..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صخب خلف وجوه الصمت....قصة قصيرة طويلة

حكمت مهدي جبار

لمناسبة ذكرى الحرب على العراق في ليلة 17 كانون الثاني 1991
  صخب خلف وجوه الصمت.
قصة قصيرة طويلة
حكمت السعدي
((ألأيفا)) .تسير بتثاقل حاملة عفش السرية .يرتقي فوقها جنود يستغرقون
بغناء ورقص كما لو كانوا في نزهة..والجندي قائد العجلة يترنح تحت وطأة
سلطان النعاس في هذا اليوم القائض,.وعندما تستفزه أحدى المطبات ينتفض من
فوق المقود ليعتذر مني كوني أحمل رتبة عسكرية أعلى من رتبته..ثم يخرج
رأسه ناظرا الى الجنود المرتقين العفش ليطمئن عليهم..يعود الجندي سيرته
قائدا (الأيفا) وهي تمشي بتثاقل كسلحفاة.  ....
عبرطرق طويلة جدا تمتد كمالثعابين .نسيركجزءمن رتلنا العسكري .اليات
وعجلات ناقلات دبدبات.سيارات صغيرة خاصة .تبدو جميعها مختلطة بلون الأرض
.  لينسجم الخاكي بلون التراب..تمر بمدن الوطن القصية ,وقراه وقصباته..
قرى و مدن بعيدة  لم يرها الكثير من الجنود من قبل ,حتى كان أجبارهم
للألتحاق الى الجيش  كفرصة لمشاركتهم لأول مرة بهذه الحرب أن يروها .وكان
الرتل كلما يقف للراحة قليلا.يختلس أولاء الجنود فرصة ليسهموا ببصرهم في
بعض أزقتها وشوراعها الداخلية وأسواقها.
يواصل الرتل تقدمه شاقا طريقه ببطء ماراً في مدن وقرى مازالت تعيش بقايا
فرح نهاية حرب دامت ثمان سنوات أنتهت قبل سنتينُ...ثمة آثار في ذلك الزهو
في تلك الليالي التي لم يعشها الناس قرونا. فكان فرحا بـ ((النصر)) توهم
به المصفقون والهاتفون والراقصون فوق جراحهم المزمنة..مدن لم تبرحها راحة
البال بعد أن سكتت المدافع وتوقفت اصوات الصواريخ وهدأت صافرات الأنذار
المفزعة.رقص فيها الناس كثيرا ونسوا دماء ابنائهم الأبرياء لأنهم كانوا
يعشقون الوطن فوق عشق أبنائهم.ولكن يبدو ان (أله الحرب) لايريد للعراقي
أن يستريح ويرغب أن يكون ضيفا دائما .
((ألأيفا)) تلك العجلة التي صيرها المحارب العراقي مطيته في معارك شابت
لها الرؤوس وكبر فيها الشبان شيبا قبل أوانهم.هي العجلة التي أصبحت أكبر
علامة دالة على الجندية العراقية من مكلفية وتطوع وغيرها.((ألأيفا)) رحلت
وتنقلت وصعدت ونزلت وربما خاضت في البرك والبحيرات والأنهاروتعرضت للضرب
والقصف والعطب والسحب والجر .انها ذلك الكائن الحديدي الذي شارك الجندي
زاده وملحه.هي ألآن على ماهي عليه تحمل في حوضها الخلفي اعفاش ومعدات
وأغراض عسكرية.في ((نقلة)) عسكرية جديدة لايعلم أقدارها الا الله.
في آب اللهاب تبدو الشمس وكأنها تهيل حرارتها المحرقة كما يهال التراب
على شيء فيدفنه.حتى يتراقص السراب على أمتداد الأرض والطرق البعيدة.تنفتح
علينا الطرق في وهم لاينتهي وخديعة أزلية..وفي قلوبنا أسئلة تخشى البوح
بها..
ألى أين هذه المرة ؟!
كان الرتل يغذ السير بأتجاه الجنوب.والعجلات فيه تبدو كمخلوقات تلتهم
الطرق الطويلة ببطء كما تلتهم الأرضة الأشياء.وشمس آب تتوسط  كبد السماء
تهيل أشعتها كألسنة نيران مستعرة.حتى صارت مدن الوطن تتلاشى في ألآفاق
لتفتح لنا الصحراء أمتداداتها اللانهائية .حيث لاشجر ولا أنهار ولاظلال
.سوى كثبان رملية متكومة على جوانب الطريق الطويل.وبقايا عجلات محترقة
.وخرق ممزقة ربما تكون أردية وملابس .
كلما قطع الرتل مسافة وسط الصحراء كلما تترآى للعيان أشياء مجردة من
الأشكال فلاتعرف ولايمكن تسميتها.لم يرى بشر ولا حيوان. فقط أن المتمعن
قد يشاهد آثار حطام أو أشلاء لمكائن ومعدات من حديد أو معادن أخرى واعمدة
تمتد فوقها أسلاك الكهرباء بأتجاهات مجهولة النهاية.
الصحراء....ينهال فيه الزمان بلا حدود الساعات ولا الدقائق ولا حتى
الأيام.وربما يفقد فيها المكان مقاساته وأبعاده..لايخلو التيه في الصحراء
من متعة التحرر من صخب المدن وعنف ناسها وزعيق صغارها وسلاطة ألسنة
نساءها. فينبس شيء طفيف من لذة غريبة .فلاحدود ولا شوارع ممنوعة وشارات
مرور ولا مفارز فحص الهويات والتفتيش عن الأسماء..غير انك ألآن تتواجد
كجندي تأتمر بمن هو أعلى منك رتبة عسكرية وربما تتهيأ لخوض حرب متوقعة.
حطت الوية وأفواج فرقتنا العسكرية في بقعة من صحراء ((المطلاع)) شمال
((الكويت)) .وبعد شرح ألأيجازات من قبل ألأمرين توزعت الأفواج لتقوم
بدورها بتوزيع السرايا وفق خطة القيادة العسكرية العليا..
وكعادة الجيش فأنه سرعان ما قام بعملية حفر المواضع والملاجيء والخنادق
ليعد مقرات الأفواج والسرايا والفصائل ثم توزيع الحضائر ..
