هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


القرآن الكريم ودحض شبهة الإقتباس من شعراء الجاهلية ! الجزء الأول

الشيخ عمر غريب

تقدمة كلمات ؛ لقد تعرّض القرآن الكريم في العصر الحديث ، كما العصور التي سبقته ، وبخاصة في بدايات القرن الواحد والعشرين وما تلاه - بشكل أخص - الى أشرس وأشنع الحملات والشبهات والإفتراءات . بالحقيقة لقد كانت الحملات في بداية القرن الجديد حملات غير عادية ، وحملات غير مسبوقة أبدا . لهذا يمكن القول بأن القرآن لم يتعرّض في طول تأريخه الى مثل هذه الحملات الممنهجة والمدروسة والمخططة لها سلفا ! .

لكنه في كل مرة ، وفي كل عصر ، وفي كل صٍراع خرج القرآن الكريم ظافرا ومُظفّرا ، شامخا وسامقا عالٍيَ الراية ومنتصرا ، وإنه سيبقى كذلك الى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ، كيف لا ، وهو كلام الله سبحانه العليم الحكيم الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه ! ؟ .

من أحد الشبهات المفترية على القرآن هو أن رسول الله محمد - عليه وآله الصلاة والسلام - قد آستقى وأخذ معلوماته ، أو الآيات القرآنية من شعراء العرب قبل الاسلام ، أو ممن كان معاصرا له منهم ، أو أنهم أمدّوه وآستقرأوه القرآن وآياته ! .

وهذا لعمر الحق من أوهن الشبهات فسادا وأكثره بطلانا ، لأنه لماذا هذا الشاعر الجاهلي ، أو ذاك ، في ذلك العصر لم يواجه نبي الله محمد - ص - ليقول له : إن ما تتلوه على الناس وتنشره هو من أشعارنا ومعلوماتنا ، ثم إن كان هؤلاء على هذا القدر العظيم من العلم والمعرفة والثقافة لماذا لم ينشروا كتابا كالقرآن بإسمهم لابإسم غيرهم ، مع أن القرآن - كما هو معلوم - ليس بشعر ولا نثر على الإطلاق ، ولماذا أيضا لم تواجه قريش رسول الله محمد في بداية دعوته للاسلام لتكشف السٍرَّ ولتثبت للعرب أن مايتلوه محمدا ما هو إلاّ تكرار لأبيات فلان وعلاّن من الشعراء ، حيث هم كانوا ، في ذلك الزمن الغابر أحوج الناس الى تلكم الإدّعاءات لإثبات صدق مدّعاءاتهم ؟ . لقد قالت قريشا إن ما يتلوه محمد هو من الشعر أو غيره ، لكنهم لم يقولوا مرة واحدة بأنه من أبيات فلانا وعلاّنا من شعراء العرب ، لأن الكثيرين من العرب يومها كانوا يحفظون الأشعار والمعلقات الشعرية الطوال لشعراء العرب المشهورين لديهم ، وعلى ظهر قلب فلم يجدوا أيّ تشابه ولاتوافق بينها ، وبين ما يتلوه رسول الله محمد . لهذا لم يستطيعوا مواجهته الصريحة هذه إلاُ باللغو والمبهمات من الشبهات والمفتريات . وقد سجّلَ القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى ؛ { وقال الذين كفروا : لا تسمعوا لهذا القرآن وآلْغَوْا فيه لعلكم تَغْلٍبُونَ } فُصٍّلت / 26 .

بالحقيقة إني لم أستغرب في أمر كإستغرابي من شبهاتيي اليوم ، لأنهم ما فتأوا يشكٍّكون بالقرآن والحديث والسيرة والتاريخ الاسلامي تشكيكا أبعدهم عن جادة الحق والصواب ، فما بالهم يؤمنون ويجزمون بصحة وسلامة أبيات متناثرة ومجهولة الأصل والمصدر ومحشوة بالمتناقضات والمفضوحة إنتحاليتها وحداثتها الشعرية ! .

