هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عين اليمامة رقم (1)

نيفين ضياء الدين

إهداء خاص ورسالة ودٍ إلى كل طفلٍ يتيمٍ,فى يوم اليتيم العالمي.

قد يتعجب القارئ من إختيار عين اليمامةِ إسماً,ولماذا بالتحديد ذلك الإسم ؟ لنبدأ أولاً بتهويمات روحية من عوالم الخيال وبراءة عيون الأطفال قد نجدُ جواباً لذلك السحر الآسر.عين اليمامة, كانت هناك داراً عتيقة ينبثقُ عطرها من جوف الزمان , وكانت تسكنُ بها يمامة ,بُنية العينينِ بل إن لون عينيها كان عقيقاً مُشرباً بكؤوس العسلِ وأنهارٍ من رماد السنين وأحزان الأيام .أحبتها صاحبة الدار , وجدت فيها السلوى والرفيق ,فكانت تشكي لها ,أكواماً من دوائر اللامنتهى ...... فراغ ,حزن,ظلم, قسوة,والقسوة تتفرعُ نهراً لاحدود له ,بين قسوة الرفيق و ضيق القلوب كضيق اللحود والقبور .كانت تلك السيدة تُناجيها ,تُناجي اليمامة وكانت يمامتُها ترمُقُ عيون سيدتها فى صمتٍ يُلازمُ أمواج العيون ,حتى غدت النجوى ,إلتحاماً للروح فى عوالم الغيب .بدأت المسيرة بيمامة ثم طالت حتى لازمت نشأة تلك السيدة المصون ,فتنوعت العيون,عيون الطيور بشتى الفصائل والأنواع ,من عصافيرٍ و أسراب الطيور البريةَ والببغاوات أحياناً, والدربُ واحدٌ.تعددت أسراب اليمامات والحمائم ,فى كل بلدةٍ كان لها يمامة تُشاطرها جوى القلب ,إذا دق قلبها سمعت أصداء قلب اليمامة تلتحمُ معها صعوداً وهبوطاً .كانت كسرات الخُبز مِرسالاً وصفوف الطيور من شتى الأنواع لا تُخالف طريق بيتها, لاتُفارق أمواج عينيها ذهاباً وأيابا.ترتجفُ اليمامة ,تهزُ منقارها فى ضعفٍ و وهن,فتُذكرها بحالها فى تِلك الحياة ,ريشةً بين أجنحة يمامتها تحملها الرياح فى أنواء الشتاءِ و تقتُلها حرارة الشمسِ فى جوف عيون الصيفِ.هكذا كانت نبذتنا الأولية حول يمامة سيدتنا المصون ولكن يُراودنا سؤالاً الأن لماذا؟لماذا عين اليمامة بالتحديد؟ألضيق حدقتها ؟وما هي الرمزية فى ضيق حدقة العين؟.ربما نجدُ فيها رمزاً لضيق القلوب أو لنهاية الحياة ,تأخذنا نغرقُ فيها ,نهيمُ على وجوهنا ,ننسى أنفسنا ,نسيحُ بين بلدان الكون ,نتعارف ,ننسى ,نُجافي بعضنا بعضاً ,نتحول ,تتغيرُ قلوبنا ,نقطعُ جدران الرحمِ والدمِ والعظمِ لنعودَ سراباً ضيق الجنباتِ ,بلامعالم ,مجهول الهوية,ضئيل القسماتِ ,صغير الأغوارِ كضيق حدقة يمامتنا .تلك الرمزية أراها من ناحية رومانسية سوداوية الطابع بعض الشئ ,أما أذا نظرنا لرمزية عين اليمامة ,من ناحية الواقع ,سنجدها ترتبطُ بالنظرة الدقيقة لصغائر الأمور وجوانب الموضوع,فى أي مجالٍ من مجالات الحياة .أما فى حالتي فهي رمزاً لمهنتي ككاتبة صحفية بجريدة المشرق العربي وهنا قد يُبادر القارئ بالسؤال للمرة الثانية ولماذا عين اليمامة بالتحديد وما هو إرتباطها بمهنة الصحافة ؟والإجابة ببساطة ترجعُ لطبيعة قلمي الصحفي , فى الجريدة,فمشاكل القُراء تأتيني على أجنحة اليمام الزاجل .تتنوع ,تتعدد,تتناثر ,تتمايز بين صغائر العلاقات الإنسانية وبين أمواج القلوب,بين مشاكل الحُب والعِشق والجوى والسهر وبين هموم الحياة,بين أستار البيوت وزوايا الشوارع والحارات .الأن وصل معي القارئ الكريم لشاطئ البحر فأدركنا سوياً المعنى الرمزي لعين يمامتنا الزاجلة,وقد أخترتُ أن أُناقشُ معكم اليوم القصة الأولى فى بابِ جريدتي  المذكورة سلفاً وهي بعنوان "كان عندي أب".