كانت عملية الحفر في صحراء المطلاع شاقة جدا.فتوهم الكثبان الرملية
الجنود بأنها سهلة الحفر ,لكنها تفاجئهم بوجود صخور شديدة الصلابة .فيضطر
الجنود بعد عناء للحفر في مكان آخر.حتى تكاد أن تحفر كل المساحة المحددة
ولكنهم لم يجدوا عمق الملجأ المطلوب وفق القياسات النظامية..ولأن العمل
لابد ان ينفذ من أجل تأمين الحماية خشية هجوم مباغت ,فقد بلغ العناء
أشده.تحت وطأة حر الشمس في ألأيام الأولى من شهر آب.فتقرحت ألأيدي وسالت
منها الدماء .وتشنجت عضلات الأجساد.وتعرض البعض للأصابة بضربة
الشمس.وحالات الأسهال الشديد والحمى وآلام المفاصل.
حفرت الأرض رغم التعب والصعوبات .وعسكر الجيش في مواضع وملاجيء وخنادق
وسط أكوام الرمال وكثبانها .وقد واجه مرارات تقلبات الصحراء بهيجان
عواصفها المغبرة وحرارة أجواءها فضلا عن الخشية من حيواناتها البرية من
ذئاب وضباع ونمور.وكان أشدها خيفة كثرة العقارب والأفاعي التي تتميز
بسمومها الفتاكة .

في الليل يهيمن الظلام على الكون. فلا اضواء باهرة ولاأنعكاسات
ولاألتماعات المدن الصاخبة.لاشيء يبعث النور سوى النجوم البعيدة العالية
,والقمر الذي لايزورنا الا بعد ولادته في بداية كل شهر ليبزغ علينا معلقا
في سماء بلا حدود وهو يزهو بنوره البهي.ومن أجل أدامة الصلة بين الأفواج
والسرايا فأن صنف المخابرة قد عزز من مد الأسلاك ليس للهواتف فقط انما
كخطوط دلالة يعتمدها الذاهب والآيب اذا ما أراد التنقل والحركة.فضلا عن
الخشية من فقدان مقاتل بين كثبان الرمال أو أودية الصحراء المخادعة.
مر آب وقد أخذ وطره منا .وتركت شمسه القاسية أثارا على وجوهنا التي
ازدادت سمرة .ويحل أيلول ..ليكسر بنسيماته لسعات الحر .لكنه مع حسناته في
أعتدال أجواءه ,فأنه كان يثير الرمال ..وأثارة الرمال في الصحراء شيء
مزعج ,اذا ما أشتدت فيه الريح فأن حبات الرمل تتحول وكأنها سهام مدببة
تلسع الوجوه وكل جزء ظاهر في الجسم.
                       **********************
هيأ الله لي أن أخطب فتاة من قرية.وتمت الخطوبة وسط أجواء عائلية يملأها
السرور.تحت ظل أجواء مشوبة بالقلق .حيث يتوقع الناس أندلاع حرب جديدة.



وعندما جاء التشرينين. بلغ الخريف ذروته.حيث يستعد الصيف للمغادرة ويحل
الشتاء.ورغم كون الخريف يبعث الشعور لدى بعض المثقفين والشعراء وذوي
ألأحاسيس العالية بالغربة ,عندما تهب الريح فتتساقط أوراق الشجر,وتبدأ
غويمات تتصاعد في السماء لتظلل الشمس .فأنني قررت أن أصنع فرحا كنت احلم
به عندما خطبت أمرأة من قرية قبل ستة أشهر مضت. وعزمت أن أقيم عرسي في
هذه الأيام .خشية أندلاع حرب ربما تبدأ ولاتنتهي فتقتل معها كل ذلك الفرح
ويخطف الموت سعادتي..فجاء موعد العرس في نهاية تشرين الثاني.
كان موكب العرس قد أنطلق من القرية بأتجاه بغداد.وكانت السماء مرقعة
بغويمات بيض كطلائع للشتاء.وعندما تحجب غيمة قرص الشمس نشعر بنشوة عذبة
رغم أن درجات الحرارة قد أعتدلت في هذه الأيام. تذكرت رتلنا العسكري الذي
توجه من شمال الوطن الى جنوبه حتى (الكويت)..وكان أصحابي يغنون ويرقصون
في قافلة الزفاف مثلما كان زملائي في الرتل العسكري..كنت أسأل نفسي:
هل أن زفة العرس كانت نشازا في مدينة تنام وتصحوا على قلق شبح الحرب المحتملة.
كانت بغداد تبدو وكأنها مازالت تزهو بفرح نهاية الحرب العراقية
الأيرانية.حيث  بقايا شرائط الأحتفالات على واجهات البنايات .ولافتات
تحمل (شعارات النصر) شوهتها الريح والأمطار.
من خلال النوافذ الزجاجية للفندق كنت انظر بأتجاه نهر دجلة ليبدو كشريان
أزرق كانت دجلة رائعة الجمال ,ومويجات ماءها الرقراق تلتمع بأشعة الشمس
المعتدلة..وفي خيالى لم تكن دجلة نهرا يسقي الأرض والبساتين والزروع
.انما كانت كأنها تغسل أدران الحروب والمعارك.لتروي ظمأ السنين وتطفيء
شيئا من جمرات القهر المزمن.وكان نخيل بساتينها وحدائقها متوجا بسعفه
المبلل بقطرات أول المطر في هذا الشتاء الملي ربما بأسرار كثيرة.!
ذقت حلاوة الأقتران بأمرأة..وتعززت ثقتي برجولتي ..أستمتعت كثيرا في عشرة
أيام من العسل ..اشمع فيها روائح وعطور لم أشمها من قبل..فتلذذت في بحيرة
الحب والعشق وتمنيت أن لا أغادرها..
أنتهت العشرة أيام ..وهي أجازة الزواج التي منحنتني أياها وحدتي
العسكرية.والتحقت مع زملائي المقاتلين.بأتجاه الجبهة ..كان البعض يسميها
(الكويت)وأنا أسميها (الجبهة) ذلك لأنني لم أراني مسافرا الى الكويت
كسائح لمدينة أو دولة..انما اذهب مجبرا ملتحقا الى وحدتي العسكرية حيث
أضع في الحسبان أندلاع حرب متوقعة..فلم تكن (الكويت) مدينة ,انما منطقة
عسكرية أحتشدت فيها قطعات من الجيش العراقي ربما تتعدى المليون مقاتل..
وصلت مقر وحدتي في منحدر (المطلاع) وهو قطع أرضي صحراوي طويل جدا .يشكل
جرفا نازلا بأتجاه (الكويت).وهو مكان يحاذي لسان بحري يسمى بـ (خليج
كاظمة).فيه بضعة نباتات برية ..أستقبلني زملائي بوجوه طافحة بالسرور
,وأمطروني بوابل من القبل والمعانقات والأحتضانات والملاطفات والتعليقات
الطريفة..