كما يبدو جليا إن هؤلاء لايفعلون ذلك إلاّ للمكايدة والعناد واللغو التشكيكي في صحة القرآن الكريم وسلامته ، مع العلم أنه قد ثبت بطلان الأبيات الشعرية المزعومة بثبوت إنتحاليتها وزيفيتها .

1-/ إمرؤ القيس ( 545 - 497 ) : إسمه خُندُج بن حجر بن الحارث الكندي ويلقّب بآمريء القيس ، وبالمَلٍك الضّلّيل ، لأنه أضاع المُلْكَ بعد مقتل أبيه الملك ، مع محاولاته الجادة لإعادته ، لكنه أضلّ الطريق ولم يفلح وحسب ، بل إنه هلك فيها .

و؛ ( نشأ خندج في نجد من أسرة توارثت المُلْكَ ، ودانت لها قبائل العرب من ربيعة ومضر ، ومضى يتردد بين أسرة أبيه وأسرة خاله المُهَلْهَل في تغلب ، مُزهوا بنفسه وبملك أبيه ، غارقا في لذائذ الدنيا .

إن مال الى اللهو وجد بين الإماء والقٍيَانِ طِلْبته ، وإن طلب الطرد والقنص سار في ركابه فتيان مَجان يبغون ما يبغي من نزو على الجياد ومطاردة للفرائس .

وعندما تمادى آمرؤ القيس في ضلاله طرده أبوه ، فلم يزد الطرد مجانته إلاّ إطرادا ، وإلحاحا على الغَيٍّ ، إذ راح ينفق عمره في الشهوات ، ويعايش مَنْ شَذَّ وتصعلك ، ومَنْ غوى وفَسَقَ  . وبينما هو غارق في لذائذه ، وقعت واقعة نقلته من المجون الى الشجون ، ومن الخمر والقمر الى الغم والهم .

وعندما وصله خبر أبيه قال ؛ [ ضَيَّعَني صغيرا وحَمَّلني دمه كبيرا لا صحو اليوم ، ولاسكر غدا ، اليوم خمر وغدا أمر ] ) أنظر ( ديوان آمرؤ القيس ) إعتنى به وشرحه الأستاذ عبدالرحمن المصطاوي ، ص 09 - 10 .

المستوى الشعري ومراحل امريء القيس الشعرية :

يتفق المحققون والأدباء والنقاد على أن شعر امريء القيس كان ( في المرحلة الأولى من حياته غزلا ووصفا لمجالس الأنس والخمر ، والحصان رفيقه في الصيد ، ومطيّته في ميادين القتال ، وفي المرحلة الثانية غلب على شعره المدح والهجاء والفخر بالملك القديم ووصف الناقة في قطع الفلوات .

ومن حيث العواطف كان شعره في المرحلة الأولى يتفجّر حيوية وتفاؤلا وزهوا ، وآعتزازا ، فلما فُجِعَ بأبيه ، غرق في الشكوى والحزن والتذمّر من غدر الناس والزمان .

وفي الأسلوب كانت ألفاظ الشاعر في المرحلة الأولى أقرب الى العذوبة والوضوح والإنسياب ، ولم يفارق أسلوبه هذه الخصائص في المرحلة الثانية ، لكن العاطفة شابها المقت ، وخالطتها الكآبة ) أنظر نفس المصدر السابق والشارح للديوان المذكور ، ص 10 - 11 .

مكانة آمريء القيس الشعرية :

يعتبر آمرؤ القيس ( من شعراء الطبقة الأولى في العصر الجاهلي ، وهم زهير بن أبي سُلمى ، والنابغة الذبياني ، والأعمش ميمون ، وآمرؤ القيس ) أنظر نفس المصدر السابق والشارح للديوان ، ص 11 .

