.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


طوفان الماء والذكريات الحلقة العاشرة والأخيرة

لطفي شفيق سعيد

      هذه الذكريات جرت احداثها عام 1954 اي قبل ستة وخمسين عاما من هذا الوقت وكان عمرصاحبها آنذاك عشرين سنة وهو الان على مشارف الثمانين وقد استذكرها بعد مضي تلك الفترة القصية وخلال شهري آب وايلول من هذا العام 2012 ويقدمها هدية لشباب الجيل الحالي عسى وانهم يستفيدون منها للعبر واقتحام المصاعب والضرر ولبناء مجتمع خالي من الخوف والكدر وعذرا لما ورد فيها من قول يخدش قيم البشر.

 

وصل الزورق الى المكان الذي لايمكن الاستمرار به والمخاضة في الماء تصل الى متر ونصف تقريبا ونزل ثلاثتنا الى الماء ولامست اقدامنا الشارع المبلط والذي لايظهر منه شيء وغطس كل واحد منا بالتوالي ولم يظهر من اجسامنا سوى رؤوسنا التي تحمل حقائبنا وسرنا واحدا اثرالاخر مخترقين الطوفان وعكس تياره كان الهدف الذي اتخدناه للسير الى امام هو روؤس الاشجار التي كانت تحيط با لشارع العام المؤدي الى بعقوبة وكان اصرارنا للوصول الى مدينتنا هو الدافع لهذه المجازفة . قطعنا مسافة كيلومترين او ثلاث وبوقت لايمكن احتسابه بقياسات الالعاب الاولمبية لان مثيلتها لن تتكرر الا خلال الطوفانات والفيضانات  . لقد حدت ما لم يكن في الحسبان فقد وصل رهطنا الى مكان استحدثت  فيه  ثغرة في الشارع وبعرض مترين تقريبا من اجل تصريف المياه المتدفق من جهة الغرب الى الشرق ويبدو من هذا الاجراء هي محاولة لتخفيف الضغط على السدة الشرقية لم تحبط المفاجأة عزائمنا فقررنا اجتياز الفتحة ولم يدور بأذهاننا مدى عمق الحفرة فقز سعدي نجم وحقق الفوز وكما انني اجتزت المانع بنجاح الاان كنعان توفيق سقط في الحفرة وغطس بها ولم يظهر منه غير شعر رأسه وقد سارعت وسعدي نحم لسحبه من الحفرة بالتشبث بشعر رأسه وانتشال حقيبته التي كاد التيار ان يسرقها واصل الفرسان الثلاثة سيرهم على الشارع والذي بدت معالمه تظهر للعيان ولاح النصر باعيننا وبعد مسيرة كيلو متر كنا نسير على اليابسة والشارع المبلط  انتظرنا تحت اشعة مايس الحامية والتي وفرت لنا تجفيف اجسامنا وملابسنا الداخلية التي كنا نخوض فيها ونقتحم الحجابات الخلفية من الطوفان وبعد ان تأكد لنا باننا اصبحنا بوضع يمكننا السير مرة اخرى ارتدينا ملابسنا العسكرية واعتمرنا سدائرنا وهو امر مهم لأن باج الكلية المثبت عليها سيكشف عن هويبنا والوحدة العسكرية التي ننتمي اليها .

وعلى مبعدة منا شاهدنا مجموعة من سيارات اللوري ينادي اصحابها (بعقوبة  بعقوبة . راح نقبط) فسارعنا الخطى وتسلقنا احدى تلك اللوريات وانطلق بحمولته من البشر متوجها الى المدينه التي جاهدنا للوصول اليها ذلك الجهاد المرير الذي استغرق اياما وليالي ونحن نقارع جيوش الطوفان لقد كان مكان انطلاق اللوريات والذي اصبح بمثابة الكراج هو منطقة الشماعية وهل هي مفارقة ايضا ان يكون مكان خلاصنا من الموت المحقق هو الامكنة التي يتواجد فيها المجانين فكان المكان الاول لخلاصنا بعد مسيرة الكلية هو مستشفى جاكي عبود والذي يطلق عليه البغداديون مستشفى المجانين والمكان الآخر هو مستشفى الشماعية للمجانين ومن ذلك احدث نفسي هل ان ما قمنا به في الحالتين يندرج تحت عمل المجانين؟

وصلنا مدينه الاحلام بعقوبة وترجلنا من اللوري كما تترجل الخراف  وقررنا نحن الثلاثة الوصول الى بيوتنا مشيا على الاقدام لان تلك البيوت متقاربة ومسافة الوصول اليها قليلة وهي من محطة بعقوبة الى داخل المدينة فيقع بيت اهل سعدي بالقرب من السوق وبيتي وبيت كنعان متجاوران في محلة التكية.