أطل كانون الأول علينا بغويمات وسحب تراكمت في السماء ..ليبدأ فصل الشتاء
..سقطت زخات مطر قليلة ..وأنخفظت درجات الحرارة..فجاء البرد..
لم نكن نعرف أن في الصحراء شتاء أقسى منه في المدن والقرى..فعندما كانت
تهب الريح الباردة تهجم علينا بلا رحمة.وهي تمر بسرعة بلا مصدات ,حيث
لاأشجار ولاجدران .فترانا نهرب كما تهرب الجرذان الى جحورها.مقرفصين حول
مواقد النار التي صنعناها من خشب صناديق العتاد وبعض نباتات العاقول
المتيبسة ونباتات أخرى لانعرفها أسماءها.وعندما تنفذ النار ويتحول الجمر
الى رماد نحشر أجسادنا في قماصلنا العسكرية ونندس تحت أغطية دثاراتنا
والتي ربما أختفت بها العناكب والعقارب والخنافس المزعجة.فضلا عن روائح
عرق أجسادنا الكريهة التي تعط رغما عنا.
كان المذياع ,هو أنيسنا ورفيقنا وصديقنا الذي لم نفارقه ولو للحظة
واحدة.فشكل لدينا شيئا أشبه بمخلوق مرة نكن له جل أحترامنا وتقديرنا
له.ومرة يلقى منا الركل والضرب عندما يفاجئنا بأنباء عن الحرب .ثم نعود
لنصالحه ونمسح عنه كومة الرمال.فنعيش لحظات سعيدة نلهي بها أنفسناعندما
يأخذنا بما يبثه لنا من أغان الى حيث ازمنة العشق .فنسرح مع صوت أم كلثوم
في قيلولات النهار القصيرة وفي أعماق الليل الطويل..

في الصحراء البعيدة المترامية الأطراف ..كنا نكتفي بالصبر..لاشيء غير
الصبر.وأرواحنا يهرسها القلق بأنتظار اقدارنا المجهولة ..وكأن الأرض
تستطيل أمامنا أكثر لأنها صحراء واسعة لاحدود لها ولا نهاية.وفي الصحراء
لاتخفى الأشياء.كل شيء بائن.فالشمس تشرق من خلف الحدود الوهمية الفاصلة
بين الأرض والسماء لتزيح العتمة عنها.عجلات عسكرية.انواع لاتعد من
الأسلحة.افواج من المحاربين. بعددهم وعتادهم..فصيدنا سهل اذا ما اراد
العدو ان يشن هجومه علينا رغم ما تمكنا من حفر خنادق وملاجيء وشقوق..
فهول الصحراء يطغي على كل فعل يقوم به الأنسان هنا.فضلا عن أن الكثبان
الرملية سرعان ما تنتقل في مكانات مختلفة .وعندما تهب الريح تغزو ذراتها
وحصاتها الناعمة  كل ما حفرناه.
كنت أختلس لحظات بعد ألأنتهاء من الواجبات العسكرية ,وأخرج ما توفر لي من
ورق زائد من سجلات الفصيل .أو أغلفة عتيقة ,لأرسم ما في ذهني من أفكار
وتصورات ,أحرك القلم على وجه الورقة ,فيبدأ رأسه المدبب ليترك آثار خطوط
وأشكال..لم يكن لي سابق مشروع لأنجاز لوحة.انما اترك أفكاري تنهال بكل
عفوية وتلقائية ,فتتكون خرابيش وشخابيط  افتش فيها عن أشكال وصور ..
لم اتمكن من أنتاج لوحة بشكل نهائي.لكثرة نداءات آمر الفوج والمكالمات
عبر الهاتف السلكي فضلا عن سير مفردات سياقات العمل لدى الجنود .فبقيت
(أنصاف لوحات) أمتلأ فيها صندوق عدتي محشورة بين كتبي ودفاتري وأغراضي
الخاصة.
في شغاف قلبي . تجلس حبيبتي بحياء. تلك الفتاة التي كتب الله لي أن أعقد
معها عقد الحياة الجديد لنشق دربا فيها ونكتب صفحة أخرى.
لم تسمح لي ظروف الحرب ,أن التقي بها في أجازاتي الأعتيادية كما يلتقي
الآخرون مع حبيباتهم ليرتووا ساعات وساعات في متنزهات المدينة أو في
بساتين القرية الزاهية.فكان كل شيء محدد بوقت . فتوزعت عواطفنا بين
حبيباتنا المنتظرات وشرف الواجب العسكري ,سيما ونحن قد نخوض حربا أخرى
تتطلب الحذر واليقظة.
ورغم نشوة أستلام نموذج الأجازة الرسمي .فأن اليوم الأول منها وفي هذه
الصحراء الشاسعة,يلقي علي بأثقاله,فينهك جسمي لطول المسافات الممتد بين
قريتي والجبهة الجنوبية خارج حدود الوطن الشاسعة البعد.فأقضي أيامها
أداري فيها قلبي المتوثب نحو الحبيبة . ومن أيام الأجازة القصيرة أذهب
اليها لأروي ظمأ روحي المتلهفة من خلال تحية ونظرة ولمسة يد ثم جلسة لقاء
يشتعل حبا ..غير ان تلك اللحظات السعيدة سرعان ما تنتهي . ليبقى طعم
لذتها في أطراف روحي .
عندما تحين ساعة الألتحاق في كل أجازة.تطفوا على ظفاف الروح مشاعر كأمواج
بحيرةتختلط فيها أحاسيس شتى.ألأحساس بمغادرة البيت,الأحساس
بالفراق,ألأحساس بأنك ستذهب بأتجاه المكان الذي لايحميك فيه أحد ,وأخيرا
فأن شعورا يراودك بأنك ستذهب نحو الموت المحتوم..أما اذا كنت قد أرتبطت
بأمرأة ,فأن نهاية الأجازة وألألتحاق الى جبهة الحرب انما هو أمر
آخر..ففيه تتأجج القلوب عشقا لاتسعه الأرض..
ــ أللعنة على الحروب .واللعنة على كل من يشعل نارها.
يتعاظم برد الشتاء في صحراء ((المطلاع)) القريبة عن شواطيء ((الخليج
العربي)).ومع نهاية كل عام وبداية آخر.تتساقط الثلوج في أماكن أخرى.لتحمل
بردها الرياح المختلفة الأتجاهات.فتهب علينا ريح شديدة البرد ,يساعدها
على ذلك انفتاح الصحراء الخالية من المصدات الطبيعية والصناعية.فضلا عن
أرتفاع الرطوبة.
