..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور الخامسة للابداع / النقد الادبي - الفائز الاول

د. وفاء رفعت العزي

النص الفائز بالمركز الاول

جائزة النور للابداع دورة الدكتور عبد الرضا علي 

2013

الحجاج في الخطاب النقدي عند د.عبد الرضا علي

ـ دراسة تحليليةـ

 إن في محاولتي للكتابة عن أستاذي الناقد الدكتور عبد الرضا علي ليس بالأمر اليسير فلحاقي بقافلته النقدية أشبه بمن يحاول أن يمسك بالطيف الجميل  وألقه، فقد عبد الطريق أمامي لكنني في محاولتي هذه أجد الطريق صعباً وأنا أقف أمام شموخ النخل وقامة العراق البهية ، وهو من قدم لي من  علمه وفضله وكرم أخلاقه  ، ما جعلني على أول الطريق ومنافذه الجليلة الراقية في الثقافة والأدب ، فقد فتح لي الناقد المبدع أبواب بيته ومكتبته ، وقدم لي كل ما يمكن أن يقدمه الشيخ الجليل وهو يؤدي رسالته الجليلة في نشر العلم والثقافة ، فتغترف أيدينا من إبداعاته وعطائه الثر ما جعلني أن أكون واثقة من خطواتي وثابتة في مسيرتي .. ولكن بين الأمس واليوم محطات افتراق وغياب ، ولكن اللقاء هو أمل المتنائين وبساط الريح الخرافي سيوقفنا في أجمل المحطات لنلتقي بأروع أناس كان لهم الفضل بوجودنا وبقائنا ونحن رافعو الرؤوس في زمن الموت والدمار والوجع اللامنتهي ، ويبقى طريقنا يمتد زهواً وألقاً بمن صنعوا الفخر والعزة وأبقوا لواء الوطن عالياً بقاماتهم الشامخة المبدعة .

  ومحاولتي هذه تعبير عن حبي واعتزازي لمن علمني حروف الكتابة وعلمني أن الطريق يبدأ بخطوة ، وإن المبدع مهما كان بعيداً فإن حضوره كالنور المشع في دهليز الظلام ، فينير الطريق لمن تاه عن موكب الأجلاء في بلدي العراق ، ويهديه إلى ضالته ، حيث الإبداع فوق قامات المحتلين والقتلى والمتوحشين ، وإن ساعات الإبداع تتجلى من المواقف الصعبة والعصيبة ، وإن الحب للعراق يسري رغم أنف الطغاة والمحتلين ، ورسالة المثقف الأصيل خالدة أبدا.

 

 

  

مدخل:

                         مفهوم الحجاج

الحجاج كما تورده المعاجم وكتب اللغة هو: يقال حــــاججته أحـاجُّــه حجـاجا و محـاجة حتى حججتـه أي غلبته بالحجج التي أدليت بها ، والحجة : البرهان ، وقيل الحجة مـــا دوفع به الخصم، وقال الأزهري: الحجة الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة ،و  رجل محجاج أي

جَدِلٌ و التحـاج التخـاصم ، قال الأزهري إنمـــا سميت حجة لأنها تحج أي تقصد .(1)

 فالحجاج من هذا التحديد يعني التقصد الجدلي وإظهار البرهان من أجل التأثير في الآخر وإقناعه للتواصل والحوار، وهذه الدلالات هي التي نصت عليها المعاجم اللغوية كتاج العروس لمرتضى الزبيدي وفي الصحاح للجوهري:[حجج] الحَجُّ: القصد. ورجل مَحْجوجٌ، أي مقصود، وقد حَجَّ بنو فُلانٍ فلاناً، إذا أطالوا الاختلاف إليه. وغيرها من المعاجم .(2)

أما المفهوم الاصطلاحي : وهو مصطلح قديم ظهر في الدراسات البلاغية التي يمكن تصنيفها إلى صنفين هما:

 - الصنف الأول: هو ما سُمي بالبلاغة النظرية، أي من حيث هي علم نظري ينزع إلى التقنين والتقعيد.

