.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ما لم يقله علي الوردي في 8 ‏شباط‏ 1963

د. علي ثويني

عادة ما أشبه العراق بامرأة أسمها (غنية) مترعة بالترف والجمال وثرية مكتنزة بالحلي   ومرتدية حلة مقشبة ، ويحيطها ويحف بها بداة حفاة  أجلاف ممزقي الثياب شبقين  كل يريد وطأها ،لكن كل منهم يخشى سطوة الآخر وليس سطوتها بسب وهنها، ويمكث كل منهم متلصص متربص لها ولعدوه البدوي الآخر، والكل ينتهز الغفلة التاريخية للإنقضاض عليها،حتى وطئها الجميع وكانت ولاداتها هجين من أرومات هؤلاء البداة ، ولكن هؤلاء أصبحوا أبنائها وفلذتها، ثم طبعوا بطبعها وأكتسبوا جمالها وترفها ورقة طبعها ورجاحة عقلها. وهكذا فأن الوادي الأخضر المترع بجنان عدن والفراديس منذ أدم، كان يدعدغ شغاف قلوب كل البداة الأجلاف المحيطين به في الهضاب المجدبة أو الشحيحة. فطمع بتلك الواحة الغناء العرب من الجنوب والغرب والفرس والأكراد والأتراك  والتتر والقوقاسيين من الشرق والشمال، واليوم وبالأمس الأمريكان والأنكليز الذين أتوها من آخر المعمورة . فكان حاله فلك مؤرق فحواه  دوران  مصالح وأحداثه حراك لتلك القوى وصراع محتدم فيما بينهم .

ومصيبة العراق أن أهله  من أصول تلك البداوات ، قبل أن تسحقها الحضارة ويغمرهم طبع الطين ومستلزمات العيش في كنفه، ومشكلته الأزلية أن منهم من يتوق شغفا وحنينا الى أيام أجداده في خلاء الأرض ومجدبها ، وأجج الأمر وبعث روحه رموز بشرية من هؤلاء تكمن مصلحتهم دائما في ديمومة البداوة كونها تكسبهم الحظوة ومكانة أسمها منصب الشيخ والآغا أو الملا أو السيد أو إمتياز البيوتات والدماء الزرقاء. كل ذلك عكس بإعتداد موقف أناني أستعمل مسوغات واهية وأستغل جموع المغفلين وسيرهم بإتجاه ما يشبع غرائزهم ويؤملهم بالسراب، وتداول في سبيل ذلك أسماء وشعارات طنانة وأجج  الحمية القومية أو الدينية أو الطائفية أو المناطقية الجوفاء. ولو كانت المشكلة فيهم فلا باس لكنهم تبعوا صاغرين الى مصالح المتصارعين البداة  خارج النطاق الجغرافي العراقي منتهزين ومتلونين ومنافقين ومتشدقين بالمكارم . كل ذلك المفهوم الفلسفي شكل بالملموس جوهر الحراك السياسي، ودفع العراق ثمنه عذابات أهله .

أن هذا الأمر ينطبق على ما حدث في 8 شباط  63 ، فبالرغم من أن البداوة والمصالح الأجنبية قد تكالبتا على وطأ العراق ووأد الحلم الأزلي بالإنعتاق، لكن القوى السياسية التابعة أنساقت للغواء والزيف و بالنتيجة  نحرت نفسها بنفسها، أي أن تحالفات الأحزاب قد أكل بعضه البعض،وأن ما حدث هو أنه تغدى البعثيين بالشيوعيين قبل أن يتعشوا الشيوعيين بهم  ، وهو سياق إنتهازي ألفناه  في عالم النخاسة السياسية وسياق وارد في حالك كواليسها،  وهو ما يحدث كل يوم حتى في يومنا هذا.

لقد لفت نظرنا في تلك الفوضى ولجة الإستقطابات أن ما أريد للعراق بالنتيجة هو أن ينحسر الصراع فيه بين قطبين مغاليين وذيليين قصرا وحصرا، فأما شيوعية تابعة للسوفييت أو قومية عروبية تابعة لعبدالناصر أو كردوية هلامية تابعة لمن يدفع أكثر، وراقصة على كل دف ومرقصة الشيوعيين معهم،ولا تشجيع في وجود قوى وسطية مهادنة هو "الشذوذ" الذي يشكل القاعدة المنسية.

