.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة في (كتاب الرؤيا) لمنعم الفقير...عبد العزيز بومسهولي

منعم الفقير

يتم رفع الصورة

يتم رفع الصورة

عبد العزيز بومسهولي

 

إرادة الرؤيا أو هكذا رأى الشاعر

قراءة في "كتاب الرؤيا" لمنعم الفقير

 

>أريد أن أكون شاعراً، وأعمل لأصير رائياً، يتعلق الأمر بالوصول الى المجهول عبر خلخة قواعد كل الأحاسيس

أرثور رامبو

 

"كل إرادة تستتبع تقويماً"

نيتشه

"رأيت أن من لا رؤيا له، لا رؤية ولا رأي له"

منعم الفقير

 

 1- في الرؤيا: "هرمس - رامبو - الفقير

 

تمثل الرؤيا البؤرة الأكثر حيوية في الخلق الشعري، إنها إحساس مضاعف بدور الكائن في العالم، واعتمال حدسي لمغامرة الكينونة، وهي تنفتح على أبعاد الوجود الخفية، وانباءاته السرية.

تتفق المعاجم العربية على أن للرؤيا مدلولاً مزدوجاً هو النظر بالعين والقلب· وفي المعاجم الفرنسية ربط أساسي بين الرؤيا وبين مدلولها الفلسفي: الكشف والإشراق الروحي· والرائي أو الرؤيوي في قاموس، Lepetit Robert : يشير إلى الشخص الذي وهب الرؤيا المضاعفة Seconde Vue ثم يردف معنيين آخرين يعضدان هذا المدلول هما: الإشراق والروحانية· فالرائي من هذا المنظور يمتلك الإنارة التي هي أداة روحية للكشف والتجلي على نحو ما نجده في رؤيا "هرمس" الغنية بتأمل الوجود انطلاقاً من مبدأ إرادة المعرفة الحيوية أو بتعبير الجابري "العرفان"، يقول "هرمس" في رؤياه التي يكشف فيها هوسه بامتلاك معرفة وفهم العالم:"ذات يوم، بينما أنا مستغرق في تأمل الموجودات بفكر يحلق في الأعالي، وحواسي معطلة كما يحدث لأولئك الذين يهجم عليهم نوم عميق · · · بينما أنا كذلك إذا بي وكأن كائناً عظيم القامة يفوق كل تقدير وقياس يناديني باسمس ويقول لي:  "ماذا تريد أن تسمع وترى، وبفكرك أن تتعلم وتسمع؟"  فقلت: لكن منْ أنت؟ قال: "أنا بوامندريس، الرب مالك الملك، أعلم ما تريد وأنا معك أينما كنت"· قلت: أريد أن أعرف عن الموجودات أن أفهم طبيعتها وأن أعرف الله· ثم أردفت قائلاً: آه كم أنا متشوق للاستماع، فرد عليّ بدوره قائلاً:"استحضر جيداً في عقلك كل ما تريد أن تعرفه· وأنا سأعلمك· وما أن أنهى كلامه حتى غير مظهره، فانكشف أمامي ·· فرأيت مشهداً لا حدود له· لقد تحول كل شيء نوراً ناصعاً بهيجاً أحذ بلبي، بمجرد ما أبصرته ···". (1)

فهذه الرؤيا إفصاح عن إرادة البعد الخفي/ السري للوجود· ومن ثم غدت مصدراً هاماً لتغذية الخيال الشعري وتفعيل عملية الخلق الإبداعي بما هي اعتمال لرؤيا الكائن المضاعف· هذه الرؤيا التي تدمر حدود الواقع الجامدة في نفس الوقت الذي تنير فيه طريق الكائن المفتون باللذّة التي تلازم فعل السفر الدائم والمغامرة والتيه نحو عالم المجهول.