- الصنف الثاني: وهو ما يسمى بالبلاغة الحجاجية، أي البلاغة التي تنظر إلى النص من حيث فاعليته وتأثيره العملي في المتلقي.(3)

   والقارئ اليوم يجد إن البلاغة أصبحت اليوم نقدية لتشمل الخطاب في مختلف تجلياته الأسلوبية اللغوية والتداولية/الحجاجية، فمعطيات النقد القديم حصرت البلاغة إما في الصيغ اللغوية الأسلوبية أو في البعد التداولي.ومن ثم تحول البلاغة من المنظور الحجاجي إلى المنظور الجمالي كان تضييقاً للبلاغة القديمة واختزالا لمفهوماتها وتقويضا لأساسها النظري، باعتبارها نظرية للخطاب الحجاجي من حيث المقاصد والبناء والأسلوب ودراسة النص من وجهة وظيفته الحجاجية، وحتى دراسة الوجوه الأسلوبية في النص ينبغي أن تخضع لمبدأ التلازم بين الأسلوب والحجاج؛ فالمقاربة البلاغية للوجوه الأسلوبية معنية بما تحمله من أبعاد حجاجية، وإن التمسك بالبعد الحجاجي في تحديد البلاغة على نحو ما هو سائد في التصورات البلاغية الجديدة، لا يفضي بالضرورة إلى حصر عملها في مقاربة الخطابات التداولية دون الخطابات الأدبية.(4)

     فالحجاج النقدي يكون نصه بلغة تتميز بالدقة والوضوح مع استعمال الحجج المناسبة حتى يتم التأثير في المتلقي وقد يستعين  بأدلة تاريخية و دينية وقصص وأمثال وغيرها ، فبلاغة الإقناع تستلزم فعالية لغوية ومنطقية تؤثر في المخاطب وتجعله يعيد النظم فيما كان يحمل من أفكار وآراء.لذا فإن بلاغة الإقناع في النقد الحجاجي سيشترك مع الأسلوب الكتابي العلمي بخصائص عديدة أبرزها الوضوح والتدرج والدقة مما سيكون لها الأثر الكبير في السعي من أجل تعديل مواقف المتلقي من خلال استعمال الحجج المناسبة لذلك.

 وبإمكان الناقد الحجاجي الأدبي أن يعتمد على الحجج المنطقية في مخاطبته لعقل المتلقي مستعيناً بالإمكانيات المنطقية المتاحة له والحجج المتنوعة لنقض المواقف الأخرى ، وهذا النقد يختلف في أدلته وحججه المستعملة في الكتابة العلمية.

  وبنية الخطاب النقدي الحجاجي في اعتماده على  اللغة منطقاً طبيعياً يسعف في مقاربة و تحليل خطابات و نصوص أدبية مختلفة ،انطلاقا من كون إن اللسان البشري الطبيعي ذو وظيفة حجاجية ، وبذلك يتمكن النقد الحجاجي في إنجاز تسلسلات استنتاجية داخل الخطاب، ويتم من خلال بنية هذه الأقوال النقدية المبنية على المواد اللغوية التي يتم توظيفها وتشغيلها فيه .     فالحجاج وسيلة فاعلة في نقد الأعمال الأدبية ،حيث يجعل منها ميداناً واضح الرؤى ومتكاملاً في طرحه النظري والتحليلي لها .

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً : مرتكزات الحجاج  في نقد د.عبد الرضا علي

      لقد كان الدكتور عبد الرضا علي ممن شهدوا الساحة الثقافية والنقدية في العراق وتحولاتها وتطوراتها ، وكان له حضوره المتميز فيها ، فقد تلونت ثقافته الواسعة ، وكان لتماسه المباشر مع المبدعين الأدباء والنقاد دوراً كبيراً في سعة منتجه النقدي بقدر كبير من الفاعلية في الساحة النقدية العربية والعراقية على وجه الخصوص ،وقد كانت لمساهماته المتنوعة الأدبية والنقدية الأثر الواضح في مسيرة الحياة الثقافية والأدبية في العراق ، فقد كان له اليد الطولى في ظهور المواهب الأدبية التي تحتل الآن دورها الأدبي ، ولم يكتف بهذا بل راح يدرس نتاجاتهم من خلال محاكاة اليقظة الإبداعية على سعتها وحداثتها المتطورة ، يضاف إلى ذلك كتبه النقدية المعروفة عن السياب ونازك الملائكة وعبد الرحمن مجيد الربيعي وكتاب آخرين ضمهم كتابه (أوراق في تلقي النص الإبداعي ونقده ) والذي حمل في طياته نظراته النقدية ،وسير حياة ، ونقد سردي وتقنياته .

