..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عباقرة غربيون أخفتهم حياتهم وبرزوا بعد مماتهم -3...!!

كريم مرزة الاسدي

 مقدمة شعرية ! :

لا تتخيل أن الحظ العاثر لبعض عباقرة الغرب   كان أخف حدّة من  عثرته لدى العرب , ما دام  الإنسان هو الإنسان , والدنيا هي الدنيا , فالجبلة واحدة , والطبائع الإنسانية متماثلة , والحياة قسم وحظوظ رضيت أم أبيت !!  ولكن لا ننفي السعي والدأب والعمل والجد , فهذه من تلك , يقول حافظ إبراهيم :

فإذا رُزقتَ خليقة محمـودة ٌ*** فقد اصطفاكَ مقسـمُ الأرزاقِ ِ

فالناسُ هذا حظه مالٌ *****  وذاعلم وذاك مكـارمُ الأخـلاق

والقسم والحظوظ ربـّما تأتي خبط عشواء , هذا ما نتخيّله ونألفه  ,بل ذهب زهير بن أبي سلمى إلى أبعد من هذا ! :

رأيتُ المنايا خبطَ َعشواءَ مَن تصبْ***تمتهُ ومَنْ تخطىءْ يُعمر فيهرم ِ

ِمّا إذا سألت  أين  دور الناس في غربلة الناس ؟!!  فالناس أجناس , ولكن ليس هنا مكمن السر في عدم تقييم العباقرة - أحياناً - في عصرهم  , ومنحهم حقـّهم من التبجيل والتقدير , ولا تذهب بك الظنون إلى صغرهم   , وإنـّما لأنَّ بعض العباقرة الأفذاذ أكبر من أن يراهم زمنهم لبُعد المسافات الفكرية والفنية بينهما , فالعيب في البصر لا الكبر , وكما يقول المعري :

والنَّجمُ تستصغرُ الأبصارُ رؤيته ** والذَّنبُ للطَّرفِ لا للنَّجم ِفي الصِّغرِ ِ

لكي لا أطيل عليك , والموضوع طويل تفضل لندخل إلى عالمهم الرحب : 

  1 - ملفيل هيرمان وحوته الأبيض :

وُلد سنة   1819 م  بمدينة نيويورك وتوفي فيها سنة 1891 م عن  72 عاماً , خلدته رواية (موبي ديك) , ومعناها الحوت الأبيض , ولكن بعد وفاته , وتـُعدُّ من أعظم ما كـُتب في أدب البحار على الإطلاق , نشرت الطبعة الاولى منها  عام 1851 م , ومن المضحك أستقبلت عند ظهورها أسوأ استقبال ...!!  بالطبع لم ترق للنقاد , وتبعهم القرّاء متأثرين بموقف النقاد المخجل من ملفيل , فلم يتورع الجميع من كيل ألوان  الزراية والتحقير والتجريح لمؤلفها المسكين السيء الحظ , نعم نجحت الأهواء في حجب عظمة هذه الرواية عن الأنظار عند صدورها , فقوبلت بالإهمال , وصاحبها بالإزدراء  حتى أصيب باليأس والقنوط  والاحساس بالعجز , ولم يجد نفسه إلا موظفا بسيطاً في مصلحة الكمارك الاميركية , وتوفي في طي النسيان والإهمال , ولكن العمل الأصيل لا يفقد أصالته  مهما تكالبت عليه  المحن , وتآمر عليه النقاد , وأحيط بالصمت والتعتيم , بل  وإن  حبك المزيفون للحقائق من سدود وهمية , وحدود خيالية , لا يصمد هذا الزيف المحبوك , فعندما بزغت شمس عظمة روايته  سنة 1907 م , أي بعد وفاة صاحبها بستة عشر عاما , لمّا أدرجت ضمن سلسلة شهيرة , إذ اعتبرت من روائع الادب العالمي , فاهتم بها النقاد والدارسون في عشرينات القرن العشرين , وحوّلت في العام 1956 م إلى فيلم سينمائي , لإبداعها الأدبي الفني الرفيع , إذ تمتزج االحقائق الواقعية والتخيّلات الرومانسية بتأملاتها الفلسفية , ورموزها المعبرة , ومغامراتها الجريئة , فجذبت القرّاء نظراً , و المشاهدين سمعاً وعيناً خلال الصراع  الملحمي التراجيدي في الوجود بين حوت أبيض هائج في بحر زاخر , وإنسان رائج كقبطان ماهر , والعجيب أنّ الرواية لا ترتبط بفكرة واحدة أو حدث واحد , ويمكن قراءتها وتذوقها على أكثر من مستوى سواء كانت واقعية تعبيرية أو رومانسية أو رمزية , وتلك قمة العبقرية  .