ولعل الشعر الحداثي كان أكثر إدراكاً لمنابع هذا التصور الذي يعتمل لمبدأ أرادة الرؤيا بما هي إرادة عرفان، يخرق قواعد العقل ألأداتي، ليحرر الذات من التناهي العقلي، وليمكنها فعلاً من ممارسة اللاعقلانية في أقصى تطرفها وبعدها عن الامتثال لمواصفات الموضوعية الحاجبة للحقيقة في بعدها ألتعددي والاختلافي، ولتنفلت حقاً من التشيوء الناتج عن التأثير التقنوي، والبرمجة الآلية.

وهذا ما يؤهل الشعر على تعبير "ادورنو" لكي ينفلت عن موضوعة القيم العقلانية وليمارس الانغماس في اللاعقلانية، تمهيداً لتجديد الصيرورة الفاعلة للوجود المعين الأكثر تعبيراً· من هذا المنظور فإن الشعر يمكن الكائن من تحقيق الرغبة في ممارسة الخلق الحيوي للعالم، وإعادة بناء القيم التي ينبني عليها الواقع، انه تعبير أصلاني عن إرادة الرؤيا، إرادة شعرنة الوجود وهذا ما جعل "رامبو"  الشاعر الرؤيوي يقول:

>أريد أن أكون شاعراً، وأعمل لأصير رائياً· فالأمر يتعلق بالوصول الى المجهول عبر خلخلة قواعد كل لأحاسيس، فالمعاناة والآلام ضخمة، ولكن يجب أن أكون قوياً، أن أولد شاعراً، وقد أعترف بي شاعراً، وهذا ليس خطئي بتاتاً· فلا يصح القول: أنا أفكر، بل يجب أن نقول: يُفكر في - عفواً على التلاعب بالكلمات·(2)

يخالف الشاعر الرؤيوي الكجيطو الديكارتي الذي يتوخى البرهنة العقلية للوجود، وصولاً إلى يقين منطقي، إلى المعلوم المدرك سلفاً، لذا فهو يستبدل البناء للمعلوم، ببناء للمجهول، تكون فيه الذات مشاركة للآخرية، ومنكشفة لاحتمال التماهي المفتوح على أقصى حالات التماهي بالغير:

"أنا هو الآخر". (3)

  "Je est un Autre"

من هذا المنطلق أيضاً فإن انخراط الأنا في صيرورة " الشعور مع"، أو "الوعي بالمعية" في عملية انبناء للمجهول هو تعبير أصلاني عن توجه الرؤيا التخييلية نحو إعادة اكتشاف الكينونة وإعطائها بعد الإينّية الذي يتجاوز المعادلة الكارتيزية:

"أنا = عملية التفكير"

إن الأنا - في منـظور "رامبو" الرؤيوي - يتراءى في الآخر، >لكن الغير موجود- لذاته، فهو لهذا "أنا" و"آخر"· كذلك  "الأنا/المتكلم" موجود- لذاته، بصفته ذاتاً، وأنا-آخر(alter - ego) بصفته ذاتاً للآخرين ··· أمّا ما نجده في تفكير الكوجيطو إنما هو أنا - لذاته- ولاشيء من أنا- للآخرين.

وبفضل نظرية الوسط المجاور - التي استفادت من حدس رامبو الشعري - يمكن أن يفهم الـ"أنا" ككل منغمر في تداخل الذوات"intersubjectivité"  بصفته نواة دائماً لفكر يفكر في العالم وفي الآخرين وفي ذاته وفي الروابط بين الأنا -نحن-آخرون- في العالم. (4)

ويمضي منعم الفقير في نفس الاتجاه معمقاً الرؤية للأنا بوصفها اعتمالاً لعملية التداخل بين الذوات:

رأيت إني أنا، مادمت أنا، أنا

رأيت أن سواي مبرر أناي. (5)

رؤيا الأنا هنا تفصح عن تعبير يموقع وجود الكائن ضمن الآخر الذي يضحى شرطاً يبرر وجود الأنا، ويمنحها فائض الشعور بالأنوية، حيث تكتشف بعدها الاستقلالي لا الانفصالي المنعزل.