   ولكنا سنعتمد على ما نشره في مركز النور من مقالات نقدية نماذجاً تطبيقية لنقده الحجاجي {argumentatif} ، فنقده يعد بحق نقداً ثقافياً ، عابراً أسوار النقد الأكاديمي ، فقد حقق في نقده أسلوباً متجدداً في طرحه وتناوله للأعمال الأدبية ، يعتمد على السرد وما فيه من وصف وتفسير تارة وعلى الحجاج من خلال اختيار البراهين الاثباتية من أجل الإقناع والتأثير في المتلقي .

  ففي مقالته (دريئة الشاعر) وهي قراءة نقدية لمجموعة عبد العزيز جمعة الشعريّة(توارت في الحجاب) يبني خطابه النقدي على الحجاج بغية التواصل وإقناع قائم بلـوغه على التـزام صـور استدلالية  أوسع وأغـــنى من البنيات البرهانية الضيقة(5)، فيبدأ الناقد في برهنة أهمية (الدريئة ) التي يفسرها بمعناها اللغوي (الدرع ، أو الترس) فهو يحاول بذلك أن يقف على العنوان الذي اختاره في قراءته النقدية هذه ، فيأتي بالحجج التي تدعوه لإقناع المتلقي والشاعر المعني بهذا النقد ،فيقول فيها ((لن تعصمَ الموهبة ُ الشاعرَ من ثغرات ِ خطلِ القول ِ،أو نبوِّ الكلام،أو الخلل ِ الإيقاعي،لأنَّ الموهبة َ تحتاجُ إلى دريئة ٍ تدرأُ عنها ما قد يكونُ خطأ ً في الأداء ِ،أو في تشكيل ِ الصنعة ِ،أوفي صياغة ِ النسيج ِ. وهذه الدريئة ُ(أو الدرع،أو الترس) هي الاكتساب.والاكتساب لا حدودَ له،يولد ُ مع الموهبة ِ لكنّهُ ينسلخ ُ عنها في حراكها الإبداعيّ...فإذا كانت هي فطرة ً توحّدت بصاحبها،ولازمتهُ، فإنَّ الاكتسابَ لازم الحركة َ،وتواصل َ معها في جميع ِ ميادين ِ التعلّم ِ،والتثقّف ِ،والمعرفة ِ؛ ومتى ما استمرّ المبدعُ في نهلهِ من حقل ِ الاكتساب وعلِّهِ ،فإنَّ موهبتَهُ تصقلُ وتكتملُ ويتجدّدُ إدهاشها.

إنَّ تواصلَ المبدع ِ الدائم مع علوم لغتهِ،وخصائصها،وإنجازاتِها في فنون البيان،فضلاً عمّا كانَ منها علماً صرفاً،أو إنسانيّاً،فإنّها توسعُ من دائرةِ معرفتهِ لأسرارِ لغتهِ،وتشحذ ُ قوّة َ الملاحظة ِ لديه،وتمكّنُهُ من صناعة ِالإدهاش على نحوٍ رصين)) (6)

 فالدريئة تتمثل في: الاكتساب         الموهبة         الفطرة الموجهة        علوم اللغةوالبيان.

 وقد ربط بين فقرات وجمل قراءته النقدية حروف العطف والتوكيد كحرف العطف أو ، وحرف التوكيد (إن) ، ومتى ، ولن .