عدّها وليام سومرست موم ( ت 1965 م) الكاتب والروائي الأنكليزي الكبير واحدة من أحسن  عشر روايات خالدة في العالم (1) , وقال جورج برناردشو ( ت 1950 م) الكاتب المسرحي الأيرلندي الشهير عنها: منذ عرف الإنسان كيف يكتب لم يوجد قط كتاب مثل هذا , وعقل الإنسان أضعف من أن ينتج كتابا مثله , وإني أضع مؤلفه في مصاف مؤلفات رابليه وسويفت وشكسبير (2) ...!!

لابد بعد ملفيل الأمريكي وبؤسه وتعاسته في حياته حتى غفله وسحقه أهل زمانه , ثم فتحت الدنيا عليه  أبولب الخلود الأدبي بعد مماته .

 2 - شارل بودلير وأزهار شرّه :

وهذا رجل فرنسي شهير في شعره ونقده العالمي , عاش حياته بين  ( 1821-1867 م) ,  بدأ كتابة قصائده النثرية عام (1857 م) عقب نشر ديوانه (ازهار الشر) , وقد تأثر بالحياة الباريسية المتناقضة , ووجد متنفساً جديداً في نصوص المواويل القصصية   لالوزيوس بيرتيران والمستوحاة من  وردزورث وكوليريدج أبان تمردهما على الكلاسيكية , وأضاف هذه القصائد لِـ (أزهاره) سنة 1861م , وأطلق عليها (لوحات باريسية) , ومن هذه التناقضات يرسم لنا لوحة  الصراع الأبدي بين سلوك الشاعر الملهم الذي يتطلع للخلود السرمدي , والمصلحة العليا للمجتمع , المدفوع بغرائزه الفنية , وبين أبناء عصره الذين يتنازعون في سبيل حدود ملذات الدنيا  فقط , ولا يرون ما يرىمبدعهم , أقرأ معي هذه اللوحة من ( أزهاره) , لنتفهم سبب عثرات الملهمين في حياتهم , وبزوغ شمسهم بعد موتهم , وبودلير منهم :

الشاعر أشبه الأحياء بأمير الجواء

وهو في أوج السماء

ولكنه في الأرض غيره في السماء

غريبٌ طريدٌ...موضع ازدراء وعرضة استهزاء

إنـّه متعثر الخطوات لأن جناحيه الجبارين

يعوقانه عن المشي !! (3)

 نعم كان متعثر الخطوات , لا واثق الخطوة يمشي ملكا...!  لأنّه أمير الجواء , وليس بأمير على الأرض  , لا يمتلك الجرأة لفرض نفسه على مَن حوله مِن أبناء عصره , وقد وصفه  مترجم (أزهاره)  " إلى العربية الشاعر التونسي آدم فتحي) كأوضح ما تكون الرؤية : يفكر ويشك , يحسم ويتراجع , ينحاز ويتخلى , يهجم ويدافع، يمدح ويهجو , يقارع الحجة بالحجة , ويتخذ لنفسه موقعا من كل ما حفل به عصره " (4) , وعصره كان حافلاً برجالات الفكر والأدب والعلوم والفلسفة  كنيتشه و هيجل و كانت وماركس وهوجو ودارون و شوبنهور ,ثم أنّ طبيعة رسالته الشعرية الفرنسية كان لها من العمق والصدق بحيث تبدو متناقضة غامضة , وبشكل غير محدود , إضافة إلى أنّ ديوانه (سأم باريس)  لم ينشر في حياته لعدم تحمس غوستاف لانسون وسانت ـ بيف له  ،  ولكن تلاقفته الاجيال اللاحقة حتى عمّ الآفاق , وأصبحت الفكرة السائدة اليوم عند معظم النقاد - مع بعض  المبالغة والتحفظ - : إنّ الشعر الفرنسي في جملته يمكن تقسيمه ما قبل بودلير وما بعده. ولا داعي لإثبات ذلك , لأن الرجل ثابت بذاته في عموم العالم في عصرنا . وما أتينا به إلا كشاهد لا يقبل النقض كابن الرومي وأبي حيان العربيين ثقافة ولغة.