الأبيات الشعرية المنحولة والمنسوبة لإِمريء القيس :

إن هؤلاء لفرط ما هم عليه من الكيدية يتشبثون بكل شيء ، ولو كان هيّنا وآفتراء ، مثل تشبثهم بعدد من أبيات الشاعر الجاهلي لإمريء القيس ، أو غيره للإدّعاء بأن نبي الله محمد - عليه وآله الصلاة والسلام - قد آستلهم الآيات القرآنية منها ، أي عن أبيات آمريء القيس . ولايهمهم في ذلك صحة وسقم هذه الأبيات ، أو هل إن هذه الأبيات أصيلة أم أنها دخيلة ومنحولة نُسِبَتْ الى آمريء القيس ، أو هل أن هذه الأبيات ثابتة أو لا في مختلف الدواوين المطبوعة والمنشورة لإمريء القيس  ، ولايهمهم كذلك تناقض المستوى الأسلوبي والشعري والعقدي كلية مع الأسلوب الشعري والعقدي المعروف لإمريء القيس !؟ . لايهمهم كل ذلك من معايير النقد وموازينه ، بل المهم ، لا بل الأهم عندهم هو الإدّعاء الفارغ واللغو وصناعة الشبهات وإلقاء المفتريات على عواهنها ، أي التشكيك بهدف التشكيك وليس لأجل الوصول الى الحقيقة ! .

ما نُسِبَ الى آمريء القيس من أبيات شعرية منتحلة ! :

[ يتمنّى المرءُ في الصيف - حتى اذا جاء الشتاء أنكره

فهو لايرضى بحال واحد - قُتِلَ الإنسان ما أكفره ] !

ونُسِبَ اليه أيضا :

[ إقتربت الساعة وآنشق القمر - من غزال صاد قلبي ونفر ] !

ومن المنسوب اليه كذلك :

[ اذا زُلْزِلَتِ الأرض زلزالها - وأخرجتِ الأرض أثقالها

تقوم الأنام على رسلها - ليوم الحساب ترى حالها

يحاسبها ملك عادل - فإما عليها وإما لها ] !

وما نسب اليه أيضا :

[ دنتِ الساعة وآنشق القمر - من غزال صاد قلبي ونفر

مر يوم العيد في زينة - فرماني فتعاطى فعقر

بسهم من لحاظ فاتك - فَرَّ عنّي كهشيم المُحتظر

واذا ماغاب عني ساعة - كانت الساعة أدهى وأمَرَّ ] !

وأخيرا ما نسب اليه كذلك :

[ أقبل والعُشّاق من خلفه - كأنّهم من كل حَدَبٍ ينسلون

وجاء يوم العيد في زينته - لمثل ذا فليعمل العاملون ] !

ثم قابلوها بما جاء في القرآن الكريم من آيات ، هي :

1-/ { قُتِلَ الإنسانُ ما أكفرهُ } عبس / 17

2-/ { إقتربت الساعة وآنشق القمر } القمر / 01

3-/ { اذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها } الزلزلة / 01

4-/ { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظِرْ } القمر / 31

5-/ { بَلِ الساعة أدهى وَأمَرّ } القمر / 46

6-/ { حتى اذا فُتِحَتْ يأجوجُ ومأجوجُ وهم من كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ } الأنبياء / 96

7-/ { لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون } الصافّات / 61

مناقشة هذه الإنتحاليات وإثبات زيفها :

بدءً ينبغي القول بأن هذه الأبيات لا وجود أيَّ ذِكْر لهاٍ في ديوان آمريء القيس كله ، وبالاطلاق ، وعلى آختلاف طبعاته ونسخه ورواياته إذن ، لو صحّت نسبة هذه الأبيات المضطربة والمتهافتة الى آمريء القيس لأَتِيَ على ذِكْرها في ديوان واحد ، على الأقل من دواوينه المختلفة والمتعددة الطبعات والنسخ والروايات ، منها النسخ التي حققها ونشرها أئمة اللغة والأدب والنحو كأبي الحجاج يوسف بن سليمان الأندلسي المعروف ب( الشنتمري ) ، وأبو محمد عبدالله بن محمد بن السيد المعروف ب( البطليوسي ) ، وأبو الحسن علي بن عيسى المعروف ب( السكري ) وغيرهم من الأعلام ، حيث لايوجد مطلقا في نسخهم المنشورة أيَّ ذِكْرٍ لتلكم الأبيات الإنتحالية والشاذّة ! .

