.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


في منتصف الطريق إلى مراكش

منعم الفقير

ذات مساء اتصل بي أخي من مكان لم يعلن عنه، ليعبر عن استيائه الشديد من كتابي: "كتاب أسئلة العقل" الذي انتهى من قراءته لتوه حسب زعمه، يشهد إني كافر، يمهلني فترة للتراجع العلني عنه والعودة إلى طريق فكره القويم. وإلا سيكون غير مسؤول عن الخطر الذي يتعقبني، حتى لو كان هو شخصياً مصدراً لهذا الخطر أو طرفاً فيه. أنهيت المكالمة غاضباً عليه حد الحزن، الأسى والأسف.

- أنا قرفان وجودياً وخجلان تاريخياً

نعم، جنوح إنساني ملحوظ لإلقاء المزيد من التعقيد على حياة أرادتها الطبيعة أن تكون بسيطة. الطبيعة بسيطة الجانب والمعقد منها هو الإنسان في وعيه. إن تعبئة الحياة بأفكار لا تجعل يومنا حفلة دائمة لتفاصيل حميمة ومرغوبة، أو يسيراً على الأقل. حياة تسير متعثرة ومهددة بفعل نظرة أو فكرة. فالإنسان لا يساوي قيمة وضعها إنسان غيره في لحظة الشعور بالتفوق أو انكسار، ثأر أو إثر صدمة، أو فكرة تسمى عقيدة، تبناها وأكره غيره على اعتناقها. فتكون، ذرة التراب أغلى من قطرة الدم. ومما دعا إلى كل هذا الشقاء البشري هو انتقال الإنسان من جمع القوت إلى إنتاجه.

 

قيم الإنسان أتت على قيمته.

إن مأساة البشرية بدأت حين وضع رجل مستبد حقيقة، صدقها، ثم أدعى أنها مقدسة، فأكره غيره على الخضوع لها والتسليم بها.

لا توجد حقيقة، بل عدّة حقائق، لا توجد حقيقة بل الفعل هو الحقيقة. إن المطلوب هو إبطال السعي إلى احتكار الحقيقة وإتاحة الفرصة لتشريع يقضي بتقاسم سوي للحقائق.

ذات مساء أشعر بحزن مر. اتصل بالشاعر أحمد الشهاوي، أصرح له برغبتي في قضاء إجازة في المغرب. فيبادر مشكوراً بالاتصال بالكاتب جعفر الكنسوسي الذي عبر عن ترحيبه وتمنى عليّ من خلال الشهاوي أن أرسل إليه بعضاً من كتبي. أرسلت نسخاً من كتبي إلى الكاتب جعفر الكنسوسي ومنه إلى الناقد عبد العزيز بومسهولي. طلب الشهاوي مني أيضاً الاتصال لدى وصولي إلى المغرب بالشاعرة مليكه العاصمي، الشاعرة وفاء العمراني، الشاعر حسن نجمي والشاعرة ثريا إقبال، بعد أن زودني بأرقام التلفونات. قبل وصولي إلى مراكش نشر الشاعر الشهاوي حواراً مطولاً معي في مجلة نصف الدنيا.

اتصلت بالناقد عبد العزيز بومسهولي الذي قرأ هو الحوار وتوصل بالكتب، أجده مرحباً ومتوقفاً بجدية الناقد عند "كتاب أسئلة العقل"، أخبرني، انه قد تم تحديد موعد الأمسية الشعرية في مراكش، نحن بانتظار وصولك، قال ذلك..

أمضيت ثلاثة أيام في أكادير. تبدو لي نسخة معربة عن قرية أوربية، أتضايق، أبحث عن الجزء القديم فيها. أبحث فيها عن المغرب والمغاربة، أو أشياء منهم على الأقل. جئت إلى هنا، لا لأكون سائحاً ضمن أفواج أوربية تبحث عن الشمس والتذكارات. أبحث عن مغرب المغاربة. أبحث عن بشر من صنع المغرب. أريد أن أرى الزمن يقبع في مكان، نعم الزمن بتاريخيته كيف يقيم معهم، يطبع لمساته الخشنة على الأمكنة ويخلف انطباعات عنه في الذاكرة. نعم جئت إلى هنا بحثاً عن بشر، حكايات، أمكنة وأزمنة، أنا هنا لأسمع لا لأتكلم. أريد رفد ذاكرتي بحكايا مغربية أسمعها من رواتها وليس من أي مصدر آخر قد يكون حبراً على ورق. لعلني اعرف منهم منْ هم. أتعقب المغاربة في المدينة العتيقة، اندس بينهم تاركاً أحاديثهم تغمرني. اعثر على مطعم للأكلات الشعبية ومنها أتدرج في التعرف على المذاق المغرب. المدينة العريقة ليس كبيرة كما تخليت وامتدادها تم تحديثه. أكادير مدينة حديثة وسياحية تغصّ بالأوربيين السعداء بوجودهم فيها. قال لي موظف الفندق: إنها مدينة حديثة بينت على أنقاض المدينة القديمة التي دمرها الزلزال الشهير بأضراره.

في الصباح أجدني أجمل مما حولي، أجمل مما أكون عليه في الأوقات التي تعقبه أو تسبقه. ما أن تعلن الشمس بالضوء عن شروقها. انهض لأزاول طقس الصباح. سيجارة، رشفات متباعدة من القهوة، القهوة تلك سرعان ما تبرد، حلاقة الذقن واستحمام. أقبل إلى المطعم حتى تهّب عليّ نسائم نسائية، كوكبة من العاملات في المطعم، في اللحظات المسروقة يتحدثن معي عنهن وعن مدينتهن. أجلس وهن يتناوبن بالوقوف حول طاولتي، أشعر أني واقع برغبة تحت مظلة نسوية باسقة بالكلام، الأنوثة والعطر. (آه لو كنتِ شجرة، يداكِ الأغصان مرفوعة أبدا). سألتني أحداهن: ماذا تخدم في الدنمارك؟ فأجبتها: أخدم الأمة!. ينتبه إليهن رئيسهن فيكشهن عني فيفرن كالحمامات محلقات في فضاء عملهن الغائم بالنكد والكد.

 

أحيانا حين نلهو هناك منْ يموت بجدية

يمنحني الحديث عزماً وأحوله لاحقاً إلى مادة حية في الكتابة. أرفض عروض لذّة تقدم بها جسدي إلى روحي، روحي عازفة، لم يعد جسدي مؤهلاً لإقامتها، تنوي نقض العقد، لعلها تبحث عن جسد آخر تقيم فيه مؤقتاً يكون صالحاً بمتطلباته. الجسد مسرح تعرض عليه فنون الرغبات. أني في خلاف مع نفسي يصل حد الشجار، أتقهقر إلى أعماقي، لا يرعبني ما أرى فيها، بل يرعبني ما لا أراه فيها. في اللحظات التي نطلق صفة السعادة عليها، أوقع أنا ونفسي على هدنة كي تنجز السعادة العابرة نشوتها. لكن، أينما حللتُ تجلوني بغداد عن مكان ليس فيها ولا منها. فيتحول المكان إلى علبة ضيقة، يكون المخرج منها حلم يخاصمه التحقيق. نعم، أينما حللت اشعر بالخواء، يرعبني خوائي مني أنا الذي منْ يكون. في حصار الحياة أستغيث بالموت فكرة ومصيراً، أجده أرحب من حياة يضيقها البشر بفعالهم ووعيهم. الوعي مصدر التعاسة.

أصرف الأفكار وأنصرف إلى النوم. انثر على منضدة الليل أحلاماً لا يحسن عدها العدّ. انتقي أجملها، لأحملها غداً إلى مراكش. أحلامي أمتعتي.

 

احمل أحلامي الأجمل

وأمضي إلى النوم

أي أمريء أنا

كل ما ألتذّ به

هو أني أقطف أحلامي

حلماً، حلماً من شجرة النوم

إني الآن في بلاد موحشة

فرت منها الأشجار

تتراكم أمامي خطواتي

فيما يجثم

على صدري قلبي

ها نحن

أنا والحلم

نحن الاثنان وحيدان

في غابة النوم.