لقد قررنا ان نظهر للمارة ومن سوف يشاهدنا باننا من القوات التي شاركت بالتصدي للطوفان وبالمظهر الذي تعكسه ملابسنا واحذيتنا  العسكرية  الملطخة بالاوحال ومشيتنا الرتيبة وبالنسق وظرب الارض ببساطيلنا بقوة وهزة ايدينا ورفع رؤوسنا عاليا كل تلك الامور كنا نتصورها ستعطي انطباعا للمشاهد باننا قد حققنا نصرا مبينا وننتظر منهم التصفيق الحاد الا ان كل ذلك لم يحدث والمهم اننا قد ادينا دورا تمثيليا لجنود عائدين من القتال وبدون استقبال ووصلنا الى ديارنا وهناك حصلنا على مرادنا وهو الترحاب والاخذ بالاحضان ومفاجأتهم التي عقدت اللسان.

ان اول امر قمت به هو ان اتخلص من ملابس الميدان واذهب فورا الى الحمام لأرمي عن جسمي ما علق به من اردان وعوالق الفيضان وتعب الايام الطويلة شهران من منتصف  نيسان وبداية شهر حزيران والتي هي امد الحرب التي اعلنها الطوفان والذي حاول بها اكتساح مدينة بغداد بالكامل الا ان قواه قد خارت بالآخر لقلة امداده بالمياه وانقضاء موسم الامطار وذوبان الثلوج في الشمال . اخذت ايام الهدنه او العطلة الممنوحة لنا تتدحرج تباعا وتمر ايامها باهتة لاتساوي المجهود الذي بذل من اجلها وكل ما حصلنا عليه من متعة هو ارتياد مقهى مجيد القريبة من نهر خريسان وقضاء الوقت بلعبة الدومينو والتي تصاحبها صراخ الخسران بعد ان تتراكم بذمته مبالغ شرب الشاي التي قد تصل الى مائة فلس ثمن عشرة استكانات منها . ومن مباهجنا الذهاب الى سينما ديالى خلال عرضها لفليم عاطفي كافلام فريد الاطرش وعبد الحليم حافظ لان تلك الافلام تستقطب الكثير من الشابات اليافعات والمراهقات الذين يذرفن الدموع مدرارا خلال العرض وبذلك تثير فينا نوعا من اللذة المكبوته .

وقد انتفقت مع صديقي كنعان توفيق ان نتجاوز المحذور ونذهب الى مخزن ابو اشخان لبيع المشروبات الروحية والمخزن المذكور يقع داخل السوق ويبقى مفتوحا لوقت متأخر من الليل يستقبل السهارى والسكارى مما يوفر لنا التخلص من عيون الرقباء ويشتري كل واحد منا نصف بطل شراب الحدباء الاحمر والذي لايتجاوز سعره مائة فلس مع حفنة من ( المسقول) ندسها في جيوبنا مع المحذور وناخذ طريقنا بالسير على ضفة نهر خريسان ويملانا الفرح والسرور والنشوة المفتعلة وننشد احيانا ابيات من الشعر المقترن بذلك النهر وهو (على شاطيء خريسانا    رأينا الحسن الوانا) في وقت كانت فيه كل حسناوات بعقوبة تغط بنوم عميق. وبانتهاء أخر مقام من المقامات العراقية التي اطلقتها عقيرتي في الفضاء الساكن تكون حفلتنا الليلية قد انتهت وابنتهائها تكون عطلتنا  قد شارفت عل الانتهاء .