3 - ديفيد هربرت لورانس و عشقه للسيدة تشاترلي :  

وإليك هذا العبقري الأنكليزي الشهير بعد مماته , والذي عاش بين  (1885- 1930م)  , الشاذ عن أهل مجتمعه في زمنه لوقاحته وصراحته المبتذلة في عرفهم  المحافظ , وربما -  من وجهة نظري - يطلق سجيته على حالها دون قيد أو شرط , شأنه شأن العديد من الملهمين والمفكرين الذين لا يمتلكون أنفسهم , فيطلقونها على سجيتها لأسباب فسيولوجية , ربما من دوافعها الصدق دون دهاء لازم , والثقة بالنفس دون غطاء كاتم  , لذلك يصرح علانية أنّ الغريزة الجنسية والحدس أكثر أهمية من المنطق العقلي , الغريزة تجعله يفرُّ من المرأة الجادة , وتقربه من شم الزيزفون , وترميه إلى الكرز في الظلام ! بل يقدمها على غريزة الجوع قائلاً :

        "النفس البشرية بحاجة إلى الجمال أكثر من الخبز" , وهذه الظاهره قد نلمسها بارزة لدى الشعراء والفنانين الملهمين , كأنها ملازمه لهم ,   أما الحدس يشعره بطبقة الزجاج الغريبة التي تطفو على البحيرة , وبتغضن وجه الجبال , بل وتحسسه بالخضرة القريبة من الرعد المنبثق من تفجر الشمس .

الرجل كثير الخيرات الأدبية والفنية , وقليل البركات المالية , والعلاقات الاجتماعية , يعدُّ من أهم الأدباء البريطانيين في القرن العشرين , إذ تعددت مجالات إبداعه من الروايات الطويلة إلى القصص القصيرة والمسرحيات والقصائد الشعرية والكتابات النقدية , من أشهر أعماله (عشيق الليدي تشاترلي ) (5) , كتب في أدب الرحلات وترجم أعمالا عديدة من اللغة الفرنسية إلى الإنجليزية وله لوحات عديدة مرسومة، ولكنه خرج عن أخلاقيات مجتمعه , وأسرف في تصرفاته  السلبية , وتشبيهاته الجنسية الصارخة لتوصيل أفكاره العارية وأرائه الناشزة .