 

تأخذ الحافلة الطريق إلى مراكش. سلمت نفسي لأصوات الركاب وهدير المحرك. عند الدخول إلى الحدود البلدية لولاية مراكش، لم أشرع بتكوين أفكار عن المدينة، موكلاً المهمة للأيام القادمة. أزيح الأفكار المتدافعة لأشغال مزاجي بقلقها، نعم أزيحها لكي التقط صورة بصرية لمنظر يكون الناس ليس طرفاً فيه، لا بل مركزه.أريد أن أدعم ذاكرة العين بذكريات بصرية. استعدت بعجالة زيارتي الأولى لمراكش في فبراير من عام 1990 كنت قادما إليها من مدينة بني ملال المغربية. المغرب ليس طارئاً عليّ، فمدينة الرباط التي وصلت إليها في 18 يناير 1979، كانت أولى محطات منفاي الذي لا ينتهي على ما يبدو. بعد تعذر بقائنا في المغرب لأسباب اقتصادية تكفلت منظمة التحرير مشكورة بتحمل تكاليف سفرنا أنا وآخرين من الدار البيضاء إلى دمشق ومنها براً إلى بيروت. مهمة نقلنا إلى بيروت أوكلت إلى حركة فتح، ولدى وصولنا إلى حي الفاكهاني في بيروت، فقد ترك لنا مرافقنا الفتحاوي خيار الالتحاق بأي فصيل فلسطيني نشعر بوشيجة فكرية معه.

أما زياتي الأولى إلى مراكش لم أكوّن فيها انطباعات ترتقي إلى مستوى الذكريات، أخذت غرفة في فندق في المدينة العتيقة، تناولت الغداء، أكلت طعام المساء في ساحة جامع الفنا، أوقفني سيدة أقل من طاعنة بالسن ألحت أن تقرأ كفي فتنبأت لي بامرأة. صحوت، فطرت، أخذت أول حافلة عائداً إلى مدينة بني ملال.(صافي، خير الكلام ما قلّ ودل)

حين أكون على سفر، تصعب عليّ القراءة والكتابة. يصعب عليّ اللجوء إلى الكتابة والقراءة والاحتماء بهما من مباغتة الفراغ المسكون بالتوتر. أرى أن الكتابة والقراءة أرفع من أن تقصرا لتكونا مهرباً من موقف ومخرجاً من محنة. إنهما خيارا لحظة من لحظات صفاء. الكتابة فعل يقترح فعلاً أعظم. الكتابة ليست طريقاً خلفية يؤمن عليّ انسحابي من مواجهة ليست كفواً فيها. لكني أدون عند الحاجة الملاحظات الضاغطة، اتقاء لغدر النسيان. أحمل دفتراً صغيراً أحفظ فيه الفكرات الفجائية. وتكون في كل المواقف حواسي متحفزة لحفظ وخزن المحسوسات، على فرض استدعائها في لحطة كتابة، غالباً ما تكون مفاجئة. تجد عيناي في التقاط صور بصرية عن الأمكنة. وترصدان سيماء بشر لهم خصوصية واضحة ويتمتعون باستثنائية. وتبقى الحواس تنتقي ما يطيب لها من رائحة، طعم ومذاق. وما يروق لها أيضاً من أصوات ونبوءات. وأصنف هذا رداً وقائياً على خيانة الذاكرة. الشعر هو استثناء يجرجرني إليه مستسلماً، فأشرع بكتابته تحت أي ظرف، دون شعور بتعب أو ملل. أستلقي من تعب وأنهض من شعر.

أصل إلى مراكش على الساعة 14.00 تتوقف الحافلة، احمل أمتعتي، أحاول التخلص من بعض الأفكار وأقبل عليهما، أجدهما بانتظاري هما الكاتب جعفر الكنسوسي والناقد عبد العزيز بومسهولي. ترحيبهما وابتسامتها خففا عني الشعور بالحرج وأنذرا الكفلة بالرفع. اقترحا عليّ أن امضي هذا اليوم في فندق الباشا، وغداً سأنتقل إلى بيت مولاي عبد السلام، فقد تعذر التنسيق معه لكونه على سفر وسيأتي غداً.

طلب الكاتب جعفر الكنسوسي من موظفة الاستقبال أن تؤمن لي غرفة مريحة، فيما هو مشغول معها، التفت إلى بهو الفندق فوجدته مزدحماً بنزلاء مغاربة، فرحت سأكون بين مغاربة، هؤلاء المغاربة بملابس تقليدية وخلافها، أدخنة تتصاعد وأحاديث مرتفعة وتلفزيون يغني من أجل النزلاء "يا مسافر وحدك".

يتسلم جعفر الكنسوسي مفتاح الغرفة، يصعدان معي إلى الغرفة. الغرفة قديمة الطراز. تخفي رطوبة ولا تتكتم على انحرافها نحو العتمة. لكنها أعجبتهما. أما الناقد عبد العزيز بومسهولي طاف فيها، أسمعه، وهو يرمي على كل شيء حظي برؤيته في الغرفة عبارات مثل: (زوينا، لا زوينا، مزيان بالزاف)، أكثر من شيء قد توقف عنده ورمي عليه أكثر من مرة عباراته الزائية! المحببة. بعد أن أطمئنا على إقامتي، اتفقنا على موعد بلقاء مسائي، بذوق تركاني أركن إلى هدوء لعله يفضي إلى راحة ومن الراحة يأتي النوم بهناءته. يغمرني هدوء جديد عليّ، لم آلفه، أتوسل إليه إلا يكون طارئاً. أخرجت قنينة الويسكي، أعددت كأساً من الويسكي. أخذت بهدوء رشفات متوالية. اكتشفت الغرفة، عالية الجدران، كبيرة فيما أشياؤها متناهية الصغر، في زاوية مغالية بالعلو يلتصق إطار صغير يتضمن شاشة، بعد تمحيص بصري أدرك انه تلفزيون، يتضح أن الريموند كنترول (الحاكوم) أكبر منه. اخذ وضع الانبطاح على السرير لأكون في وضع يسهل عليّ استعماله، أحشر الريموند بين الذقن والرقبة وأضغط، فتنفرج أسارير التلفزيون على أغنية:"مرسول الحب فين امشتي، فين غبتي علينا"، أغنية تلامسنا نحن مشارقة الأرض. أخطو نحو الشباك أتفاجأ، أجده نقطة لا تذكر في بحر الستارة. جلّ ما خشيت وقتها أن يكون السرير أصغر من النائم الذي هو بلا غرور أنا. بعد التأكد من أن السرير مطابق للموصفات الكونية، دلفت بلا سابق تفكير إلى الحمام، فوجدت البانيو يحتفظ هو الأخر بالمواصفات العالمية للسعة. أدير بصري فإذا بالمغسلة أصغر من راحة اليد، تماماً كالدنيا عندما تضيق. والماء أعقد من أن تستوعبه حنفيه تتعالى عليه بالحجم. أضحكُ الآن حدّ البكاء، أرى يومي يتحول بلا أسف إلى أمس، يخلف ذكريات نقتات عليها في غد يمعن في المجهول. أمرتُ الثياب بالانسحاب عن جسدي ارتقاء إلى أمنية الماء. بعد أن تكلل النجاح عميلة الاستحمام، أعود إلى السرير ببلل أقل وذلك تم بمعونة المنشفة، أنشر جسدي على السرير وأدعو النوم.

