.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عاشوراء وأزهاق الارواح

محسن شوكت

مع كل عاشوراء يصعد في رأسي نفس التساؤل : ما الفرق بين ذبح الحسين وذبح اي شخص آخر ؟. ما الفرق بين أزهاق روح الحسين واية روح أخرى  ؟ من يحدد لنا قيمة الموت ؟

هناك حقيقة بيولوجية تؤكد ان أزهاق الارواح هو واحد . بمعنى ان الروح تخرج بنفس الطريقة , لا يختلف فيها سين من البشر عن صاد . هذه الحقيقة تصدم بالكثير من العوائق في ثقافتنا. سوف أشير الى هذه العوائق في سياق البحث . وبسبب هذه العوائق فأننا لا نرى الكثير من المسلمات . اننا مثلا لا نقدر ان نرى ان عملية ذبح الحسين هي تشبه تماما عملية ذبح شمر بن الجوشن على يد المختار الثقفي . هذا العوق المعرفي يصعب علينا تجاوزه في حدود الطريقة التي نفكر بها . وسوف تنسحب هذه الطريقة في النظر الى كل مشاهد الموت وصولا الى عملية شنق صدام حسين التي هتف لها بعض الحاضرون في حركة مقززة بدل ان يغمضوا أعينهم .

 

في 8 شباط 1963وضع البعثيون سيخ حامي في عيني حسين الرضي ( سلام عادل) فسملوها. طلبوا منه يوقع على التخلي عن مبادئه فرفض . وهو من الناحية النظرية نفس الطلب الذي طلبه عبيد الله بن زياد من الحسين ( البيعة ليزيد ) .

 

كم هو عدد العراقيون الذين يحتفلوا بميتة سلام عادل ؟

هناك نماذج لا حصر لها تقترب من موقف سلام عادل . انا شخصيا ذهب ثلاثة ارباع أحبتي او أخوانهم بنفس الطريقة وعلى نفس اليد أذكر منهم : عبد عداي العيبي , سعدون عباس , عبدعلي حسين , كامل كريم جبار , صبري ابو صابرين , سالم مهاوي, سعد أبو شيبة , حسن حنيص , حمزة حسين , اولاد حجي حسن , محمد عبد الواحد كويش ووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو

هل يوجد فرق بين ميتة واخرى ؟ هل الموت واحد في ثقافتنا وتربيتنا ؟ هذا التساؤل يسحبني منذ زمن طويل الى تأمل الكثير من مناسبات الموت عندنا وملاحظة ردود الافعال حولها فوجدت مفارقة جديرة بالأهتمام . من هي العين التي تحدد لنا زاوية النظر ؟ هل هي عيوننا ام عيون أخرى ؟

أزهقت روح سلام عادل بوحشية . لكنها بتقديري لا تختلف بتاتا عن ذبح الحسين او شنق صدام حسين او قتل الزرقاوي او أعدام حسن حنيص ( شقيقي ).

 

 

بين كربلاء وقصر الرحاب , بين عاشوراء وتموز, يكتشف السارد الفضولي بعض الذي غيب.

يكتشف فقرات كثيرة ساقطة من السردية, لماذا تجاهل السارد الخبيث مثلا أن كلا البيتين كانا من بني هاشم. في كربلاء يخرج سهم مسموم, يطير في السماء , ثم يهبط ليخترق عنق عبد الله الرضيع , تقابله رصاصة تطير, لتستقر في عنق جعفر اليتيم, الطفل الذي ربته الاميرة عابدية, والذي لم يسلم من المجزرة , خوفا من أن يكبر ويطالب بالعرش , العرش بالرضاعة . هنالك عرس القاسم في سردية الطف, وهنا فيصل الثاني الذي يحضر حقائبه ليلاقي عروسه في لندن, في سردية الرحاب. هناك خيول تدوس على الجثث, و تعليق للرؤوس على أسنة الرماح, وهنا سحل وتعليق على أعمدة الكهرباء . لماذا نلطم هنا ولا نلطم هناك ؟. أمر يصعب فهمه . كلما أردنا أن نضع رمزا لمصيبتنا نرتكب خطأ فادحا. نحن محاطون بعوائق معرفية على ما يبدو.