ومع بلوغ فصل الشتاء ذروته .حيث يحل كانون الثاني بأجواءه الرمادية
المظللة بالغيوم والسحب.يتعاظم نشر ألأنباء من مختلف وكالات الأنباء
المحلية والعربية والعالمية.وتحتدم الحرب الكلامية والتصريحات
النارية.لتستفز أهل الحروب وصناعها.ويكون العناد والأصرار على اتخاذ
المواقف سببا في تأجيج الأحداث..
كان من الضروري علينا أن نتابع ألأنباء.لأننا نشكل أحد أطراف القضية
كوننا عسكريون ضمن قوات الجيش المرابطة على خطوط القتال المحتم .فلم يعد
هناك وقت لسماع أغاني أم كلثوم ولا عبد الحليم حافظ ولانجاة الصغيرة
ولاغيرهم.فقد احتقنت الأوضاع وأدلهمت ألأمور.فالحرب مشتعلة لامحال.فمهما
حاولت أن تتناسى الأمر ولاتكترث لما يحدث ,كأن تقرأ كتابا أو تتصفح مجلة
أو يسرح بك الخيال في متعة الحب المؤجل,فأن ورود نبأ مقلق عن تداعيات
توقع الحرب ينسف كل تلذذك بتلك الخيالات.
بسلوك عسكري غير منطقي تصدر المراجع العسكرية العليا أمرا بجمع كافة
أجهزة المذياع من أصغر وحدات الجيش حضائرا وفصائلا وسرايا .ولايسمح بسماع
الأخبار من جميع المحطات .فبقي الجنود والضباط يعيشون فراغا  شكل لديهم
مصدر انبعاث مشاعر الضيق والسأم.لتبدأ المعنويات تنفرط كما تنفرط حبات
القلادة.
الصحراء في الليل .عالم مذهل.فهي فسحة للرؤى وللتصورات.ومكان خصب
للخيالات والتمنيات.فأنك رغم وجودك في آفاقها الرحبة كمحارب,تمنحك فرصة
للأنسلاخ من اللحظة ألآنية.فتمتد معها روحيا لتنسج أحلامك بلا قيود ولا
موانع.لاتخشى عينا فضولية,ولامتربصا يتطفل خلف جدار أو شجرة..في الصحراء
بأمكان المرء أن يقول ويفعل كل شيء..الا شيء واحد وهو رغم غروره بأمتلاكه
لأنواع الأسلحة فأنه يبقى ذلك المخلوق المتضائل أمام جبروت الصحراء
وهيمنتها .
كانت ليالي كانون الثاني مشوبة بالحذر.فقد عممت مقرات الأفواج والسرايا
برقيات لجميع المقاتلين تتضمن أتخاذ تدابير اليقظة والأنتباه الشديد..حيث
توقعت المراجع العسكرية العليا قيام العدو بشن هجوم على القطعات العراقية
في (الكويت) خلال هذه الليالي..
لم يكن لدينا وسيلة أتصال كي نسمع أصواتنا الى أهالينا في المدن والقرى
البعيدة.فأكتفينا بالتأملات والتمنيات نجترها ليلة أثر ليلة تحت وطأة
البرد القاسي في صحراء بدت لنا كأن لابداية لها ولا نهاية.وكنت اقرأ في
وجوه الجنود علائم لاتسر.وكأن حالات من اليأس أستنبتت في قلوبهم.بأننا
خاسرون في هذه الحرب.وسيلتهمنا الموت هنا في هذه الصحراء وتصير أجسادنا
أشلاءً لتكون طعاما للذئاب والضباع .
بعد أن أخذت منا شمس آب ما أخذت من محيا وجوهنا وبعض صفاءها في ذلك الحر
الرهيب.هيمن علينا كانون الثاني ببرده اللاسع.ليحول حرقة الوجوه الى زرقة
كادت أن تغير ملامحنا .ورغم سمات بعض وجوهنا الريفية التي تشبه
التراب,فأننا صرنا كمن يتغير وجهه حسب الفصول في أديم هذه الصحراء
البعيدة..تحولات وتبدلات وتقلبات, ونحن نتوقع الضربة في كل ليلة.فأكلنا
طول الأنتظار.حتى بتنا نسأم من خلقتنا.قززتنا روائح بدلاتنا
العسكرية.وعصرت أجسادنا أحزمة الحقائب وأربطة (البساطيل) التي التصقت
بلحم ارجلنا..وأرهقت أسلحتنا كواهلنا ونحن لانملك الا أن نشخص في الآفاق
البعيدة بأنتظار القدر المجهول.لاندري من أين سيأتي المهاجمون ومن أي
جهة.ففي الصحراء تجد نفسك وكأنك في مركز دائرة تدور حول نفسك فتفقد
توازنك.
تمر ليالي كانون الثاني الباردة. لكننا لم نهتم بتتابعها الزمني.لشدة
وطأة الترقب لأحتمالات وقوع الهجوم وبدء المعركة.حتى دب السأم فينا.منا
من جزع ومنا من فقد صبره .غير أن كل ذلك لم يهون من ثقل الأنتظار.
في محاولة لأعادة ممارسة الحق في التمتع ببقايا أنسانيتي.ومحاورة
ذاتي.أباغت لحظات الترقب والأنتظار.فأدس يدي في جيب بنطلوني المثخن
بالعرق والتراب.لأسحب كتابا صغيرا كنت قد جلبته معي في آخر أجازة لي قبل
ألأنذار بأندلاع الحرب.جاهدت قلقي ,وتمكنت من ترويض روحي المؤرقة
بالأنتظار.قلبت صفحاته فأستغرقتني الكلمات على أضواء القمر الذي لم يكتمل
بدرا بعد..
(ماجدولين) .كتاب قرأته كثيرا.عندما ذقت الحب لأول مرة وأنا في ذروة
شبابي.وهو رائعة الكاتب الفرنسي (الفونس كار) والذي لخصه الكاتب العربي
المشهور (مصطفى لطفي المنفلوطي) الذي أسماه (تحت ظلال الزيزفون).فيه وجدت
ملاذات انبثاث عشقي.والبوح بمشاعري والتحامي مع عباراته ونصوصه الطافحة
بالرومانسية.وهو الآن يرافقني ويؤانستي في هذه الليلة الكانونية الباردة
فيأخذني الى عالم آخر,فرحت أصارع نعاسي وأقرأ:
((الجو رائق ,والسماء مصحية,وقرص الشمس يلتهب التهابا,وألأرض تهتز نباتا
حسنا,وتنتفض عن أوراقها اللامعة الخضراء,والهواء الفاتر يترقرق فينبعث
الى الأجسام فيترك فيها أثرا هادئا لذيدا,وكل ذلك لاقيمة له عندي ,ولا
أثر له في نفسي,فأني أشعر أن الحياة مظلمة قاتمة ,وأن هذا الفضاء على
سعته وأنفراج ما بين أطرافه ضيق في عيني ,وأن منظر العالم قد أستحال الى
شيء غريب لا أعرفه ولا عهد لي بمثله,وتمر بي ساعات طوال لا أعود بعدها
الى نفسي الا اذا شعرت بسقوط الكتاب من يدي )).(*)
أنتفض جسدي المحمل بعدة الحرب,وفتحت عيني بأتساع.فسقط الكتاب من يدي.وضرب
سمعي صرخة مرعبة كادت أن تمزق أذناي.فرفعت رأسي نحو السماء وقد تبينت
فيها خيوط الفجر,وأذا بطائرات تشق صمت الليل وسكوننا المؤقت, تتجه نحو
الشمال حيث مدننا الراقدة في نومة شتائية باردة..