إن الشعر من هذه الوجهة يضحي مساهمة في إعادة اكتشاف الكينونة عبر الدخول إلى منطقة المجاهل لسبر غور الوجود، ومن ثم فدوره تأسيسي باعتباره تجلياً أساسياً لإرادة الرؤيا:

2- إرادة الرؤيا:

لا يفتأ الشاعر الرؤيوي يعلن:

"أريد أن أرى" كما هو شأن "رامبو" ، وكما هو شأن منعم الفقير الذي يربط الرؤيا بمسألة الوجود الحيوي الذي يعبر عن كائن عاقل "مَنْ" ذي رؤية حسية، وموقف من العالم، موقف يحدس ويقوّم:

"رأيت أن من لا رؤيا له، لا رؤية ولا رأي له". (6)

وإذن فالشاعر الرؤيوي ينطلق من كوجيطو الرؤيا· فالأنا هنا يساوي عملية الرؤيا:

-أنا أرى إذن أنا كائن في العالم -

"ان الرؤيا تأسيس لحقيقة الوجود، لكونها أداة أساسية لإزاحة الحجب وكشف الأسرار، يقول رامبو":

>أريد أن أزيح الحجب عن كل الأسرار: الأسرار الدينية، أو الطبيعية، أسرار الموت، الولادة، المستقبل، الماضي، الكون السماوي، العدم· فأنا حاذق في العرض ألعجائبي الخارق<

إن كل إرادة كما يقول "نيتشه" تستلزم تقويماً، والشاعر الرائي يعيد تقويم الوجود عبر خلخلته لكل المقاييس التي ينتحها العقل "الإنساني القاصر الذي يحجب ويخفي اللا تناهي، يقول رامبو:"

عقلنا الشاحب يخفي اللا متناهي:

نريد أن نرى:- الشك يعاقبا!

الشك هذا الطائر المرعب يضربنا بجناحيه · · ·

والأفق يهرب هروباً أبدياً

···· ···· ···· ···· ····· ···· ····

السماء الكبرى فتحت! الأسرار ماتت

أمام الإنسان، المنتصب وهو يلف ساعديه القويين

في الفضاء الساحر للطبيعة الغنية!

إنه يغني ··· والغابة تغني، وخرير الوادي

يردد أغنية مفعمة بالسعادة التي تتصاعد نحو النهار!

إنه الخلاص! إنه الحب، إنه الحب!

···· ···· ···· ···· ···· ········ ···· ···· ···· ····· (7).···· ····

إذن فالرائي هو هذا الكائن الذي يوظف قواه الخفية لإعادة كشف العالم وتجليته، ليتمكن من امتلاك الوجود وتفعيله، فمن الضروري إذن أن يرى الشاعر بعيداً وعميقاً بطريقة مغايرة يخترق من خلالها المواضعات والمواصفات والقيم السائدة وإذا كان نيتشه يؤكد على الحاجة إلى نقد للقيم الأخلاقية، ويدعو إلى أن نضع موضع الاتهام قبل كل شيء قيمة هذه القيم. "فإن الرائي يضع قبل كل شيء موضع الشك والنفي، ثم يحيل الأشياء والرؤى السائدة، والقيم إلى إرادة الرؤيا كشفاً لزيف السائد والواقع العيني، فبرؤيته المضاعفة سيتم اختبار العادة التي تخفي عالم التوتر الدينامكي، بإبرازها للانسجام الزائف، واللا تناقض الظاهر.

إن إرادة الرؤيا كما هو شأن إرادة القوة لا تفسر فقط بل تقوّم أيضاً.  "فالتفسير هو تحديد القوة التي تعطي معنى الشيء، والتقويم هو تحديد إرادة القوة التي تعطي الشيء قيمة". (8)

إن العقل من هذه الوجهة متهم كما هو الشأن عند نيتشه بهوس تفسير الظاهرات وتقويمها من منطلق قوى ارتكاسية وأصل هذا الهوس يجد نفسه في الصورة المقلوبة، ومن ثم فالضمير والضمائر هي مجرد تضخيم للصورة الارتكاسية، وهو ما يكتشفه الشاعر منعم الفقير في رؤيا الضمير:

رأيت أن الضمير بؤس الكائن، وبأس الكون

رأيت أن تلبيس العقل، ولبس القلب

رأيت أن الضمير إثبات العقل، ومحو القلب

رأيت أن الضمير مشقة الكون، وشقاء الكائن

رأيت أن الضمير تواري القلب، وبدو العقل

 

الضمير تعبير عن سلبية مكونة للكائن في الكون، بوصفه الموجود - الساقط، الشقي، وكما يرى "هيدغر" فإن نداء الضمير ليس سوى نداء القلق بقدر ما هو مكوّن من الموجود· في الخطأ الذي يستدعي الدّازاين الذي قدرته على الوجود الخاصة: إنه نداء مستحث لا مكانية تحمل مسؤولية الانوجاد للكائن الملقى، انه نداء لعدم تجنب الجرمية، وإن ما اختاره الدازاين بفهمه النداء هو أن يكون على الخصوص ما هو عليه، أي الموجود في الخطيئة: وفهم النداء يعني إرادة -امتلاك- الضمير: (10)

"لا أخاف الخطأ

وإنما الصواب"

 

وضمنياً فهذه الإرادة من جهة أخرى تفصح عن إرادة قوة، تتوخى إثبات التعارض مع المثل الأعلى الزهدي للحياة، الذي يتعالى عن الخطإ ويتجنب الخطيئة وهي داخله في صميم تكوين الكائن، كما أنها تفصح كل ارتكاسي في الحياة، انها من وجهة نظر "نيتشه" إرادة خداع، والفن باعتباره بحثاً عن المعرفة والحقيقة وهو اختراع لإمكانات حياة جديدة·(11) وهنا تغدو الحاجة إلى الوهم أساسية لاغناء نداء القلق الذي يستدعي الكائن في العالم الى قدرته الخاصة على الوجود:

"رأيت أن الوهم حاجة، ومن لا أوهام له جارت عليه حاجاته

رأيت أن اللا حقيقة الحقيقة الوحيدة

رأيت أن الشك هو البدء، وإليه المنتهى

لا أخاف الخطأ

وإنما الصواب". (12).

يفصح الشاعر عن الحاجة إلى الوهم بوصفة يدخل في تجربة اكتمال المشروع الإنساني التواق إلى تجسيد رؤيته من خلال الفن الذي يغدو هنا تعبيراً كينونياً عن أعلى قوة للوهم· إنه يعظم العالم بوصفه خطأ وبوصفه غنياً جداً بالدلالة(13)  إن تحفيز الإرادة وإثارتها تغدو تجلياً أساسياً للرؤيا واعتمالاً فاعلاً للحس النقدي، الحس الذي يختبر الظاهر أو الواقع المكرر، وينتقي مضاعفاً رؤيته التصحيحية· وهنا ينحاز الشاعر الرائي إلى القلب ليس بمعناه الديني الذي يغيب الإنسان كقوة عقلية فاعلة، وليس بالمعنى الزهدي الذي يقتصر على دور الاطمئنان والطاعة والقناعة الزاهدة في الحياة، ولكن بمعنى القلب، قلب الصورة، قلب القيم السائدة وخلخلتها هذا من جهة، ومن جهة أخرى بمعناه البعدي الذي يرى الرؤيا المضاعفة التي تدرك اللا متناهي، وتتجاوز حدود العقل ألأداتي، إن القلب بهذا المعنى ضد التشييء وضد التناهي أيضا:ً

"رأيت أن القلب بعد العقل

رأيت أن من كان مع قلبه، كان معه عقله، ومن كان مع عقله، أضلّ العقل والقلب

رأيت أن من كان على قلبه، كان عليه عقله

 

أنا

من

القلب

وإليه

أؤول

··· ···

رأيت أن من وجد قلبه اهتدى الى الفعل، ومن يفعل يكون

رأيت أن القلب كشف، والعقل ستر". (14)

 