لم يفقد الشيوعيون أمر مهم في تضحيتهم بـ(أولاد الخايبة) على يد الحرس القومي، والدليل أنهم عادوا وتحالفوا مع البعثيين بعد أقل من عقد فيما دعوه(الجبهة الوطنية)، بما يدلل أن الأمر(مدستر) والضحية هو شعب العراق. لكن أكثر ما فقدناه  في تلك المعمعة وتناطح التيوس، هو الوعي العراقي والمثقفين عالي العريكة والمفهومية ، فقد أصابهم الذهول والهلع حينما سحقتهم فئة ضالة من البداة، وهم المتشدقين بسطوة الفكر والجمال وتفسيرهم للأمور والكاسبين لحظوة ومكانة إجتماعية. ونتذكر كيف شاعت مشاعر الإحباط بين صفوفهم وشاهّدنا "صفناتهم" الطويلة في (قهوة المعقدين) في بغداد، أو حينما تقمصت نخبتهم روح سارترية وجودية، أوعدمية لاتمت صلة للوعي.

أما علي الوردي(1913-1995) اللامنتمي و غير المحسوب على فئة بعينها والذي أنتقده الجميع من قوميين وشيوعيين ومتدينين، فقد كانت خيبة أمله كبيرة وهو العارف ببواطن الصراع ما تحت الأحداث وما فوقها، وتيقن أنه سوف يموت دونها وأن دورة الثلاث أجيال الخلدونية  للبداوة ستحل دون أن يرى التغيير، وأنه وجيله ممن سعى وحلم بسطوة ثقافة المدينة قد تبخر وسحق دون رجعة .

نذهب هنا الى أن الكتابة على صفحة بيضاء أولى من مسح ما كتب والكتابة من جديد، وهذا هو الفرق مع ماحدث في المشروع النهضوي العراقي الذاتي في الأربعينات الذي شكله رعيل علي الوردي ومع ما يحدث اليوم. فالعراقيين كانوا صفحة ناصعة حينها، و مكثت غير ملوثة وسط مزابل الزمان وتراكم الإنكسارات، لكن اليوم تلوثت بجرائم الأحزاب والأهواء والمواقف البهلوانية ، يجدر كشفه والتنبيه منه.

كان علي الوردي يصول ويجول في الخمسينات بعيد عودته من أمريكا، ونشط في النشر والإعلام والمجتمع وتصاعد الأمر حتى أننا  نعزي أن كتاباته شكلت إحدى محركات ثورة 14 تموز ، كما  هو حال كتاب الثورات الفرنسية والامريكية والروسية على حد سواء. ويبدو أن الزعيم عبدالكريم  قاسم ورفاقه قد قرءوا الأمر بتمعن،وأيقنوا أن  القضاء على بداوة السلطة لايتحقق بالنفس الطويل والأناة، وأن الإنقلاب عليها أجدى وأولى، ولاسيما أنها وصلت حد الهزال والترهل، وأعتزلت العامة وتقوقعت برموزها ونخرت بالمنسوبية، ودورت  الكراسي فيما بينها ،ومكث (أولاد الخايبة) من أهلنا أما جنود تقتلهم جبهات قتال إسرائيل أو العصاة الأكراد. وهكذا فأن جموح الحصان العراقي الذي مثله الزعيم عبدالكريم كان فردي،و جوهره جماعي وحركيته محلية محضة تولدت  من سكون الدعة والتوق للحضارة وتضادت مع روح البداوة المسترسلة  وسعت الى المكارم والتسامح وحاولت أن توفق القلوب ولكن وأدت قبل أن تتمخض عن الوليد العراقي المنتظر مثل مهدي اليوم.

فات الوردي بسليقته العراقية المهادنة المتحاشية جرح مشاعر الغير بأن يعلن أن السلطة الملكية كانت بدوية أو إمتداد للبداوة التركية، والأهم أنها هاجنت ولاقحت بعجب بين البداوة التركية والعربية وأسبغت عليها تفاسير قومية أستلت بغباء من النظرية القومية الألمانية وتفسيرات (فخته)، فكان فارسها ورائدها ساطع الحصري الذي أنتقل بقدرة قادر من قيادي في الأحزاب الطورانية القومية التركية الى مؤسس للتوجه العروبي المثقف، وكانت البداوة الكردية في تلك المعمعمة مطية لها وتابع ومسخر ومرتزق. وكل تلك البداوات وقفت بتحالف عجيب ضد البداوة الفارسية وتوسمت بالتشيع والتسنن وصفاء الدماء وعدنان وقحطان  وخصوصية الأقاليم بين شمال وغرب (عربي) وجنوب شرقاوي فارسي، بما جعلهم يسنون قانون الجنسية العراقية عام 1925 والذي جاء محض تطبيق تشريعي يسير على هدى ذلك التناقض وصراع البداوات، بعيدا عن مصالح العراقيين .