كان اليوم الاخير من العطلة يعني اتفاق الثلاثة للعودة الى معسكر الكلية في منطقة الوشاش ويتطلب الامر اجتياز المانع المائي مرة اخرى والوصول الى مرساه الذي انطلقنا منه باللوريات الى بعقوبة . كان مكان تجمعنا نحن الثلاثة في كراج بعقوبة الواقع بالقرب من محطة القطار وقطاراتها المتعطلة بسبب الطوفان واغراقه قضبانه الحديدية لم تكن هناك وسائل نقل سوى اللوريات ايضا وكما أوصلتنا في المجيء فانها اخذتنا للذهاب والعودة والمجازفات.وصلنا الى المرسى وكان هذه المرة يحتوي على العديد من  الزوارق النهرية والبخارية والطبكات التي بامكانها نقل العديد من الاشخاص والحيوانات والسيارات الصغيرة . انطلقت الطبكة وهي تمخر عباب الطوفان النائم والساكن والذي تلآلآت اشعة الشمس على صفحتهوانبعث منه رائحة زفيره المصحوب بروائح الاسماك والحيوانات الميتة والنفايات التي يقذف بها سكان الماطق المحاذية للسدة وبعد ابحار امده ساعة تفريبا وصلنا الى الساحل الشرقي من منطقة الوزيرية لكونه قريب من كراج بعقوبة - الخالص الذي ينطلق منه الناس اليهما.

كان معسكر الوشاش يقع بجانب الكرخ وانتقلنا اليه بسيارة اجرة الشخص الواحد فيها عشرة فلوس وبذلك يكون قد صرفنا ستين فلسا لان اجرة السفينة كانت خمسين فلسا . وصلنا المعسكر بعد ان توقفنا عند احد المطاعم الشعبية وتناولنا وجبة غذاء عبارة عن لفة ابيض وبيض وبخمسة وعشرين فلسا .

دخلنا المعسكر وهو عبارة عن مجموعة من الخيم المتراصفة ومحاطة باسلاك شائكة وفيها مدخل واحد لدخول السيارات والاشخاص وتقف في البوابة المذكورة ثلة من حرس يطلق عليها حرس الباب النظامي والتقينا هناك بادلاء من ضباط صف الكلية العسكرية والمعروفين عندنا حيث كانوا مسؤولين عن تدريباتنا في الكلية تعرفنا على مكان سريتنا والخيم المخصصة لنا بقوائم الاسماء المثبة على كل خيمة والتي تظم الواحدة منها عشرة طلاب اي حضيرة واحدة مع اسرتهم ودواليبهم وصناديقهم واكياس تجهيزاتهم الخاصة ويعكس هذا الامر انجازا وتنظيما رائعا قام به المكلفون بدقة متناهية وبالطبع ان من قام به هو ضباط الكلية وضباط صفها خلال تمتعنا بالعطلة وعودتنا لنجد ان كل شيء قد انجز على احسن وجه و بجهود مظنية وتنظيم متقن حتى منظومة الكهرباء والمصابيح فقد اخذت مكانها الصحيح.والامر الملفت الاخر هو تهيأة ساحة التدريب مع جميع متطلباتها وبعد الاستفسار عن سريتي المتقدم والمتوسط فقد قيل لنا انهما اخذتا الى الموصل والى منطقة عين سفني لانجاز فترة التدريب الاجمالي وتحت قيادة آمرالكلية الزعيم الركن عمر علي وبفيادته لهاتين السريتين سيمارس طقوسه بادارة دفة الحرب المتعطش اليها .

وبذهاب سرية المتقدم والمتوسط لاغراض التدريب الاجمالي يكون معسكر الكلية مقتصرا على سريتنا وسرية التموين وتلامذتها من خريجي الدراسة المتوسطة وفيهم من هو بمقتبل العمر ويقبل فيها من اكمل السادسة عشر من العمر لقد تصورنا ان القيادة ستكون لسريتنا باعتبارنا اقدم من سرية التموين التي مضى على وجودها سنتين لكن الامر قد صدر عكس توقعنا واعطيت مسؤولية الضبط والنظام الى عرفاء التموين وبهذا الاجراء جرى وضع اللبنة الاولى لخرق النظام وعدم الانصياع لاوامر رأس العرفاء الاقدم وعرفاء ذلك الصنف باعتباره غيرحربي.

ان اول المراسيم التي تقبلناها في هذا المخيم هي فترة العشاء والمطعم عبارة عن رواق كبير يظم كلا السريتين ولم تختلف الوجبة عن سابقاتها ويظهر ان استاف طباخي الكلية قد انتقل الى هنا ايضا واخذ يستخدم مطابخ معسكر الوشاش كما ان بعض حماماته ومرافقه قد خصصت للطلبة وهذا انجاز كبير .