أصحو بعد إغفاءة قصيرة مرت بلا حلم يذكر. أفكر بالاتصال بالشعراء الذين طلب الشهاوي مني الاتصال بهم، وتنويعاً على طلبه فقد اقتنيت في أكادير كتاباً هو(دليل الشعراء المغاربة) لعلني أتعرف عن قرب على الشعراء المغاربة. نقص هذا الكتاب هو خلوه من نماذج من أعمال الشعراء الذين يأتي على ذكرهم. بفضل الكتاب عرفت أن الشاعر حسن نجمي والشاعرة وفاء العمراني يقيمان في الدار البيضاء. تناولت رشفتين من كأس الويسكي. أتصلت بالشاعرة مليكه العاصمي، لكن للأسف لم أظفر للأسف لم ألقاها تلفونياً. اتصلت بالشاعرة ثريا إقبال فوجدتها تلفونياً، رحبت بي في مراكش ودعتني إلى تناول فنجان قهوة في نادي الصيادلة. هيأت نفسي، فجاءت على موعدها مصطحبة ابنتها. هناك في نادي الصيادلة عرفتني على عائلتها وعلى أصدقائها. سألتني عما أرغب في شربه، قهوة سادة وكأس ماء بارد لطفاً، قلت. نقلت طلبي إلى النادل عبد الجبار الذي عرفت أسمه لاحقاً، انه شاب هادئ وفير التبسم، لكن أحلامه محبوسة عنه. لكل فقير ضريح يرقد فيه واحد من أعز أحلامه. شهدت الجلسة نقاشاً اختلفنا فيه على الحداثة في الشعر، فالميل إلى الصوفية وهي باحثة فيها يطرح تشدداً لغوياً. فاللغة تصبح هي النص وهي الهوية. الجلسة دامت زهاء ساعة لم يعرض عليّ فيها سوى فنجان القهوة إياه الذي لم يتكرر البتة، أما كأس الماء فحضر متأخراً معتذراً لكونه ليس بارداً، انتظرت عبثاً أن يأتي فنجان قهوة ثان. شعرت بجوع، لأن اضطرابي وقلقي منعا من الاقتراب إلى الطعام. في منتصف الطريق إلى مراكش توقفت الحافلة، لكن الخوف والحلم أدبرا بالشهية. الشعور بالجوع بقي قائماً. شبعت من مرأى جوعى ينهون جوعهم.

جوعان

يجوع بي الجوع

أنا الجائع الأبدي

جوعان

إلى

كل

شيء

وكل ما حولي جوعان

لا خبز يودي بجوعي ولا جوع

ألا يموت من الجوع الجوع

 

حاولت أن أسقط أفكاري وأتعلق بما أرى. لكن الجوع شرع بإرسال تحذيراته، الجوع خصم الديمقراطية، طغى الجوع على آرائي فتطرف بها. انتظرت أن تعرض السيدة عليّ فنجاناً آخر، كأس ماء أبلل به على الأقل الحديث قبل أن ينشف كما نشف ريقي. زاد المطر الجوع بلّة. تساقط المطر على شكل زخات خفيفة، لم تقهرنا على اللجوء إلى سقف. اجتهدت كي لا أبدو كئيباً. سقوط المطر علامة على انهيار لحظة مشرقة. يعتبر سكان الشمال الأوربي ظهور سحابة أو زخة ماطرة خيبة وتعدّ خسارة من خسائر سفرهم نحو الشمس. الشمس ما نفتقدها نحن القابعون في العتمة والبرد، نعيش رهن مطر يذهب لكي يأتي بأكثر غزارة. سقط الأمل كلياً بفنجان آخر من القهوة وكأس ماء، وتلبية لنداء الجوع ولوعته، استأذنتها بالذهاب. تطوف الشاعرة ثريا إقبال بسيارتها، تقطع شوارع وساحات، لا تخلو من زحام بشري ومروري، فالمغاربة يتواجدون بوفرة في الحدائق، على الأرصفة، في الساحات وتغص الأسواق بهم، إنهم ليس في ظهور له شبيه، انهم في حالة انتشار لا شبيه لها. تتوقف الشاعرة ثريا إقبال عند بعض المعالم السياحية منها صهريج المنارة، أثر الموحدين للري، تقول وتنطلق بالسيارة، تشير بيدها إلى مئذنة الكتبية، أعلى صرح في مراكش ويمكن مشاهدتها عن بعد ومن أي مكان، تضيف. تفضلت عليّ بمعلومات وشروحات تاريخية وجغرافية، لو لا الجوع لحظتها لتذكرتها الآن. الشاعرة ثريا إقبال سيدة جادة وعميقة التفكير والمبادرة. وجدتني مديناً لها بذكريات تنشأ بسرعة دقيقة عن المدينة وناسها. كما قلت، اختلفنا بجدية على الشعر، وجهات نظرها بالحداثة كانت مدعاة لألمي وأسفي. لكن مع ذلك توطدت الثقة بيننا وانعقدت صداقة نتج عنها لاحقاً تعاون ثقافي وترجمة.

تضعني السيدة ثريا إقبال أمام باب الفندق. تاركة لي وعداً قابلاً للتنفيذ بدعوة غداء مع أسرتها. أدخل الفندق بعد التأكد من مغادرتها. أجري إلى المطعم المقابل للفندق وأطلب على الفور طاجناً مغربياً (لحمة، بطاطا، بازلاء، زبيب وخبز). ما أن تجّسد الطبق أمام ناظري حتى أجهزت عليه.

يأتي الكاتب جعفر الكنسوسي مساء، ننتقل بسيارته إلى ساحة "جامع الفنا". يركن السيارة ونذهب مشياً إلى مقهى فرنسا المطلة بطوابقها الثلاثة على الساحة. ينضم إلينا الناقد عبد العزيز بومسهولي. نتناول القهوة، نتحدث عن الأمسية الشعرية، وينقل عبد العزيز بومسهولي بعضاً من الأفكار الوارد في ورقته النقدية عن "كتاب أسئلة العقل". التي سيقدمها في الأمسية الشعرية الموعودة.

ينفصل عنا جعفر الكنسوسي ذاهباً إلى منزله، فاطلب من الناقد عبد العزيز بومسهولي أن نأخذ الطريق إلى الفندق مشياً. لا يمانع. تطأ أقدامنا ساحة جامع الفنا. تطالعنا مئذنة الكتبيّة، تشرف على الساحة محال لبيع الصناعات التقليدية، مصارف، مقاهي، مطاعم وفنادق. ساحة تتجدد في كل لحظة، لا تكرر مشهدها. كرنفال متنوع لإشباع الحواس بهجة. تتبارى الألوان وتتنافس الأصوات. تتعالى أصوات، هتافات، رواة، حواة. يترنح ناقرو دفوف، قرادون يتقافزن وعلى وقع الرق تتراقص القردة. محفل لبشر جادين بأزياء شعبية متعددة الألوان منفتحين على الفرح، الدهشة والمفاجأة. يقصد الساحة أهالي مراكش وزوارها للشراء أو لتناول أكلة معينة. بعض الأكلات أصبح تحضيرها في المنازل نادراً أو يحتاج إلى وقت وأدوات طبخها يصعب توفيرها. تتوقف عربات باعة العصائر على شكل قوس يحزم الساحة. في المساء تنتشر نقاط لبيع الأطعمة الشعبية، يتشكل ظهورها على هيئة صفوف متوازية، تتألف من طاولات، مصاطب وأدوات طهي وخزانات مياه صغيرة. يكثر في كل نقطة أكل القائمون عليها، يطغى عدد الرجال على قلة النساء العاملات في هذه المهنة. الأجساد وأطرافها في حركة غير قابلة للسكون، والألسنة تهدر في ترغيب المارة في أطعمتهم ودعوتهم إلى تناولها، دعوة لا تخلو من إلحاح. رائحة الشواء، أنوار تتخلل أعمدة الدخان وسحبه الواطئة. توابل لا تتورع بنشر روائحها بلا رادع ولا داع أحياناً. تحيط الساحة محال مضاءة. يشغل حيزاً كبيراً منها باعة الأطعمة والعصير، حشد من المغاربة وجمع من السياح من هم منْ يتوقف في الساحة ومن هم منْ يسير عبر بوابات عالية إلى الأسواق القديمة الطراز. الصمت معزول، نساء بجلابات يفخرن بأنوثتهن ويعبرن عنها بتحركهن، يشاع عنهن عطرهن ويصدر عنهن كلاماً منغماً. الضجيج مؤثر صوتي يرافق ظهوراً بشرياً بأزياء تقليدية وحديثة بعرض يتجدد باستمرار رافضاً الركون إلى توقف. ساحة جامع الفنا مكسب كوني.