و مؤآخذتنا على المرحوم الوردي أنه حصر البداوة بالعرب وتناسى ربما نفاقا  أو "إزدواجيا" أن الصفات البدوية موجودة عند الآخرين كذلك كالفرس والترك والكرد على حد سواء، وهم جميعا يتربصون العراق من أجل الإستحواذ عليه ولا يختلفون عن العرب البته.

أخرج على الوردي عنوة من وظيفة التدريس وبيئة التواصل مع الوعي والمريدين،  وحجم عن الكتابة منذ العام 1971، وهو موعد مبكر مع عطاءه العراقي الجارف، وسكن الرجل دون حراك 24 عام، حتى همش وتناسته الأيام وفاتته الأحداث، وياليته كتب لنا عن تفسيره للصراعات ، وعسى أن يكون قد تركها محفوظة بيد أمينة.

لقد رصد أهلنا بلبابتهم المعهودة تلك الأحجية وفسروها بشمولها وتفاصيلها، وأتذكر ما كان يطرحه  المرحوم والدي الرجل البسيط المثقف شعبيا بأن ( كذا.. جي) قد أصبح سيدا حتى بعد إنحسار العثمانيين وإكتفائهم بحصة تركيا الحديثة،وأن البيوتات الحاكمة في الحقبة الملكية كان جلهم من أصول تركية  وسلجوقية وقوقاسية وبيوتاتهم معروفة ، ولا يغرنك  دعوات القوم بالإنتماء للحجاز أو الدوحة النبوية أو الشام أو العراق أو أسماءهم المعربة،بل مايهم هنا وبعيدا عن العنصرية أو تحاشيا لما يخشى الجميع طرحه ، هو حملهم روح البداوة وسجية التحاصص ونزعة الإستحواذ وتعاملهم مع العراق كغنيمة حرب أو محضية أو أمة مملوكة يدافعون عنها،" أي نعم" وببسالة ،ويشملوها بعطفهم، ولكن من أجل مصالحهم الغريزية، وليس مصالحها وإرتقاءها وإنعتاقها من عبوديتها،والأهم أنهم مكثوا أمناء ومتعصبين لأصولهم ومن أين وردوا.  وقد أستانست ورضت تلك البيوتات أن تسلط عليها شكليا أميرا حجازيا"عروبيا" لكنها مكثت تحكم من وراء الكواليس بأسم البداوة التركية،وتحارب بالخفاء البداوة الفارسية.

 وهنا أرد على الأخ الدكتور المبجل سيار الجميل الذي أمتدح هذا الرعيل، وعده منزها من المآرب كونه بنى دولة عتيدة. وكل ذلك يجافي الحقائق، فالدولة كانت تركية -عروبية القومية وسنية المذهب بدون وجل أو خجل، وليراجع الجميع نصاب الحكومات وشخوصها وإنتماءاتهم عند عبدالرزاق الحسني أو حنا بطاطو ، وليقرأ أي منهم سيرة أي شخص من هذا الرعيل ولنأخذ مثلا  أرشد العمري الموصلي الذي رحل أجداده من جهات تبريز في أذربيجان  بعد الزلزال الذي ضربها،وأدعى أنه سليل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب(رض) ولا ضير أو خلاف  بالأمر ، لكنه بالمقابل سرق الدولة وخرب بغداد وهدم معالمها،ثم توج "نزاهته" بأنه هرب بعد ثورة تموز 1958 الى أسطنبول لائذا بها، ثم عاد عام 1965 بعد زوال الخطر الوطني العراقي وعودة البداوة العروبية التي ضمنت له السلامة والتكريم حتى وفاته عام 1978،وبذلك جعلنا نعود ونسترجع أصله وفصله. وهكذا فضح القوم إنتماءاتهم الإقليمية ،وكلها من شمال وغرب بغداد والبدوية من خلال إنحيازهم  كما (عمر العلي) الذي أشاع إصطلاح (خط البرغل)، و سبق أن تكلمنا عنه . وكلهم استغلوا مسوغ المذهب، وصفاء الدماء والأصول العدنانية من أجل مآربهم الأنانية.