إضافة الى ذلك ، حتى الدراسات والبحوث التحقيقية والتاريخية المعاصرة التي آهتمت وآعتنت بميراث آمريء القيس : شعره وحياته وتاريخه وديوانه ، أو حتى ما نُسِبَ اليه لم تذكر أحدا منهم بأيِّ شكل من الأشكال شيئا من هذه الأبيات البيّنة الإنتحال والإفتعال ، منها : الدراسة القيمة والهامة والواسعة للأستاذ المحقق محمد أبو الفضل ابراهيم وشروح الأستاذ عبدالرحمن المصطاوي على ديوان آمريء القيس وغيرهم كثيرون ! .

الأبيات المنحولة المذكورة في ميزان النقد والتقييم ! :

لاشك فيه إن أيَّ شخص له إلمام صحيح وفصيح باللغة العربية ، ناهيك عن الباحث والناقد والمتخصص في الشعر والأدب العربي يتّضح له خلال قراءة أولية لتلكم الأبيات بأنها غريبة وشاذة ، وإن معالم الخلل والقصور والنقص بادية عليها ، وإنها بعيدة عن الأسلوب اللغوي والشعري المحكم لإمريء القيس ، فضلا عن تناقضها مع معتقداته .

فهذه الأبيات بائنة عليها الحداثة والتصنّع والتكلّف الشعري ، مع الركاكة في الأسلوب . لهذا فهي لاتشبه ولاتتشابه مع أشعار آمريء القيس ، ولنقارن الآن بعضا من أبيات الشعر لإمريء القيس مع الأبيات المنحولة المنسوبة اليه :

[ قد أشهد الغارة الشعواء تحملني - جرداء معروفة اللّحْيَيَنِ سُرْحُبُ

كأنَّ صاحبها ، إذ قام يُلْجمها - مَغْدٌ على بكرة زوراء ، منصوب ] أنظر المصدر السابق والشارح لديوان آمريء القيس ، ص 81

فالناظر المتأمل لهذه الأبيات لإمريء القيس يرى فيها بوضوح البناء الشعري القوي وتماسكه المحكم . وذلك بخلاف الأبيات المنحولة التي نقلناها ، وبخاصة حول مصطلح { الكفر } الذي أدْخِلَ مع العبارة في الشطر الرابع من البيت الثاني ، لأن مصطلح { الكفر } هو مصطلح ديني إستخدمه القرآن الكريم كثيرا في آياته ! .

وقد قرأت ديوان آمريء القيس كله بيتا فبيتا ، شعرا فشعرا فلم أعثر على لفظ { الكفر } من بين أبياته كلها ، وفي ديوانه الشعري كله مرة واحدة . لذا هل من المعقول أن آمريء القيس قد نطق بذاك المصطلح مرة واحدة فقط في أشعاره ! .

أما الأبيات الأخرى المنسوبة لإمريء القيس فإن إنتحاليتها هي أظهر من الشمس الساطعة في وضح النهار . وذلك لتناقضها مع بعضها من ناحية الشعر وشروطه ودلالاته ، وبخاصة على مستوى المصطلحات الدينية الواردة فيها ، فقوله :

[ إقتربت الساعة وآنشق القمر - من غزال صاد قلبي ونَفَرَ

مَرَّ يومُ العيد في زينة - فرماني فتعاطى فعقر

بسهم من لحاظ فاتك - فَرَّ عنّي كهشيم المحتظِر]

كما نلاحظ بوضوح حشو لفظ { الساعة } في البيت الأول ، مع آقتباس بَيِّن لكلمات أخرى من أول سورة القمر . لهذا فالإنتحال واضح عليه ، لأن مصطلح { الساعة } هو أحد المصطلحات القرآنية ليوم القيامة ، ثم إن الشطر الثاني من البيت المذكور يفضح السر، وهو قوله ( من غزال صاد قلبي ونفر ) ، والمراد هنا بالغزال هي فتاة ، أو إمرأة فاتنة الجمال كالغزال فصادت قلبه . عليه فإن الشطر الأول لايتواءم ولايتجانس أبدا من حيث المعنى الديني المقصود مع الشطر الغرامي العشقي الغزلي الثاني . وإن قال أحد ؛ ربما الشاعر يقصد بالساعة ساعة لقاء الغزال ، وإن كان كذلك فما هو المعنى من { إنشق القمر } !؟ . ومن جانب آخر ليس من معهود آمريء القيس في الشعر إستخدام مثل هذه المصطلحات في أشعاره أبدا .