  فبهذه المقدمة الكبرى يبدأ الناقد هيكله الحجاجي في تحليله النقدي لمجموعة (توارت في الحجاب) الشعرية ، ليبرر للمتلقي السبب في كون دائرة اكتساب الشاعر الثقافية مصقولة وقوية :((وهذا ما كان في مجموعة " توارت في الحجاب " للشاعر عبد العزيز جمعة،الذي وسّعَ من دائرة اكتسابه الثقافي،فأسهم بقوّة في صقل ِ فطرتِهِ الشاعرة على نحو ٍ جعلَ متلقّيه يعيش انفعالات الذات الشاعرة وهي تبوحُ بأسرارها في علاقتها بالآخرين في حالتي انتصارها النفسي،وانكسارها الإنساني.))(7)، ومن ثم يبدأ بالتحليل الحجاجي من خلال الكشف عن وحدات النص من موسيقى ، ومنجزات جمالية كالتناص  المتمثل بالاقتباس الاشاري أو المعنوي ، والحكمة ، ورد الإعجاز على الصدور ، وتقنية السرد ، وويفكك النص حسب هذه الوحدات فينسج لنا مقدمة صغرى  ترجع النص إلى تركيبه الحجاجي فيستنتج من خلالها ، ويرفد كل حججه ، ثم يحكم قوله في نتيجة واضحة يقول فيها : ((ختاما ًنقول : إنّ عبد العزيز جمعة شاعرٌ مبدعٌ مقتدرٌ حصّنَ فطرته بثقافتهِ الشاملة الواسعة التي استحالت دريئة ً تدفعُ عن موهبتهِ خطلَ الأداء الشعري،وتحفظها من خللِ الصناعة.))(8)

  وأول حجة على دريئة الشاعر هي الموسيقى الشعرية التي توزعتفي هذه المجموعة  في أربعة إيقاعات كلها من شعر الشطرين ، ودلائل هذه الحجة إحصاء الناقد البحور الشعرية التي هيكلت قصائد المجموعة فيجده قد اعتمد على بحور متنوعة مما نوعت نغمات موسيقى قصائده منها (الطويل والرمل والخفيف والبسيط ) وقد كان لبحر الطويل المساحة الواسعة في تجربة الشاعر، ويرى الناقد إن تنوع الإيقاعات دليلاً على تمكن الشاعر في موسيقى الشعر.

 أما الحجة الثانية التي تثبت تنوّعَ اكتساب عبد العزيز جمعة الشامل،وتوسّع ثقافته منجزاته جماليّة :

أولاً - التناص: يقوم الناقد بتحديد التناص بأنه:مصطلحٌ حديث حاول مؤيّدوه أن يختزلوا به مصطلحات قديمة عديدة،لكون النقد القديم كان ميّالاً إلى تفريع دلالاته،فإذا كان مفهومه اليوم يتحدّد في أصول النصِّ ومرجعيّاته،أو مصادر تكوينه،فإنّ النقد القديم كان يراه في الاقتباس الديني،سواء أكان الاقتباس نصيّاً أم إشاريّاً،أوفي التضمين المعنوي،أو النصّي،أو في الاستلهام الفنّي،أو غيره .(9)فيرصد الناقد جميع أنواع الاقتباس الديني (الاشاري والمعنوي ، والنصي)،والتضمينات المعنويّة،والاستلهامات التراثيّة،والمعاصرة التي تنمّ ُعن ثقافة واسعة ٍ لصاحب هذه المجموعة الشعريّة سنقف عند بعضها مبيّنين مرجعيّاتها،أو ما كان فيها من تناص مع غيرها بفعل القراءة المستديمة للنصوص،وما تركته من ظلالها على المبدع وهي تصنع ذائقته الشعريّة في الأداء.)(10)، ويرجع أنواع التناص إلى أصولها التي استمدها الشاعر في قصائده ، ويستدل على ذلك من خلال نصوص المجموعة الشعرية ، كما في قول الشاعر:

ما رمى إذ قد رمى لكنّما       رميُهُ كانَ بأيدٍ للقدرْ

اقتباس إشاري قرآني لقوله تعالى: " وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمى". (سورة الأنفال: 17)

وفي قوله :

وله الله من فؤادٍ معنّى        وجراح ٍ تقولُ صبراً جميلا

إقتباسٌ نصّي لقوله تعالى :" فصبرٌ جميل ٌ". (سورة يوسف: 83.)