ولد ديفيد في قرية وسط انكلترا  , لأسرة عاملة  فقيرة الحال , كان أبوه من عمال المناجم , أما أمه فكانت معلمة لفترة قبل زواجها , كرهت حياة المناجم فدفعت بأبنائها إلى التعليم وقدمت كثير من التضحيات من أجل أبنائها , وانفصلت امه لاحقا عن والده بعد صراعات ونزاعات عديدة عكسها بصورة أدبية في روايته (أبناء وعشاق) مبيناً  ما يصيب الأبناء من قلق عاطفي عقبى صراعات الآباء , وبعد موت أخيه  استأثر ديفيد  بحبّ أمه , وأصبح الآبن المدلل لها , لاتستطيع فراقه وهو مثلها , وجسدها في شخصية (السيدة مورل) , وهذا الترابط  أدى إلى تمزيق حبّه الأول من فتاة صغيرة (جيسي تشامبرس) , أشار إلى كل ذلك في روايته المذكورة آنفا  . في حين كان يكره أباه حتى الاشمئزاز , ويفزع منه رعباً إن تقرب إليه , وثبت هذا  في رسالته إلى الشاعر راتشل تايلور (عام 1910 ) . تعلم الرسم نزولاً لرغبة أمه , ودخل الجامعة وتخرج منها واشتغل مدرساً لأربع سنوات جنوب لندن  , و تزوج  بعد وفاة والدته  (1910 م) من فتاة ألمانية (فريديا) عام (1914 م) , وهاجرا إلى ألمانيا وإيطاليا , وعاد إلى بلده مرغما حيث لم يحظِ به من قبل بودًّ , ولم يحفل أحد بكتاباته لعدم فهمهم لها , ألـّف روايته الأولى (الطاووس الأبيض) سنة (1909 م) , ثم كتب عمله الروائي الكبير ( أبناء وعشاق) في إيطاليا عام (1913 م ) , وروى فيها قصة طفولته , وحياة عائلته , ولكن رفضتها ورفضته دور النشر بقوة ..!! مما أدى إلى غضبه  , وروايته الرابعة "قوس قزح" لم تكن أحسن حظاً كتبها عام 1915 م , تحكي قصة أختين ولدا وترعرعا شمال إنجلترا . ومرة أخرى تُـُرفض الرواية بسبب المجون ولطريقتها الفاضحة في وصف العلاقة بين الرجل والمرأة  , رفضها الناس , وأمر قاضي التحقيق بحرق نسخها .كما تمت مصادرة الكثير من رسوماته من المعارض الفنية , حُجز جوازا سفره وزوجته , واتهمت زوجته بالتجسس إلى ألمانيا , وبقيا سنتين تحت المراقبة في إيطاليا , ثم هاجرا للمكسيك , وحسّا براحة نفسية بعيداً عن تعقيدات الحضارة الغربية , أمّا روايته الأكثر شهرة " عشيق السيدة تشاترلي" التي كتبها سنة (1928 م) , منعت أيضاً من النشر في بريطانيا وأمريكا بسبب خلاعتها أيضاً. ولم يتم نشرها في بريطانيا إلا بعد أن شهد بجدارتها كتاب كثيرون من ضمنهم إي.إم.فورستر , بعد الأضطهاد والمعاناة أصيب بمرض الملاريا  , ومع ذلك أستمر لورانس بالكتابة حتى أواخر أيام حياته بالرغم مما كان يعانية من مرض وآلام . فقد كان شاعرا وكاتبا مسرحيا وناقداً من الطراز الأول وروائيا في المكانة الأولى . ترك ثلاث مجلدات من الشعر وخمس مسرحيات وأربعة كتب في أدب الرحلات ومايملأ مجلداً كبيراً في النقد الأدبي ومجلدين من المقالات العامة عبر فيهما عن  كثير من أرائه في الحياة هما  : (التحليل النفسي واللاوعي) و (التخيل واللاوعي) ,  أما في ميدان القصة فله عشر روايات طويلة وسبع روايات قصيرة أهمها عروس الضابط و الضابط البروسي وقصص أخرى , وتوفي في فرنسا عام (1930 م) , ولم يخلف لورانس سوى صندوق صغير احتفظ فيه بكل ما خطته يداه وما أسفرت عنه حياة مليئة بالتعب والنضال والتشرد , قال عنه جاك زيتلين ,الناشر الذي اهتم بمؤلفات لورانس , حين فتحه لأول مرة

تلك الليلة , حين فتحت الصندوق الممتلئ بكتابات لورانس وما إن التقت عيناي بها حتى تجلّّت لي منحوتة هائلة تتشكل على هيئة رؤيته والطاقة العظيمة التي خلدها إنجازه , لقد تحرك بداخلي شعور لا يشبهه إلا شعوري حين نظرتُ إلى السماء بالمنظار لأول مرة ( 6 ) .

ومن شعر لورانس , ترجمة صالح الرزوق :

في ذلك اليوم

سوف أرمي ورودي على أزهارك ، و أغطي ضريحك

بطبقات من الورود البيض ، و لأنك شجاعة

أضيف حزمة حمراء و ناصعة

و هكذا يمر الناس تحت

أشجار الملح و هي تنمو على ممرات الوادي ، و يرفعون

أبصارهم ، ثم ينظرون إلى الضريح فوق الهضبة . و يستغربون ،

هذا هو القبر الغريب ، ثم يرمون أزهارهم جانبا (7)

4 - روبرت هاتشنج جودارد و صواريخه : 

