فصيل أو لون سياسي واحد دون بقية القوى والتيارات"(2).

ففي الحالة التونسية لم تكن الأحزاب المنافسة لحركة النهضة بذات القدرات التنظيمية والفاعلية، مما جعل هذا العامل حاسما في فوز النهضة فوزا كاسحا على سائر القوى المنافسة. وان كان الحال في مصر شبيه لما هو عليه الحال في تونس من حيث القدرات التنظيمية للإخوان المسلمين وحزب النور السلفي،وكذلك سعة القاعدة الشعبية، إلا أن الحالة المصرية عاشت ظرفا خاصا أثناء الاستحقاق الرئاسي، حيث وجدت القوى غير الإسلامية نفسها مجبرة على التصويت لمرشح الإخوان مرسي، ليس حبا في الإخوان، وإنما نكاية بالنظام القديم وخشية عودته، وبالتالي امتنعت معظم القوى من منح أصوات كوادرها لمرشح النظام البائد شفيق.

2- الميل نحو البراغماتية السياسية الإسلامية

إذا كان المفهوم الشائع للبراغماتية يعني التحرر من كل أيديولوجيا أو موقف مسبق، ومن ثم تنحية المبادئ والقيم جانبا، في سبيل تحقيق بعض المصالح الآنية أو المكاسب الخاصة فقط، فإن هذا المفهوم لا ينطبق على مجمل السلوك السياسي لمعظم الجماعات الإسلامية في الوطن العربي.

واقع الحال يؤكد بأن السلوك السياسي لكل تيار إسلامي هو متأثر إلى حد كبير بالبيئة المحلية مسايرا للوقائع والظواهر السياسية القائمة غالبا، وبالتالي فأنه لا يمكن قياس سلوك أي تيار إسلامي في بلد ما، وإسقاطه على سلوك عموم التيارات الإسلامية في مختلف الساحات الإسلامية، ومن ثم وسم مجمل سلوك الإسلاميين ب"البراغماتي" النفعي والمتحرر كليا من الايديولجيا أو ب"الأيديولوجي" الذي لا يعير أي اهتمام للمصالح والظروف المتبدلة.

فمن خلال عملية التقييم الموضوعي للسلوك السياسي لمعظم الإسلاميين في الوطن العربي، يتضح أنه ليس نفعيا بالمطلق، كما أنه ليس متحررا من الدين أو منسلخا عن منظومته القيمية والأخلاقية بشكل تام، بحسب ما هو واضح من شعاراتهم وسلوكهم القائم على الأقل.لذا يمكن القول بأن الواضح من سلوك الإسلام السياسي الجديد، خصوصا في ظل ثورات الربيع العربي، أنه استطاع وبشكل سريع جدا التكيف مع المفاهيم والطروحات الجديدة ذات الصلة بتعزيز الحريات والشراكة والقبول بالتعددية وضمان حقوق الأقليات..الخ.وكذلك مع الوقائع السياسية والاجتماعية القائمة، خصوصا في بعدها الإقليمي والدولي.

كما وأبدى الإسلاميون ميلا واضحا نحو الاعتدال والمرونة في التعامل مع الآخر المختلف القريب والبعيد، وباتوا يتعاطون مع الواقع بصورة أكثر بشيء من البراغماتية السياسية (الواقعية)، ولكن في صورتها الإسلامية المشذبة والمقبولة، والتي تحاول التوفيق أو المزاوجة دائما بين التمسك بالمبادئ والقيم والأخلاقيات من جهة، ومسايرة مجريات الواقع السياسي ومتغيراته ومتطلباته من جهة أخرى.ما يعني ولادة شكل جديد من البراغماتية الإسلامية المغايرة لما برع فيه وصاغه رواد ومنظرو مدرسة البراغماتية الأمريكيين أمثال بيرس ووليم جيمس و جان ديوي، في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