وفي قوله :

يوم أرسى الأرضَ ربّي ودحاها

                            وبرى الأرواحَ فيها، وهداها

إقتباسٌ إشاري إلى آيتينِ كريمتين هما:" والأرض بعد ذلكَ دحاها ") سورة النازعات : 30.)

 و" والجبالَ أرساها ")سورة النازعات : 32.)

وفي قوله:

فترامى من جزيءٍ قد تناهى      صِغراً،والسرّ ُ(كن) لمّا دعاها.

إقتباس إشاري لقوله تعالى: " وإذا قضى أمرا ً فإنّما يقولُ له كن فيكون " ) سورة البقرة : 117) .

وفي قوله:

كأنّي بهم قد توّجوكِ مليكة ً     وباقي العذارى بين شكلٍ وتمويهِ

تأثّر ببيت النابغة الذبياني:

وإنّكَ شمسٌ والنجومُ كواكبٌ

                          إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكبُ(11)

  والحكمة التي يكشف عنها الناقد في هذه المجموعة نابعة عن خلاصات لتجارب شخصية تأثر بها الشاعر ، ويورد قول الشاعر:

كلّ ُحبٍّ إلى زوالٍ سواها      وهواها- كحسنِها-لا يزولُ

 أما في ردّ الأعجاز على الصدور  هي إحدى الركائز التي تمثل ثقافة الشاعر التراثية العميقة ، وقد حدد الناقد مفهوم هذا الفن البلاغي البديعي: (وهو أن يجعل الشاعر أحد اللفظين المكرّرينِ،

أو المتجانسينِ، أو المشتقّينِ في الشطر الأوّل، ويجعل الثاني في الشطر الثاني⁷ ،كما في الأبيات الآتية:

1)ما رمى إذ قد رمـــــــــى              لكنّما رميُهُ كانَ بأيدٍ للقدرْ

2)أبو الضيفِ إبراهيمُ جدّ          ٌلجدّنا فأنعمْ بإبراهيمَ جدّاً مبجّلا

3)سكنت قصراً فطابتْ في العلا      مثلما طابت مقاماً في الخِيَمْ) (12)

   وهذه المرجعية التراثية من الصور البلاغية التي يوظفها الشعراء في وقتنا الحاضر مما لها من جمالية تتجسد في سهولة التعبير ودقته مستوحية من تراثنا العريق فتؤدي المعاني بإثبات حججها .

   وفي تقنية السرد وهي من مرتكزات الشاعر الابداعية نجد أ.د. عبد الرضا علي يكشف عن الدلالات القديمة المتداولة في نظام كلمة السرد (ليس السردُ جديداً في شعرنا العربيّ، فقد عرفه الشعرُ القديم في الطرد،والتشبيب،والقصّة الشعريّة،وغير ذلك،لكنَّ الشاعر الحديث أحكمَ فيه الصنعة حين أفاد من أساليب القصّة الحديثة وتقنياتها الفنيّة في:الوصف،والمحاورة،والمونولوج الدرامي،وغيرها.

ومن يستقري هذه المجموعة يوقنُ أنَّ تقنية السرد كانت طوع خيال ِشاعرها،في توليد تلك الصور. ففي قصيدة " ليلى والقدس " يتدفّقُ السردُ في توصيفِ الأرضِ العربيّةِ على نحوٍ من تداعي صورٍ متلاحقة لا يوقفها عائق، أو يحدُّ منها نضوب :

هذه الأرضُ مهدُ عيسى رضيعاً

ورسولا ً مبشّرا ً ومِثالا

وبأقصاها خاتمُ الرسلِ صلّى

وعلا بالبراق ِسبعا ً ونالا

وترى المرسلينَ من خلفِ طه

رُكّعا ًسجّدا ً صفوفا ً طوالا

كان فيها للأنبياءِ إماما ً

عندما هلَّ قدّموهُ امتثالا) (13)

  وبثقافته النقدية العالية يقدم الدكتور عبد الرضا علي تقانات السرد في هذه المجموعة في تحليله لها :( والأمثلة على اقتدارهِ فيه كثيرة،لكنَّ في " زائرة المكتبة " و " صدود " و " شعرها " ما يؤكدُ اليقين الذي ألمعنا إليه.