 على المستوى التقني , نأخذ روبرت هاتشنج جودارد (1882- 1945 م) رائد صناعة الصواريخ مثالاً , ولد جودارد في ووستر بولاية ماساشوسيتس بالولايات المتحدة الأمريكية , تعلق الرجل بصناعة الصواريخ منذ الصغر , فشرع يدرس إمكانية إطلاقها , عندما كان طالبًا في المعهد التطبيقي في مسقط رأسه , وواصل دراسته في هذا المجال في جامعة كلارك حيث حصل على درجة الدكتوراه عام 1911م منها , ثم انضم إلى هيئة التدريس في الجامعة نفسها عام 1914م , ولم يخفِ ولعه على أحد في بلدته  , ولكن الشغف وحده لا يكفي .. إذ لا بد من وجود الموهبة  ومعهما إصرار العباقرة و دأبهم , وقد اجتمعت عنده الشروط الثلاثة جميعها , فنجح في تجاربه الأولى , وصمم  صانعاً جهازين وصاروخين , تلقى جودارد دعمًا متواضعًا على أبحاثه من معهد سميثسونيان , وفي عام 1919م نشر تقريره التقليديّ  "طريقة الوصول إلى أقصى ارتفاع " في مجموعات معهد سميثسونيان المتنوعة , وصف جودارد في تقريره نوع الرحلة الصاروخية الضرورية للوصول إلى القمر. وقوبلت مقالته بتعليقات تدل على عدم التصديق، من قبل الصحافة , مما جعله يتوقف عن النشر، لكنه استمر في عمله دون ذكر اسمه , وواصل سعيه وأجرى تجاربه عام 1926 م باستعمال  وقود سائل ,  متخذاً من مزرعة عمته (إيفي)  حقلاً لتجاربه ونجحت التجارب ، وفوجئ جودارد بالأوامر التي صدرت إليه من دائرة البوليس وحظرت عليه إطلاق الصواريخ في ولاية مساتشوستس   , والسبب أن الضوضاء التي أحدثها صاروخه أزعجت الناس وأفزعتهم .. فشكوه إلى سلطات الشرطة , لا عجب إذن أن حرم المخترع الطموح الدعم الرسمي الذي حظي بمثله الكثيرون ممن كانوا دونه نبوغا ً وكفاءة  , والذي هو بأمس الحاجة إليه ، وشعر بالحسرة لعدم ظفره به  , غير أن مشاعر المرارة تلك لم تدوم طويلاً .. فقد شاءت الأقدار أن يسمع الطيار (شارلز لندنبرغ) عن جودارد ومواهبه ... فحدث أحد الأغنياء الصناعيين والمحسنين بشأنه . . فلم يتردد هذا الغني المحسن  , وهو دانيل جوجنهايم في منح جودارد مبلغ 50.000 دولار .

وسرعان ما أنشأ جودارد محطة لتجاربه في صحراء نيومكسيكو بعيدا ً عن الناس واعتراضاتهم  وراح يبني الصواريخ ويطلقها كما يشاء . ونجح عام 1935 م من إطلاق صاروخ سرعته سرعة الصوت ( 760 ميل / ساعة)  ,  وقد اخترع البازوكا - المدافع المضادة للدبابات - وضمان إقلاع الطائرات من على سطح الحاملات .

  قادته تجاربه في مجال الصواريخ ذات الوقود الصلب والسائل بين عامي 1909 - 1945م إلى تطوير مغذِّ للطاقة للقذائف عابرة القارات والسفن الفضائية , هذا كلـّه والسلطات المعنية في الولايات المتحدة لم تبالِ لما حققه من نجاح , وأغفلت ذكره واختراعاته , وهي الدولة التي كانت على أبواب تزعم العالم عسكرياً , وبقى رجلاً عادياً في نظر حكومته حتى بدأ عصر الفضاء في الخمسينات وبعد موته بعشر سنوات ونيف  , انتبهت إلى أهمية وخطورة اختراعاته , فقررت عام 1960م أن تـُكافئ المخترع الراحل وورثته بمليون دولار في ذلك الزمان لاستعمال اختراعاته السالفة , وتمتع الأبناء بعبقرية الآباء , ولا يدري بما خبّأه له القصاء...!!   . ليس هذا فقط , وإنـّما مُنح - بعد وفاته طبعاً - جوائز مادية ومعنوية كثيرة، كان منها ميدالية الكونجرس الذهبية , وميدالية لانجلي الذهبية .