يتوقف عبد العزيز بومسهولي عند احد نقاط الأكل وبالتحديد عند بائع الشوربة "الحريرة"، نندس بين آخرين مغاربة وأجانب، نجلس متراصين. الأفواه لا تتوقف عن الكلام. تبذير بالكلام. التراص يسمح باستخدام اليدين إلى الأمام. يطلب عبد العزيز صحنين من الشوربة. اخجل منه، لا استطيع أن أرد طلبه. فأنا يصعب عليّ الأكل من الباعة المتجولين، لعدم استيفاء أكلاتهم لشروط الصحة والنظافة. يستدرك توجساتي، يجيب على سؤال لم يطرح بعد، هناك رقابة صحية صارمة، يقول. أرى شكل الملاعق الخشبية جميلاً. يأكل هو بشهية يحسد عليها، وآكل أنا بطريقة تثير الشفقة. آكل على مضض ودون تذوق لطعم. أسبقه إلى تسديد الحساب، يعترض ثم يقبل بذلك. نخلّص أجسادنا من الآخرين المتكاتفين ونتجه مشياً إلى الفندق الكائن في "جليز" الحي الحديث في مراكش. في الطريق نتحدث عن الشعر، ويريد هو أن يعرف مصادر كتابتي الشعرية. يعترضنا متسولون وشحاذون نفلح في تفادي طلباتهم.

يستقبلنا مولاي عبد السلام في بيته، يكتظ البيت وفناؤه بالأصوات، أصداء نداء تتعقب منادى، وقع أقدام وارتطامات، أناس وأشياء لا تظهر لعين، كأنها موكلة بطرد الصمت وكسر عزيمة الوحشة، هنا لا يسعني أن أطل من الشرفة، غرف الطابق العلوي ترتبط بشرفة غير مأذون إشغالها، توجد مسافة فاصلة بين أبواب الغرف ونوافذ عالية على النظر، مشغولة بنقل الأشعة، تسريب الحرارة ورفد ضجة البيت بشيء من صخب الشارع -الخارج. الصخب بدا حميماً أنهى أعراض هدوء كوبنهاجن البادية عليّ، ففي شوارع كوبنهاجن الخلفية تصاب بالوحشة، إذ يندر ظهور شخص أو تحليق طير. فالصمت المتسلط يخلي الشوارع والأبنية من الحركة والصوت. كائنات مجبولة من السكون المحض. الأضواء تطرد الوحشة عن الأشباح. كيف تكون البيوت مأهولة ولا يتسرب شيء منها لعين أو لأذن.

أتحزّم بالمنشفة وأتجه إلى الحمام، أحلق ذقني، وأترك الدوش يغمرني بمائه حد الحس بالملامسة. أريد أن أستقبل الساعات التي توشك على القدوم أنيقاً ونظيفاً. أدخل الغرفة، أدخن أطوي رسالة حب تلازمني، أخفيها في مفكرتي، ولا أعرف سر إصراري البليد على حمل مفكرة، تعلن عن بيع جملة الوقت بالمفرّق. أجلس كيفما أتفق، إن فكرة ما تداهمني الآن، أخرج دفتراً أزرق وأختار بعناية مبالغ فيها القلم ولون حبره. أدع ضوءاً جسوراً يتخللني بمودة وأشرع بتدوين أفكاري، لا أعرف لِمَ هذه الأفكار التجريدية النظرية المحضة وليست غيرها، لِمَ لا تكون ملاحظات حسية تحتفي بالمكان وأهله. كتبت:

"يستحيل الوجود الواعي إلى مشروع يبعث على القلق. وانقسام البشر إلى وحدات فكرية ظاهرة طبيعية. ونظراً لعدم تيسر الوسائل الطبيعية لإدراك طبيعتي الوجود والعدم، فسيتراوح العيش بين تجربة ومغامرة. وهنا، ستختلف درجات النظر ووجهاته إلى مستوى آراء سرعان ما تتحول إلى مواقف عقائد وأيديولوجيا تتصارع على احتكار الحقيقة. غير أن من المؤسف أن ينحاز الإنسان كلياً إلى رأيه، نازعاً عن الآخر الحق في المغايرة. أرى أن الآراء في حالة نسقية وليست عمودية، ويمكنها أن تتجاور بسلام وبتأثر، تختلف الآراء لكنها لا تتناقض بالضرورة. لكني، أرى أن التفاوت الجمالي، وتباين الإحساس بالجمال قد يلحق التعاسة بأي سعيد محتمل. ألومني عليّ، لماذا اعزلني عن مكان يرحب بي بالضجة وبتنوع الحالات والألوان، الإنسان ضحية طبعه، والتطبّع رد غير مكفول".

ينتصب أمامي مولاي عبد السلام نصف عارِ، كأنه تمثال إغريقي هرب لتوه من قاعدته، لكنه ليس مسكوناً بالخوف من ملاحقة حراس التاريخ المطالبين باسترداده. يقبل مرحباً، باسماً ومستعداً للقيام بأفعال مرحة.

 

صباح الخير

صباح النور

 

يسرع يدير آلة التسجيل فتصدح أغان مغربية آسرة الإيقاع، ثم يختفي مولاي عبد السلام عن مداي، تاركاً أياي عرضة لأوهامي، أجمل ما في الحقيقة هي وهمنا عنها. لعل ما يشجع على السقوط بالوحدة هو الطغيان الذكوري الذي يفتك بالمكان. أدخن سيجارة أخرى، أنفث دخانها عالياً، تسطو عليّ رغبة في الفرح، فأفرح على الفور، أنا الآن فرحان. فرحان رغماً عني. وأجدني أيضاً في محل أشكرني فيه على تصرفي الجيد، وأعجب بلا تردد بسرعتي المفاجئة في تصنيع ردود بما يتصل بالتقليل من أهمية السياسة، أضحك دونما أحد. لم يتوقف عند هذا الحدّ، بل اكتشفت أني طروباً أيضاً ومحتفلاً بوقت مبكراً بما سيحفل به يومي لاحقاً. أدندن بأغنية للسيدة فيروز:

 

سنه عن سنه

عم يغلى على قلبي عهد الولدنه

يا حلو يا حبيبي

ما بيعك بالدنيا

وكل سنه بحبك أكتر من سنه

أنى أكون تكون معي رسالة الحب هذه. ذات نهار حافل بالضوء والبهجة دستها امرأة جميلة وأنيقة في كتابي "حواس خاسرة" وهي تموه على غيرها بطلب توقيعي عليه. الرسالة كتبت أثناء لقاء على دعوة غداء. تبدو السرعة على حركة رسم الكلمات. يشي خطها بحالة من الخفية والسرية التي وجدت كاتبة الرسالة نفسها فيها. انه خط هامس يمنح الكلمة أكثر من معنى، اقرأه بلا صعوبة ودون عناء في فهمه. أجده جميلاً وحافلاً بالمشاعر التي تعتريها تكتب: أنا في حضرتك أنسى كل شيء. المكان، الوقت والآخر. أنسى كل شيء صدقني. شعوري نحوك يستحوذ عليّ فيتداعى كل شيء عداه، أحبك هل تدري. أحبك اليوم أكثر من الأمس. وتكتب أيضاً: غالباً لا أتذكر عطر الكولونيا التي كنت تضعها على وجهك وجسدك، لا أتذكر بتاتاً، تدري، أني أفضل رائحة جسدك، أجدها أفضل من أي عطر. أنا على ثقة من أن رائحة جسدك أذكى من أي عطر في العالم، ثم تكتب: أعدني بألا تنساني وأن لا أكون أنا امرأة منسية ظهرت في حدث عابر في حياتك. إنها شهادة قلبية على الإصابة بالحب. فمن نعمة الحب على المحبين، السؤال، الافتقاد، اللوعة، الجمال، الشوق، الغيرة، التخاطر، قلق الحبيب على المحب والخوف على الحب من الحب. استمد من هذه الرسالة العزم على الفعل، والرغبة في أن أبقى حياً هذا اليوم أيضاً.

 

الحب فضل الكائن على الكون.

