ثنائية الحضور والغياب في التفكير المسرحي
تعد ثنائية الحضور والغياب من اشكال التفكير الإنساني، وهي تنعكس على طبيعة العلاقة التواصلية بين الأنا والآخر، تلك العلاقة تستلزم وسيطا يشكل حلقة التوصيل بين طرفيها، والوسيط عادة تمثله الرسالة بأشكالها كافة، التي تحمل الحضور والغياب معا، ويتمثل الحضور بما هو مدرك حسي أو عياني، فيما الغياب يتمثل بغير المدرك المعنوي الذي يفكر به المتلقي، ويحدد له صورة ذهنية، تلك الصورة تكون شارحة للحضور بما ليس فيه، ومفارقة للدلالة التي يخزنها، ذلك يعني أن كل ما يتعامل به البشر يندرج على وفق محوري الحضور والغياب، بين الظاهر المباشر ويمثل علاقات شكل وبزمن خطي، وبين الباطن الذي يستر طبقات المعنى المفترضة، كما أن الحضور يشكل مصدرا للتناسق والمعنى في الظواهر، ويمتلك انعكاسا جمعيا متفق عليه، يسمح بأن يكون مفارقا لمعناه المنسوج اجتماعيا فيما لو دخل في الثقافة المسرحية بوصفها لغة معمقة للدلالات، وذلك يستلزم قوة التخيل كأساس لإدراك الغياب، ومن خلال الحضور والغياب تكون المحاولة في التعرف على المعنى وتحقيق المعرفة على وفق ما يثار من تساؤلات آنية تتطلب إجابات محفزة لتساؤلات أخرى في الخطاب المسرحي، على سبيل المثال إذا ما استخدمت (عصا) في عرض ما بقصد الدلالة على ثيمة معينة، فهي تمتلك حضورا اتفاقيا، بوصفها أداةً يمكن أن تستخدم من قبل كبار السن للتعكز، أو للعقاب، فضلا عن وظائفها الواقعية الكثيرة، وفيما لو نسجت في نسق جمالي لرؤية إخراجية، عندها تغادر مرجعها التكويني الواقعي لتدخل في منوال الصناعة المسرحية الذي يرتكز إلى دلالاتها الواقعية المجاورة لمعناها المنتج في العرض، وتكون قابلة للاستبصار والاستقصاء، وهكذا حين ترفعها شخصية ما بوجه أخرى، تكتسب العصا مجموعة من الرسائل التي يتحدد معناها داخل السياق الذي رسم لها، بوصف السياق هو الحقل الدلالي الذي يستطيع المتلقي من خلاله تبيان المعنى الغائب المراد تشخيصه وربطه مع المبنى العام للعرض المسرحي، وربما تصور حركة (العصا) أن ذلك الشخص بحاجة إلى من يدله إلى الطريق الصائب، يأتي هذا المعنى من واقعية استخدامها بوصفها دالة للضرير، ذلك يسند المعنى المنعكس من حضورها الواقعي الذي أضحى غيابا في العرض، ومن هنا يكون الحضور مسكونا بالغياب، وهذا ينسجم مع كل المفردات التي تستخدم في الخطاب بوصفه مكسوا بالرموز على حد تعبير (ميشيل فوكو)، التي تكتسب أكثر من معنى كونها فعالية سيميائية تتوالد كلما أريد لها ذلك في النسيج الثقافي للعرض المسرحي، هذا يعني أن الرمز يؤسلب معان عدة، على وفق ما يراه (باختين) بمعنى سلب الشيء من محتواه وإفراغه في محتوى آخر، وهكذا تتعدد الأصوات في المفردة الواحدة بحسب القصدية التي يتبعها صانع العرض في إنتاج الدلالة، ولتقريب الصورة لو أراد مخرج مسرحي أن يحقق فكرة (الغدر) في مسرحية (عطيل)، حين يحاول (ياغو) بدافع الغيرة أن يضع (عطيل) في موضع الشك من زوجته (دزدمونة)، يمكن له أن يستدعي