هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


اختفاء رباب ماردين... رواية... الحلقة الخامسة

حوا بطواش

 

الرجل غير العادي

 

جلست على أحد المقاعد التي تشرف على الملعب وراقبتهما أثناء التدريب. أيعقل أن توجد علاقة عاطفية بينهما؟ لماذا بدا الكابتن منصور محرجا الى هذا الحد أمامها؟ أيكون ذلك لأنه يحبها؟ ولماذا تمتدحه كلوديا وتفتخر به وكأنه من أملاكها؟

"من حسن حظنا!" قالت عن بقائه في المدينة. ماذا كانت تقصد بذلك؟ كرة المضرب هي مجرد هواية وتسلية بالنسبة لها فهي لن تحترفها. فلماذا يهمّها أنها تتدرب على يديه بالذات؟

بعد انتهاء التدريب، انضمّت اليّ كلوديا.

قالت بلهجة رقيقة: "أرجو أنك لم تشعري بالملل."

"لا، أبدا. المكان هنا جميل جدا." أجبتها.

"فعلا." قالت. ثم علت شفتيها ابتسامة خجولة وقالت: "أرجو أن لا تكوني قد أخذت عن الكابتن منصور انطباعا خاطئا فأنا أبالغ حقا عند حديثي عنه."

"لم أفهم قصدك بانطباع خاطئ. لم تقولي عنه الا الخير؟!" قلت باستفهام.

"أقصد... أنه مدربي فحسب، وكل ما قلته ليس الا تقديرا لإنجازاته." تمتمت.

"فهمت."

انفرجت ملامح وجهها لتعود الى براءتها المحببة وهي تبتسم ابتسامتها العذبة، كأنها ارتاحت بعد أن قُبل اعتذارها. تعجبت لِمَ كان عليها شرح نفسها أمامي؟! ولمست فيها شيئا من الغموض.

طلبنا مشروبا باردا وجلسنا ندردش ونستمتع بالهواء العليل، المنعش، الذي هبّ بنعومة حاملا معه عبق الأزهار والأشجار التي تزيّن زوايا النادي.

سمعت كلوديا تسألني: "كيف وجدت منطقتنا؟"

"إنها جميلة جدا،" أجبت. "البحر، الجبال، الحدائق والمنزل الكبير... لا بد أنك تحبين حياتك هنا."

"طبعا." قالت وقد أشرق وجهها. "لقد ولدت هنا وأحب أن أبقى هنا طوال حياتي، فأنا لا أعرف بيتا آخر، ولا عائلة أخرى. عائلة ماردين كانت دوما لطيفة معنا، استقبلتنا بحفاوة ورحابة صدر وجعلتنا نحسّ أننا منهم. السيدة ماردين تكنّ لأبي تقديرا كبيرا، وتعرف مدى أهميته في الشركة. حين أكبر أحب أن أقوم بعمل مهم في الشركة، تماما مثل أبي."

"أنا واثقة أنك ستحققين مرادك ما دمت متلهّفة لذلك."

"أرجو ذلك. تعلمين؟ أبي هو الذي أنقذ الشركة قبل سنوات، حين ورّطها زوج السيدة ماردين بالصفقات الفاسدة والديون المتراكمة. فاستعانت السيدة ماردين بأبي، الذي كان حينئذ شابا في مقتبل العمر وبداية حياته المهنية، ولم يكن قد تزوّج بعد. وفعلا، استطاع أبي أن يخلّص الشركة وعائلة ماردين من أزمتها، فعيّنته السيدة ماردين مديرا عاما. حتى كبُر حسام فأصبح يشغل هذا المنصب وأبي هو نائبه. لم يخطر ببال أحد أنه سيبقى في منصبه... أقصد حسام... بعد اختفاء رباب. ولكنه بقي."

تعجّبت من كلامها. "وما علاقة ذلك بعمله؟"

"السيدة ماردين حين تغضب لا يفلت منها أحد."