صاحبة القصة أختارت أن ترمزُ لنفسها بإسم (ق .م.ك) وعندما سألتها عن معاني تِلك الحروف المتناثرة ,قالت سأتركها رمزاً مفتوحاً لتفسير القارئ الكريم ولن أُعلقُ عليها بنفسي علّ القارئ يُدرك المعنى فى نهاية قصتنا محل النقاش أو لتظلَ طلاسمها مفتوحة المغزى يعجزُ من يقرأُها عن التفسير كما هو الحال عندما نقرأُ حروف مفاتيح الغيبِ التي لايعلمها إلا الله فى بداية بعض سور القرآن الكريم .الأن سأُديرُ الحوار لتلتقط مني صاحبة الرسالة مفاتيح اللغة والكلمات وتسردُ بنفسها قصتها أو حُلمها كما روتهُ لي.

الحُلم:

"قصتي ببساطة هي تهويمة فى عوالم الأحلام ,أو لنُسميها حُلم ليلة صيفٍ,لأنها تنبثقُ من رحمِ عيون الصيف و دموع سماوات الليل وأستار الثلوج فى عُمق حرارة الشمس! .قد يتعجب البعض ويُبادرُ أحدهم بالسؤال,هل من قيمة مادية فى حُلم عادي وبسيط ,حُلم هوائي,لاجدوى منه,والإنسان مصنوعٌ من مادة والكون كذلك يتركبُ من مواد مختلفة ؟هنا سأُوضحُ توضيحاً هامشياً على جانب سياحتنا النثرية وأقولُ :أن للإنسان جانبين ,واحد مادي التكوين والآخر روحي .الروح ,تلك الفِطرة الشفافة التي لا نعلافُ عنها شيئاً ولا نُدركها أو نلمسها بأيدينا وبالرغم من ذلك فإننا لا نُنكرُ وجودها .الروح هي قِوام الإنسان وفى خروج الروح من الجسد فناء و موت وإنتقال إلى العالم الآخر,وبما أن فى الروح حياة ,ففى حُلمي هذا ,أُجدُ الروح شاخصةً ,إنها روح الحياة ومكنون الذات ,مصدرُ النور والأمل ,فهل فى ذلك الأمل الروح تهويمة فراغٍ بلا جدوى؟لا أعتقد.الأن نعودُ لنصق قصتنا النثرية ,وسأبدأها من المنتصف ,فهي هرمية التكوين لا من خلل فيها ولا شوائب ولا عطب.رائحة القهوة ,نعم ,للقهوة مكاناً عميقاً فى حُلمنا هذا , فقد حلمتُ فى إحدى الليالي, أن والدي قد عاد للحياة ,وبُعث من جديد ,عاد من عالم الموتى وغيابات الروح ,أكان ذلك من تأثير رائحة القهوة ؟ ربما.الرائحة كانت ذكية ,عتيقة الملمسِ ,عقيقية الروحِ ,فضية فضفاضة ,لاحدود لها ,تسيحُ بين سماوات الكون ,تسيرُ فى رحلةٍ طويلة و تأخُذنا معها لمقاهي الجمالية والحُسين,حتى ترتكزُ على جدران المشربيات وأسوار الحاراتِ.من هنا بدأ الحُلم ,ففى رائحة القهوة ,تخيلتُ عودة الأبِ,كعودة الروحِ لتوفيق الحكيم !وهنا سيأخُذنا الحديث لعوامل خلق الكون ,التربة والماء والهواء ,فبعد سياحتنا المذكورة مع كوب القهوة الصباحية ,نحتاجُ الأن للماء فى حُلمنا الجميل !نعم للماء ,فقد هامت الروح بعيداً ,فى فناء الحديقة المهجورة ,المسحورة التي أرمُقها ليلاً ونهاراً عليّ أعرفُ سر الحياة فيها ,وهنا تخيلتُ والدي ,فى خضم أمواج المِطر,دمعة تدحرجت على جنبات العينِ.فى رائحة المطرِ ,تخيلتُ ذلك الوالدِ ,يربتُ كتفي ويقول أتعرفين طوفان النبي نوح عليه السلام ؟ستجديني هناك ,نعم هناك ,من بعيدُ أُقبل فى سفينة تتهادى بين أمواج المطرِ.والأن يتحولُ بنا الحُلم ويأخذنا لدائرة البداية ,تلكَ النُطفة البشرية الأولى ,أنها مرحلة خلق الإنسان ,المرحلة الأولى داخل رحم الأم.