 

وأذا تأملنا شوارع بغداد حاليا فسوف نجد على الفور صورا عديدة تشير الى ثلاثة من الرموز الشيعية التي يراد رفعها الى مصاف الآلهة وبنفس الطريقة التي يحتفى بها بأستشهاد الامام الحسين . لا يوجد الى جانب هذه الصور اي صور اخرى حتى لشهداء ذبحوا بنفس الطريقة وعلى نفس اليد . من وراء هذه المفارقة ؟

وأني وان كنت تماما ضد فكرة رفع الصور اي كان صاحبها . لكني مجبر على التساؤل .

أن الآلية واحدة : هي محاولة رفع القتيل الى مستوى الآلهة بحيث يصعب النظر اليه كمخلوق وعزله بأسرع وقت وفصله عن البشر . لقطع الطريق على اية محاولة للنظر اليه كبشر . هذه هي الطريقة المثلى لكبح ورد اية محاولة للعقلنة .

ولقد فاجأني احد الاصدقاء الذي وضع في بيته صورة كبيرة لمحمد الصدر ( الصدر الثاني ) يؤكد القداسة ويمنع العقل فقد استعان بشكل لا واعي بحفيدته الصغيرة التي تتعلم المشي والنطق توا تتقدم (بطريقة وصفها صديقي بشكل أخاذ) وتفاجئ الجميع لتطبع قبلة على فم السيد الصدر وهي تشير اليه وبدل ان تكون الكلمة الاولى (ما) او( با) او حتى (عمو) كما هو معتاد فقد انفتح لسانها بكلمة ( سي ) اي سيد . لم اشك مطلقا في صدق ما حدث في بيت صديقي . لكني عاتبته على الخلاصة . على الاستنتاج المروع الذي قدمه ببلاغة لا غبار عليها :

( افترضتُ أسئلتي، وافترضتُ أجوبةً لها حائرةً بين أن أنحو بها إلى وجهةٍ غيبيّةٍ تُسكنُ حاجتي الماسّة إلى المقدّس، وبين سننِ الطبيعةِ الماديّة العادية، فلا يمكنني تفسيرُ سلوكِ زينب سوى بتقليدِ ما يحيطها.
وحانتْ لحظةُ الحسمِ المنحازِ للبهاءِ حين زحفتْ زينب نحو الصورةِ التي أنزلناها بغيةَ مسحِ الترابِ عنها.. فحين أصبحتْ قريبةً منها نهضتْ مستعينةً بالجدار... اقتربتْ منها أكثر حتى لامستها.. فجأةً غدت الصورةُ في متناولِ حواسّها كلّها... قرّبتْ شفتيها الصغيرتين من شفتي السيّد وقبلتهما.. ثم أفردتْ سبابتَها وكرّرتْ بشكلٍ متواصلٍ نزقٍ:" سي... سي....".
لم تكن بي حاجةٌ لأكثرَ من هذه العفويّةِ كي أنحازَ جَذِلاً إلى إنني، مع حفيدتي، في حضرةِ المقدّس. )

لا شك ان( بوسة زنوبة) و كل حرف من هذه البلاغة هو سيرفع الصدر الثاني الى مصاف الآلهة ويفصله عن محيطه البشري وهو ما تريده الأصابع الخفية او بشكل صريح السلطة الدينية بالضبط . انه الطريق الامثل لقطع الطريق على العقل .

 

وقفت طويلا أمام كلماته فكتبت

 

. أننا بأمس الحاجة للنظر الى البشر بوصفهم بشر وليسوا أنصاف آلهة .كنت في أيران عام 1991 وقد شاهدت ضريح الخميني الذي يبلغ حجمه ثلاثة مرات حجم ضريح الامام علي بن أبي طالب . ,احب أن أؤكد هنا أن هناك أشخاص يقدسون أسامة بن لادن وصدام حسين بنفس الطريقة التي نقدس بها الحسين (مع الفارق الهائل بين الجانبين) . أن زيارة قصيرة الى تكريت سوف تثبت ما أريد . ولو قدر لا سمح الله وعاد البعث الى السلطة فسوف يتحول هذا القبر الصغير الذي يحوي جثة جلاد وضيع الى مزار يؤمه المسلمون . كان من المحتمل ان يتحول قبر بن لادن الى مزار يشبه ضريح الامام الحسين لولا المزاج الامريكي . ان رمي جثة بن لادن في المحيط الهادئ جعل امر زيارته معقدا للغاية ويتطلب الكثير من المستلزمات اقلها تعلم الغوص والتنفس بواسطة اسطوانة الاوكسجين .