هيأ الطلاب ملابسهم الخاصة بالتدريب ليظهروا فيها في صباح اليوم التالي  عند بوق النهوض . انطلقنا لساحة التدريب بعد ان استلمنا البنادق ومنهاج التدريب لذاك اليوم وما ان اخذ التلاميذ اماكنهم المخصصة قي ساحة العرض والتدريب الجديدة حتى بدأت الايعازات والاستعدادات الروتينية التي تسبق الانطلاق والبدأ بالتدريبات والمتمثلة بتقديم الموجود بتسلسل المراجع الى آمر الكلية وقد اناب الزعيم الركن عمر علي عنه العقيد شاكر السامرائي ويختلف كليا عن الآمر الاصيل بالمظهر والقيافة والايعازات والرتبة والشريط الاحمر على الكتف شريط كلية الاركان والتي يفتخر بها الضابط وتعني بانه اصبح ضمن مجموعة القيادات العسكرية التي تؤهله لقيادة الجيوش في السلم والحرب .

انتظر العقيد شاكر السامرائي لاستلام الموجود واعطائه الامر بالمباشرة بالتدريب ومن ورائه كانت الكلبة الامينة تجلس القرفصاء وكانها تنتظر ان يسلمها الآمر الجديد موجود الكلية لتتعرف بدورها على كمية الارزاق المخصصة لذلك اليوم؟

سارت الايام في مخيم الكلية بشكل يختلف عما كانت تجري في بناية الكلية المحكمة وأوامرها المشددة التي تحرم على الطلاب الكثير من الرغبات وابسطها التنقل خارج القاعات بعد بوق النوم اما هنا وفي المخيم فقد تعلم قسم من الطلاب ليس التنقل والتمشي بعد بوق النوم فقط بل تعرفوا على طريقة  ترك المعسكر بعد ذلك البوق والنزول الى بغداد للذهاب الى اهليهم ان كانوا من اهاليها اوذهاب البعض منهم  الى بارات شعبية (كبار عنتر ) لتناول قنينة من شراب الحدباء مع وجبة من( التكة والفشافيش) الشهية ان الوصول الى تلك الاماكن اصبح سهلا على من يريد الوصول اليها وهوان يمر من تحت الاسلاك الشائكة متجنبا الباب النظامي وبملابس الداخل اي بعد فترة التدريب وهي عبارة عن سروال خاكي طويل وقميص ابيض وحذاء احمر قصير وعليه ان يخفي سدارته في جيبه تحسبا لاي طاريء.

انتقلت في احد مرات الهزيمة مع مجموعة من الاصدقاء الامناء والذين تظمهم واياي نفس التوجهات والافكار وتاخذ احيانا منحا سياسيا واخذنا طريقنا الى بار عنتر بعيدا عن رصد وعيون الضباط الذي من المستحيل ارتيادهم له . ازحنا اللحاف الذي يغطي مدخل البار ودلفنا فيه واستقبلتنا عاصفة من دخان السكائر وروائح المشروبات الرخيصة الممتزجة برائحة المراحيض المكشوفة جلسنا بزاوية منزوية وبعيدا عن الصخب وضوضاء السكارى وغناءهم المتواصل بالبستات والمقامات العراقية بالرغم من وجود قطع من الكارتونات مثبة على الجدران كتبت عليها عبارة (ممنوع الغناء)والظاهرة الاخرى الفريدة من نوعها والملفتة للنظر ان هناك مواعين من الفافون مثبة بالمسامير  على المناضد الخشبية المتداعية يمر عليها (البوي)وعلى روادها ليضع في المواعين حفنة من اللبلبي او الباقلاء من سطل يحمله وحسب طلب السكارى . انشغلنا نحن باحديثنا ونكاتنا التي تلهبها رشفات من الشراب الاحمر وفجأة وبدون سابق اواستحضارات انطلق بطل صاروخي فارغ ليرتطم في الجدار وتتساقط شضاياه بالقرب منا وما ان التفتنا لنتعرف على مصدر الرمي وسببهه وبعد ان طار كل شيء من رؤوسنا تبين لنا ان بعض الشقاوات قد استغل وجودنا ليقوم بهذة الحركة لتكون صفقة رابحة له  حيث يطلب منه صاحب البار متوسلا ان يغادر البار من دون ان يدفع ثمن زقنبوته واكله ودفعنا هذا التصرف للاسراع بتسديد ما بذمتنا من مبلغ والذي لا يتعدى مائة وخمسين فلسا مع البقشيش لكل فرد منا والذي يشمل سعر بطل الشراب وحفنة الباقلاء وشيشين فشافيش واستلمنا الشارع قبل ان ينكشف امرنا ويتدخل الانضباط العسكري بالقضية ثم وصلنا الى المخيم ودلفنا من تحت الاسلاك والى خيمة كل واحد ودون احداث ضجة او شيء يذكر ورحنا في سباة ننتظر بوق النهوض.