ثم ما علاقة { الساعة } و{ آنشقاق القمر } بالغزال الذي صاد قلبه ؟ . ومن جهة أخرى إن المشركين العرب لم يكونوا يؤمنون بيوم القيامة ، وبالبعث والنشور . وقد سجّلَ القرآن الكريم عقيدتهم في ذلك ، فقال : { وضرب لنا مثلا ونَسِيَ خلقه قال : مَنْ يُحيي العظام وهي رميم ، قل : يحييها الذي أنشأها أول مرّة وهو بكل خلق عليم } يس / 78 - 79  . على هذا يتبين زيفية الأبيات المذكورة وإنتحاليتها الفاضحة . مع العلم إن العرب لم يشتهروا بأعياد خاصة إلاّ بعد ظهور الاسلام ، حيث جرى ومازال يجري الإحتفاء والإحتفال بين المسلمين بعيدي الفطر والأضحى المباركين  . وبغض النظر عن ذلك فإن آمريء القيس لم يذكر مصطلح العيد حتى مرة واحدة في ديوانه المطبوع والمنشور بطبعات ونسخ مختلفة ! .

ثم يمضي الشعر المفتعل المنتحل بأنه في ( يوم العيد ) رماه الغزال بسهم ، والمقصود هنا هو سهم العين إذن ، فما هو المعنى والمغزى والفائدة أيضا في قوله ( فتعاطى فعقر ) وحشو تينك الكلمتين إلاّ أن تكون الإضافة إضافة أخرى في قباحة الأسلوب والصياغة والرداءة في المعنى والمغزى !؟ .

والسبب هو إن مصطلح { العقر } إن قُصِدَ به الذبح ، فهذا خطأ جسيم وفادح ، لأن { العقر ] هنا لايأتي في اللغة إلاّ في الناقة ، أو الخيل  ، وإن قُصِدَ به المرأة العاقر ، فهذا أيضا مما يزيد الطين بِلّة . لكن المعنى المقصود في البيت هو الذبح ، وهذا خطأ كذلك كما قلنا ، لأن العرب لم تستخدم لفظ { العقر } للذبح العام للحيوانات كالماعز والخراف وما شابه ، بل هو مخصوص للناقة . يقول إبن منظور في قاموسه : [ عَقَرَ الناقة : يَعْقِرُها ويَعْقُرُها عَقْرَا وعَقَّرَا اذا فعل بها ذلك ، حتى تسقط فَنَحَرَهَا مستمكنا منها ] أنظر قاموس ( لسان العرب ) لؤلفه إبن منظور ، الحرف [ ع ] ، ج 10 ، 223 . فكيف إذن ، غابت هذه المعاني الأولية والبسيطة والعامة عن شاعر متمكن وفطحل كآمريء القيس وجهلها كل الجهل  ، بحيث كان الرعاة العرب في الجزيرة العربية يومذاك يعرفون معاني تلكم المصطلحات والألفاظ ومدلولاتها ! ؟

لهذا فإن القرآن الكريم إستخدم مصطلح { العقر } بمعنى الذبح للنوق ، أو للنياق ، أو للمرأة العاقر فقط ، كما في قوله تعالى حيث تم آجتزاء لفظي { فتعاطى فعقر } من آية قرآنية وحشوهما في الشطر الثاني من البيت الإنتحالي المذكور ، يقول القرآن : { إنا مُرْسِلُوا الناقة فتنة لهم فآرتقبهم وآصطبر ونَبِّئهُمْ أنًّ الماءَ قسمة بينهم * كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَر* فنادَوا صاحبهم فتعاطى فَعَقَرَ } القمر / 27 - 29