فالحركة الإسلامية التي كانت تعلن تمسكها بشدة بمبادئ الإسلام القائمة على إقامة حكم الدين في الدولة، وخدمة الناس ومنع الفتن، وتحرير الأرض، ونشر مبادئ العدالة، وتحمل المسئولية الكاملة حتى تحت اسواط التعذيب والاغتيالات والسجن والملاحقات، قفزت وبشكل سريع وبخطى ثابتة نحو مربع أخر قد لا تجده مترابطا فكريا أو ' عقائديا ' مع ما وصلت إليه الحال بعد ما يسمى بالربيع العربي، فاتجهت بعض تلك القوى الإسلامية إلى مغازلة الغرب الأمريكي، وتقديم ولاءات الطاعة بسيل من التنازلات ' العقائدية ' في سبيل انتقالها إلى مرحلة الإسلام السياسي أو الديمقراطي الذي يقبل بالتعايش حتى مع المحتل من أرضه ، واحترام كافة المعاهدات والتحالفات التي كانت إلى ما قبل عام تلقى سخط و ' تكفير ' تلك الجماعات ، وأدارت حوارات مع الإدارة الأمريكية مستغلة ما تعيشه البلاد من أزمات وحراك سياسي في الشارع العربي ، فأعلنت بعض القوى الإسلامية إيمانها بالديمقراطية والتعددية والدولة المدنية وحرية المعتنق والفكر وحقوق الأقليات، وإيمانها بالسلام والتسامح، وطي صفحات الصراع بمجملها، وهذا ما حدث مع الجماعة الإسلامية في كل من مصر وتونس والأردن وليبيا وسوريا، فكانت نتائج تلك الحوارات و ' الاتفاقيات ' بمثابة تفكيك للفكر الأصولي المتزمت ونقله إلى مربعات براغماتية ليست سوى ' تنازلات سياسية ' لتحقيق حلم الحركات الإسلامية بالوصول إلى الحكم والمشاركة به، ولكن برضا أمريكي مشروط بعدة مبادئ، تتعلق بأمن إسرائيل واحترام اتفاقيات السلام والاتفاقيات الدولية السابقة مع الدول التي شهدت تغييرا في أنظمتها، وكذلك وهو الأهم الإقرار بالمصالح الأمريكية في المنطقة على مستوى جميع الدول(3).

ومما لا شك فيه أن الربيع العربي عزز السلوك البراغماتي السياسي لدى الإسلاميين، وكان له الأثر البالغ في اجتذاب شرائح اجتماعية واسعة للإسلاميين تصويتا ومناصرة، إلا انه لا يمكن الادعاء بأن هذا السلوك هو وليد الثورات العربية، فمن يتتبع تاريخ الإخوان في علاقتهم بالسلطة سيجد أنها كانت علاقة مد وجزر بسبب شيء من البراغماتية السياسية التي يتعامل معها الإخوان كثيرا.هذا السلوك بين التصالح مع السلطات والتنافر معها، الذي لم يكن جديدا، جعل الإخوان يستفيدون من أية فرصة يمكن أن تتحقق لهم في بناء تنظيمهم وامتداده أفقيا في طول البلاد العربية، خاصة في منطقة الخليج العربي، فمذ نشوء الإخوان كتنظيم سياسي وديني في مصر كانت ذهنية العلاقة مع دول الخليج حاضرة بقوة، لذلك كثيرا ما سعى التنظيم إلى عقد صداقات جيدة مع الخليجيين بوصفهم دولا تميل إلى الرؤية الدينية في سياسياتها، لا سيما في السعودية(4).

كما أن السلوك السياسي للإسلاميين المتسم بالبراغماتية، لم ينحصر في العلاقات مع النظم المحلية القائمة أو القوى السياسية المنافسة، وإنما كان هناك نصيبا منه تجلى في العلاقة مع الغرب.فمعاداة الإسلاميين الواضحة للغرب،إلى جانب رفع الصوت عاليا للدعوة بمقاطعة إسرائيل وقطع أي شكل من أشكال العلاقة معها،كان سلوكا قديما وشائعا.ولقد كان هذا السلوك مبررا ومفهوما من قبل الإسلاميين طالما هم بقوا في خندق المعارضة. لكن حينما وصلوا السلطة، بعد ثورات الربيع العربي، تحولوا 180 درجة وأصبحوا يتوددون لأميركا وقد صرّح أحد رموزهم: تحالف «الإخوان» مع أميركا تحالف استراتيجي! وكانوا بالأمس ضد اتفاقية السلام مع إسرائيل ويهاجمون نظام مبارك ويطالبون بإلغائها، واليوم يعلنون احترامهم لها، و«حماس» الإخوانية تطارد وتعاقب من يطلق الصواريخ.