أمّا محاورات شخصيّات قصائدهِ فكثيرةٌ،لكنَّ جلّها بين بطلِ القصيدة ِ وحبيبتهِ في الأعمِّ الأشملِ،وهي ممّا أصطلحَ عليه بـ (الديالوج) كما في :

قلتُ:لا لا،وألفُ لا،غادتي هلْ

سمعتْ؟ قالتْ: لا وعينيكَ لا لا

قلتُ :لابدَّ من لِقاء ٍ قريبٍ

سألتني: أليسَ ذاكَ مُحالا ؟ ) (14)

 ويبين في قصائد أخرى تقانات مختلفة كالمناجاة النفسية ، والدرامية (وفي مثلُ هذه الحوارات الرصينة في الأداء المشتركِ،ما يدلُّ على تمكّن الشاعر من كتابة القصيدة الدراميّة بامتيازٍ،فضلاً عن موهبة ٍ واضحة ٍ في الشعر المسرحي الذي انحسر هذه

الأيّام،وكادَ أن ينسى.

أمّا اهتمامات الشاعر بالمناجاة النفسيّة ألتي اصطُلحَ عليها بـ (المونولوج الدرامي) فإنّها وإن كانت قليلة ً نسبة ًإلى باقي التقنيات الفنّيّة،إلا أنّ هذا القليلَ قد كان حواراً مع الأعماق في حالاتٍ خاصّة ٍ،ولعلَّ النقد حين أشار إلى أهميّة حوار النفسِ مع ذاتها،أو حوارها مع لا أحد، قد وقفَ على ما للأعماقِ من تأثير ِفي خلقِ المتعة ِ،وصناعة ِالإدهاش،لأنَّ الشاعرَ يستثمرفيه كلَّ طاقاته في تكثيفِ حواراتِ النفسِ الداخليّةِ،فتتحقّق المتعة الدراميّة في القراءة،كما في قوله :

عَجباً ميّ ُ كيفَ لمّا رأتني

مُستهاما ًمجرّحا ً وعليلا

تركتني أسيرَ وجدٍ تناهى

ولَظىً في الضلوع ِ أورى فتيلا

وتناستْ عهودَنا فتداعتْ

نغماتُ الهوى أسىً وعويلا) (15)

 

 

  

ثانياً: خصائص النقد الحجاجي عند د.عبد الرضا علي

 تميز الدكتور عبد الرضا في خطابه النقدي الحجاجي بجملة سمات ، منها :

1ــ تنوع لغة الخطاب النقدي  لديه في علاقته مع المتلقي (المخاطَب) فتنوعت الأداءات النقدية من خلال تشخيص القضية التي يريد طرحها ، فحين يكون هو المعترض على الظاهرة المدروسة وحين آخر يجيب على التساؤلات التي تكون الحجج التي يقيم لها البراهين والحقائق وقيم تعبيرية أخرى ، مما يثير ويؤثر في المتلقي وهي غاية الخطاب الحجاجي في الإقناع .

