هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عين الياقوت... قصة قصيرة

سعد ألصالحي

لا يزالون بسيوفهم يتمثلون أمجاد القدماء . يؤكدون أن المعدن الذي هيأ الأجداد سبيكته مازال ماضياً في لحوم أعدائهم كالشفرة في الطين . قال بدوي من سلالتهم :

•- (( جمعنا البحر والجبل في قبضتنا ، وخيولنا منذ ذلك الحين القصي تزفر النار من مناخرها )) ، ربما أسموهم ملوك الرعاة ، وربما أسموهم بدواً أو أعراباً ، وربما أُطلقتْ عليهم مسميات أخر ، بيد أنهم عبروا تخوم البلاد التي كان لها فنانون وفلاسفة وأباطرة على العروش .

ردَّ عليه أحدنا :

•- ما لنا ! ، وريح الجنوب ما عادت في ظهورنا ، لا نعقر الخيل ؟

قلتُ :

•- تمهَّل .. ربما انمحت صدوع الجزيرة بدمائنا ، فما عاد فيها درب إلى تلك الخيول .

واسترجعتُ .. تذكرت هياكل المدن المنكوبة ، وأكوام القمامة أمام باب الدار . تذكرتُ أن لابد لي من كهرباء لأكتب عن قصف السفارة الصينية في بلغراد ، أو أن أستعيض بعطل التلفزيون كي ازداد إعجاباً بوجبات الفلافل السريعة ، لكني استدركت أن شيئا ما ظل يصرخ فيَّ كالعقوق ، يصرخ ، يصرخ ما الذي تبَّقى يا إله البحر ؟ فمن ذكريات البرحيات المجزوزة على الضفاف ، ومن مزق الأجساد الطافية على شط العرب ، ومن صراخ الآباء على أشلاء أطفال تكومتْ فوقهم القذائف ، ومن غضب مكتوم على عصر يلغ بالصمت ، ومن خطباء وصوفيين ومتنبئين من سلالات الذهان في التاريخ ، ومن نفسي فقط .. أنا .. أخيراً ، إستطعت أن أضيف خطأً آخر ، فقلتُ ..

( لا يَـــهُـم ) ..

لتنفتح عليَّ بوابات النار من أفواه المخططات ، وترتجَّ بي الأرض وتميد تحت أكداس الكتب ، فتنطفيء شاشات الحواسيب بعصر جديد لمحاكم التفتيش .. محاكم تبحث في قماطات الصغار ولعبهم عن مخاطر تهدد القارات وتبحث في عقولنا عن عقولنا . محاكم كالماء الآسن تتسرب في كل الثقوب ولا تكتم جيفتها ، محاكم بلا قضاة ولا محلفين ولا شهود .. داست على كل مسلات الأرض وفتحت بوابات النار وأشارت لأحدهم بالحديث .. فقالَ :

•- (( الشرق هو الشرق ، والغرب هو الغرب ، ولن يلتقيا أبدا )) .

ترى ما الذي يدور هناك ، هناك في الطرف الآخر من العالم ، الطرف الآخر من العالم ، الطرف الآخر ، الطرف ، الطرف الذي تركتُ بقاياه في ( ديزفول ) وعدتُ بساق واحدة أردد مع نفسي أغنية تتمنى الإنسان بثلاثة أطراف ، والقلب بثلاثة تجاويف ، وثلاث نساء ، بيضاء وسوداء وصفراء ، .. الذي يهم .. أني أعدتُ التفتيش عن الصواب .

غادرتُ مدينتي نحو مدن أقدم . رحت أبحث عن (( ملاذات حمد صالح )) في الشرقاط تحت جدران القصر الأشوري ، وعن ملامح الناس التي ما رأيت أنها تغيرت عن ملامح أولئك الأسلاف ، إلا أن القوم ما خاضوا حروباً كتلك التي جلبت لأسلافهم أخشاب فينيقيا ، وأسرى من نساء وصبايا ، ويهود يشتتونهم على أصقاع الدنيا . أسرَّ لي أحدهم :

•- (( خذ طريقك واعبر الجبل ، وحالما تجد حفرة تفحص داخلها ، ففي داخلها يوجد نسر ، وهو سوف يدلك )) .

وأخذت طريقي وعبرت الجبل ووجدت الحفرة . تفحصت داخلها . كانت هناك بقايا ريش ، ودموع سود ، وظلام ، وبقية أناس يكتبون الأساطير . قالوا :

•- إن هذه الحفرة لا تحوي سوى ( خراب العاشق ) ، صحائف قصة لكاتب من هذه الديار .

وأغلقوا دوني باب الحفرة لأعود من بوابات النار على صوت مطارق المفتشين تهشم الزوايا ، وصوتِ رعاة بقر يبقرون الوجوه بوجوه لا تقطعها الفؤوس . يبتكرون لي جملاً جديدة أقلها تدَّعي أن :

•- الخطر يكمن في نفاياتك .