وهنا نبدأُ الحُلم ,ينشطرُ لعدة رؤى وأماني ,فيها أجدُ رائحة الحياة وبعث الروح.حلمتُ أن والدي  قد بُعث من جديد ,ليُرافُقني ذات يومٍ ويصطحبُني مع بواكير الصباح الأولى وعلى أصداء  صياح الديك إلى المدرسة !ومع إنتهاء يومٍ دراسيٍ طويلٍ ,يشتري لي النستلات والمارسيبان لنعودَ سوياً للمنزل وأرتمي فى أحضان الأم وأنامُ طويلاً لعل الزمن يتوقف والوقت لا يمرُ.وهنا أتذكر وأفكرُ فى نفس الوقت, أيعود الزمن؟أيرتحلُ بنا لأيام الطفولة الأولى مرة أخرى ؟نعم كل ذلك يحدثُ فى طيات الحُلم ومن هنا يكتسبُ الحُلم قيمة روحية وإن كان مُفرغاً,لاملموساً أو مادياً.حلمتُ أني فى أحضان الطفولة ,وأني أُرافقُ الوالد فى رحلة نهرية  بالأتوبيس النهري النيلي أو إلى حديقة الحيوان فى أيام الجمعة من كل أسبوعٍ ,نطعمُ البطات ووالدتي تقطعُ كسرات الخُبزِ وتُلقي بها معي فى بركة الحديقة لتتقاسمها البجعات والبطات وربما يلعبن بها من فرط السعادة !.غبتُ بعيداً وسرحتُ طويلاً فتذكرتُ أقفاص العصافير وهنا عندي وقفة عميقة فلكل عصفورٍ منها حكاية ومن بينها تخيلتُ الوالد عصفوراً يحملني على جناحيهِ بعيداً,ويأخُذني لشاطئ النيل ,يدفعُ عربتي, عربة الأطفال حيناً ويُمسكُ بيدي أحياناً و ربما يحملني على كتفيه ونسيرُ طويلاً ,نحنُ ثلاثتنا ,نشتري الذرة المشوية وقلائد الفُل المصري ,فأُصر أن يرتدي قلادة الفُل كما أفعل ذلك مع أُمي ,وبعد نهاية يوم طويل أغفو على صدر أبي من شدة التعبِ ليعودَ بي للمنزل ,لتبدأَ دائرة أحلامي من جديد, تِلك الدائرة التي لا تنتهي بل تمتدُ فى طيات اللاشعور ,لتأخذني بعيداً ,نعم بعيداً عند أطلال دراجتي القديمة,أيام الطفولة الأولى ,فأسمعُ أصداء صوتٍ من بعيد :"قائدة من الطراز الأول !لا بل سفيرة أو وزيرة تطيرُ على أجنحة سناجب الغابات ,تتسلقُ سيقان الأشجارِ لأحملها على ظهري فأنا من أبناء جلدتها,سنجاباً برياً بذيلٍ طويلٍ وعيونٍ بُنية عميقة الحُزن حيناً وطفولية البريق أحياناً وجريئة كأمواج البحر المُتلاطمة ,فى أوقات الغسق! أجمعُ بين عُمق ثورة البركان فتجدُني فى لهيب النورِ والنارِ وبين زخاتِ نسائم الفجرِ.نعم هي سنجابة برية أراها تركضُ مع بنات جلدتها ,وأنا أحملها على ظهري لنتقاسمَ حبات الجوز واللوز والبندق والفسدق وبذيلي الطويل أحميها, ,وأضمها لترتاح من عيونِ ونظراتِ البشر,ترمُقها تقتُلها,تُبكيها,تُضحكها ,ضحكاتٍ ظاهرية لتُخفي أحزاناً طوال كأحجار جبال مكة التي كانت تراها جزءاً من تكوينها الروحي ,تنصهرُ معها علّها ترفعُ عنها عنت الأيام وأجواعً قسمت الظهرَ نصفين. ".الأن تتحولُ بنا دائرة الحُلم فهي دائمة التحوّل ,أمشي طويلاً فى الشوارع الخلفية المجاورة لمنزلنا ,خاصةً فى صباح يوم الجمعة من كل أسبوع ,أسمعُ صوتَ موسيقى الجيتار ,تتدفقُ من إحدى نوافذ البيوت الصامتة ,فأكملُ السيرَ وأسمعُ صوتً أخر لكمانٍ حزينٍ ,ينبثقُ من شرفة تِلك النافذة البعيدة ,فيأخُذني فى رحلة عبر غيابات الزمن لأيام الطفولة,فأتذكرُ تِلك الطفلة صاحبة السنوات الأربع ,الملاك الحائر ,أو الثائر على حد وصف جبران خليل جبران.