يظهر مولاي عبد السلام حاملاً صينية الفطور المغربي فطائر ساخنة من صنع يد أمه، زبدة، خبز وإبريق قهوة. أطلب بحرج منه كأساً من الماء البارد. يسرع لجلبه. ينضم إلى حفلة الفطور الفنان أحمد إسماعيل، يسلم علينا بحرارة مصافحاً ومقبّلاّ، يعرف أن يكون موقعه من المائدة. نأكل، نتحدث نضحك، نشرب القهوة، نأسف على أمور غير مأسوف عليها. ننتهي من تناول الفطور، يستأذن الفنان أحمد إسماعيل بالذهاب على أمل أن ينضم إلينا لاحقاً في مسجد- مرقد سيدي بلعباس.

نغادر منزل مولاي عبد السلام، نقطع درب بنموسى، ننعطف إلى اليمين، نجتاز زقاقاً ضيقاً، يحيي مولاي عبد السلام أصحاب المحال والباعة المتجولين وأصحاب البيع على الأرصفة، يتبادل التحايا والأسئلة الخاطفة عن الأحوال مع عدد غير قليل من المارة، وهنا يتضح أن السؤال أهم من الجواب وغير مشروط به. يردون على تحيته باحترام ووقار.

تنتهي بنا أقدامنا إلى ساحة "رياض العروس"، نجد جعفر الكنسوسي، وهو مفكر إسلامي مشغول بالتصوف الديني. رجل طويل القامة، تميل بشرته إلى السمرة، هادئ. يقف أمام سيارته، يستقبلنا بابتسامة غاية في الود. نقف في طابور عشوائي لنؤدي التحية من مصافحة وقبلات، يكون دوري الأول. ثم نشرع بالسير، نجتاز أزقة ضيقة تتفرع بلا مبرر. الناس كثيرون، متراصون بلا شعارات ومتفرقون بلا خلاف عليها. يشغلون الأزقة بذهاب وإياب، يتخيل إليّ أنها حركة ظهور بلا انقطاع لا قبل التاريخ ولا بعده. يصعب علينا السير في نسق، مما نضطر إلى السير بطابور متعرج، نمارس بلا تركيز ولا فائدة عادة الكلام والإصغاء، نوفق غير مرة في التفوق على معوقات الضجة بالتركيز. لكننا سرعان ما نسلم بالواقع المكتظ، فنقرر بلا تصويت أن نوفر الجهد إلى المشي والنظر. كان كل شيء يحمل دعوة خاصة إلى النظر إليه دون غيره، يكتسب الحق هذا من عراقته وتشبثه بهويته المعمارية وطابعه المزخرف، يسرني مرآه حدّ الانتشاء. أشعر بتخمة بصرية وسمعية طالما رغبت فيها.

ينتهي بنا السير إلى باحة كبيرة. أسجيتها عالية عليها نقوش وزخارف إسلامية، هناك يلاحظ عدد من التجاويف مصممة بعناية ومهارة مسدودة بمشبوكات حديدية لا تحول دون النظر إليها أو التمعن.

أرى شبابيك المسجد - مرقد سيدي بلعباس- على هذه الشبابيك أقفال يقفلها ذوو الحاجة من الفقراء، يعلقون الأمل والرجاء وفتح أقفالهم وقضاء حاجاتهم على معجزة صاحب الضريح لتحقيق الفرج بعد استشراء الشدّة عليهم واستحواذ العوز والحرمان على وجودهم. يجوب الساحة رجال ونساء، جيئة وذهاباً، كأنهم في نزهة لا تضاهيها نزهة أخرى. تطفو على وجوههم الشاحبة المتغضنة سمات الرضا والاطمئنان.

نرتقي عدداً من الدرجات لنستوي بالخطى إلى باب المرقد الذي يؤدي بنا إلى بهوه الفاره المفروش بالسجاد. يتوزع المصلون كيفما أتفق، يأتي رجل يبّخ ماء الورد على المصليين من خلال آنية نحاسية صنعت لهذا الغرض. فتتعالى أصواتهم بالبسملة والحمدلة. في عمق المرقد - المسجد، وبالحديد في زاوية منه، يجلس عدد من الرجال بأعمار مختلفة في صفين متوازيين، يرتدون لباساً تقليدياً ويعتمرون الطرابيش الحمر، ينشدون مدائح محمدية صوفية يقترب بناؤها من الدروشة. كتب بعضاً من كلماتها المتصوفة أنفسهم ومنهم سيدي بلعباس ذاته. ينحصر الإنشاد على مديح النبي محمد. يطوحون برؤوسهم منداحين شجناً وطرباً بوقع الكلمة والإيقاع عليهم.

نجلس قبالتهم. يهمس جعفر الكنسوسي مفسراً ومعلقاً على المدائح طقوسها وتقاليدها. يربت على ساقه منداحاً هو أيضاً بوقع الكلمة وإيقاع اللحن. يشير بأصبعه إلى إمام المسجد، أنتبه تجاوباً معه. يقول: انه يعرفني، سيأتي حتماً ويسلم علينا. أما مولاي عبد السلام، فأنا أدرك لحظتها انه شيء في صدره يدعوه إلى الانصراف عن المشهد إلى نفسه يكسو وجهه بملاح جادة، قد تكون منتحلة من مغدور أو ربما مغفور له!، خشية الاتهام بعدم المتابعة. وأنا أتطلع إلى مولاي عبد السلام، أتذكر كيف ألغي قيلولته ظهيرة البارحة على غير عادة، فتح جهاز التسجيل على الموسيقى. تزوّد بالأنغام ليواجه موقف ما لا يفصح عنه. حلق ذقنه، دندن بأغنية فرنسية. ارتدى ملابسه بعناية، عطّر جسده كله. شاطر المرآة فرحها بفرحه. بدا عليه ميلاَ مفاجئاً إلى الضحك دون العناء بإيجاد سبب. غادرنا أنا وهو المنزل، طلب مني أن أجلس وراءه على دراجته النارية، شعرت كأني طفل يلهو في عيد. على مفترق طريق طلبت منه التوقف، ومن لطائف عادته، لا يسألني إلى أين أمضي ومع منْ سأكون، لا من وجهة الحرص ولا من زاوية الفضول. نزلت وتركت مولاي عبد السلام ينطلق بدراجته النارية بسرعة تحددها فجوات المارة وثغرات الزحام. خلف وعداً بلقاء مسائي في مقهى التجار. لم تفلح جهودي الفكهة عن ثنيه عن عزمه على الحزن.

يقبل علينا إمام المسجد، ينهض جعفر الكنسوسي، يسلمان على بعضهما بطريقتهما وبحرارة. يقدمني جعفر الكنسوسي إلى إمام المسجد، مبتدئاً بالوطن الذي أنتمي إليه. يسلم عليّ بحرارة فائقة، نقبّل بعضنا، أجده عبقاً برائحة ماء الورد الشائعة في فضاء المسجد.

 

أهلاً بالعراق وأهله.

أهلاً بالمغرب وناسه.

 

يحيي في الواقع من خلالي عراق أضرحة الأئمة وشيوخ المتصوفة من أمثال الشيخ معروف، الجيلاني والشيخ جنيد. يطلب مني جعفر الكنسوسي الحديث عن الشيخ جنيد، فحدثته واصفاً ضريحه وبعض الكرامات الشائعة عنه. العامة من الناس تسميه "أبو خمرة"، ولا تعرف الكثير عن جهده الفكري في الصوفية وربما ليست معنية به، ما يعنيها منه، هو وقوفه المنتظر ببركاته وكراماته معهم في محنهم. ونقلاً عن أمي التي تردد على ضريحه، تقول: جلب الشيخ جنيد طحيناً وماء وأخذ يعجنه، وفي ذلك اليوم لم تتوفر لديه خميرة، فدس رأس الفأس بالعجين فاختمر فوراً. ويروي القشيري: جاءت امرأة ترجوه أن يدعو الله كي يعيد إليها أبنها الضائع. وفي المرة الثالثة التي جاءت فيها إليه، قال إليها ارجعي فقد عاد أبنك. أما في المرتين الأولى والثانية كان يدعوها الصبر.