وثب الجنود من نقاط الحراسة ,وأنطلقت صيحات الآخرين المكلفين بواجب
الدوريات.فعم الصخب في هذا الفجر البارد من اليوم السابع عشر من كانون
الثاني.
حملت الكتاب من الأرض ,ودسسته في جيبي.ولم انبس ببنت شفة مع الجنود.وكان
كل واحد منا يقرأ في عيون الآخر كلام فضل أن لايبوح به.
لم نعرف ماذا فعلت الطائرات المهاجمة بالمدن والأرض والناس.الا أننا
أحسسنا بحجم الرعب الذي هطل على أهلنا.وكيف أستوفزدوي الصواريخ
الصغار.وكيف هلعت قلوب الأمهات.وتفجر غضب الرجال..ولكننا ماذا نفعل ونحن
هنا في هذه الصحراء المظلمة.
تستمر الطائرات تقصف الوطن.مدنه وقراه وقصباته.تحرق الزروع والأشجار
وتلوث الأنهار تحت حجة تدمير مراكز القوة العسكرية ومصادر ادامة القوات
المسلحة العراقية .وربما كان ينوي توجيه الضربة الى مقرات القيادة العليا
لينهي بشكل مباشر وسريع المعركة بلا جهد ولا وقت ولا خسائر.
كانت ألأنباء تثير الأوجاع فينا.حيث لم يسلم شبر من الوطن الا وأصيب
بنيران القصف .لأن كل الوطن كما أعتبره العدو مخزنا هائلا للسلاح المحرم.
تواصلت الهجمات الجوية بالطائرات والصواريخ على الوطن.ورغم ذلك فأن
سياقات العمل الثابتة أستمرت في جميع مفاصل الجيش المتواجد في
((الكويت)).ففتحت ألأجازات الأعتيادية.وأديم العمل الأداري والفني
والمعنوي.ولكن ما تخفيه القوات المهاجمة يبدو أنه أعظم مما ينفذ داخل
قطعات الجيش العراقي.حيث كان المهاجمون كمن يسيطرون على الأوضاع وأن هناك
أمر مبيت.
وهم أيضا لم يتعرضوا لأي قطعة عسكرية هنا في الصحراء ,طالما انهم مستمرون
بتنفيذ الهجمات الجوية بالطائرات وبالصواريخ على المواقع العسكرية
والحكومية المهمة أينما كانت داخل الوطن.
وبعد أنقضاء كانون الثاني وحلول شهر شباط تعاظمت الهجمات الجوية لتدمر
البنى التحتية ومفاصل الأقتصاد والزراعة والقطاعات الأنتاجية المهمة
وتأخير أسباب الحياة.وذلك كان له أثر كبير وخطير في نفوس افراد الجيش
المتواجد في الصحراء حول مدينة الكويت..
خمس وأربعون يوما من الهجمات بالطائرات والصواريخ.كنا لانرى منها شيئا
سوى ما نسمعه من خلال ألأخبار.
كانت قلوبنا مع أهلنا هناك في تلك المدن المقهورة.وهم يتلقون الضربات عبر
شهرين شتائيين متتاليين.وكنا عندما يحالفنا الحظ ونذهب بأجازة نعيش
آلامهم .نشهد سوية مشاعر القلق والرعب في الليالي الشتائية .حيث انقطاع
الكهرباء والماء والوقود.حتى قلة الطعام ونقص الحاجات والفاقة والعوز
التي تعاظمت منذ أن فرض الحصار على الوطن والشعب.لكننا كنا نرى رغم ظلم
الدنيا وقهر الحرب على وجوه أهلنا كبرياء شامخا رغم الجراح. وأن هناك
أرادة وعزيمة الا أنها محاصرة بغيض مكظوم.
شهد شهر شباط أمطاراً غزيرة.وكانت السماء تدمدم بالرعود وتلتمع
بالبروق.وغطت مياه الأمطار كثبان الرمل .الا انها سرعان ما تزول تاركة
رطوبة لم يكن لها تأثير على الرمال.وكانت مواضعنا وملاجئنا تمتليء بالماء
الذي لم تمنعه السقوف المعدنية والروافد الكونكريتية الصلبة.حتى حل يوم
السادس والعشرين منه ليبدا الهجوم البري الواسع والكبير من قبل القوات
الأميركية وحلفاءها من الأجانب والعرب على جميع القطعات العسكرية
العراقية.
أشتعل الخليج بنيران القذائف المنطلقة من الطائرات والصواريخ.وتفجرت رمال
الصحراء بالقنابل .كان فوجنا قريبا من خليج (كاظمة) تنفتح سراياه وفصائله
حول القوس البحري الضيق .انقطعت الأتصالات وتخربت الخنادق الشقية.حتى
أصبحنا في مكان محاصر.تتفجر فوق رؤوسنا قنابل الطائرات وصواريخها وترشقنا
بنيران رشاشاتها .
كانت عيون الجنود تلوذ بعلامات الأستفهام.وقلوب البعض ترتج داخل
الصدور.وكنت اعرف أن تلك المشاعر لم تكن خوفا من المواجهة أذا ما حان
وقتها .فكل الجنود كانوا مقاتلين جيدين .فضلا عن وجود متوسطي الأعمار ممن
خبروا المعارك والحروب السابقة.فلم أجد في قلب أحدهم رعشة جبن أو
تخاذل.تجمع حولي الجميع ليعرفوا ما صدر لي من أوامر وتوجيهات.غير أنني
عرفت كيف أعالج الحال ,ولم أبقى صامتا بلا جواب,رغم أنني لم أستلم أي
أمر.