أشردُ أكثر فأتذكر تِلك الطفلة,تلقائية المشاعر ,صعبة المراس ,قوية الإرادة,كما كنتُ أراها ولازلتُ أراها ,أتذكرها عندما كانت تُصالح والدتها ,إذا حدث بينهما  زعل أو خلاف ,كانت تقومُ بالليل ,وتُمسكُ بالأوراق والقلم ,لترسمَ بستاناً من حدائق الورود وعدة قلوب وأمواجِاً من أقواس قُزح ثم تكتبُ لها بالفرنسية والإنجليزية والعربية "ماما سامحيني أُحبكِ كثيراً".أنتهت خلوة شرودي فى تِلك اللحظة وعُدتُ للواقع مرة أخرى ,وعاد معي الحُلم لينبضَ بروح النور,ركبتُ سيارتي وذهبتُ فى جولة سياحية لزيارة أحياء الزمالك وشارع حسن باشا صبري  وهناك أسيحُ بين أوراق الأشجار ,ذلكَ الممشى المموج بأوراق الخريف الذهبية فأنا منها وهي مني ,وإذا سألنها ستحكي عن ساعات الدراسة الطوال ,أيام الشِتاءِ.ثم ركبتُ سيارتي وسحتُ بها إلى أن أستقر بي المطاف فى كافيتيريا جروبي المثال فى قلب القاهرة النابضة وهناك جلستُ أتناولَ الجاتوة والبقلاوة وأشربُ السفن آب , ثم دخلتُ فى موجة سياحية جديدة,تنصبُ فى تيار اللاشعور,أرتحلتُ عبر الزمن وعاودني الحُلم من جديد فتذكرتُ أعياد ميلادي الأولى,وسمعتُ صوتاً من فضاءٍ بعيدٍ يقول:"عُقبالك يوم ميلادك,لما تنول اللي شغل بالك يا قلبي"وصوتاً أخر يقولُ:"يا ملكة القلب فى إيدك ده عيد الدنيا يوم عيدك"ثم نختمُ تِلك الفقرة الموسيقية بذلك الصوت الأصيل يأتيني من بعيد عازفاً لأغنية طفولتي المُفضلة وهي :"بسبوسة,بسبوسة,بت يا دوسة يا دوسة شيلا البسبوسة,والله إحلوتي وكبرتي وبقيتي عروسة".تذكرتُ دبدوباتي,وشارع فؤاد ومحل حلويات قويدر حيثُ كانت تشتري لي والدتي كعك الميلاد ,تذكرتُ بائع الصُحف والجرائد الماثل أمام معبد اليهود,حيثُ كانت تبتاعُ لي والدتي مجلة ميكي للأطفال,وربما كنا نشتري أرنباً (أرنوباً)أو دبدوبة جميلة.سحتُ فى سماوات الحُلم,فحلمتُ بالوالد قادم من بعيد,ليحملني أنا ودبدوبتي أو عروستي (كرومبة)الكبيرة التي كنتُ أجعلها ترتدي العديد والكثير من الفساتين المتنوعة وفساتين السهرات, ويضمني,يضمنا نحن الأثنتين, ويُطفئ معنا شموع الميلاد ,ثم يُقبلني لينتهي ذلك اليوم الجميل على أضواء شموع عيد الميلاد ,التي كنتُ أنام ليلاً على ضوئها.عدتُ للواقع من جديد,إنقلبت قاعدة الهرم رأساً على عقب!صرختُ يوماً ,والضيقُ يغمرني ,لا من أمل أن يغدو الحُلم واقعاً,فجدران الحُلمِ لايمكن أن تتهدم وأحجار النارِ لا تنطفئ!.هنا,وفى تِلك اللحظة ,سمعتُ صوتاً ,يقول :"إذاً سنُغير مسار الحُلم...شئتِ أم أبيتِ فالحُلم قرر الصمتَ طريقاً.السؤال ومنذ اليوم سيكون بسطرين,بكلمتين ,بحرفين,لا,بل لا من سؤال!هكذا يكون الحُلم هواءاً لا جدوى منهُ".لكن هنا نقول وأعتقدُ أن القارئ الكريم يتفقُ معي ,أن القلوب لا تتغير حتى وإن كان الحُلم مُجرد هواءاً يتغيرُ ويتبدلُ.الأن فقط أنتهى الحُلم ,ربما ,كما يبدو ,أوعلى الأقل حتى هذة اللحظة لنعودَ بالزمن من جوف الماضي فى رحلةٍ نحو الحاضر ,نحو الحياة الراهنة .