تشيع على وجه إمام مسجد سيدي بلعباس علامات الرضا، الثقة والاعتزاز. أتطرق بالحديث عن الفوارق في معمار المساجد بين شيعة العراق وسنته. يعمر السّنة مساجدهم بالآجر، الموزائيك والخشب المزخرف. فيما يميل الشيعة إلى طلاء قباب ومنارات مساجدهم بالذهب ويزينوها بالكريستال وسواه من المعادن الأحجار الثمينة. لا يخفي إمام المسجد امتعاضه من الشيعة واصفاً إياهم بالغلو والمبالغة. يوجه الحديث وجهة مناقب الشيخ جنيد وكراماته ويشيد بالآثار الفكرية للشيخ محي الدين بن عربي وإعمال الإمام الغزالي دون أن يتسع الوقت لتسميتها.

لا يتطرق إمام المسجد الأئمة أو إلى الحلاج أكثر المتصوفة تحدياً وجدلاً، تغاضيه قد يحمل رفضاَ غير صريح لصوفيته. وسبب رفض الكثير من المتصوفة للحلاج يعود إلى تحدي الحلاج نفسه لشيوخ المتصوفة ومنهم الشيخ جنيد والشبلي، فقد تجرأ عليهما علانية، مما دفعهما إلى مجابهة التحدي هذا بالتنكر. وساهما فيما بعد بالصمت على قرار الحكم عليه بالإعدام تقطيعاً. وإذا صمتا هما على إعدامه فان الشيخ فريد الدين العطار أيّد صراحة إعدامه.

لا يمكن أن تزور مراكش دون أن تتقمصك حالة ما من الصوفية، أو لا تكون صوفياً ولو بصفة متلق أو مستمع. مراكش هي عبارة عن زاوية صوفية واحدة متعددة الطرق. وهذا الانطباع يباغت الزائر الذي لا بد أن يؤدي به طريق وبطريقة ما التقاطع أو التماس مع زاوية صوفية لإمام تشيع عنه كراماته فتقربه من طالبي الحاجة. هذا الإحساس يتضاعف عند المرور بالجزء العريق من مراكش.

تنسب لفظة التصوف إلى الصوف، ويتصف به المتصوفة مظهراً، يوحي الاسم إلى مسمى يوحى بالعزوف عن الملذات الحسية، ويتجه صوب الزهد، وهناك من يرى أن حقيقة هذا الزهد تتجاوز ظاهره المتقشف إلى أعماقه "المعرفة" والمعرفة حسب تعبير الصوفية طريقة للمشاهدة· (رؤية الله ببصر القلب من غير شبهة كأنه يراه بالعين) ويسلك الصوفي الطريق للوصول إلى هذه المشاهدة عبر محطات يطلق عليها المقامات والأحوال· والصوفي كما يرى ذاته؛ هو من صفا قلبه لله· ويروى عن ذي النون، أن أحد أصحابه ذهب ليسأل عن أبي زيد البسطامي، لقاه وسأله:

 

أأنت أبو زيد؟

ومنْ يكون أبو زيد هذا وأين أجده

 

علق ذو النون على هذا الحوار بقوله: "لقد فقد أبو زيد نفسه في حب الله، فصار يطلبها مع الطالبين"· ويقول الشاعر حمزة عبود عن الصوفية في تقديمه لكتاب المواقف للنفّري، يذهب في تعريف أميل إليه:" تنطلق التجربة الصوفية من الرفض (السلبي والايجابي) لمعطيات الواقع· ويشكل هذا الرفض،عند المتصوف، نزعة الإعراض الدائم عن العلاقات السائدة ومعانيها الجزئية والظاهرة.

أريد أن أتوقف عند بعض الصوفيين الذين اقرأ لهم، واجد فيهم اختلافاً عن سواهم، سواء في سلوكهم أو في نصوصهم وهم: الحلاج، النفّري وابن السبعين.

ولد الحلاج (922 -857) في البيضاء في إيران· سافر إلى البصرة في سن الثامنة عشرة، تتلمذ على عمرو بن عثمان المكي، أصبح صوفياً، ولبس الخرقة· سافر إلى مكة، تزوج فيها، وتركها بعد خلاف حاد مع حميه· عاد إلى البصرة التي لم يمكث بها طويلاً بسبب خلاف من نوع آخر مع أستاذه المكي، أظن بسبب تفوق الحلاج عليه· سافر بعد عام ونصف إلى بغداد، تسبقه إلى بغداد دعوى أشاعها الشيخ المكي مفادها إن الحلاج :"هو ذا عارض القرآن" وغيرها من الشائعات· انتقل من مكان إلى آخر، منقطعاً إلى التفكير، التأمل والكتابة· ازداد عدد تلامذته ومريديه، ومنهم من آمن به· ينعت الشبلي والجنيد، بعد القطيعة الفكرية، الحلاج بالمارق، وتتردد تهمة خروجه على الأصول الصوفية، من خلال كشفه لأسراها وفضحها، وهذا ما لا يجوز للصوفي فعله· يعلل الصوفية عدم جواز فعل كهذا بالقول: إن الصوفي يمر خلال مرحلته الروحية، بمواقف عدّة، يرى فيها الكثير، وعليه ان يكتم ما يراه، ويستر ما يقع له مما يسمونه بـ"الأنوار الإلهية" والحلاج لا يعرف للسر معنى، ولا يتكتم عما يراه، ما في قلبه على لسانه، كما يقال· ويروى عنه:

أنا الحق، يقول الحلاج

أنت بالحق، يرد عليه الشبلي

أنا الله، يقول الحلاج

أنت بالله، يرد الشبلي

هناك قصائد للحلاج، تمتاز بالعمق والوضوح وتنم عن تجربة عشق صوفي يندر لها مثيل في أحوال العشق الصوفية.

 

رأيت ربي بعين قلبي فقلت منْ أنت قال أنت

فليت للأين منك أين وليس أين بحيث أنت

وليس للوهم منك وهم فيعلم الوهم أين أنت

أنت الذي حزت كل أين بنحو لا أين فأين أنت

وفي فنائي فنا فنائي وفي فنائي وجدت أنت

 

يتصدون له، بالتقول والشائعة، عن سحره وشعوذته، وينسبون إليه ادعاءه الإلوهية، يدعون عليه، متهمين إياه بتلامذته المتزايدين الذين أخذوا على عبادته.

يُقدم الحلاج إلى المحاكمة، يكون رئيسها القاضي المالكي أبو عمر الحمادي، يفيد أكثر من مصدر عن تملقه لرؤسائه. يناظر الحلاج، يثبت وينكر، شهد ممنْ أحضروهم ضده، وهم كثيرون. يدينه القاضي ويحكم عليه بإراقة دمه، يُجلد، تُقطع يداه ورجلاه، يُعدم، يُقطع رأسه، ثم يحرق جثمانه.

وهناك صوفي آخر، هو محمد بن عبد الجبار النفّري، كان يدون إيحاءاته على قصاصات من الورق، نتعرف عليها بعد موته، لم يستقر به حاله وهواه على ارض، هام في الصحاري، ونصوصه تشي بذلك، وبطبيعته المتأملة، كرس موقفه الوجودي والوجدي، في نصوص أطلق عليها "المواقف" كما تجده هامساً وكأنه يخاطب نفسه قبل معشوقه، في نصوص أخرى يطلق عليها "المخاطبات"· غيابه وعزوفه عن النشر في حياته وفر عليه الكثير من الخصومات.

سأقتطف نصاً من كتاب المواقف: موقف ما تصنع بالمسألة.