فالعقل ستر حجاب، وهنا يلتقي الفقير برامبو، وفي هذا التلاقي أكثر من دلالة، وإذا كان رامبو يقول بأن عقلنا يخفي اللا متناهي، فإنه من جهة يؤكد الرغبة الذاتية القوية نحو الكشف وإرادة الرؤيا، لهذا ما يفتأ يردد -نريد أن نرى- في حين أن الفقير بنزوعه الحِكمي يقيم معادلات شعرية يظهر من خلالها العقل نقيضاً أساسياً للقلب، وهو بذلك يستلهم الرؤية الصوفية، التي تعطي للقلب مركزية محورية على أساسها يقوم انفتاح الكائن على الوجود اللا متناهي، فالقلب هنا ليس هو العاطفة الوجدانية المحدودة في الزمان والمكان، انه بوابة الخيال التي تفضي من خلالها الكينونة إلى تأهيل وجودها، فتضحى بذلك ممسكة على أسرار الكون وخفاياه بالرؤيا التي تحقق التجاوز والتعالي، تجاوز المتناهي من جهة والتعالي على الوجود المباشر من جهة أخرى.

ومن ثم تضحى الرؤيا تعبيراً تتمظهر من خلاله فاعلية إرادة الرؤيا، بما هي إرادة قوة تهدف نحو تحقيق سمو الكائن، بل خلق كائن أسمى يستجمع في كينوتنه قوى الخرق والانكشاف التي يغذي بها نزوعه الأبدي نحو الخلود، ونزوعه التكينن الجوهري في العالم:

"رأيت أن من وجدَ قلبه اهتدى الى الفعل، ومن يفعل يكون". (15)

فالقلب مفتاح الفعل، والفعل مفتاح الكينونة بالفعل، بينما العقل ألأداتي هو مفتاح الكينونة بالقوة، وفي هذا التوجه تعميق نحو إغناء التجربة الوجودية للكائن بممارسة الفعل، من حيث هو تعبير عن إرادة رؤيا تتخذ من القلب بداية الانجاز الحقيقي لتفعيل الإمكانات اللا متناهية التي يمتلكها الكائن ذي الأبعاد المتعددة الموصلة الى تعدد الحقائق:

"بتعدد الأفعال، تعدد الحقائق". (*)

لكنه لا يفضي إلى تجل للمطلق بما هو حقيقة كلية يقينية ميتافزيقية كما هو الشأن عند المتصوفة او عند فلاسفة الحضور، بقدر ما هو تجل للا متناهي، حيث يتماهى الكائن في العالم بالوجود المتعدد الذي هو مفتاح لإيقاظ الشعور من اليقين الزائف، وتحرير الوعي الباطن من عوائق الرؤيا الحاجبة للحقيقة اللا متناهية التي تنحصر في الحضور المباشر:

"رأيت أن اللا حقيقة، الحقيقة الوحيدة"

رأيت أن الشك هو البدء، وإليه المنتهى". (16)

فالمفكر الديكارتي يقول:

"أنا أشك، فأنا أفكر، وبما أني أفكر فأنا موجود"

انه يبدأ بالشك ليصل عبر تفكير الأنا الى إثبات وجود الموجود، بينما الرائي يقول:

."أنا اشك، فأنا أرى، ومادمت أرى فأنا كائن في العالم"

لكنه كائن يحلم، كائن يرى يمارس نقد الواقع ليتجاوزه وينطلق من الشك نحو الشك ليحرر كينونته من الامتلاك المعيق لإرادة فهم الوجود وتخيله، وتحقيق لذّة العبور نحو المابعد، نحو الحيوية الناطقة:

 

"رأيت أن الكون يرشو الكائن بالحلم

رأيت أن الحلم لا يضيق بالحالم

رأيت أن الحلم طهارة الحالم

رأيت أنه لا غنى عن غنى الأحلام

الحلم

ثروتي

··· ···

من ضاقت به اليقظة اتسع له الحلم

··· ···

الحلم

وطن الحالم". (17)

 

الحلم من هذه الوجهة هو إفصاح عن إرادة الرؤيا، والرؤيا من هذا المنظور لها علاقة بالنبوة، فهي حسب الحديث النبوي جزء من ستة وعشرين جزءاً من النبوة، والشاعر يلتقي بالنبي في اعتماد كليهما على قوى المخيال حسب ابن سينا.