"أتقصدين أنها كانت غاضبة من حسام؟"

"طبعا، وما زالت غاضبة. لا أحد ينسى مثل هذا الأمر حتى لو كان قد نفذ منه."

"لم أفهم، لماذا تغضب؟"

"ألم تشكّ بأنه كان سبب اختفائها؟ الكل هنا يعرف ذلك."

"ماذا تقصدين؟ ماذا يعرفون؟"

"أن حسام... قتلها."

انقبض قلبي في داخل صدري واشتدّت ضرباته. لم أستطِع التفوّه بكلمة واحدة. كنت مصدومة. رباب... قُتلت؟؟!

كانت هذه هي أول مرة يخطر لي أنها قد تكون ميتة. ولكن... كيف؟ ولماذا؟ كان عليّ معرفة المزيد من كلوديا.

رفعت عينيّ اليها وحاولت جاهدة استرجاع هدوء نفسي. رأيتها سارحة بعينيها بحزن وحيرة. ثم سمعتها تقول وهي ساهمة: "رباب المسكينة! إنها لم تكُن سعيدة أبدا في زواجها."

وفجأة... أمسكت فمها بيدها، وقالت وعيناها تتوسلان: "ولكن... أرجوك أن لا تخبري أمي بما قلت. إنها لا تريدني أن أتحدّث عن الموضوع، ولكنني، أحيانا، أنسى..." ثم بدت في براءة الأطفال وهي تقول: "أنا آسفة. كان الأفضل أن لا أخبرك."

فقلت لها بهدف كسب ثقتها: "لا تقلقي. لن أخبرها بشيء. طمئِني قلبك يا عزيزتي. أنا أدرك أن من الصعب السكوت على موضوع كهذا."

"معك حق،" قالت بصوت حزين. "ولكنني لا أريد أن أغضِب أمي."

لم نضِف شيئا على الموضوع. عدنا الى البيت ساهمتين... سارحتين. وأنا قضيت الليلة في غرفتي ساهرة، شاردة، وعلامات السؤال والتعجّب تكبر في ذهني وتثقل عليه.

*   *   *

في الأيام القليلة التالية بدأت أعتاد حياتي الجديدة في بيت عائلة ماردين. كنت أستيقظ عند الثامنة والنصف، أجهّز نفسي وأهبط الى غرفة الطعام وأتناول الفطور بمفردي في أغلب الأحيان، ثم أذهب الى غرفة السيدة ماردين عند الساعة التاسعة لفحصها الصباحي. وكنت غالبا أقضي ساعات الصباح معها، إما في غرفتها اذا كانت متعبة، او نخرج الى الشرفة او الحديقة. وكانت السيدة نخايلة والسيدة أخشيد تنضمّان الينا أحيانا. عند الواحدة ظهرا كنت أتناول طعام الغداء مع حميدة وكلوديا أخشيد، ثم أتفرّغ لنفسي الى الثامنة مساءً، حيث موعد طعام العشاء مع العائلة. عند التاسعة مساء، أجري للسيدة ماردين فحصها الليلي فتخلد الى النوم، الا اذا كانت صحتها متوعكة، فأبقى أتردد عليها طوال الوقت، او أبقى بجوارها.

كان اهتمامي بمن حولي لا يقل حجما عن اهتمامي لمعرفة سر اختفاء رباب. وجدت نفسي أستمتع في قضاء أوقات فراغي مع كلوديا أخشيد، رغم صغر سنها، وقد أثارت الفتاة اهتمامي. كنا نذهب معا الى النادي بعد الظهر، نلعب كرة المضرب او نستحم في البركة او نجلس في الكافيتيريا وندردش.