أوقفني وقال لي إن عبدتني لأجل شيء أشركت بي

وقال لي كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة

وقال لي العبارة ستر فكيف ما ندبت به

وقال لي أنا وعزتي ضيف أعزائي اذا رأوني أفرشوني أسرارهم وحجبوا عني أتسألني أن أسفر وقد أسفرت أن تسألني أن احتجب فإلى متى تفيض

وقال لي اذا رأيتني لم يبق إلا مسألتان تسألني في غيبتي حفظك على رؤيتي وتسألني في الرؤية أن تقول للشيء كن فيكون

وقال لي لا ثالثة لهما إلا من العدو

وقال لي أبحتك قصد مسألتي في غيبتي وحرمت عليك مسألتي مع رؤيتي في حال رؤيتي

وقال لي إن كنت حاسباً فاحسب الرؤية من الغيبة فأيهما غلبت حكمة في المسألة

وقال لي إذا لم أغب في أكلك قطعتك عن السعي له، وإذا لم أغب في نومك لم أغب في يقظتك

وقال لي عزمك على الصمت في رؤيتي حجبة فكيف الكلام

وقال لي العزم لا يقع في الغيبة

وقال لي انظر في نعمتي تعرفني في تعرفي إليك

وقال لي من لا يعرف نعمتي كيف يشكرني

وقال لي لا أبدو لعين ولا مكب إلا أفنيته

وقال لي تراني فيما تقول كيف تقول، تراني في جزعك كيف تجزع، تراني في الفتنة كيف تحتوي على الذلة

وقال لي اعرف حالك من المستند

وقال لي إن كان المستند ذكرى ردك إلي

 

لا يتواني صوفي آخر هو قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن محمد عبد الحق بن السبعين· في نقد فلاسفة الصوفية المعترف بهم على نطاق واسع، أمثال:"الفارابي، ابن سينا، ابن ماجة، ابن رشد، السهروردي، الغزالي، والرازي"، ينحى بنقده عليهم، ويطعن بصوفيتهم، ويرى فيهم خروجاً على قواعد الصوفية.

أطلق على نفسه لقب ابن السبعين، ويعني الفتى الشجاع ذا المروءة والكرم، يعتبر مغربي المواطنة، إلا انه من مواليد مرسية في الأندلس· وضع كتاباً اسماه "الرسالة الفقيرية" يتخذ فيه من الفقر موضوعاً له، ويقوّم ابن السبعين طريقته الصوفية على الأوجه التالية: "الصبر على المكروه، شكر المنعم الحكيم، الفتوة المحضة، رفع الأذى كله، وفعل ما يجب كما يجب وعلى ما يجب".

يميل ابن السبعين الى التعبير عن أفكاره بلغة:"تُعقل مفرداتها، ولا تُعقل تراكيبها" كما يذهب خصومه في نقده ونقد لغته· يجد شيوخ الصوفية ومريدوهم في تراكيبه اللغوية، خروجاً سافراً على التراكيب اللغوية السائدة والمتسيدة، وبهذا الخروج يعتبرونه جاحداً، قامت حجتهم فاستحق عليه القول وبطلت عليه صوفيته.

لا تشبه فعلاً تركيباته اللغوية ومعانيها، مجازات واستعارات اللغة الصوفية المتوطدة بالتركيب والمعنى، ومن تراكيبه:

لا شك في الله

لا شيء اعز من الله

لا موجود على الإطلاق لا يفتقر إلى الله

يوصى ابن السبعين مريده بـ"التشبه بالله"، وخاطبه: "يا هُمام، اهتمامك بماهية همتك، هو همك الأهم، فعجل باهتبال عين الكمال، ويكون شوقك إليه لا يتبدل، اعتدل واملأ صدرك من الله، وقسم ذلك النصيب الشريف على جملة قواك الروحانية والجسمانية، ولازم حب الله، ولا تحب البعض منه، ولا تكره البعض من حكمه وأفعاله، وما تعلم منه، وما هو عليه الله فقط، كل شيء ماخلا الله باطل".

يسعى ابن السبعين -برأيي- في مفردته التي (لا تعقل) وتركيبه غير المعقول من مناوئيه إلى موقف يمكن تأويله إلى أنسنة الإله، وتأليه الإنسان، هذا الموقف الذي يجعله مرفوضاً ومطلوباً في الوقت ذاته· وتجري معاداة طريقته المعروفة بـ"الطريقة السبعينية" وإيغالاً في تحريمها يطلقون عليها "الطريقة الليسية" إي المعدومة، وينهى عنها· يأخذون على طريقته هذه، ما يقوله مريدوها: "لا الله إلا الله، بدلاً من لا إله إلاّ الله".

طريقة أبن السبعين الصوفية المعروفة بـ"الطريقة السبعينية"، ويسميها غيره تقليلاً أو تحجيماً "الطريقة الليسية"، لتوطيد نهيهم عنها. ويأخذون عليه أيضاً عدم الكف عن تحدي إعلام المتصوفة، ولم يتوقف عن ذلك فقد طال في تهكمه الذات المحمدية بقولة لا تخلو من قذف. القولة تتحول بفضل خصومه إلى حكم غيابي أقساه الموت وأرحمه النفي. هذا فضلاً عما يحمله من تحريض العامة والخاصة من الناس عليه، فلا يجد له مأوى ولا رفيق. عاش هارباً لا يستقر في مكان مادام جسداً وليس جثة. وهناك ميل متوارث إلى نزع الأهمية عن مصيره وموته، ربما هي الخشية من إثارة أسئلة لا تحمد إجاباتها. تختلف الروايات عن موته، انتحاراً، وفاة وتذهب روايات أخرى أنه مات مقتولاً لكن دون جزم.

يطوف في مسجد سيدي بلعباس رجل مسن يحمل أبريقاً من الشاي الأخضر بالنعناع "الأتاي " ليقدمه في كؤوس صغيرة ملونة إلى المصلين. ألاحظ عدم غسل الكأس بعد استعماله من قبل آخر. يقبل المصلون على تناول الأتاي، لا لشغفهم بطعمه بل ببركته. وذلك لاعتقادهم أنه مبارك ويأخذ بركاته عن المكان الذي يباركونه بالصلاة والخشوع والتضرع. تشتد في أجسادهم الحاجة الروحانية إلى الرحمة والرجاء. الإيمان يعزز القناعة، أن الأتاي المبارك يتوافر على مناعة ضد الأرواح الشريرة ومن الأمراض والعدوى.

يطلب إمام المسجد من حامل الإبريق أن يقدم لنا. يتوقف عندنا، يقدم لنا كؤوساً من الأتاي، أفكر في الاعتذار بسبب عدم غسل الكأس، ربما يكون تصرف كهذا غير لائق، فالكل يشرب بعد الكل بلا توجس. وقبل أن يقدم الكأس لي، تواتيني حجة: لا شكراً أنا لا أشرب شاياً فيه سكر. يأمره إمام المسجد أن يأتي بقدح من الأتاي خالياً من السكر. يبسمل ثم يأخذ أمام المسجد من كأس الأتاي رشفة يردفها بأخرى، يتلمظ تعبيراً عن استطابته، ثم يناوله إلى رجل مسن يأخذه شاكراً للإمام تفضله، فيأتي الرجل المسن على كل ما في الكأس من أتاي وفراغ. يكرر إمام المسجد عملية شرب الأتاي ويناولها إلى آخر ثم آخر وهكذا تدور الكأس. يتلقى إمام المسجد حيال ذلك الشكر والصلوات.

ينضم إلينا الناقد عبد العزيز بومسهولي، هو ناقد مقتدر، متميز بأدواته النقدية، يتحلى بالهدوء والتهذيب، يسلم علينا بحرارة المفتقد. لكن عملية التحية هذه لم تكن سلسلة أو كما يجب، فهناك كتل بسرية متراصة متفاوتة الارتفاعات تحول دون إتمام المصافحة وتجعل من التقبيل ضرباً من الخيال.

يلتحق الفنان أحمد إسماعيل يدرك أن المصافحة تعد الآن مغامرة وصنفاً من العبث، يقف بعيداً بعض الشيء عنا، يحيينا عن بعد بابتسامة مجهرية لا تدرك بالعين المجردة، لكنه، يحتفظ بحقه في النظر إلينا وإلى غيرنا من المحتشدين لكن يحتفظ بمسافات متفاوتة الشعور. وحده منْ يحق له تقريرها. الفنان أحمد إسماعيل فنان تشكيلي مرهف اللون والحركة والكتلة، مقبلاً على حياة تدبر عنه بألمها. يضفى حضوره طبقة شفافة من المرح على جلساتنا. لكن ملامحه تنحاز إلى الجدية غير الصارمة وتبقي عليها ثابتة حتى عند حدوث ضحكة. يصغي ويتحدث بتوازن، واسع الاهتمام والمتابعة.