يعني إن الله تعالى سوف يُخرج الناقة من الجبل ، أو من الصخرة العظيمة الصمّاء كما سألوا ذلك نبيهم صالحا عليه الصلاة والسلام كمعجزة له . والنقة كانت آختبارا لهم ، ثم على صالح النبي الترقّب والصبر والمصابرة على أذى قومه له ، مع إبلاغ قومه أن الماء الذي بالوادي ينبغي أن يتم تقسيمه بينهم بالتساوي ، حيث كل منهم يأخذ قسمته وما يحتاجه . لكن قوم صالح بالرغم من ذلك لم يؤمنوا فنادوا وناشدوا شَرَّ الناس عندهم { فتعاطى } ، أي إجترء على إقتراف الجريمة فأخذ السيف فعقر الناقة التي كانت تَدُرّ الحليب لهم ! .

ثم قوله تعالى ؛ { فعقروا الناقة وعَتَوّا عن أمر ربهم } الأعراف / 77 ، وفي قوله تعالى ؛ { فعقروها ... } ، أي نحروا الناقة ، هود / 65 .

وعليه فالإنتحالية تكشف مخازيها أكثر فأكثر  ، وذلك بعد أن رُمِيَ بسهام ، كما في قوله ( فَرَّ عنّي كهشيم المحتظِر ) . وهذا مما لاجدى منه ولامعنى له بتاتا ، لأن الهشيم هو الحشيش اليابس ، أو إنه حشائش الحظائر المداسة بحوافر الأغنام وسائر الحيوانات فتهشّمت ، أو العظام النخرة البالية المتكسِّرة والمتفتِّتة تفتيتا  ، يقول إبن منظور ؛ [ الهشيم : النبت اليابس المتكسِّر ...] أنظر قاموس (لسان العرب ) لمؤلفه إبن منظور ، الحرف [ هاء ] ، ج 15 ، ص 66

ثم ما وجه العلاقة بين الحشائش اليابسة المتفتتة ، وبين فراره ، هل أن أحد ما يَفِرُّ كالتبن اليابس المتفتت والمتهشم !؟ . وهذا إن دَلَّ على شيء فإنه يدل فقط على أقصى درجات الرداءة في التمثيل الشعري وأسلوبه وفنونه ، وأين هذه الرداءة والركاكة الصارخة في التمثيل والتشبيه من قوله تعالى ؛ { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المُحْتَظِرْ } القمر / 31 ، أي بعد أن أتت قوم صالحا الصيحة المدويّة الكبرى ، حيث إنها صَخَّت آذانهم وقطعت أنفاسهم وأخمدت أبدانهم أصبحوا كالحشائش اليابسة الممزقة المفتتة المتهشمة تهشيما ، وهذا هو معنى الهشيم المحتظر ! .

أما قوله التالي في الأبيات الثلاثة الأخرى فهي أكثر وهنا وآضطرابا وفضحا من سابقاتها :

[ اذا زلزلت الأرض زلزالها - وأخرجت الأرض أثقالها

تقوم الأنام على رسلها - ليوم الحساب ترى حالها

يحاسبها ملك عادل - فإما عليها وإما لها ] !

لايمكن بأيِّ نحو من الأنحاء أن تصدر مثل هذه الأبيات عن آمريء القيس ، لأنها ليست من معهود شعره ، ولا هي من أفكاره وتصوراته العقدية ، لأنها تتناقض مع معتقداته بشكل خاص ، ومع معتقدات العرب في الجاهلية بشكل عام . وذلك لعدم إيمانهم بالبعث ولا بالنشور ولا بالحشر ولا بيوم القيامة ، مضافا الى ما ذُكِرَ من تفاصيل إخراج الأرض وطرحها لأثقالها وقيام الأنام ، أي الخلائق ، ثم حضور الأنبياء  ، ثم حساب الله تعالى للخلائق أجمعين . إن هذه المعتقدات ليست من معتقدات وتصورات آمريء القيس ، وهي غريبة عنه ، مع خُلُوِّ ديوانه الشعري بالكامل منها ، ومن هذه التصورات والمعتقدات الايمانية  ، أو على أقل تقدير لايوجد في ديوانه حتى تصورات متقاربة مع المعتقدات والتصورات الايمانية المذكورة ! .