   ففي مقالة مخالفة ُ السائدِ في شعر جواد الحطّاب .... (إكليل موسيقى على جثّة بيانو) أنموذجاً ، يتوجه الناقد في قراءته لهذه المجموعة إلى المتلقي من خلال السرد بوصف الشاعر جواد الحطّاب بلغة سلسة واضحة كبداية لمقدمته الكبرى فيقول: (جواد الحطّاب شاعرٌ مختلفٌ في معظم أشيائهِ،بداءة ًبالنسيج،وانتهاءً بفلسفة النص.وهذا الاختلاف لم يكن راهناً زائفاً تماشياً مع ظرفٍ و حالةٍ مفروضة،أو مخالفة ًليس إلّا، إنّما كان قريناً لفطرتهِ الشاعرة ِالراغبة ِفي تغيير النسق ِ المتوقّع ِ في الأداء عند المتلقّي:خلقاً للتباين ِالمطلوب،وابتعاداً عن التماثل المرفوض. فالتماثل يكرّر الماضي بخِصْبِهِ وعُقمِهِ؛ويزيد في المتبرّمين الرافضين،ويُقلّل من حصول الرضا والإثارة " فكما ارتبط الشعر بالغناء عند منشده،أو مبدعه،ارتبط بالإدهاش والإثارة عند متلقيه : مستمعاً،أو قارئاً،أو مستظهراً معجباً . ومهما كابر بعض الشعراء من أنّهم لا يكترثون لرضا المتلقّي ،أو رفضه،فإنّهم يسعون دائماً في سرِّهم إلى نشدانِ رضاه،وتوسيع دائرته على امتداد خريطة الثقافة العربيّة،ومحاولة تحجيم دائرة الرفض،وتصغيرها.) (16) فالمسلمات التي أتى بها الناقد حقيقية ومنطقية لايتردد المتلقي أو يتوانى في قبولها وذلك لأن الناقد يرى : (   الإدهاش لا يجيء من المألوف،إنّما من المغايرة التي تمتلك القدرة على مخالفة السائد،والخروج عليه بوعي تحديثيّ مدرك يقدِّمُ أنموذجاً مبتكراً يخلق أفقاً في مجادلة السائد،قبل أن يتمرَّدَ عليه.مغايرة الحطّاب مغايرة مدروسة في الشكل والمضمون،ففي الشكل لا يتردّد،أو يتوانى في إدخال أيّة مفردة،أو مصطلحٍ،أو آلة،أو أداة في لغة القصيدة،سواء أكانت تلك المفردة نابية، أم غير نابية، كما في قوله:

لو كنتُ مكان المتنبّي

لوضعتُ الأمراءَ جميعاً في الحمّام

وسحبتُ السيفون

طويلاً.(17)

 2ـ لا يبتعد الناقد في حجاجه من كونه :( عبارة عن تصوُّر معيَّن لقراءة الواقع اعتمادا على بعض المعطيات الخاصَّة بكلّ من المحاجج والمقام الذي ينجب هذا الخطاب ))(18)

3ـ أما عناصر البرهان لدى الدكتور عبد الرضا علي تتجلى بوضوح من كونه يسعى إلى التواصل والتجاوب من قبل المتلقي ويعتمد الناقد في هذه الغاية على اهتمامه بمظاهرهما من كل ما يتيحه النص المكتوب تندمج فيه ابعاد الخطاب (المنتج والقارئ والمقام ) فينتج خطاباً ذات خصائص فاعلة في التأثير .

4ـ وضوح الأسلوب في الخطاب النقدي الحجاجي لدى عبد الرضا علي بحيث لا نفور لدى المتلقي في مواصلة القراءة ، والسبب في ذلك قدرة الناقد على الاحتواء النفسي في طرحه النقدي فيربط خطابه بالمتلقي من خلال المحاورة والبراهين القريبة من الواقع الثقافي  .

5ـ نقد الدكتور عبد الرضا علي لا يقف عند محطة القدم والتقليدية كما يتصور البعض ، وإنما هو نقد شمل لا يكتفي بالمسلمات والقواعد وإنما يرتقي بها إلى الحداثة النقدية وحداثة الحداثة إن صح التعبير.

 

الخلاصة :

  هذه القراءة العجالة في الحجاج في الخطاب النقدي لدى الدكتور عبد الرضا علي هي محاولة كقطرة في بحر ، لم يتسنى لها الوقت الكافي لإكمالها كما ينبغي ولمكانة الناقد المرموقة ، ولكنها وإن كانت متواضعة فإنها ترد على من يقولب الدكتور الناقد في التقليدية الأكاديمية النقدية ، فإن التجريب والجرأة والموضوعية والكشف والتحري في النصوص الأدبية والتواصل الإبداعي هي أدوات فاعلة مكنته من أن يكرم في أكثر من مناسبة وأن ينبوء عرش المبدعين والمفكرين في العراق والوطن العربي ، وفي الختام فهذه محاولة تنتظر من يكمل مسيرتها .