عرّفتني كلوديا على ليندا، صديقتها المقربة. كانت ليندا فتاة ودودة ولطيفة في مثل عمرها، وهيأتها بسيطة. كانت متوسطة الطول، لها شعر أسود قصير، عينان لوزيتان بنفس اللون، وبشرة سمراء. كانت تختلف كثيرا عن كلوديا في شكلها وطبعها، وتعيش في المدينة، ولم أرَها يوما تأتي لزيارة كلوديا في البيت، ولا رأيت حتى كلوديا تذهب لزيارتها. بل كانت لقاءاتهما تقتصر على النادي والمدرسة.

كما وجدت نفسي على علاقة صداقة مع وسام ماردين، بعد أن أصرّ على أن يعلمني ركوب الحصان ويأخذني الى جولة في الهضبة القريبة. كان وسام على قدر كبير من اللطف واللباقة، بشوش الوجه، يعشق الحياة ويحب المرح. فارتاحت له نفسي ونشأت صداقة جميلة بيننا. كنت أستمتع بصحبته وأحب حديثه الذي لا يُملّ. كانت له طريقة مميزة تشدّ الناس بكلامه الممزوج بالفكاهة والسخرية، بعيدا عن التجريح والإساءة لأحد، وكنت مبهورة بحضوره الجميل ووسامته الأخاذة.

كنا نلتقي بعد الظهر ليعلّمني ركوب الحصان. وكان قد مرّ ما يقارب الشهر حين قرّر أن يأخذني أخيرا الى الهضبة. خرجنا عبر باب حديدي صغير، بالقرب من الإسطبل، وسلكنا طريقا ترابيا يحفّه صفان من أشجار السرو الشامخة. ثم وصلنا الى طريق يفترق الى اليسار، قال لي وسام إنه يوصل الى الحرشة.

لم يطل بنا الوقت حتى وصلنا الى حديقة من أشجار البلوط الكبيرة. ربطنا حصانينا الى شجرة قريبة وخطونا نحو الحافة التي تطل على البحر.

"ما أجمل هذا المنظر!" قلت بتأثر وانفعال، وأنا أرى منظر أمواج البحر المتكسرة على الصخور السوداء، مترامية نحو الأعلى.

"أنظري،" قال وسام. "ها هي المدينة تبدو من بعيد."

حوّلت نظري تجاهها فرأيت مبانيها الشاهقة تبدو من بعيد. وفي الجهة المقابلة، كان منظر البيت والشاطئ غاية من السحر والجمال.

هبطنا الى الشاطئ عبر طريق صخري منحدر، وتقدّمنا ببطء على طول الشاطئ الذهبي نحو البيت. كنا قد اقتربنا من الطرف الآخر للشاطئ حين لمحت شخصا يتزلج على الأمواج.

وقفنا بمواجهة البحر.

"ها هو حسام، أخي الأصغر." قال لي وسام. "لقد عاد اليوم من سفره."

حدقت نظري اليه، وقلت: "إنه يبدو بارعا في التزلج."

"إنها هوايته الوحيدة."

بعد لحظات، كان حسام عائدا الى الشاطئ فانتبه لوجودنا. جمد قليلا في مكانه، ثم أخذ يتأملنا بشيء من الدهشة، ثم اقترب حتى وصل الينا، ووقف يرشقنا النظر بعينيه الرماديتين "الماردينيتين"، في وجه مقطّب، ملوّح بالشمس. كانت له قامة طويلة تمتدّ بقوة وتناسق، وفوق رأسه يستوي شعر بني فاتح، وكأنّ الشمس لوّحته هو الآخر بعد أن كان ذهبيا مثل شعر أخيه.

سأله وسام: "متى وصلت؟"

"قبل زمن قصير." ردّ حسام بصوت خشن، صلب.

"أعرفك على الآنسة مدنية، ممرضة الوالدة." قال له وسام مشيرا إلي.

"ممرضة؟" تعجّب حسام. وبعد لحظة من التحديق في وجهي، أضاف قائلا: "تذكرت. سمعتهم يتحدثون عن ذلك قبل سفري." ثم رأيته يقلّص حاجبيه بازدراء واضح، وقال متوجها الى وسام: "وأنت قررت بلطفك أن تطلعها على المنطقة؟!"