5 -  كبلر المنكوب  وفان كوخ المغلوب :

كما مررنا لماماً عن السهروردي المصلوب , وابن حزم الأندلسي  المسلوب من عباقرة العرب , فالغرب حالٌ من حال , فهذا يوهانس كيبلر (1571 - 1630 م) , العالم الألماني في الرياضيات والفلك والتنجيم , المُجدّ ُ في دراساته , والمصرُّ على بحوثه , والعبقري في نبوغه , والمبدع في اكتشافاته , والواضع لقوانينه  الفلكية بحسابات رياضية دقيقة... مع فقده لطفليه , ودفاعه الناجح عن  والدته المتهمة بعمل السحر ,  ومعاصرته لحرب الثلاثين عاماً , وفقره ومرضه ونحافته وحساسيته وتواضعه , وكثرة ترحاله  لبروتستانتيته , وضعت الكنيسة الكاثوليكية كتبه على رأس قائمة الكتب المحرّمة من التدوال  لأكثر من قرنين (1621 - 1835 م) , لمخالفة اكتشافاته الفلكية العلمية الرائدة - والتي اعتمدعليها نيوتن في جاذبيته - مع تعاليم الكنيسة , فشطبت على كلّ جهوده وكدّه ومساعيه العلمية الإنسانية !!

فان كوخ (1853 - 1890 م)   , هذا العبقري الهولندي البائس الذي عاش في فرنسا , وبلغ بتصوره الأشياء غاية ما يبلغ التصوير من قوة وحياة , وبالرغم من حبّه الشديد للفن , وعن فهمه العميق لروح العمل الفني , فهو القائل : " إنني أعرف بالتأكيد أنّ لدي غريزة اللون , وأنها سوف تتزايد لدي أكثر وأكثر , فالتصوير هو عظامي ونخاعي , إنني أريد لعملي أن يصبح قوياً وثابتاً جداً ,  وإنسانياً , وعلى الفنان أن يستفيد من الجمال الكامن في الألوان ..." (9) , ومع أنـّه كان يتفهم الدور الكبير للفنان في الواقع والحياة , كا يعاني من الإهمال والتجاهل واللامبالاة من الأخرين , كما أنه قد يعاني شظف العيش بطريقة أكثر حدّة وألماً من غيره عامة الناس وعوّامهم ,  لقد أرسل لأخيه (نيوفان كوخ) ستمائة وسبعين خطاباً , ونشرت لأول مرّة بالأنكليزية بين عامي (1927 - 1929م) , أي بعد سبعة وثلاثين عاماً من وفاته , وأشرف على نشرها (كونستايل) , يقول في أحد خطاباته : " من أنا في أغلب أعين الناس , لا أحد ...فأنا إنسان غريب الأطوار , سيء الطباع , إنسان لا مركز له في المجتمع , ولن يكون له , بإختصار في الدرك الأسفل , حسناً ...يجت أن أظهر لمثل هؤلاء الناس من خلال عمل ما يوجد في قلب هذا الشخص البائس غريب الأطوار " (10) , ما الفرق بين حياة هذا العبقري الهولندي البائس , وبين زميله العربي أبي حيان التوحيدي الذي سبقه بتسعة قرون ...!! سوى أن الأخير تحدى الناس والدنيا بعبقريته الفانية , وآثاره الباقية لتباع لوحاته في عصرنا - أي بعد قرن من موته - بعشرات الملايين من الدولارات على أيدي سماسرة الناس العاديين لتمنح للمخصوصين , والأول رأى عبقريته خدعة الحياة المؤلمة , فأراد غلبها . ولكن إرادة الحياة أقوى , فظلـّت كتبه تتاجر بها دور النشر والمكتبات لتينهل منها القرّاء و القارئات , فالدنيا صور , ومَنْ فاتها عبر لبني البشر , ولله الأمر من قبلُ ومن بعد ...!!         

  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  (مجلة الكويت) :العدد 52 كانون الثاني 1985 م ص 48 - 51 - مقال بقلم أنور جعفر .

(2)

ubscene.com/subtitles/moby-dick-1956/arabic/387852

(3) (للعبقرية أسرارها ..تشكـّلها ..خصائصها..دراسة نقدية مقارنة ) : كريم مرزة الاسدي ص 33 , 101 - دمشق - 1996 - دار فجر العروبة - عن (أزهار الشر) - شارل بودلير.