وقوله :

[ أقبل والعُشَّاقُ من خلفه - كأنهم من كل حَدَبٍ يَنْسِلُونَ

وجاء يوم العيد في زينته - لمثل ذا فليعمل العاملون ] !

إن بداية الشطر الأول من هذا البيت المزعوم يفند جميع الأفكار والتصورات الواردة في الأبيات المزعومة والمنتحلة والمنتسبة الى آمريء القيس ، فالرجل ، كما قرأنا عنه في البداية كان من أهل الغزل والغرام والطرب واللذائذ والشهوات والخمر والسكر والعربدة ، أو الصيد والقنص في الصحاري والفلوات والسهول ، فلم يكن يشغل باله ولا فكره ولا أوقاته غير ذلك أبدا . ولذلك طرده أباه من البيت شَرَّ طردة ، حتى إن آعتقاد آمريءَ القيس بالموت هو آعتقاد غريب ، مثل قوله ؛

[ ولو أنّي هلكتُ بأرضِ قومي - لقلتُ الموتُ حقٌّ ، لاخُلُودا ] أنظر ( ديوان آمرؤ القيس ) إعتنى به وشرحه عبدالرحمن المصطاوي ، 89 . وهذا بالعكس تماما من آعتقاد الانسان المؤمن الذي يرى الموت حق في أيِّ أرض كان ، وفي أيِّ بلاد كان ! .

والذي يتوافق ويتجانس مع تصورات ومعتقدات آمريء القيس هو الآتي من أبياته ، وبقوله ، حيث موجزها هو انه حَلَّ ضيفا على بيت فخان الضيافة والبيت وأهله حينما تغازل مع زوجة المضيف وأراد ما أراد منها ، وهي بإمرة رجل آخر :

[ نظرتُ اليها والنجومُ كأنها - مصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُ لقُفّال

سَمَوْتُ اليها بعد ما نامَ أهلُها - سُمُوَّ حَبَابِ الماءِ حالا على حال

فقالت: سَبَاكَ اللهُ ، إنّكَ فاضِحي - ألَسْتَ ترى السُمَّار والناسَ حولي

فقلتُ : يَمِيْنُ اللهِ أبْرَحُ قاعدا - ولو قَطَّعوا رأسي لديكِ وأوصالي

حَلَفْتُ لها باللهِ حِلْفَةَ فاجِرٍ - لَناموا فما إن من حديث ولا صال

فلما تنازعنا الحديث وأسْمَحَتْ - هَصَرْتُ بغُصن ذي شماريخَ مَيَّالِ

وَصِرْنا الى الحسنى وَرَقَّ كلامُنا - وَرُضْتُ فذَلّتْ صَعْبَةً أيَّ إذلال

فأصبحتُ معشوقا وأصبحَ بَعْلُها - عليه القَتَامُ سَيءَّ الظنِّ والبالِ ] والقتام هو غبار الذل الذي لحق وتعلّق بزوجة المضيف ، فتأمل !!! . أنظر المصدر السابق والشارح لديوان آمريء القيس ، ص 137 .

إذن ، هكذا كان آمريء القيس ، وهذه هي حقيقة أفكاره وسلوكياته وحياته ، ولو تقصّينا كل ذلك من الحالات والأفكار له لطال بنا الكلام جدا ، لكن حسبنا بما أشرنا اليه من الحال والمقال والكلام والمعتقد له ، ومن لسانه هو ! .

وفيما قلناه آنفا عن آمريء القيس من حيث معتقداته وتصوراته فإننا نستثني الحنفاء العرب يومذاك في الجزيرة العربية ، ولم يكن آمريء القيس منهم ! .