 

والآن جاءت لحظة التساؤل المرير : بماذا تختلف عملية ازهاق روح السيد محمد الصدر عن أزهاق روح شقيقك ؟ . وبماذا تختلف عن أزهاق روح حسن حنيص ( شقيقي ) . لقد تم أزهاق هذه الارواح بنفس الطريقة وعلى نفس اليد فلماذا تضع صورة ملونة محسوبة بالمليم ومكبرة عشرين مرة للسيد الصدر الثاني ولا تضع صورة أخيك أو أخي؟

 

القداسة ليست حبا أنها نوع من العمى نتائجه السلبية أخطر مما تتصور . ان اول نتائج التقديس هو التعصب والأنقياد الاعمى ( ليس للحقيقة بل للمقدس ) . القداسة توقف أي نشاط عقلي ولا تسمح لنا بالنظر الموضوعي الى الشخوص وتاريخهم ونتائج اعمالهم . ويبدو لي ان مقتل الاشخاص هو من اكبر الاسباب التي تؤدي الى تقديسهم في ثقافتنا . والشواهد لا تحصى . أن مجرد مقتل الشخص حتى لو كان قاطع طريق او متمرد او زعيم عصابة يحوله بنظر اصحابه الى شهيد . ويبدو لي اننا مغرمون بالموت لدرجة الادمان . اننا نقدس القتيل حتى لو لم ينتج عن عمله اي شئ . أن النتائج لا تهمنا كثيرا بقدر التعبير عن ولعنا بالموت . هذه الرومانسية الغارقة بالعمى هي لذتنا القصوى . وحتى الصفحات المضيئة في تاريخنا لا تحمل اية قدسية رغم ان ممثليها قدموا خدمة للبشرية مازالت آثارها حتى الآن . لماذا لا نقدس ابو حيان الكوفي ( الكيمياء) وابن سينا والرازي ( الطب ) والخوارزمي (الرياضيات) وابن رشد ( الفلسفة ) والادريسي ( الجغرافيا ) . لماذا لا نضع صورهم في بيوتنا ؟ أليسوا جديرين بالتكريم؟ . لماذا لا نضع في بيوتنا صور أسحاق نيوتن وباسكال ويونغ والبرت آنشتين لماذا لا نضع صورة اديسون ؟ ألم يخترع أديسون الضياء ؟ هل ننتظر من هؤلاء ان (يستشهدوا ) لكي نلتفت اليهم ؟

 

 

 

بين عاشوراء وتموز, يكتشف السارد الفضولي بعض الذي غيب.

يكتشف فقرات كثيرة ساقطة من السردية, لماذا تجاهل السارد الخبيث مثلا أن كلا البيتين كانا من بني هاشم. في كربلاء يخرج سهم مسموم, يطير في السماء , ثم يهبط ليخترق عنق عبد الله الرضيع , تقابله رصاصة تطير, لتستقر في عنق جعفر اليتيم, الطفل الذي ربته الاميرة عابدية, والذي لم يسلم من المجزرة , خوفا من أن يكبر ويطالب بالعرش , العرش بالرضاعة . هنالك عرس القاسم في سردية الطف, وهنا فيصل الثاني الذي يحضر حقائبه ليلاقي عروسه في لندن, في سردية الرحاب. هناك خيول تدوس على الجثث, و تعليق للرؤوس على أسنة الرماح, وهنا سحل وتعليق على أعمدة الكهرباء . لماذا نلطم هنا ولا نلطم هناك ؟. أمر يصعب فهمه . كلما أردنا أن نضع رمزا لمصيبتنا نرتكب خطأ فادحا. نحن محاطون بعوائق معرفية على ما يبدو.