إنها تِلك الطفلة هي نفسها تِلك الفتاة الشابة,أراها عازفة البيانو ,داخل لوحةٍ من لوحاتِ رينوار ,تجلسُ أمام البيانو , تسطرُ لحنها من كلمات إسمها ,"ملكة المساءِ", تعزفُ ضحكتها ,إنها نسيجُ الألمَ لحناً يشوبُ طرقات الليل,تنزفُ حيناً,لا نزيفاً ظاهرياً ملموساً ولكنه نزيفاً من نوعٍ شفافٍ يترنحُ خلف ضحكتها, ينسجمُ مع أصابع تِلك الآله الموسيقية العاجية ,أنه ألماً يقطرُ رومانسية إفلاطنوية لاوجود لها فى دنيا البشر,ربما يُخالط ذلك الحُزن الفضيّ ضحكة تصدحُ بين أوتار اللحنِ فتُعاكسَ مجرى قرص الشمسِ لترتسمَ لوحتها ألواناً بين قُرمزية لون الحُبِ وبين رماديةِ البردِ نعم برودة الحياة ,وقسوة القلوب.أراها تُقلبُ النوتات الموسيقية ,فيضطربُ الزمن مرةً أخرى ,لتعودَ للماضي من جديد,تِلك الطفلة التي كانت تسيرُ فى شارع القصر العيني الرئيسي ,أراها كما هي تُمسكُ كفّ والدتها ,تسيرُ لا تعرفُ نهايةً للمطاف ,تمشي بجوار مسرح السلام ,حتى تصلُ إلى محل الزهور لوليتا ,لتشتري ورود القُرنفلِ.نعم تِلك الطفلة التي كانت تهوى زهور القرنفلِ لاسيما الصفراء أو البرتقالية القانية ,وتهتمُ بزراعة البصل والحِلبة هي نفسها تِلك الفتاة ,أراها الأن ترتدي ذلك المِعطف الأزرق أو الآخر الرمادي ,كما هي تهوى القُرنفل و وردة بنت القُنصل بل تتخذها رمزاً للحب وضوء الحياة, تهوى كما كانت زراعة البصل و تهتمُ بتربية العصافير ,رفقاء طفولتها, ماضيها وحاضرها.مازالتُ أراها حتى هذة اللحظة عندما تقتربُ بخطىٌ واثقةً من قفص عصافيرها ثم تشرعُ فى مداعبتهم ,فتضعُ يدها على جنبات القفصِ ليقتربَ عصفوراً من بين المجموعة,فتُداعبهُ وتقول له بالمصري(أنتَ بتحب أنك تتألوظ), فيقومُ بلعقِ يدها ,أو بإلتقاطِ إحدى خيوط ردائها للعب وكأنه طفلاً يلعبُ معها ,هي نفسها تِلك الطفلة الجالسة أرضاً بجوارِ عصفورتها (فيروزة) الزرقاء ,تبكي عليها لأن قدمها مجروحة,فتشعرُ بذلك عصفورتها,وتشرعُ فى مبادلتها نظرات الحُبِ أو غمزات الحُبِ كما يقولون,فتغمضُ عينيها ثم تفتحُهها وتُبادلها طفلتنا نفس النظراتِ كما هو الحال الأن.إن تِلك الطفلة ,الشابة أراها معي تُرافقُني تِلك الحياة المعهودة,أعرفُها فهي مشهورة,ولديها حديقة حيوانٍ كاملةٍ ,تحوي بين أستار السورِ الطويلِ القِطط ,ومن بينِها ,قُطيطة صغيرة بيضاء بذيلٍ أسودٍ جميلٍ أعطتها لقب (كورة)!,تحملها على صدرها,تضمها,فتتعلقُ بأستارِ ردائها وتأبى أن تنزلَ أرضاً وتتركَ سيدتها.الحُلم حياتها ,يمضى معها ,يسيرُ داخلِ قلبها,يتمخضُ كقطراتِ الندى على أوراق الوردِ فى معرضِ زهور حديقة الأورمان الواقعة أمام تمثال الشاعر أحمد شوقي وكأن شاعرنا حاضرٌ بيننا لينسجَ قصائدهُ بين أوراق فصول السنة, التي تمرُ على حديقتنا ,لطالما أراها تذهبُ هناك فى شهري نيسان وآيار لتشهدَ حدثاً جميلاً وهو معرض زهور الربيع وتتمشى بين الورودِ والزهور من شتى الأنواعِ والألوانِ ,حتى تنصهرُ الروح من بين أسوار الجسدِ على عتباتِ تِلك الحديقة العتيقة".