"كنا في الهضبة." رد وسام بنبرة طبيعية. "لقد علّمتها ركوب الحصان، واليوم أخذتها الى الهضبة. لقد أعجبها المنظر، أليس كذلك؟" توجه اليّ.

"إنه منظر بديع حقا." قلت باقتضاب وأحسست بالتوتر الذي نشره حسام ماردين في الجو.

"ولم تأخذها الى أي مكان آخر عدا عن الهضبة يا أخي الأكبر؟" سمعت حسام يسأل بلهجة متهكّمة، وأنا استغربت ماذا كان يقصد بكلامه.

وجدت وسام يرد دون أن ينجرّ وراء لهجته: "كنا في الهضبة ثم هبطنا عن طريق المنحدر الى الشاطئ، حتى وصلنا الى هنا، وفوجئنا برؤيتك."

حاولت أن أرطّب الجو. قلت لحسام: "أنت متزلج بارع على الأمواج."

رأيته يرفع حاجبيه استعجابا (او ربما استهزاءً؟!) ووجّه نظرة حادة إلي، وقال: "أتريدين أن أعلّمك التزلج على الأمواج مثلما علّمك أخي ركوب الحصان؟!"

نظر الي وسام والحرج بادٍ في عينيه، وكأنه يعتذر عن أخيه. قلت لحسام بكثير من المقت: "لا داعي لذلك. لا أريد إزعاجك."

"فهمت." رد. "النساء هنا يفضّلن إزعاج وسام بشتى الوسائل، وهو يحب إزعاجهن. لا أستطيع أن أفهمه. ولكنني حتما أفهمك أنت."

"أنت تفهم طبعا أنني أراك مشغولا بأعمالك أكثر من وسام، ولهذا لا أريد إزعاجك."

"ربما أكون مشغولا،" قال. "ولكنني أحب التزلج، فهو الوحيد الذي يهدّئني ويبعث في نفسي بعض الراحة، ولن أنزعج من تعليمك إياه."

فقال له وسام: "ربما الآنسة مدنية لا تحب أن تتعلّم."

فارتسمت ابتسامة شامتة على شفتي حسام، ورد: "معك حق، يا أخي الأكبر. إنها رقيقة ولا تناسبها مثل هذه الهواية. من الأفضل أن لا تتعلمها." 

تركنا المكان وعدنا الى البيت.

كلانا كان صامتا، وكأنه لم يعُد هناك ما يقال. كان فكري مشتّتا وعقلي مشوّشا. لماذا تصرّف حسام ماردين بهذه البرودة؟؟

قلت لوسام وأنا أمزق الصمت المشحون بالتوتر: "يبدو أن أخاك مشغول جدا بأسفاره."

"هذا صحيح." رد وسام. "إنه يقضي معظم أوقاته في الخارج، وهذا ما يريده هو، وفي الواقع... هكذا أفضل للجميع."

"أفضل؟" تعجّبت.

"نعم." قال. "يمكنني القول إن أخي... هو شخص غير مرغوب به هنا."

"لماذا؟؟"

"هناك أشياء لا تعرفينها يا آنسة مدنية. سيأتي يوم وتفهمين أن حسام، أخي... ليس رجلا عاديا."

عدت الى غرفتي والدهشة تستبدّ بي وتزوّدني بعلامات استفهام جديدة أضيفت الى أخواتها.

ماذا كان يقصد وسام بكلامه عن حسام؟ رغم أنني فهمت لماذا يكون حسام ‘ليس رجلا عاديا‘، الا أنني أحسست أن تلك ‘الأشياء التي لا أعرفها‘ هي التي تفسر الكثير من الأمور. ما هي هذه الأشياء التي لا أعرفها؟ ولماذا يكون "ليس مرغوبا به"؟؟

ثم وثب في ذهني السؤال: كيف أحبّت رباب هذا الرجل؟؟

يتبع...

حوا بطواش


التعليقات




5000