. هل هناك أرواح تصلح للذكرى,؟ وأرواح لا تصلح سوى للإشارة؟ بل أن هناك أرواح لا تصلح إلا للنسيان. عقود وعقود, يمر الحادث مرور الكرام. هناك فرق آخر جدير بالتذكر . هو ان شمر بن ذي الجوشن قطع بالسيف رأسأ كان هو الاخر يحمل سيفا ويقاتل ببسالة .بينما لم يكن اي من السبعة الذين نحرهم العبوسي في قصر الرحاب مسلحا , كانوا عزلا تماما : اربعة نساء وثلاثة رجال احدهم طباخ تركي, والثاني ملك, سوف يتزوج بعد يومين (من حقنا ان نعقد مقاربة بينه وبين القاسم بن الحسن العريس يساعدنا في هذه المقاربة ان كليهما ينتميان لنفس العائلة الهاشمية ).والثالث خال الملك. وهناك طفل أيضا أسمه جعفر اليتيم .

 

لن يتوقف الدم, إلا في اللحظة التي نتوقف جميعا عن اراقته . يتوقف الدم في اللحظة التي لا نختلف على تسميته . في اللحظة التي نصل الى اتفاق واضح حول تسميته, ونرفع سبابتنا ونشير إليه كما نشير إلى المتهم . لن يتوقف الدم إلا في اللحظة التي نسكت فيها كل الهتافات والصخب ولا نرى سوى اللحظة المخجلة التي تزهق فيها الأرواح , لحظة اقتراب الحبل, وضيقه, وصعوبة إخراج النفس, وضربات القلب المتصاعدة, واليقين الحاد بقسوة الموت وتسيده فوق أية قيمة أخرى . سوف يموت الموت في بلادنا حين يكون هناك عزما كونكريتيا على الاحتفاء بالحياة, وبأي ثمن . بطي صفحة الموت, وتسفيه كل الدعاوى الفارغة التي تعمل على الإعلاء من شأن الموت , واولها الموت من اجل العقيدة . لا توجد عقيدة أرفع شأنا من الحياة , الحياة هي الكل, وهي القيمة العليا التي يجب ان تعلو على كل القيم . علينا ان نشطب هذا المسخ الروحي المتمثل في الثأر . نحن حيوانات بائسة, نشبه الى حد بعيد اي جمل او ثور , وحين نساق الى المسلخ يتضح على الفور هذه المطابقة.

 

بل يمكنني بكل سهولة توكيد هذا المعنى, والذين رأوا في المجازر الحكومية كيف تتم عملية ذبح البعير سوف يؤكدون ما أقول . يحتاج البعير الى مالا يقل عن ستة اشخاص لتكتيفه وربطه . واية كلمة مهما كانت جذابة فلا يمكن ان تقنعه بضرورة الاستسلام للموت . سوف يحاول البعير ان يرفض السكين بكل ما يستطيع من قدرة . ولو وشوش احدهم في أذنه قائلا : سوف نعتبرك شهيدا أيها البعير . فمن المحتمل ان يطلق البعير صوتا يشبه العفطة .

 