  

(4) (شارل بودلير) : من ويكيبيديا , الموسوعة الحرة .

(5) صحيفة (الاتحاد) :عدد 02 / مارس / 2012 م يوم الجمعة

  (6 ) راجع ( الثعلب ) : تأليف دي . إتش لورانس ؛ ترجمة زكي الأسطة. - ط.1. - اللاذقية، سوريا : دار الحوار للنشر و التوزيع، 1999. (عشيق الليدي شاترلي ) تأليف د . هـ لورانس ؛ ترجمة حنا عبود.. - دمشق، سوريا : دار ورد، 1999. (الخنفساء المنقطة ) : تأليف دي . اتش لورانس ؛ ترجمة زكي الاسطة. - ط.1. - اللاذقية، سوريا : دار الحوار للنشر و التوزيع، 1995. مقال للدكتور صفاء خلوصي : ( لورانس العبقري ) عن (للعبقريه أسرارها ...) : ص 32 م . س .

(7) صالح الرزوق - بإذن من مركز دراسات د هـ لورنس - 2007 - شبكة قامات الثقافية - المصدر الأساسي :

 On That Day, by : D H Lawrence , in : New Poems , U.K., 1916 .

(8) راجع (للعبقرية أسرارها...) : ص 33 م . س .

موسوعة الأختراعات - 290 - الحلقة الخامسة والسبعون

www.nawafithna.net/post-271130.html - Translate this page

(9) مجلة (الوعي العربي) - العدد التاسع - السنة الأولى - ص 50 - 51 التكوين النفسي للفنان - عثمان نويه .

(10) (للعبقرية أسرارها .....) : ص 106 م . س .

كريم مرزة الاسدي


التعليقات

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 30/12/2012 00:26:24
شاعرنا الكبير الرائع جميل حسين الساعدي المحترم
السلام عليكم مع أطيب الأمنيات مع أطلالة السنة الجديدة
أشكرك جدا على مرورك الكريم , أردت أن أبين أن المجتمعات واحدة من حيث عدم التفاتهم وتجاهلهم للعباقرة , فالإنسان إنسان
احتراماتي وتقديري

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 29/12/2012 14:14:13
الشاعر الثر والأديب اللامع كريم مرزةالأسدي
فصل جديدمهم في استعراض حفنةمن عباقرة الغرب
وبالذات الروائي مالقيل هيرمان, الذي اشتهرت روايته بعد موته.. وأمثال مالفيل كثيرون في الأداب العالمية.ومن
صمنها تراثنا الأدبي والعلمي,, هذه الالتفاتة من قبلكم موضع تقدير وإعجاب
دمتم للعطاء المثمر

مودتي وتقديري

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 28/12/2012 10:09:42
شاعرنا الكبير الأستاذ سامي العامري المحترم
السلام عليكم مع أطيب الأمنيات
أشكرك على مرورك الكريم , وتعبيراتك الرائعة , أنا الآن مشغول بالحلقة الأولى من التجديد في الشعر العربي ( المقدمة) , وهي الحلقة الحادية والعشون من الشعر وقضاياه , متعبة والمصادر كثيرة , تقبل احتراماتي وتقديري

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 28/12/2012 06:43:58
موسّع وإنساني الأبعاد هو بحثك هذا كما يبدو من القراءة الأولية
ودخلتُ فقط لأجييك فأنا فتحت النت للتو !
وبعد قراءتي موضوعك هذا ملياً سأكتب بعضاً من انطباعاتي
مع الود والتقدير
للباحث والشاعر الرفيع كريم مرزة الأسدي
وكل أيامك أعياد وأوراد وروعة مداد

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 28/12/2012 06:43:34
موسّع وإنساني الأبعاد هو بحثك هذا كما يبدو من القراءة الأولية
ودخلتُ فقط لأجييك فأنا فتحت النت للتو !
وبعد قراءتي موضوعك هذا ملياً سأكتب بعضاً من انطباعاتي
مع الود والقدير
للباحث والشاعر الرفيع كريم مرزة الأسدي
وكل أيامك أعياد وأوراد وروعة مداد




5000