أن كل ذلك الأمر تناقلته أفواه  العامة همسا لعقود سبقت ثورة تموز، لكن حسن العلوي أعلن عنه بلبابة في مؤلفه  (التأثيرات التركية في المشروع القومي العربي) ، وهذا الطرح في رأينا كان مفتاح من مفاتيح الوعي العراقي أو "إعتراف الأمة للكاهن" ، الذي لم تنتبه له النخب الغارقة في تنظيرات جوفاء تمتد بين ماركس وعفلق. وبحسب هذا الطرح فأن العراق مكث مشاع في حمى التحالفات بين أقطاب البداوة و مصالحها ،و ما يحدث اليوم محض نصاب مسترسل فحواه  بداوة فارسية وكردية(محور حكيم-برزاني-طلباني) ضد بداوة عروبية(محور هاشمي- دليمي-ضاري) والبقية كومبارس يلعبون بينهم. ودليلنا أن كل منهم قد جر خطا بدويا عشائريا عائليا، فقد غاب الياور عن البرلمان فجاء أخيه محله، وذهب الحكيم فجاء أخيه ويحضر اليوم لأبنه،وذهب برزاني الأب فوضع إبنه وطلباني يحضر لقوباذ .. وهكذا الحال على أعلى مستوى في الدولة البدوية.

 أما  البداوة التركية فقد مكثت تترقب بحذر، وتتعاطف مع العروبية ضد الفارسية التركية ضمنا،بما يطابق سليقتها التاريخية حينما تعارك الفرس والروم منذ الأسكندر المقدوني وقورش الأخميني حتى تركيا العلمانية وسلطة الملالي ، والحبل على الجرار الى يوم الدين.والأنكى أن بعض واهني الوعي أو الوضع أو المبتزين منهم بسبب موقعهم بين فكي كماشة قومية كردية فأنهم أعلنوا كرديتهم الخالصة، ويضحكني بعضهم ممن يفضحه لقبه الذي مكث (أوغلو) أي تركمانيا محضا.

 وبذلك  فأن تاريخ العراق محض صراع خلدوني بين أقطاب البداوة من جهة وبين بيئة العراق القابرة لها،وحطبها أهل العراق. وهنا نضرب مثال خشية مسعود برزاني أو أبوه  مصطفى من الحضارة ،و رفضوا العيش في بغداد عاصمة الدولة كونها مدينة خلاسية ولامكان للبداوة فيها . وهو ما صرح به مسعود قبل أيام بأنه (يكره بغداد) كما أورده (بريمر) في كتاباته،كونها تزيل عنه إمتيازات البداوة وتجبره الإنخراط في منظومة المواطنة واللاإنتماء ، الذي يزيل عنه الأبهة والحظوة وكنز الأموال ، لذا يمكث هذا الرعيل لامصلحة له بإقامة دولة عراقية مركزية وها هو يدعوا الى الفدراليات بحجج القسطاس، و من باب التحضير لأخذ حصته البدوية من غنيمة العراق  والغروب عنه بإتجاه  شيعستان أو كردستان أو سنستان والأمر بالنسبة لنا سيان.

لا أروم الولوج في شرح  مواصفات البداوة فحري بالقارئ الكريم العودة لتشخيصات علي الوردي اللبيبة، ولكنها كلها وبالتفصيل تنطبق على صدام حسين ومسعود برزاني على حد سواء. فما أشبه تهديد صدام البارحة بالمزدوج وفناء نصف إسرائيل وتهديد مسعود لأحتلال ديار بكر. وبالنتيجة فهم أبعد من هذا المنال،كون البدوي رعديد يدعي القوة وهو واهن ، والجرأة وهو  مرعوب في داخله ،والتمظهر بشكل نفخي على كامن المحتوى المهلهل المخفي. وهكذا فأن صفات البدوي واضحة وصريحة حتى لو أدغمت بواه المظاهر الحضرية كالملبس والمشرب والعقار والوسائل، فالبداوة عقلية وليس إنتماء أو توالد، وهي مقتبسة من خلال النشوء في أجواء تؤمن بها حتى لو سكنت قلب المدينة.

لقد كان إنقلاب شباط 1963 ، إنقلاب البداوة العربية على الفارسية وكانت سمته وميزته الكبرى إحتلال عبدالناصر العروبي لبغداد بعد حلم مصري أستمر منذ الفراعنة ومر عبر الفاطميين وإبراهيم باشا إبن محمد علي، وأستغرق آلاف السنين. وإبان تلك النقلة في نصاب البداة ،فأن البداوة الكردية كانت مطية بيد البداوة العربية ومتحالفة معها بالصميم (برزاني-عبدالناصر)، وما يهمنا بالنتيجة أنهم وقفوا ضد مصالح الشعب العراقي وحلمه بالإنعتاق .  و سحق في رحى  الصراع كل أصحاب التوجهات الوطنية الوسطية التي قبلت حتى بالبداوة على عللها ونزقها، فأستشهد الزعيم عبدالكريم ورفاقه وأغتصبت النسوة على يد بداة الحرس القومي، وهبت جماهير السليمانية القومية الكردية في مظاهرات  تهتف مؤيدة لسلطة البعثيين. وقبلها أخرج الشيوعيين بيان ناقد للزعيم عبدالكريم  من موقفه من البرزاني الذي أعلن التمرد في أيلول 1961 ، فضاع العراق  بغفلتنا.