سوف يتضح لنا أيضا ان البعير لا يهتف ابدا ولا يريد أبدا أن يعانق السكين, الا اذا كان مجنونا , وكل ما يتمناه هو الخلاص من السكين, ولكننا في المقاهي, والشوارع, والاقبية السرية, وتحت تأثير المخدرات, واطنان من القصائد, وبنادق الأب المعلقة في الحائط, وصورته كشهيد للعقيدة, واغاني القطعان, وقصة الاميرة النائمة, نتحول الى كائنات اخرى. يدخل السيف حتى في الاحلام الوردية . ترضعنا جداتنا منذ الصغر قصة الأميرة النائمة, تدفن الحكاية في اعماقنا ان الأميرة لن تستيقظ لعامل الكهرباء او موظف في السكك حتى لو قبلها الف مرة , لن تستيقظ الا بقبلة من أمير فارس ( اي سياف) يعرف كيف يستخدم السيف لا لقطع الاشجار ولكن الأعناق البشرية . نرضع منذ الصغر ان السيف والفرس هو شرط الحصول على الجمال . وسوف نأبى ان نموت ميتة طبيعية . يضع لنا اهلنا الخلود شرطا لوجودنا . ولا خلود بدون الموت. اي قساوة هذه ومن يدفع ثمنها ؟. ندين ذبح الحسين في نفس اللحظة التي نؤكد براعته في ذبح الآخرين . نروي دون وازع, وبشكل أسطوري لا مثيل له في رواية ابي مخنف, انه مرر سيفه وحز اربعين فارسا قبل أن يقتل . لا نريد أن نتنازل لحظة واحدة عن الدم . وكأن الذين ذبحهم هم مجموعة من الذباب . ثم نذهب الى العباس ونبكي على قربته وكفه المقطوعة, التي بترت بعد ان حزت, هي الاخرى بضربة واحدة سبعين فارسا . ونضع ارقاما كاريكاتيرية , أرقاما من خيالنا المتعطش للدماء, لكل من اصحاب الحسين وأهله, نؤكد فيها انهم ايضا قتلة, حتى لو لم يكونوا كذلك , ولم يسعفهم الحظ . واذا ما جمعنا مخيلاتنا الوحشية, سنجد ان جيش الحسين البالغ اثنين وسبعين, قد قتل ما مجموعه ثلاثة الاف انسان , او حشرة , لافرق . يبدو اننا لا نؤمن بوجود ارواح متساوية, ونؤمن بأن ميتة الحسين هي غير ميتة الاخرين . لقد تربينا دون ان ندري على خديعة أن الموت ليس متساويا , وان موتنا وحده هو الجدير بالاعتبار .

 

كان هناك اكثر من صوت عاقل توسلوا بالحسين ان لا يخرج. هذا ابن عباس يقول له ( لولا ان يعيرني الناس لشبثت يدي من رأسك ,فلم اتركك تذهب ) وقال له عبدالله بن الزبير (اين تذهب ؟ الى قوم قتلوا اباك وطعنوا اخاك ؟) وقال عبدالله بن عمر بن العاص (عجّل الحسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني).

. لكننا لا نشير اليهم ابدا. ولا نمجدهم كما نمجد أصحاب الدم, اننا نؤكد في كل يوم ان الحياة لا تستحق أن تعاش . لاشئ يعلو فوق الموت .

 