لقد كانوا في السابق ضد الاستدانة وضد شروط صندوق النقد الدولي، واليوم هم الأكثر اعتماداً وحرصاً على الاستدانة من أي جهة وبأي شروط! في تونس صرّح الغ نوشي بأن حزبه لن يمنع «البكيني» ولن يغلق البارات، وهي قمة البراغماتية، وأكد بن كيران، رئيس الحكومة المغربية وأمين عام «حزب العدالة والتنمية»، أن مجتمعاتنا ليست بحاجة إلى «الأسلمة» لأنها مسلمة أصلا وأنهم لن يضيفوا إلى إسلامها شيئاً، وأن حزبه لم يأت ليقول للرجال: التحوا، وللنساء: تحجبن، مؤكداً رفضه التدخل في خصوصيات الناس وفرض الفهم الديني لحزبه عليهم. ويعجب المرء أن يكون بين أنصار هذا الرأي المدافع عن الإسلاميين (الإخوان) بعض الكتاب والمحللين الأميركيين والغربيين الذين يراهنون على «الإخوان» في السلطة، ويتوقعون أنهم سيصبحون عقلانيين معتدلين واقعيين وقادرين على كبح جماح التطرف الإسلامي، وأنهم سيلتزمون بقواعد اللعبة الديمقراطية بإقامة الدولة المدنية(5).

وفي الندوة التي عقدت في الجنادرية 2013م، أكد عميد كلية الشريعة السابق بقطر عبد الحميد الأنصاري على أن أحداث الربيع العربي أثبتت أن الإسلاميين براغماتيون حين التعامل مع الخارج وليس مع من في الداخل، ووصلوا بإرادة الجماهير للسلطة، وعلينا أن نقوّم عملهم مع احترامهم. وزاد:«الإسلاميون صوروا للعالم أنهم الضحية الوحيدة للاستبداد السياسي، وهذا غير صحيح، فالقوميون والناصريون والشيوعيون تعرضوا لذات العذاب». ورأى الأنصاري أن «الإسلاميين ليس لديهم نظام جديد بعد وصولهم إلى السلطة، فهم يستنسخون أفكار الأنظمة السابقة، مع عدم وضوح مفهوم المرجعية الإسلامية التي يتكئون عليها». كما طالب الإسلاميين الاستفادة من الفرصة التاريخية التي جُهزت لهم،«فربما لا يجدون الفرصة مع من يخلفهم، وأن يفتحوا صدورهم للنقد، وألا يكرروا أسطوانة أنهم ضحية الداخل والخارج، وأن يؤمنوا بنسبية الحقائق في الحقيقة المطلقة بيد الله»(6).

3-تبني مبادئ وقيم الديمقراطية(الإسلام الجديد)

لقد وجدت حركات الإسلام السياسي، التي تتخذ من الإسلام مرجعا وتتقيد بمنظومة من القيم والمبادئ الثابتة، في ظل ثورات الربيع العربي، وجدت نفسها وسط شعارات ثورية جديدة غير معهودة تنادي بتطبيق الديمقراطية(حكم الشعب لنفسه) وقيمها ومبادئها(حكم الأكثرية، فصل السلطات، تجزيء الصلاحيات، التمثيل والانتخاب، سيادة القانون، اللامركزية في الحكم، التداول السلمي للسلطات، تعزيز الحريات، ضمان حقوق الأقليات...الخ).وهي شعارات لا تنسجم مع شعارات الثورات ذات الصبغة الإسلامية، التي كانت تنادي "بتطبيق الشريعة" و"الإسلام هو الحل" وغيرها من الشعارات، كالتي طالب بها الشعب الإيراني في ثورته ضد الشاه قبل ثلاثة عقود ونصف تقريبا، أي عام 1979م.

لقد فرضت شعارات الثورات العربية المنادية بتطبيق مبادئ الديمقراطية ومفاهيمها، وهي مغايرة تماما لشعارات الثورات الإسلامية، فرضت على حركات الإسلام السياسي في العالم العربي خيار الانسجام مع تلك الطروحات والشعارات، وجعلها تتماشى مع سائر القوى اللبرالية في مطالبها وأطروحاتها، أثناء التظاهرات الميدانية وقبل سقوط الأنظمة وقبيل الانتخابات وإثناءها، بل وتكون هي صاحبة الصوت الأعلى في الدعوة إلى تطبيق الديمقراطية والأخذ بمبادئها ومفاهيمها.وهذا ما جسدته حركات الإسلام السياسي على المستوى النظري وليس التطبيقي، خصوصا أثناء الحملات الانتخابية، وهو العامل الجوهري، على الارجع الذي دفع بشرائح كبيرة وقوى عديدة في المجتمع المصري والتونسي للتصويت إلى حركات الإسلام السياسي في دينك البلدين.

إن الشعارات الديمقراطية التي بات يرددها الإسلاميون في مصر وتونس، أثناء الحملات الانتخابية، ولدت شعورا لدى غالبية الجماهير مفاده بأن ثمة إسلاما سياسيا جديدا قد ولد في العالم العربي، وان هذا الإسلام يختلف عن الإسلام الذي عايشوه طيلة عقود مضت.هذا الشعور الايجابي نحو الإسلاميين ترجم في صورة تعاطف ومنحهم الثقة والتصويت لهم في الانتخابات.