  



الهوامش :

(1)لسان العرب ، ابن منظور ، دار صادر ، بيروت ،ط1، 1997 ، ص270 .

(2) ينظر تاج العروس ، فصل الحاء المهملة مع الجيم .، والصحاح للجوهري، تح: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين ،بيروت ، ط4 ،1987 ، 1/303، و المفردات في غريب القرآن ، الراغب الاصفهاني ، تح :محمد خليل عيتاني ، دار المعرفة، بيروت ، ط1 ،1998 ص.115 .

(3) البلاغة والأدب، من صور اللغة إلى صور الخطاب ، محمد مشبال، دار العين، القاهرة، 2010، ص35.

(4) البلاغة والأدب،المرجع السابق ، ص36 .

(5) ينظر  التواصل و الحجاج ، طه عبد الرحمن  سلسلة الدروس الافتتاحية ن الدرس العاشر 1993م / 1994م، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ، [د.ط] ، ص.5 ، وفي أصول الحوار وتجديد علم الكلام ،طه عبد الرحمن  المركز الثقافي العربي ، البيضاء ، المغرب، [ط.3] ، 2007م ، ص65 .

(6) دريئة ُالشاعر قراءة نقديّة لمجموعة عبد العزيز جمعة الشعريّة أ.د. عبد الرضا علي، الانترنيتhttp://www.alnoor.se/                                         

(7) المرجع نفسه .

(8) المرجع نفسه.

(9) المرجع نفسه.

(10) المرجع نفسه .

(11) المرجع نفسه.

(12) المرجع نفسه.

(13) المرجع نفسه.

(14) المرجع نفسه.

(15) مقالة مخالفة ُ السائدِ في شعر جواد الحطّاب .... (إكليل موسيقى على جثّة بيانو) أنموذجاً، أ.د. عبد الرضا علي ، الانترنيتhttp://www.alnoor.se/

(16) المرجع نفسه.

(17) المرجع نفسه.

(18) مفهوم الحجاج عند( بيرلمان) وتطوره في البلاغة المعاصرة، محَّمد سالم ولد محَّمد الأمين، عالم الفكر، الكويت ع2، يناير/ مارس،2000، ص: 61 .

د. وفاء رفعت العزي


التعليقات

الاسم: د.وفاء العزي
التاريخ: 06/05/2013 22:44:26
أستاذي الفاضل الغالي أبدا..
تصور لو انني لم أراك في حياتي ولم تأخذ بيدي ولم تكتشف معالم الوجه الآخر الخفي لي ، فكيف سأكون ؟ لا شيء قديماً كانوا يقولون وراء كل عظيم أمراة واليوم أقول وراء كل مبدع رجل عظيم أعطاه عصارة قلبه وطيبة روحه وجمال ألقه ، هكذا كنت ياأروع من علمنا أن الحياة بستان من الحب يزهو بالألق وعلينا أن نتأمله لنجد أنفسنا ، ألست من زرع في قلوبنا وأرواحنا بالعزم والصبر . ألست من كان يرقب فينا الخير والأمل . . تأكد يا أستاذي حتى الشهادة التي كتبتها ولم أقرأها هي خجلى من قامتك الشامخة ، استمحيك عذراً إن صمت دهراً ولكنه لن يطول بحضرتك .. ياأستاذي الطيب .. تحياتي

الاسم: عبد الرضــــا عليّ
التاريخ: 05/05/2013 17:20:08
ابنتي الدكتورة وفاء رفعت العزّي

فارسةٌ أنتِ في النقد مثلما كنتِ فارسة في القصّة والخاطرة والمقالة في الثمانينيّات من القرن الماضي

سعيدٌ أستاذُكِ بكِ، فأنتِ اليوم زميلةً له في الهمِّ الأكاديمي،وصديقةً في متاعب حرفة الأدب

لك الدعاء بالأمان، والتألّق الدائم
مع محبّتي التي تعرفين.




5000