هل اصبحنا حقا نخاف السلام؟ , نخاف الحب؟, . هل السلام فراغ شاسع, يرهبنا ويشعرنا بالخواء؟, ولا نعرف كيف نملأه . ألا نملك العابا أخرى سوى لعبة الموت, ألا نريد أن نتعلم العابا اخرى, ألا نريد ان نتنازل عن وحشيتنا اللذيذة, وكراهيتنا الايروسية, واستمنائنا لمنظر الدم المراق, وتلك الكراهية التي توصلنا الى ذروة اللذة؟ . ألم يشف غليلنا ما صنعه المختار الثقفي, عندما حز رؤوس قتلة الحسين . نحن نريد شيئا آخر, شيئا ابعد من القصاص. ابعد من اسدال الستار على المشهد الدموي وتبييض التاريخ . نريد ان نؤكد على الدوام أن السيف هو الحادثة الوحيدة الجديرة بالانتباه .و نريد ان نؤكد ان ارواح البشر ليست متساوية . لا نريد ان يتوقف هذا المشهد. ما كان ضرنا لو استبدلنا مفردات روزنامتنا الوطنية الممعنة في الدم, بمفردات الحياة ؟.ما ضرنا لو استذكرنا عام القحط وانحباس المطر, في جزيرة العرب ؟. لماذ يتصدر السيف كل ساحاتنا , كل مفترقاتنا , كل شوارعنا , ولا يتصدرها المحراث مثلا؟ . لماذا لا نمجد المحراث, وبيدر الحنطة ؟. لانريد حتى ان نعرف من اين يأتي بيدر الحنطة ؟ جلنا على الارجح, يعتقد أن البيدر ينبت من تلقاء ذاته ؟ . لا نسأل أنفسنا حتى من كان يطعم الجيوش ؟ ومن هو القصاب ؟ هل نعتقد فعلا أن القصاب كان يقوم بعمل مزدوج, حز رقاب الإبل, ورقاب البشر, في نفس الوقت ؟ هل كان يفعل ذلك لدرء تهمة التقاعس عن نفسه مثلا ؟ هل أن القتل هو العمل الوحيد الذي يرفع من شأن صاحبه؟ . ألا يوجد قصاب خالص؟, أو مزارع خالص, أو راع خالص ؟ . ألا ساء ما يحكمون, ماذا يحصل لو احتفلنا بفيضان دجلة؟! أو وصول نخلة الى عمر العطاء !؟ هل تذكر كتبنا أسم ألأعرابي الذي كان يداوي الجمال من الجرب ؟ هل يوجد بيت شعر عربي واحد يذكر فيه المنجل ؟, لماذا لا يوجد بيت شعر عربي واحد يمدح الخبز ؟ ألم يكن العرب يأكلون الخبز كل يوم ؟ لماذا لا نحتفل بموسم جز الصوف ؟ . لماذا يحفظ اطفالنا أسماء السيف والأسد ولا يحفظون أسماء الزهور !؟ لماذا لا نحتفل بالجمل ونجعل له عيدا !؟ . واذا كان السيف هو القيمة العليا والحقيقة الكبرى, لماذا ننوح ونلطم ؟ لماذا نبكي على شئ نحن نقدسه ؟ . انه لغز محير . نحن كومة من الألغاز . ماذا نريد بالضبط من التاريخ ؟. رجل يخرج من بيته للقتال ثم يقتل , أليست هذه هي الحكاية في نهاية المطاف ؟. سوف يعترض احدهم قائلا . ويحك انه خرج على الظالم , لاعلاء كلمة الله , ورد الدين الى اصوله . كلام جميل , ولكن لماذا لم تعل كلمة الله بعده , وبقيت, طوال اربعة عشر قرنا, كلمة الطواغيت هي العليا ؟ تارة على يد الأمويين, وأخرى على يد العباسيين, وتارة على يد المغول, ومرة على يد الصفويين, وأخرى على يد العثمانيين , حتى وصلت الى قائد الضرورة وعزم القصور الذاتي. الا تكفي ارتال الطواغيت هذه للدلالة على شئ ما ؟ . سيقول البعض غدر به العراقيون. طيب... ممتاز . وماذا كان يحصل لو لم يغدروا ؟ سوف يكون جيش الحسين اكثر عددا أليس كذلك ؟ عندئذ سوف يضطر يزيد لارسال جيش الشام , وسوف تتكرر صفين . اليس هذا هو السيناريو المحتمل لاعلاء كلمة الله ؟. سوف تعلو الجثث حتى تصل الى الله, تلطمه في انفه الطويل, وهو نائم في عرشه . وسوف يسقط سبعون ألف بدل اثنين وسبعين. وسوف يخرج أحدهم عورته لوقف نزيف الدم. أليس هذا ما يريده دعاة نصرة الحسين, ويرددون كل عام :( ياليتنا كنا معكم سيدي فنفوز فوزا عظيما ).

 

يبدو أننا أمة لا تلقي بالا للأرواح ولا تقدسها, كم هذا محير! . ماذا نريد ؟ النصر ؟ , نعم نحن أمة نريد النصر دائما , واذا لم نحز النصر, نطلب الثأر , واذا حصلنا على الثأر, نريد ما بعد الثأر , وأذا حصلنا على ما بعد الثأر, نريد ديمومة الثأر , نريد ثأرا أزليا , نسميه "ثأر الله" . سوف نطلق عليه اسماء براقة, أسماء من نوع "ثورة" و"وقفة"

 

 

في حروبنا, يهرب الجنود , لا نعلم عنهم شيئا , ولا نريد أن نعلم شيئا , نصم آذاننا ونغلق عيوننا لكي لا نرى ولا نسمع, ويعدم الألوف منهم في ابو غريب, ولا نعبأ بهم . نسميهم "فرارية" للتنكيل بكرامتهم, وهم الأقرب إلى الطبيعة البشرية, هم الحياة نفسها. يهربون لكي لا يقتلوا أحدا . سوف تتكرر هذه الحكاية مرارا, وسوف تمسح التاريخ كله سطرا سطرا حتى تصل إلى قصر الرحاب. هنالك شئ يحيرني وأقف عاجزا عن فهمه . لماذا نغيب في اللحظات الهامة ؟ . أين كانت عيوننا ؟ عيوننا الحادة, التي تبصر حتى من باطن التيزاب كما ندعي.