صورة يعبر بها عن ثيمة الغدر، كأن يضع في خلفية المشهد صورة لـ(حصان طروادة)، التي تدلل معنويا عن تلك الفكرة بشكل مختزل، مستثمرا الذاكرة الإنسانية في تحقيق معنى عميق وشامل، فالحضور الذي تجسده مادة ما، أضحى غيابا في نسق قصدي، ومن هنا يتخذ المعنى في العرض أو المضمون الذي يمتلكه الشكل قوة تعبيرية من خلال الكفاءة التي نمتلكها في إسباغ المعنى على الشيء للوصول إلى ما يعنيه، لأننا ببساطة كائنات مضمونية غالبا ما نستبدل المعاني المقتبسة من أشياء أخرى وإحلالها في شيء آخر لشرحه على وفق ما يشكله من قوة في الدلالة التي ينطوي عليها الحاضر المتحقق في زمن العرض المسرحي، ويكون قابلا للقراءة التي تتجلى في قرين التشفير أي التأويل. ويمكن تبيان الحضور والغياب في بعض الخطابات المسرحية المعاصرة بالشكل الآتي:
في الخطاب الواقعي يتحدد الحضور والغياب على وفق منطلقين الذات التي تمثل المستوى الثابت في كشف المعنى من ناحية، والواقع الموضوعي من الناحية الأخرى، ولا يمكن أن نستدل على وجود الدوال، أو قيمتها إلا بتوفر مثير انفعالي يسمح بان تحل المفردات محل مفردات أخرى، وأساس ذلك هو الرمز الذي يحمل المادي والمعنوي معا، وبدورهما يحركان الذهن، الذي يحدد إمكانات حضور المدلول، وقد امتلأ بحقيقة سايكولوجية يطابق ظاهرها باطنها، فالوعي الداخلي وعي فردي، يمتاز بذاكرته التي تعكس الحضور الذي يتفق ومعناه من حيث أنها تجربة موضوعية تحل محل أمر مشابه.
أما الخطاب التعبيري يمتاز بمركزية الذات واللاوعي، والأحلام بلا تراتبيتها الزمنية، ومنعزلاتها المكانية المنفصلة عن المنطق والواقع، إذ تعاني الشخصية التعبيرية نفسيا نتيجة الضغوطات الايديولوجية التي تضعها في منطقة تغربت فيها عن حياتها، بمعنى الانفصام بين الشخصية وواقعها، وهكذا فان صرخة الروح التي تكتنف دواخلها تتمظهر، من خلال البعد المرئي على أساس تصدع وانهيار وتقوس المحيط الموضوعي، كتقوس في الكراسي أو تصدع في الجدار فضلا عن الإضاءة المعتمة وغيرها، فما كان في حالة الغياب لدى الشخصية يكون حاضرا على المسرح، وما هو ذاتي يكشف افتراضا ماهو موضوعي، أي أن الوضع الأحادي المتأزم للشخصية، ينعكس على المكونات المحيطة بالشخصية، فاالغياب أصبح مكررا في الحضور .
أما الخطاب في مسرح العبث فهو يمتلك حضورا يرفض أن يرتبط بالغياب،على الرغم من أنه يتعامل مع المادة الحسية المباشرة، وفي الوقت نفسه يرفض أن يكون معنى خالصا، والحضور هو استدعاء لحتمية، الغاية منها، هو التكرار المتقطع غير المتواصل، لأن الغياب غير مجدي ولا يمكن له أن يحل مشكلة الحضور لأنه منفصل عنه، كما هو في مسرحية (في انتظار كودو ) لـ(بيكيت).
في ضوء ما تقدم يمكن للحضور والغياب أن يعملا في كل الاتجاهات المعرفية الإنسانية بوصفهما آلية دلالية، وهما الأصل في التفكير والإبداع الذي يحقق الوجود للنشاط الإنساني المتفوق، الذي يقوم بتحويل العالم إلى علامات مشفرة قابلة للقراءة والتأويل.
ماهر الكتيباني
التعليقات