فالحلم بما هو ثروة الكائن، هو أيضاً وطن جوهري للإقامة الدائمة، إذا ما حولنا دلالته إلى لغة حية ناطقة تشي بالوجود وتحرر الإنسان من الشيئية والفقر التخيلي.

والحلم كما يرى باشلار هو في جوهره مفجر لطاقات الخيال الكامنة حيث تنبثق رؤيا مستقبلية، وان خيال الشاعر بانفتاحه على العالم لابد له من إن يمجد الحلم ويرتفع به إلى مرتبة المثالية، وأن يحوله الى كون عظيم، وهو بإبعاده النفس عن ذاتها المتقوقعة المثقلة بالهموم والشجون يحررها من الواقع وضغوطه القاسية، ليلقي بها في عالم شفاف، إنه يلغي عنصر الزمان ويردنا إلى وحدتنا الأولية - الطبيعية التي تجعل من الكائن عظيماً ينزع نحو روح الأنثى Anima  التي تعبر عن حب حميم يكاد يستوعب الوجود الشامل، وعن رغبة دفينة في التوحد بالطبيعة والتماهي فيها. (18)

"رأيت أني من الحلم، ومني الحلم، به أحيا، ومنه أكون"

إن الحلم من هذه الوجهة هو استيعاب لموقف الكائن في الوجود، وانغمار في الحيوية التي تشكل أحدى أهم سمات التكينن المعين الذي يتوحد بالكون ويتشاكل به بل يتماهى به حد التطابق والتلاحم الكلي:

"رأيت أن الكون جسدي

رأيت أن الكون يدركني، ولا حول لي لأدراك إدراكه

رأيت أن من كينونتي يكون الكون

رأيت إني الكون، ودوني لا كون يكون

رأيت أني الجزء المجزوء من الكون، منه أكون، ومني يكون". (19)

 

وفي هذه الرؤيا يضحى الكون مادة تكوينية لجسدانية يتراكب فيها الكلي بالجزئي، الكوني العام، بالذاتي الخاص، وهذا التركيب ذو سمة متلاحمة ومتفاعلة في آن واحد، لانه يمكن طرفي العملية التفاعلية من خلق الصيرورة، بماهي حركية تنفعل بالتأثير المتبادل في إطار وحدة حميمة، لكنها ليست وحدة تلاشي الكائن، بقدر ما هي وحدة تلاحم ووعي بالكينونة التي هي شرط وجود وتكوين الكون وظهوره للكائن من أجل ذاته:

"بمقدار الظهور، مقدار الكينونة". (20)

-autant d+apparence, autant d+être -

إن الفكرة هنا قد تتشابه بمفهوم وحدة الوجود عند المتصوفة وبعض الفلاسفة، لكن التمايز يتجلى في شرط كينونة الذات، هذه الكينونة التي تنبع من الوعي بالأنا، أي بذات ترى تتفاعل، تتلاحم، وتدخل كشرط أساسي للوجود الكلي، الوجود الذي يصير، يقول هيغل· ونحن هنا نستحضر رؤيا الشاعر "أني الجزء المجزوء من الكون، منه أكون، ومني يكون"· ما يلي "العلاقة المتبادلة المشروطة مباشرة هي الكل والأجزاء، فالأجزاء من حيث توجد خارج العلاقة، وتبقى في ذاتها هي فقط مواد، وبوصفها كذلك فهي ليست أجزاء· ومن حيث هي أجزاء لها تعييناتها في الكل فقط- الكل هو الذي يجعلها أجزاء، وبالعكس الأجزاء هي التي تكون الكل. (21)