 

(فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الاشعث ، وجاءت هوازن بأثنين وعشرين رأسا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن ، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا مع الحصين بن نمير ، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس مع هلال بن الاعور ، وجاءت الأزد بخمسة رؤوس مع عيهمة بن زهير , وجاءت ثقيف بأحد عشر رأسا مع الوليد بن عمر )

 

كان عمري سنة ونصف حين سمعت اول مرة الترتيل الأخاذ والاسطوري لعبد الزهرة الكعبي . سيظل هذا الصوت حاضرا في تلافيف روحي يؤرخ لحظة موسيقية نادرة . أنه التجلي الامثل على قدرة الموسيقى وعظمتها , ولا يمت بأية صلة بأية عقيدة . وليس له اية علاقة بالقداسة ولا بالحق . من هذه الزاوية احتفل بعاشوراء .

 

 

ماهي الغاية من أستمرار مراسيم عاشوراء ؟

سحبني هذا السؤال الى تأمل فكرة الغاية نفسها والبحث عنها في محيطنا . أين نعثر عليها وكم منا يفتش عن غاية اي فعل ؟

قلت لنفسي لأخرج وأسأل اول عراقي اصادفه . ماهي الغاية ؟ ولأني اعيش في هولندا في مدينة زفولا فأن العراقيون قليلون وعلي ان أتوجه الى الاماكن المحتملة لتواجدهم , لذلك وضعت في ذهني سوق الخضرة وسوق الخردة ( استبعدت مكتبة زفولا ومسرحها ومتحفها ). اول عراقي صادفني سوف اسميه ( كاف ) منعا للاحراج وقد كان في العراق عسكريا برتبة رئيس عرفاء . سألته

 

ماذا تعرف عن الغاية ؟

 

أجابني على الفور :

 

الغاية هي اليوم الذي يلتحق فيه الجنود والمثبت في نماذج اجازاتهم الدورية .

 

وراح( كاف) يوضح لي ان الغاية لا زالت موضع خلاف بين فقهاء الجيش , اذ يعتقد البعض ان الغاية هي جزؤ من الاجازة والبعض الآخر يعتقد انها اليوم الذي ينبغي ان يكون الجندي في وحدته .

 

أعتقد شخصيا ان (كاف) هو الممثل الشرعي لثقافتنا . وان تحديده لمفهوم الغاية هو الاقرب للتداول ولا يصطدم بأي سلطة وهو اكثر جاذبية مني وبالتأكيد أنه أكثر وضوحا مني ومن المفهوم الذي اسعى اليه .

 

- هولندا-

محسن شوكت


التعليقات

الاسم: محسن شوكت
التاريخ: 25/11/2012 22:07:48
عزيزي سمير القرشي : شكرا لمرورك الكريم ولملاحظتك القيمة وفهمك الدقيق لأبعاد النص .

محسن شوكت
- هولندا-

الاسم: سمير القريشي
التاريخ: 25/11/2012 19:44:38
رمي جثة بن لادن في المحيط الهادئ جعل امر زيارته معقدا للغاية ويتطلب الكثير من المستلزمات اقلها تعلم الغوص والتنفس بواسطة اسطوانة الاوكسجين .تأكد اخي شوكت ان الوهابية لن يزورا هذا الارهابي لانهم لايزورون القبور..
اخي العزيز كل كلامك جيدا وانا اشاركك الم التميز ..لكن الرمزية لها بعدها الكبير ..كل من قتل في سبيل الله شهيد ..لكن الحسين سيدهم ورمزهم




5000