ــ  ما عليكم الا الصبر..أنه لشرف كبير لكم أن تقاتلوا أعداؤكم.فأنتم
الآن جنود عاهدتم الله وأنفسكم والوطن بأن تدافعوا عن أنفسكم أولا وعن
تأريخكم ووطنكم بغض النظر عن كل الأسباب والظروف التي جاءت بكم الى هنا.
وأن متم وأنا معكم رغم أننا محاصرون فأن جثثنا لابد من أن يعثر عليها أحد
ويعرف أننا كنا صامدون..
لم أخجل من هذا الكلام.ولم اعتبره مثاليا كأن تكون قد اثارتني فيه لحظة
حماس طائشة أوفقدت فيها توازني.انما أيقنت أننا لابد من أن نقاتل عندما
أقترب منا ضجيج المعركة ودوي القنابل وغضب الطائرات التي ركزت بقصفها على
مقر فوجنا وسراياه.ولا أدري ربما دمرت مقرات اللواء وملحقاته.مددت يدي
بقمصلتي العسكرية ولامست قرص هويتي المعدني.ثم سحبته من سلسلته وتأكدت من
وجود أسمي الكامل واللقب والعنوان المدني وصنف الدم. وعندما شاهدني
الجنود .فعلوا ما فعلت .وقاموا بمسح أقراص هوياتهم من التراب والعرق...
لم ينم أحد من الجنود رغم طول هذه الليلة الشباطية الباردة.وكان كل واحد
منهم يحتضن سلاحه كمن يحتضن حبيبته.وفي عيونهم التماعات التحدي
والمواجهة..لكن ما عكر صدق النوايا وما هز الأرادات هو أن أسرابا من
الضباط والجنود العراقيين كانوا يشقون طريقهم عبر خنادق الفوج الشقية
.وهم متجهون نحو مقراتنا .وكان معظمهم بلا سلاح الا قليلا.وكنا نعتقد أن
اولئك انما مجموعة من ضباط ألأرتباط او ربما منحوا أجازات اعتيادية.وشعر
افراد السرية بشيء من الأمان والراحة ,وأنهم لم يكونوا محاصرين.
أمتلأت جبهة السرية بأعداد كبيرة من الضباط والجنود.ولم نعرف ماهم عليه
.فصار أحدنا يلتفت على ألآخر تأخذنا الحيرة والذهول.أضطررت بالأتصال بآمر
الفوج وأخبرته بأمر اولئك.فأمرني بفتح النار على كل من يمر بخنادق الفوج
الشقية.مهما كانت رتبته.
شعرت بأن آمر الفوج كان متهورا .فكيف أفتح النار على مجاميع من الضباط
والجنود وبهذه الأعداد الهائلة.وعند ذاك دب في شعور غريب ربما هو أقرب
للأسف والحزن منه الى الخوف ..لكنني تركت اولئك يمرون بدون أن أسأل
أحدهم.وكانوا هم يكتفون بالسلام والتحية وعلامات غامضة على الوجوه.
ليلة أخرى من ليالي شباط تمر.وفيها يبلغ البرد ذروته وزخات من مطر
متقطع..حتى غصت جبهة الفوج بالمئات من أفراد الجيش..أتصلت مرة أخرى بآمر
الفوج.فلم أسمع صوتا من أي أحد.كتمت ألأمر.ولم يعرف أحد بذلك سوى الجندي
المخابر.وقد فهم مني ما فعلت..حاولت أن أسيطر على اقصى درجة في الحفاظ
على وجود الفصيل.وضبط النفس وكتم ما يحدث بغية أدامة الشعور ببقائنا
أحياء رغم أن اغلب الجنود قد شعروا بخطورة الأمر .
كنت أعرف أن أخلاقهم وقيمهم الأجتماعية هي التي الزمتهم على البقاء
صامدين معي أكثر من الألتزام بالضوابط العسكرية وأحترام أوامرها.هكذا
أستعاد هؤلاء أنسانيتهم وأنسلخوا من ثقل القوانين الموضوعة ليستحضروا
ألأعراف ومعاني الرجولة بعفويتها وصدقها..قضينا الليلة تحت تقلبات القلق
والشعور بأننا بقينا السرية الوحيدة من الفوج .والتي لم يصل عدد أفرادها
الى الثلاثين .
طلع علينا فجرأرمد. وقد ضاقت بنا الدنيا ,وأدلهمت انفسنا بقهر مابعده
قهر.عتمت السماء .وحجب ضوء الشمس بدخان الحرائق عندما تفجرت آبار النفط
في الكويت .تصاعدت أعمدة الدخان لتملأ الفضاءات المظللة بالغيوم .وعندما
سقط المطر كان ينزل علينا أسودا.فتنقرنا قطراته لترسم على وجوهنا خطوطا
سود تختلط بعرق جباهنا..بدت وجوهنا موشومة بسخام الدخان .وما أن نريد أن
نمسحه عن وجوهنا حتى يختلط بذرات الرمل الملتصقة .وعند أئذ تتيه وجوهنا
ببعضها البعض وتداخل الأسماء.
لم يعد ما يبرر وجودنا هنا في هذه البقعة من الصحراء.وأننا ألآن قوة
واهنة لاقدرة لنا في المواجهة أو البقاء.فضلا عن فقدان مراجعنا في
المقرات الخلفية..حملنا معنا ما تمكنا من حمله.وهي أشياء ضرورية قد تؤمن
لنا عملية انسحابنا..مسدسات ..بنادق..بوصلات..بضعة رمانات يدوية.فضلا عن
أغطية وكميات من ألأطعمة المجففة..
تركنا مواضعنا بأمر أتخذناه نحن بأنفسنا.؟ حاولت أن أفجر ما تبقى من
أكداس عتاد وبقايا أسلحة لجنود غابوا منذ أيام.وسجلات تحوي معلومات عن
كافة المنتسبين من جنود وضباط..لكنني تراجعت عن ذلك وأكتفيت بحمل مسدسي
والبندقية ودفتر يومياتي الذي كتبت فيه كل شيء.
تركنا مقر السرية بكامل عناصره الأدارية والفنية من سجلات وأجهزة وأسلحة
متوسطة ومعدات وعدد وعتاد.منها من أستعمل ومنها ما بقي في أكياسه..سلمنا
أننا لم نواجه أحدا .ولم نحارب من بعد هذا اليوم..فضلا عن أسلحة السرايا
الأخرى التي تناثرت على أمتداد الصحراء
بدأت رحلة ألأنسحاب غير المدبر,تحت ظل أوضاع مضطربة.وكنا نسيرفوق كثبان
الرمل المثقلة بماء المطر الأسود مما أدى ذلك الى صعوبة حركة
أقدامنا.ولشدة العتمة التي ظللت نهار هذا اليوم لم نستدل على طريق يوصلنا
الى مقر الفوج عسى أن أجد احد ونتدبر الأمور.اعتمدنا على آثار أقدام بدت
كأن أصحابها مروا من هنا بقترة قصيرة.حتى أستدلتنا على مقر الفوج.