فحينما جرت الانتخابات في تونس وفوز حزب النهضة وتشكيله الحكومة ضرب راشد الغ نوشي مثالاً فريداً في عدم ميله شخصياً نحو السلطة بل أسند المهمة لنائبه، والأهم من هذا أنه أعلن عن نهج ديمقراطي حضاري في التعاون مع الأحزاب الأخرى ودعاهم لمشاركة النهضة سلطة الحكم كما كانوا شركاء في الزنازين،على حد تعبيره، وأجاب على الأسئلة التي طرحها الناس والمراقبون سواء المتعلقة بالحريات أو ملف المرأة والعلاقات الدولية، وصارت تونس (النهضة) معبرة عن أسلوب فريد مطمئن للداخل والخارج وأثنى الغرب ومنه فرنسا على توجه الإسلاميين.

ولم يختلف الحال كثيراً عما فعله إسلاميو مصر(الإخوان والسلفيون)، الذين حصدوا65% من الأصوات، مما يعني السيطرة على مقاليد الأمور على الساحة المصرية(7).( العموش، بسام،"الإسلاميون في سدة الحكم"، مركز الرأي للدراسات، كانون الأول 2011م ). فكان لتأكيد الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي في مصر أو حزب النهضة في تونس على نهج المشاركة والتعاون بعيداً عن التفرد والإقصاء، وكذلك صدور وثيقتان هامتان من قبل الإخوان المسلمين الأولى حول الانتخابات والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والاحتكام لصناديق الاقتراع، والثانية حول موقف الإسلاميين من المرأة، كان له الأثر الكبير في تطمين شرائح واسعة من الناس حول أداؤهم السياسي المتوقع في السلطة.

فنفوذ الإسلام السياسي ووصوله إلى سدة الحكم بعد ثورات الربيع العربي لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة سلوك جديد ارتبط بظاهرة الثورات، كما هو نتيجة جهود قديمة متراكمة من العمل والنشاط والفاعلية. ذلك التتويج، يعكس شعبية حقيقية لازالت تحظى بها هذه حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي.وبالرغم من فشل الكثير من التجارب الإسلامية في الحكم في أكثر من بلد إسلامي، سيما تلك التي تولدت من رحم الثورات الإسلامية، مع أنها بعثت برسائل غير مطمئنة للجماهير، إلا أن الشعارات الجديدة التي رفعها الإسلاميون أثناء التظاهرات والحملات الانتخابية في دول الربيع العربي أعادت ثقة الناس مجددا للإسلاميين ومنحتهم أصواتهم وأوصلتهم للحكم ثانية.

على الأرجح فأن ثقة الجماهير للإسلاميين يعطي إشارة واضحة على أن تلك الشعوب، حتى اللحظة على الأقل، لازالت مستعدة لمنح الحركات الإسلامية الفرصة ثانية لإثبات مصداقيتها عبر بوابة تحقيق طموحات الجماهير وآمالها والنهوض بمجتمعاتها واستعادة كرامتها وتعزيز قيم العدل والمساواة والحرية، وتنمية المجتمع ورفاهيته، من خلال الشراكة الحقيقية في إقامة نظام ديمقراطي حديث، يكون الرافعة لبناء دولة مدنية قائمة على مبدأ المواطنة وسيادة القانون ولا تفسح المجال لإعادة إنتاج الاستبداد ثانية بأي شكل من الأشكال.

الهوامش:

(1)-الصياد، محمد "الدولة المدنية بعد صعود الإسلام السياسي"، الجمعة 3 شباط (فبراير) 2012م، الموقف http://almawqef.com/spip.php?article4923

(2)-العناني، خليل، "التيارات الإسلامية في عصر الثورات العربية"، مجلة السياسة الدولية، 2011م،http://www.siyassa.org.eg/

(3)-الحراسيس،علي"البراغماتية الإسلامية" وكالة جراسا الإخبارية،2012م

(4)-الغيثي، شتيوي:الخليج والإخوان..التقارب والتباعد، صحيفة عكاظ، 2013م

(5)-الأنصاري، عبد الحميد"الإسلاميون في السلطة: هل يصبحون براغماتيين"، ميدل ايست اونلاين،2013م.

(6)-الشريف، أبكر، الرياض«الجنادرية»:مشاركون يهاجمون«الإسلام السياسي»..ويصفونه بـ«البراغماتي»، 2013،http://www.inewsarabia.com/

محمد الشيوخ


التعليقات




5000