عين اليمامة :

أٌقولُ لصاحبةَ هذا الحُلمِ الجميلِ ,أن حُلمها  لم ولن ينتهي فهو فى ديمومةٍ لا تعرفُ طريق التحوّل أو التغيير ,ستظلُ كما هي وحلمها سيبقى فى القلبِ واقعاً نابضاً مموجاً مسدولاً بين أمواجِ النيل العتيق ,لا سيما ذلكَ النيل دامع العينين ,الماثل فى حيّ جاردن سيتي ,حيثُ كانت تهوى السيرَ فى قلبِ شتاءِ القاهرة ,فتمتزجُ برودة الطقسِ بدمعاتِ عينيها .وأختمُ ذلك الحُلم الجميل ,وفى ختامي  لرسالة صاحبتنا ,بطلة ذلكِ الحُلم الورديّ , أُرددُ بيت شعرٍ لأحمد شوقي وهو مشهور من قصيدة "وُلِدَ الهُدى" :"وإذا رحمتَ فأنت أُمٌ أو أبٌ ,هذان فى الدُنيا هما الرحماءُ".صديقتي , رفيقتي حُلمكِ لن ينتهي ,فقيمة الأم والأب فى حياة الإنسان ديمومتها لا تنتهي ,وحُب الأمِ والأب لا ينضب حتى وإن رحلا أو إرتحلا عن حياتنا ,حتى وإن غضِبنا منهما أو غضبا منا ,لكن حُبهما لا ينتهي .

القاهرة, 14\2\2013.

نيفين ضياء الدين


التعليقات




5000