تأسيسا على ما ورد حتى الآن فقد آتضحت إفتعالية وإنتحالية الأبيات المذكورة كلها ، هذه الأبيات التي تمت نسبتها الى آمريء القيس ، وهو بريء منها كل البراءة  . ذلك إن هذه الأبيات تنضح بحداثتها الزمنية ، أي إنها أحدثت وآنتحلت في حقب طويلة ما بعد ظهور وآنتشار الاسلام ، والراجح إن هذه الأشعار وأشباهها قد آنتحلت في أيام الحجاج الثقفي من العصر الأموي ، أو خلال العصر العباسي . لهذا حدا بالدكتور طه حسين الى تكذيب ودحض هذه الأشعار في كتابه [ في الشعر الجاهلي ] .

وإن كان آمريء القيس يعتقد بهذه المعتقدات ويؤمن بها لذكرها في شعر واحد ، أو في بيت واحد فقط من أبياته وأشعاره الكثيرة ، إذ لا يوجد شيء من هذا القبيل وحسب ، بل يوجد ما يتناقض مع تلكم التوجهات والتصورات التي تم لصقها بآمريء القيس لصقا ! .

التناقض الكبير بين المصطلحات القرآنية وبين مصطلحات آمريء القيس :

هناك بون شاسع وإختلاف كبير جدا لايمكن قياسه بين المصطلحات والمواضيع والقضايا والشؤون التي آستخدمها القرآن الكريم في آياته الحكيمات المحكمات ، وبين القضايا والمصطلحات التي آستخدمها آمريءَ القيس في أشعاره كلها . وبحسب إستقرائي لديوان آمريء القيس يوجد فيه المئات من المصطلحات التي تتناقض مع المصطلحات القرآنية ، أو أن القرآن لم يستخدم تلك المصطلحات والألفاظ إطلاقا  ، وعلى سبيل المثال فقط أورد المقارنة التالية بين المصطلحات والمفردات والألفاظ التي آستخدمها آمريء القيس وخلافها من المصطلحات والمفردات والألفاظ القرآنية ، حيث المقارنة تبيّن مدى البون الشاسع جدا بينهما :

مصطلحات امريء القيس                     معانيها حيث هي لشارح ديوانه          المصطلحات القرآنية

________________                    _________________            _________ 

1-/ النّصيف ، المِعْقَب                            الخِمَار                                       الخِمار

2-/ الأسحم                                           الأسود                                   الأسود

3-/ البَكْرَة ، العنَنْس ، القُلَص                     الناقة                                      الناقة

4-/ الجَذِم                                           السريع                                    السريع

5-/ الزِيَمْ                                            المكتنز                                   المكتنز / الإكتناز

6-/ التّهام                                            الحزن                                     الحزن

7-/ السّبَرَات                                        الغدوات                                  الغدوات

8-/ المُسْنَد                                         الدهر                                       الدهر

9-/ العدِف                                        الأكل                                         الأكل

10-/ الأتِيِّ                                      السيل                                           السيل

11-/ الزيوف                                   الدراهم                                        الدراهم

12-/ السرحان                                 الذئب                                           الذئب

13-/ السُرْعُوفة                               الجراد                                           الجراد

14-/ الماوية                                    المرأة                                           المرأة

15-/ الجَلْعَد                                     القوي                                           القوي

هكذا توضّح من خلال هذه المقارنة الأولية والشديدة الإيجاز مدى التفاوت اللفظي والفرق المفرداتي والنقيض المصطلحي بين ماآستخدمه آمرؤ القيس والقرآن الكريم ، ولولا خشية الإطالة لأوردت المئات من المصطلحات الفرقية والاختلافية بينهما . وهذا يبين مدى شقة الخِلاف الهائلة بين الألفاظ التي إستخدمها امريءَ القيس ، وبين الألفاظ التي استخدمها القرآن الكريم ، حيث تُثبتُ الإستقلالية القرآنية في المصطلحات والألفاظ والمعاني والمقاصد والأهداف والتصورات والتوجهات والتعاليم وغيرها عن آمريء القيس وأمثاله أيّاً كانوا ! .

الشيخ عمر غريب


التعليقات




5000