واعتماداً على هذا المنظور الفينومينولوجي نستنتج أن حيوية الكون مشروطة بالتفاعل بين الأنا كجزء وبين الكون ككل لاتكتمل كينونته المعينة الا بهذا الجزء الذي ينفصل عن الشيء في ذاته، وهو بذلك يدرك أناه، وذاتيته كاستقلالية عن المادة المتشيئة، حيث الكائن لا ينفصل عن المادة كامتلاء وانعدام للوعي الذاتي· في حين فهو يتجه نحو الكون الذي هو جزء منه، بوصفه كائناً لأجل ذاته، يتجوهر في العالم ليؤسس إقامته الدائمة التي يسمها بميسمه الداتي - الواعي، الذي يتجاوز مرحلة الادراك باعتبارها تقف عند حد التناهي، ليلج مرحلة الرؤيا التي تمنح هذا  الكائن معنى الصيرورة التي بها يتفاعل بالكون، ويتيه فيه:

"أرى

البعد يقربني من

والقرب يبعدني عني" . (22)

 

وهو بذلك يفتقد وعيه بكينونته،

Être-en-soi

 

 فالكائن حين يقترب بل يلتصق بالشيء، يضحى كائناً في ذاته، أما حين ينفصل ويبتعد عن المادة، فيغترب عنها،  

 فإنه ببعده هذا يقترب من ذاته فيعيها ككينونة متعينة، فهي تختبر إدراكها القصدي، وتلتحم بالأنا لا كذات مفكرة بل كرائية متجلية في العالم:

"رأيت أن بُعْدَ البُعْدِ أنا

رأيت أن بُعدي يشي بي

رأيت أني تماسف المسافة، البعد مني بُعْدٌ والقرب ليس قرباً

أنا

من

البُعْد". (23).  

والبعد هنا مرحلة لتحقيق شروط بزوغ الأنا الرائي، الأنا الشعري الذي يختبر، إمكانات الوجود، ويعيها كبعد يقرأ من خلاله العالم بوصفه هذا الاحتمال الكبير الذي يغذي الرائي في التعالي والتجاوز الخلاق، وهو ما يعني أيضاً هو أن هذا التجاوز يجد فيه الكائن لأجل ذاته بوصفه كائناً من أجل الموت، حلاً لمشكلته الميتافزيقية بانتقاله من المتناهي -الحياة- نحو اللا متناهي -الموت:

"رأيت أن الحياة تَسْفير، والموت سفر

··· ··· ··· ··· ···

الموت

ميزتي

··· ··· ··· ··· ···

رأيت أن الحياة سؤال، والموت جواب

··· ··· ··· ··· ···

رأيت أن الحياة منفى، والوطن الموت

الحياة

مكان

والموت

تمكين". (24)

الموت بتعبير الشاعر ميزة خاصة بالكائن، هذه الميزة يسميها "هيدغر" بالزمانية الخاصة بالدّازاين، وهي ليست سهلة الوصول إليه إلا عندما يفهم ذاته ككائن فانٍ، أي عندما يتوقع نهايته الخاصّة، وكينونته الخاصة الكاملة كشيء يكون الإمكانية القصوى لكينونته وليس كعرض بسيط يحدث له من الخارج، وبهذا التوقع للموت فان الدازاين يعطي لذاته زمانه. (25)

وبالنسبة للشاعر أيضاً يضحى الموت تمكيناً للكائن من الإمساك بكينونته الكاملة الخاصة كإمكانية في كل لحظة:

"الموت تمكين"

إن الموت كما يرى "هيدغر" هو الإمكانية العظيمة لأنه لا يعرض أية نهاية محققة وأية صورة للفعالية حتى تنكشف اللا فعالية تماماً الإمكانية كما هي في حقيقتها والتقدم من الموت يمكن الكائن في العالم من اختبار التجربة كإمكانية وجود، وليس كحقيقة أنطوقية كما يفعل دوماً كموجود - ساقط.(26)

إن الشاعر هنا يقابل بين الحياة بوصفها اختبار لشعور الكائن بالنقص وبين الموت بوصفه اكتمالاً للكينونة، ومن ثم يسمه الشاعر بالجواب، الذي لا يأتي إلا بتراكم أسئلة الحياة التواقة نحو المستقبل المجهول الذي يحقق للكائن إمكانية سفر كينوني يحقق عبره إقامته الدائمة في وطن الموت، والإمساك بكينونته الكاملة· وهذا الإمساك مشروط بالرؤيا الجوهرانية التي تعبر عن إرادة الكائن في الخلق وإعادة تأويل الوجود الحي·