توالت الايام على هذا المنوال وبدأت الاجازات الاسبوعية تاخذ طريقها المنتظم ومن دون عقوبات مثلما كانت تترى في ايام الكلية وتترك ضلالها القاتمة على نفسية الطالب عند حرمانه من الاذن الاسبوعي او معاقبته بالتعليم الاضافي الذي يفوت عليه فرصة الذهاب الى مدينته .

لقد تغير الحال خلف سدة ناظم باشا واختفت حالة التهديد التي فرضها الطوفان خلال فترة طغيانه وجبروته ولم يتبق منه سوى بعض اثار هنا وهناك زادت من معانات الشعب العراقي وخاصة اغلبيته من الفقراء واصحاب الدخل المحدود . وبانحسار الطوفان واختفائه بدت معلم الطرق العامة التي تربط العاصمة بالمدن الشمالية ومن ضمنها مدينة بعقوبة والتي اصبح الوصول اليها بسهولة بالرغم من رداءة الطريق وما تركه الطوفان من آثر. استغرق بقاؤنا في معسكر المخيمات اكثر من شهرين وهي اشهر حزيران وقسما من شهرتموز وخلال هذه الفترة تنامت المشاعر الوطنية عند الطلاب المثقفين والتقدمين  واخذ البعض منا يجلب معه الكتب والدواوين والنشرات اليسارية والعلمانية وصار تداولها ميسورا وبدون اي رقيب . وعلى ما اتذكر انني قد جلبت معي ديوان (اباريق مهشمة ) للشاعر التقدمي العراقي عبد الوهاب البياتي واخذت انشد اشعاره في خيمتنا بصوت عال والقاء مثير للمشاعر ومن تلك القصائد قصيدة ( الملجأ العشرون) ومنها

الملجأ العشرون لازلنا بخير  والقمل والموتى يخصون الاقارب بالسلام

وكفراغ ايام الجنود العائدين من القتال وكوحشة المصدور في ليل السعال

اماه لازلنا بخير وبريدنا الباكي المعاد    الخ

منها ايضا  ابوايا ماتا في طريقهما الى قبر الحسين عليه ماتا السلام

ومات جدي كالجرذ او كالصرصور مات مع الخريف ودفنته بجذع نخلتنا

وباركته الحياة وايضا وفي مكان آخر يافا مازال الرفاق فوق الجسور

وتحت اعمدة الضياء يتأرجحون بلا رؤوس

والتافهون وراء حائطنا يرنون للموتى باعجاب

وقلبوهم جيف معطرة معروضة  في حانوت قصاب

اضافة لاشعار بدر شاكر السياب كقصيدة المومس العمياء

ومنها مااردده لحد الان   ياسليمة ياسليمة نامت عيون الناس

فمن لقلبك ان ينيمة باعتبار المومس عمياء ولا يمكنها ان تنظر بعينيها بل في قلبها والذي تساءل متى ان تنيمه؟

وعلى غرارها نظمت قصيدة اسميتها المبغى القديم وهي من المحاولات المبكرة في نظم الشعر ومنها على ما اتذكر

الساعة الشمطاء في وهن تدور     وعقاربها الوسنى توشك ان تخور

وقد تعيد دقاتها لحن الفجور  الخ

وقصيدة ثانية او بالاحرى محاولة ثانية انتقد بها حالنا في مثل ذلك المخيم والذي اعتبرته كمخيمات اللاجئين ومنها على ما اتذكر

الخيمة البلهاء تظهر كل حين  وغمغمات النائمين

انظر امام ويعود يصرخ من جديد  ماذا هناك اوما ترى انا نيام

لابل نموت من فرط ما قست الخيام    الخ

انني اتساءل كيف لاتتحول هذه الفتية من الطلاب العسكريين الى عناصر متمردة على الواقع والنظام وان تتبنى فكرا يساريا وتقدميا والفرص امامها متاحة والواقع المتردي يثير فيها مشاعرا متأججة وفيض من الثقافة متيسر بين يديها وادواتها من الكتب والدواويين تغرق الاسواق في تلك الحقبة من الزمن .