لم أجد أحدا من أفراد المقر.سوى ملجأ ألآمر وهو خلو من أي مخلوق.الا
بقايا محتويات من سجلات وأختام وأنطقة عسكرية وبدلات نظيفة وأحذية خفيفة
.وما أدهشني أن منضدة مكتب الآمر منظمة بشكل جيد وكأنها مهيئة لعقد
أجتماع أو أستقبال أحد.فلا أدري كيف غادر آمر الفوج مقره ومتى؟!
هذا المشهد أثار غضبي وغضب أصحابي مما تبقى من الجنود.حتى أنهالت
العبارات والألفاظ من ألأفواه وفقد الجنود أعصابهم.غير انني الزمت نفسي
الصمت وتمسكت بشدة برباطة جأش صلبة.وبدأت أهون على الجنود..وأن أخلاقي
وتربيتي العائلية فضلا عن الشرف العسكري لم تسمح لي أن أترك الجنود
يتنلفظون بتلك المفردات النابية.لم ينل هذا الموقف المخزي لآمرالفوج من
عزيمتنا.انما زادنا أصرارا على التماسك كمجموعة توحدت أسباب محنتها
والتحم الشعور بوحدة المصيبة.
تيقنت وبكل قناعة .أن الجيش قد خسر المعركة وأنسحب بطريقة مبعثرة,فلم يكن
من بد الا أن أحرص على زملائي الجنود والذين صاروا أكثر من أصدقاء .وأن
نتحمل سوية ما سيقع علينا من أقدار في رحلة أنسحابنا المتقهقر والتي ربما
ستطول وتطول..
انتابني أحساس بالخيبة.بل بالخجل عندما توثبت روحي في تلك اللحظات
المليئة بالصدق لتأجيج حماس الجنود عندما بدأ الهجوم البري قبل أيام
..وكأنني أصبحت شخصا يبلع خزيه وعاره أمام جنوده..شعرت بأني صرت محط
أستهزاء لبعضهم عندما لم نجد آمر فوجنا الذي تركنا وأنسحب بتلك الطريقة
المخجلة.غير أن أخلاق الجنود وحميتهم هي التي كانت معايير الرجولة وشرف
العسكرية الحقة وألأنتماء للوطن والأرض والشعب..
عندما أقتربنا من طرق نيسمية عليها آثار عجلات.شعرنا بشيء من
الأطمئنان.فأتخذنا ها مسالك نحو غايتنا البعيدة.ورغم أننا تجولنا كثيرا
في هذه الصحراء من خلال ألأستطلاعات قبل بدأ الحرب .وأمتلاكنا لخرائط عدة
لها.فأننا شعرنا بالتيه في أمتداداتها الشاسعة في حالة أنسحابنا هذا.وكان
ما يؤلمنا هو تلك الأسلحة المهانة الملقية على أمتداد الصحراء وبأتجاهات
متعاكسة..وأخرى متروكة فوق الثبان الرملية وتحت ظلال النباتات
البرية.وعلى أبواب الملاجيء المهجورة وعلى حافات خنادق الأنسحاب
والمواضع الدفاعية.
كانت السماء فوقنا مزدحمة بالطائرات .كأسراب غربان..تنخفض علينا مرة
وترتفع أخرى.الا أنها لم تقم بقصفنا ..ويبدو أنها تريد كمن يريد أن
يمنحنا فرصة الوصول الى حدود الوطن بأمان.؟!
مرت علينا نهارات شباط ولياليه وهي تلسعنا ببردها ومطرها المتقطع.وكنا
نتخذ بعض بقايا المواضع المتروكة محطات أستراحة مؤقتة.ووجدنا في أغلبها
قطع من الصمون المتيبس .وبعض علب الأطعمة المعلبة وقناني ماء.وما أن نأخذ
قسطا من الراحة حتى نعود لنواصل رحلة العناء والتعب..لم تكن أجهزة
الحكوك(البوصلات) تدلنا على ألأتجاهات ألأربعة بشكل مضبوط.أو أننا نتيجة
ألأرهاق لم نحسن أستخدامها.فنتخذ أتجهات الشمس في النهار وأتجاهات النجوم
والقمر في الليل حسب ما تعلمناه في تدريبات مهنة الميدان.
أخذ منا التعب ما أخذ.وخارت قوانا لطول المسافات .مع أحساسنا بأننا سوف
نتيه في هذه الصحراء الظالمة الجحود..بدأ الجنود يلقون ببعض أحمالهم على
الرمال عسى ان تخفف عن أجسادهم شيئاً.ومع كل تلك العذابات فأن البعض كان
يهيء لنفسه أمورا يجعل منها متنفسا عن هذه المحنة.فيحكي لنا طرفة أو موقف
مضحك مر به.فننسى بعض معاناتنا..
لم نكن نشعر بالبرد كما كان قبل رحلتنا.فطول مسيرنا ينشط حركة الدورة
الدموية فضلا عن أعتدال درجات الحرارة في نهايات شباط..وكنا نشق طريقنا
محتسبين ,مكتفين بما حل علينا من قدر..الا أن ثمة منغصات ومعوقات كانت
تحدث في رحلتنا عندما بدأت تنتابني حالات من المغص الكلوي ..
وما أدراك ما المغص الكلوي؟!!
هل بأمكانك أن توصف لي كيف هو المغص الكلوي..؟
أنها لحظة وقوعك في جحيم لايرحم..لحظة ينغرس في جنبك خنجر مسموم يمزق
أحشاءك .فيشتعل كل جسدك آلاما محرقة..فلاينفعك الصراخ ولا العويل ولا
اللطم على الرأس ولا تمزيق الثياب..أن لحظة تململ المغص الكلوي هي كما
تتململ حية صحراوية لتلدغك نافثة فيك سمها الزعاف..عندها تشتاق الى الموت
كارها اليوم الذي ولدت فيه..
مع كل جبال الصبر التي كنت أحملها .الا أنني في هذه اللحظة فقدت كل شيء.