 

3- خلاصة:

فما نكتشفه -إذن- في تجربة الشاعر العراقي منعم الفقير، هو تلك الفاعلية الرؤيوية التي تمارس اختزال الوجود المباشر باعتباره اغتراباً Alienation يمكن من تحقيق الانزياح عن الوسائط الحسية والعقلية، كما يمكن أيضاً تجاوز فضاء الرؤية "بالتاء" إلى  مابعدها أي إلى الرؤيا "بالألف" حيث يدرك الوجود في أبعاده الخلفية والقصية، فتَنْحلّ الروابط وتنكشف الأشياء في كامل عريها

ومعنى هذا أن الرؤيا تغدو كوجيطو شعري cogito poétique لكنه لا ديكارتي فالبعد الأنوي يدرك في تماهيه بالآخرية وفي تعدديته السالبة للفواصل، وكأن الشاعر باغترابه يتعالى على التشييء وعلى حدود التناهي العقلي، كما بينا سالفاً

أي يتجاوز ما به تكون الذات مطابقة للعالم الحسي فتضحى وجوداً مُشيئاً، كائناً في ذاته، كما يتخطى أيضاً مواضعات العقل ألأداتي التي تحصر مجالات الكينونة. L+être ضمن حدود الاقيسة والمطابقات هذا من جهة·

ومن جهة أخرى فالاغتراب هنا هو انعتاق وتحرر، تنعتق فيه الأنا لتمارس فعل الحرية باعتبارها إمكانية تفجير طاقات الكائن في العالم، وهنا تتداعى الحدود بين المتناهي واللامتناهي، بين الجزء والكل· وكأننا بصدد >الروح المطلق< لكنه هنا لا يكتسب شكل المثالية المطلقة الهيغلية، بل شكلاً من إشكال العبور الذي يبدد العتمة عن الحكمة المقيمة هناك في رؤيا الكائن الشعري، وهي حكمة تعري مفارقات الوجود وتسجيلها باعتبارها دينامية توتر خالقة للدهشة الشاعرة، وليس للموعظة التي تدفع باتجاه السكون والاستقامة الزائفة·

 

الهوامش:

- 1 محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي يناير1986 ص268

Arthur Rimbaud: Poésies,  p. 190 - 2

- 3 نفس المرجع ص190

- 4 محمد عزيز الحبابي: من الكائن الى الشخص، دار المعارف القاهرة، طبعة1960  ص 46

- 5 منعم الفقير: كتاب الرؤيا، تقديم عبد العزيز بومسهولي، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، طبعة1997  ص 46

- 6 نفس المرجع ص 17

- 7 رامبو، نفس المرجع ص25

- 8 دولوز: نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت الطبعة الأولى ص49

- 9 منعم الفقير: ص49

- 10فرانسواز داستوز: هيدغر والسؤال عن الزمان ص73

- 11 دولوز نفس المرجع ص132

- 12الفقير: ص16

- 13 دولوز : ص43

- 14 الفقير: ص43

- 15 نفس المرجع: ص 44

- 16 نفس المرجع: ص16

- 17نفس المرجع: ص15

- 18 محمد علي الكردي: نظرية الجمال عند غاستون باشلار، عالم الفكر، مجلد 11، العدد الثاني، العام1980 ، ص203

- 19 الفقير: ص12

 - 20ميشيل هنري: أربعة مبادئ للظواهرية، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد16 - 15 ، العام 1991، ص124

- 21 هيجل: مختارات، ترجمة الياس مرقص، دار الطليعة، بيروت، الجزء الاول، ص89

- 22 الفقير: ص57

- 23 نفس المرجع: ص58

- 24 نفس المرجع: ص 88

- 25 فرانسواز داستوز: هيدغر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت 1993 ص23

- 26 نفس المرجع: ص80

- (* انظر الحوار الذي أجريناه مع الشاعر منعم الفقير ونشر في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد524  في 31 اكتوبر1997

منعم الفقير


التعليقات




5000