انتهت فترة الخيام وصدر الامر بالعودة الى الكلية العسكرية في الرستمية بعد ان انحسرت مياه الطوفان عنها وعدنا اليها بعد اجازة قصيرة الغرض منها اعادة التنظيم وتهيأتها لاستقبال الطلبة كالسابق وفعلا حضرنا اليها في احدى امسيات يوم الجمعة واستقبلت القاعات التلاميذ وحسب امكنتهم القديمة واستفقنا على بوق نهوض جديد وايام متبقية من العام الدراسي وكالمعتاد وجدنا انفسنا في ساحة العرض وبكامل اعداد التلاميذ ولكافة السرايا منها سريتي المتقدم والمتوسط اللتين قد عادتا من التدريب  الاجمالي في عين زالة بالموصل وكالعادة ايضا حضر آمر الكلية الزعيم الركن عمر علي ساحة التدريب لاستلام الموجود وحضرت ايضا الكلبه المعهودة تجلس القرفصاء تتنظر ان يستدير الآمر ليسلمها الموجود.

ان اكثر منظر هالنا في ذلك الوقت هو منظر الصخور الكبيرة التي قذف بها الطوفان واوصلها الى ساحة التدريب التي تبعد عن السدة مئات الامتار وكاد اصرار الآمر على مقارعة الطوفان ان يجعل اجسادنا ممزقة بين تلك الصخور والاوحال.

انتهت تلك السنة بتخرج دورة المتقدم ومنحها رتبة ملازم ثان تلك السنة التي اطلق عليها الناس في العراق عام الفيضان اوالطوفان.وبانتهائها انتهت حقبة مهمة من حياة اولئك الشبان الذين قسى عليهم هل الدار والزمان.   

 

0كبار         

         

لطفي شفيق سعيد


التعليقات

الاسم: لطفي شفيق سعيد
التاريخ: 2012-09-21 15:10:44
الاستاذ الجليل والاخ العزيز خالد جواد المحترم
بداية اقدم لك اسمى مشاعر الودوالتقدير لانك دوما معي تتابع كل ما افرزته ذاكرتي لسنوات بعيدة قد لاتشكل لدى البعض اية اهمية فقد تغير كل شيء عندهم . قرأت مقالتك ( ابراهيم الكهربائي) وضحكت من الاعماق للمثل الذي اوردته . انني اغبطك لما تملكه من دائرة معارف ثرة عن التاريخ والادب والفلسفة متمنيا لك دوام الاطراد للوسع والازدهار فالجيل الحالي بحاجة لمن ينير له طرق المعرفة وانت جدير بها ولها . اما نحن وكما تعرف فالدهر قد قذف بنا خارج هذه الدائرة وشغلنا بمهنة قاسية وسجن متعب وبعيدا عن رغبتي وهي الادب والفن وارتشفت منها ما يسد رمقي من الثقافة والفن التشكيلي .
فطوبا لك هذا المنهل وهذا العطاء في البحث ووقر بطون تاريخ بلدك التليد والى امام نحو عطاء اوفر واشكر لك حسن الاهتمام لطفي شفيق سعيد

الاسم: خالد جواد شبيل
التاريخ: 2012-09-21 08:47:04
الأستاذ الفنان الأديب لطفي شفيق سعيد المحترم
أحييك على هذا السرد المشوق وهذه التداعيات (فلاش باك) الشيقة والنقلات الرشيقة في أفق معرفي واسع، ووصف دقيق للوقائع والأحداث، ويطيب لي أن أغبطك على هذه الذاكرة..لقد تمتعت حقا بهذه الذكريات، والنضال ضد النهر الثائر من أجل إيقاف زحفه...في تاريخ بغداد البغدادي والبداية والنهاية لابن كثير وصف دقيق لفيضانات دجلة جيث يروي ابن كثير عن إحداها حيث غمرت المياه كل بغداد وارتعب الناس لا من المياه فقط وأنما من الأفاعي الضخمة التي اعتلت الألواح الخشبية والأغصان الطافية!! ويذكر المؤرخان الزلازل الت كانت تضرب بغداد، ولعل أغرب حادثة رواها ابن كثير كيف أصبح أهالي بغداد ذات يوم شتائي ليروا مدينتهم اكتسبت حلة فضية من الثلج المتساقط، وهو حالة نادرة!!
تحياتي لك، كتبت لك على بريدك فهل وصلتك كلماتي؟/خالد




5000