وغاصوا في البحيرات ، رفعوا أطنان من التراب ، فتشوا في المحراب وخلف الصليب ، في عيون الماء ، وما استنزهوا عن أكوام القمامة أمام باب الدار ، فتشوها ، وتحروا عن ذاكرة الطعام . تساءلتُ وأنا :

(( خلف سور من حجار ، لا باب فيه كي أدق ، ولا نوافذ في الجدار ))

متى تؤوب آلهة الدم هذي ؟ لا توجد هنا خرائب ومعالم مهمة سوى شجرة قديمة محاطة بسياج يضاء ليلا بضوء الشموع الخافت . وهناك وجدتُ أناساً يقيمون البيوت بين أحراش القصب . يذبحون خروفاً ويطبعون باطن أكفهم الملوثة بدمائه على صفحة الأشياء تيمناً بقبول النذر ، معتادين على رطوبة الريح والأكف . كانت بداية الحضارة تزحف إلى الوراء لآلاف السنين عندما عثرت في وجوههم على مدن مطمورة أقاموها عبر الأنهار مع المدن البعيدة ، وفي أماكن مقدسة تشرق فيها الشمس في موطن الآلهة الحق . رافقني رجالهم إلى مكان ما في عمق الأهوار تغطيه هضاب من أحراش تشبه القباب . أشار كبيرهم بيده إليها وقال :

•- هذه أقدم مقبرة في العالم . عثروا هنا على أكثر من ألف قبر سومري ، وقد نهبت جميعها من قبل اللصوص خلال آلاف السنين الماضية .

ورأيت حفريات المدن القديمة . شوارع من ماء على جوانبها الأطلال ، بينها شارع رئيس يؤدي إلى بوابة ضخمة في سور المدينة تؤدي بدورها إلى الميناء . ترى أين هي تلك المواني البعيدة المنسية ؟ كانت السفن ترسو هنا في الأزمنة السحيقة . عثرت على خطافات نحاسية لصيد الأسماك ، وسبائك لخامات النحاس ، وقطع من عظم العاج ، وأقراط من العقيق .

أكان بإمكاني الإبحار لمسافات أطول ؟! وما عثرت على إجابة . التقيت بصياد مسن كان على وشك الخروج إلى الساحل بصيده . سحب زورقه إلى الرمال وكان يبدو للوهلة الأولى أن الزورق مصنوع من القصب ، غير أني اكتشفت في بعض أجزائه محاور من سعف النخيل !.

أبحرتُ معه بعد أن أقنعته بسلامة الوصول إلى فردوس دلمون . وصادفنا في إبحارنا ناقلات نفط عملاقة لا يأمل قارب ضئيل الحجم من القصب والسعف أن تفسح له الطريق أو أن تستخدم فراملها لئلا تسحقه . لكننا أبحرنا بسلام حين ظهرت جبال الجزيرة العربية التي غطت قممها السحب ، وهي تشكل جداراً هائلاً ، لم ينقذنا من الإصطدام به في ذلك الوقت إلا هدوء الريح . كنا نتهادى على مياه البحر ونناور بين الصخور السوداء عندما انتصبت أمامنا فجأة أنوار سفينة ؟! .. أصبح زورقنا محشوراً بين الصخور وناقلات النفط العملاقة .. وهي تمر بنا تاركة وراءها أمواجا عالية لتقذف بـــِ ( حزمة القصب والسعف ) ذات اليمين وذات الشمال . بعد حين صار الهدوء يحيط بنا من كل جانب . شاهدنا وميض فنار . وأدركت من قلائد أنوار بعيدة أننا قد عبرنا إلى ساحل السلام في ذلك اليوم الأخير من السنة ، لتلوح لي من علٍ واحات ومراع في هجعة دفء ونعاس . صرختُ :

•- (( ياخيول الموت في الواحة ، تعالي واحمليني ، هذه الصحراء لا فرح يرف بها ، ولا أمن ولا حب ولا راحة ، فالشمس أجمل في بلادي من سواها ، والظلام - حتى الظلام - هناك أجمل )) .

فصرخ بي رئيس المفتشين متسائلاً :

•- ماذا تخبئون تحت هذه القباب المذهبة ؟

قلتُ :

•- أئمة سلام ، وهُـدىً للناس ، وأجداداً طالما وطأوا رقابكم .

ورحتُ أغني وهو يركل أرضي غضباً :

(( بغدادُ يا بغدادْ .. صوتك يناديني .. وعيونك الياقوت .. يا ليلي ياعيني )) .

 

مايس 1999

 

 

 

سعد ألصالحي


التعليقات




5000