وهكذا فان الوردي فهم بالوعي والسليقة بأن البداوة العربية أستحوذت على حصة البداوة التركية، وكان مصلحة الأكراد هو نفط كركوك الذي ظنوه في سليقتهم المنتهزة بأنهم ورثوه من البداوة التركية وتناسوا أن التركمان في كركوك والموصل وأربيل هم عراقيون أنخرطوا وغمروا بعوالم الروح العراقية بالرغم من مكوثهم يتكلمون لغة تركية وبالرغم من أن ثمة شرذمة منهم مكثت تحن على (طوران) وتتطلع لتركيا .وهكذا  تصرف التركمان بسليقة عراقية  حضارية ومهادنة وصبورة وكتومة ولم تؤسس لفدرالية أو (بيشمركه) لها وأنتفت في طبقات مجتمعها سمة بيوتات الأغوات والشيوخ ، بما يعني نأيها عن البداوة . وهي اليوم تقف لوحدها ضد عنجهية كردية بدوية تحاكي عنجهية سلطة البعث بالأمس وتمارس الإغتنام  والإستحواذ على ملك الغير من خلال القتل أو التشريد أو التحايل أوالتخاتل والتآمر.

اليوم نقف أمام الهزيع و النزع الأخير للبداوة الكردية وكذلك العروبية إذا أستقامت الأمور وحل الوعي محل ثمالة المغريات والمصالح السرابية، والإنحياز لواه الإنتماءات الدائرة حوله والتي تستغله دائما مطية من أجل مآربها، والتي يجب أن يعي بأنه يمكث الخاسر الأكبر والأوحد في تحالفه معها.

وتكمن مهمة الوعي العراقي بأن يقر بأن البداوة وعقليتها متجددة ومتجذرة في النفوس وأن صراعاتنا الداخلية هي محض إنعكاسات لمصالح البداة على تخومها وخارجها ،لتحرك داخل العراق إنتماءات تشرذمية  ومسوغات  لصفاء دماء في عروق و آرومات ، ويبرر بالنتيجة مواقف ذيلية منحازة. لقد سمعت من أحد حملة الشهادات والمسنين العراقيين بعدما أنخرط في جوقه برزاني وهو عربي من الموصل بأنه أكتشف قبل أيام بأن أصله البعيد كردي، وهكذا وجد المبرر الأخلاقي لموقفه الإنتهازي. وما أكثر منتهزي الفرص في المجتمع العراقي بالأمس واليوم، وما أكبر خسارتنا في سقوط العراق في 8 شباط ،لندفع ثمنها غاليا خلال 45 عام متوالية، ولا نلوم إلا أنفسنا بعدما  صغرنا لها وقبلنا بديتها وذلها ومازلنا وسنمكث ندفع ثمنها إذا لم نعي ونحدد موقفنا الواقعي العاقل.

 

د. علي ثويني


التعليقات

الاسم: يحيى
التاريخ: 2013-01-14 16:41:45
أكلت البداوة العقلية المنفتحة, حتى حولت منطقتنا إلى مزبلة تحوي الزنادقة ورجال الحجر الفكري. تحتاج العراقلمن يتقبل الاخر لا من يرفض الاخر كما كان نظام صدام حسين
يحيى عبابنة

الاسم: محمود الساهلر اوغلو
التاريخ: 2013-01-04 11:37:22
شكرا على المقال الرائع

الاسم: د. عمار التميمي
التاريخ: 2011-03-16 00:48:15
قد لا يروق لك لقبي كونه ينتمي الى احد البداوات العربيةـ ولكن الحقيقة اقولها اولاً: انني افتخر كثيراً لارى عراقيين بهذه العقلية عالية الثقافة اخي العزيز د.علي ثويني. وثانياً شكراً جزيلا للتحليل الانثروبولوجي والاجتماعي لتشخيص مكامن العلل الذي يواجه العراق ماضياًُ وحاضراً بسبب العقلية البدو-معيدية (اعتقد هذا المصطلح متخصص اكثر في الواقع العراقي) والتي طالما غزت مدنية العراقيين جيلا بعد جيل فتسرق كفاح الابطال وثوراتهم وتهدم مداد العلماء والمفكرين وتصنع امجادها على دماء الشهداء.




5000