فرحت أرفس نفسي .ولو كان بيدي سكين لطعنت جنبي وأخرجت تلك الكلية اللعينة
لألقيها للوحوش .كانت ليلة غبراء موحشة.أعتبرتها أشد الليالي قساوة في
هذه الحرب المجنونة.فألألم بدأ يتسرب الى أمعائي حادا مثل سيخ النار.فكيف
لم العن الدنيا .وأشتم صناع الحرب وعشاقها.وأنا أجبر على الموت بلا
مبرر.أي أله يعبد يمكن أن يكون في هذه اللحظات العسيرة؟.
وقع الجنود في حيرة كبيرة.ولم يكن بيدهم بشيء يفعلونه لي سوى التضرع لله
والدعاء بالنجاة والشفاء.والا ماذا يفعلون في هذه الصحراء وفي هذه الليلة
الحقيرة.لاأدري كيف تحملت ذلك العذاب الرهيب طيلة رحلتنا بأتجاه أرض
الوطن .حتى حلت علي رحمة الله وكرمه .لتخف عن الأوجاع وأعود الى
رشدي..نظرت في وجوه الجنود ,فوجدت فيهم كما الصغار يحبسون دموعهم كاظمين
صبرهم شعروا بالراحة عندما رأوني صحوت من أغماءتي ..أستغفرت الله كثيرا
على ما قلت .ولعنت الشيطان الذي أراد أن يوقعني بمستنقع الكفر ..
تقطعت أربطة أحذيتنا.فشعرنا بثقل (البساطيل)والقى بعض أصحابي بها أرضا
ليواصلوا مسيرتهم حفاة..

كاد شباط أن ينقضي ,ونحن ما زلنا نجوب الصحراء بنهاراتها ولياليها..وفي
آخر صباح منه بانت لنا من بعيد أبراج عالية من جهة الخليج العربي.فعرفنا
انها رافعات البواخر والسفن في ميناء أم قصر.عم الجميع أحساس بالأقتراب
من حدود الوطن.وأن الطرق التي نسلكها صحيحة الأتجاهات..لكن المسافات
بيننا وبين الحدود  صارت بعيدة جدا.وكانت قلوبنا تتقافز خلف أضلاع صدورنا
يشدها شوق الوصول الى الوطن .وأقترابنا من أرضنا وأهلنا خفف من وطأة
العناء والتعب الذي حل بنا.
طالت لحانا وشعور رؤوسنا,وبدينا كما المجانين التائهين في الصحراء.أو
هاربين من نار حرب.فقدنا بعض أزرار قمصاننا وقماصلنا.وتقاربت فتحات
أنطقتنا .وعلى شفاهنا بانت تشققات الظمأ..
وصلنا البصرة ...وكان ذلك الوصول بمثابة وصولنا آمنين الى أهلنا..حتى
انتشت ارواحنا بالطمأنينة ..كانت المدينة كانت غاصة بالآلاف من
المقاتلين.تزدحم بهم الشوارع والساحات والأزقة والحدائق والمدارس
والجوامع وحتى بعض البيوت.كادت تختنق البصرة بالعائدين من ساحة الحرب بلا
حرب..العائدون المنذهلون...المشدوهون...الهائمون على وجوههم..أولئك الذين
يرتدون وجوه الصمت.صمت ربما تختفي وراءه أطنان من علائم الغضب الذي يزلزل
الجبال.وعيون تلمتع بأسرار فضيحة مكتومة.والشفاه المزمومة تلمظ كما تلمظ
النمور أو الفهود أو حتى القطط.
أكتفى المقاتلون بمسح شواربهم المدفونة بذرات الرمال والملوثة بماء المطر
الأسود بينما بقي عرق ألأجساد النتن يعط بروائحه يتصاعد في فضاءات خرساء
الا من همهمات وهمسات ومشاورات.راحت أعناق البعض مشرأبة نحو السماء
المعتمة تحمل الوجوه الكالحة .فيها الشفاه تنبس بما
لايسمع..شكوى...تضرعات... رجاءات..وربما دعوات الى الله بالغضب على من
ظلمهم وخدعهم وأهانهم.
كانت أنفسنا تتذمر.ولكنها تلوذ بجبال من الصمت.نخفي تمردنا في أعماق
نفوسنا الهائمة.نتحدث خلف منافذ قلوبنا المؤصدة بالقهر منذ سنين .كان
خوفنا كضباط أشد من خوف المراتب والجنود.فنحن نمثل الدولة والحكومة
والنظام..فنصرخ متمردين كما يصرخ المغلوب .نصرخ بأفواه مقفلة.فتحتدم
النيران فينا .نستحي من شاراتنا ورتبنا العسكرية .فنكتفي بالصمت...
قبل أن يتفرق الفصيل ويذهب كل منهم الى حيث أهله وبيته..كنا قد تعانقنا
وتصافحنا وتبادلنا القبل. وذرف بعضنا دمعا ..
وأنا أشق طريق العودة سالما .عبر القرى والقصبات والمدن يحدوني الشوق
والأمل برؤية أهلي وزوجتي العروس.كان قلبي يرتعش حزنا والروح تتشرب
بالأسى كلما سقط نظري على واجهات البيوت والمنازل والدوائر الحكومية
والجوامع والحسينيات والكنائس والحدائق وساحات لعب الأطفال وقد شوهتها
شظايا القنابل والرصاص ودخان الحرائق..
من المسؤول عن هذا الخراب؟!
في الليل وطأت أقدامي أرض قريتي الطيبة.ولم يسقط نظري على بيتنا فقط انما
توزع على جميع بيوت القرية..بدت  بيوت  القرية في نفسي كأنها بيتا
واحدا..أستقبلني أهلي بفرح خفي مشوب بعلائم الصمت.كانت زوجتي (العروس)
منذهلة.وفي نفسي أمواج من بحر تتصادم لم أقدر على وضع عنوان لها..حيث كنت
امثل المحارب العائد من ميدان بلا حرب ولا مواجهة..محارب بلا شارة
ولارتبة .الا بما تبقى لي من بدلة عسكرية متعفنة بعرق الهزيمة وهوية
انتهى مفعولها..
هنا تدحرجت في روحي المضطربة هواجس من ذاكرتي المتشظية .وشعرت بالخزي
عندما أستحضرت خطابي الرنان وأنا اجج روح الحماس  في جنود  وأفراد سريتي
أستعدادا للمواجهة والقتال عندما كنا في ساحة المعركة..!! أبتسمت ..ثم
سألت نفسي ..
هل كنا أبطالاً؟
وعندما يرتطم سؤالي بجدران روحي المنذهلة .لم أجد جوابا..فأكتفي بالصمت!!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*
  نص في الصفحة 6 من رواية (ماجدولين) ..دار الجبل ـ بيروت.

حكمت مهدي جبار


التعليقات




5000