 

جمال الكلام من حسن الإصغاء

تتعالى أصوات منشدي المدائح النبوية الصوفية النص والأداء. يجري تناوب على إنشاد انفرادي. يعقبه إنشاد جماعي، الصوت والصدى يملآن الفضاء، تتجاوب الأجساد معهما بالتحريك ويكون الرأس الجزء الأكثر تعبيراً لهذا الانسجام بميل نصف دائري مرة نحو الكتفين ومرة إلى الأعلى وإلى الأسفل. حالة تعبر عن نشوة روحية مردها وقع الكلمة وإيقاع اللحن.

يقبل حامل الإبريق بصينيته النحاسية، عليها كؤوس فارغة وعلى كأس مملوءة يقدمها لي. بلا سكر، يقول. آخذ رشفة أتأكد من خلوها من السكر، أواصل الشرب مستمتعاً بطعم الأتاي والنعناع الأخضر. الآن أصبح لكل منا كأس أتاي.

أرى ساعات قديمة منتشرة على جدران المسجد، تشبه الساعات القديمة التي كانت تعلق على أعمدة المحطات في الدنمارك. المفارقة هنا، أن هناك تفاوتاً في الوقت فساعة تتقدم على أخرى بخمس دقائق، وأخرى تتأخر عن أخرى بعشر دقائق، وهكذا. التفاوت بالوقت هنا يحليني إلى كوبنهاجن. فأبارك هذه الإطاحة بسلطة الوقت. فالانضباط بالوقت يصبح عادة وليس ادعاءً أو أمراً. اشعر بالتحرر من شرط الوقت والتحلل من التقيد به. إن الاسترخاء هنا والبطء السائد، يشيعان سلاماً جوانياً يلغى بموجبه مبرر اللجوء إلى السرعة، وينقي الشعور من شوائب التوتر الذي أصبح مادة رئيسية في شكاوى الدنماركيين من أحوالهم العامة. فالوقت سلعة قابلة للعرض، البيع والمساومة. تكرر وأن أتصل تلفونياً أحد يرتبط معي بموعد، ليعتذر عن تأخير قد يصل إلى خمس دقائق تقريباً. اشعر هنا بالعزّة حيال إهانة الوقت وكسر سيفه المسلول (الوقت كالسيف) وعدم تبجليه حد الركوع إليه.

أحصل على أذن من السيد جعفر الكنسوسي على التقاط صور للمكان. بعد جولة التصوير القصيرة، يطلب السيد جعفر الكنسوسي أن نغادر المكان. نحيي إمام المسجد شاكرين له لطفه. يتمنى لي إقامة طيبة في بلدي الثاني المغرب ويطلب مني أن أنقل سلامه إلى العراق. العراق الذي كلما بعدت عنه أزداد قرباً:

 

صناعة وطن

 

مرة أخذتُ:

قليلاً من التراب

قليلاً من الأعشاب

قليلاً من المياه

وكثيراً من الأسلاك

وصنعتُ منها وطناً

فهل أسميه "عراق"؟

 

نتجه إلى الباب الخارجي، حيث نودع أحذيتنا، يدفع السيد جعفر الكنسوسي ثمن إيداعها. نخرج إلى الباحة، ألتقط عدداً من الصور للمكان ولرفاق جولتي. ينشغل عنا مولاي عبد السلام ليعالج تطفل بعض الأولاد واندفاعهم أمام الكاميرا.

نسير تجاه موقف السيارة، نستجيب إلى الضجة بعدم الكلام، يتخلى كل منا إلى نفسه، ابتسامة السيد جعفر الكنسوسي تشي ما يعتمر في نفسه، سقوط مولاي عبد السلام في صمته يشير إلى مشكلة قد تكون المرأة طرفاً فيها. الفنان أحمد بن إسماعيل ملامحه القديمة الجديدة تعرض سؤاله الوجودي الذي يفتقد ويحنّ إلى جوابه. أشعر بأني أقيم صرح استرخائي على أنقاض سقوط التوتر وتداعي الوقت. أما الناقد عبد العزيز بومسهولي يتطلع إلى المكان بعين الشاعر وليس بعين الناقد، تعتلي وجهه دهشة كما لو أنه يرى المكان وناسه أول مرة.

أجلس في المقعد الأمامي باعتباري ضيفاً. فيما يجلس مولاي عبد السلام وعبد العزيز بومسهولي في المقعد الخلفي، ينطلق جعفر الكنسوسي بنا. نجتاز شوارع ضيقة مزدحمة خالية من أرصفة المشاة. ننعطف إلى شارع رئيس عريض ومنظم. أتطلع عبر زجاج السيارة إلى مراكش، أجدني مأخوذاً بها. ومديناً لها ببهجة تمنحني إياها دون عناء وبلا مساومة. قد تمنح طريقاً لخطوتي، طريقاً مأهولاً بالمعنى. مراكش تبادله زائرها الرغبة في تبادل التغلغل. إذ يصبح الزائر جزءاً من مدينة رغم أن عمره فيها يناهز الـ 72 ساعة. لا تكرس مراكش الإحساس بالغربة. إحساسي بالغربة وفير، يسكني منذ جلائي عن بغداد عنوة. احمله أنىّ أكون. أحيانا أشعر غريباً وأنا في بيتي أعيش بين أشياء تفقد صفة التعلق بها. أنا ومراكش لا غربة بيننا. الإحساس بالغربة عادة يكون نائماً، ولكن هناك مدناً ماكرة أو ذكية تبرع بإيقاظه.

يلفت انتباهي لون الدهان الأحمر، أهالي مراكش يدهنون واجهات المنازل والبيوت باللون الأحمر. هناك عقد مبرم تاريخياً بين الأهالي على الحفاظ على اللون الأحمر ودرجاته على الأقل، واعتباره من ثوابت المدينة. وهكذا يصون الأهالي لقب المدينة التاريخي والجغرافي: "مراكش الحمراء". فيصبح عنواناً وميزة في آن واحد. سعادتي تسعير لساني لتعبر عنها. يسعدهم اعتزازي بمدينتهم، بينهم منْ يعتقد أن له نصيب فيه، وهذا صحيح والأصح الفضل الأول للمدينة السخية على زائرها بالبهجة. "مواقف الناس نتاج مشقة ظروفهم وتعقيد مصالحهم". الناس حلي المدن. ما المدينة إن لم تكن الناس، يقول شكسبير. لا مدينة بلا مدنيين، أقول. ومما يؤسف عليه، يلاحظ أن مدناً قد ترّيفت، احتلها الريف وحذفها من تاريخ التمدن. تغلغل قيم الريف نافية عن المدن قيمها. أرى مدناً يجب إلاَ تتأدلج قطعياً مثل بغداد، القاهرة، دمشق، بيروت، طهران، اسطنبول ومراكش بالطبع، فهذه مدن كونية بلا منازع ولا منازعات، وللجميع الحق فيها وحقها على الجميع. وحول الناس يتداول العامة في العراق مثلاً شعبياً: "الجنة بلا ناس منتداس" الجنة بلا ناس لا يطأها قدم. وحسب منطوق هذا المثل تفقد الجنة نعيمها ولا تعود فردوساً. ومهمة الجنة ليس حفظ الناس فيها وإنما نشر التآلف بينهم. وجدارة الفردوس من أناس جديرين بها. أنا لا جنة لي، جسدي فردوس رغباتي.

 

بيتي جسدي

حدود روحي

حدود وطني

 

تتوقف السيارة عند مدخل فيلا كبيرة، يزمر جعفر الكنسوسي. تفتح الباب خادمتان تستقبلانا بابتسامة خضوع. يرحب بنا جعفر الكنسوسي في رحاب داره، يخيطنا بلطفه، يرشدنا إلى جناح الضيوف، مبنى منفصل عن الفيلا. يقع في رقعة خضراء، يتصل بالفيلا بممر مبلط بالمرمر. الفيلا هادئة، وبديعة المعمار، فجواتها تسمح باستئناف النظر نحو بستان، تتشابك الأشجار بالأغصان وتلتحف الأرض بسجادة من عشب فائق الاخضرار. أشعة شمس نوفمبر تنشر الضوء والدفء. الخريف لم ينل من الخضرة الدائرة هنا.

الخريف ونوفمبر بالذات هو يختلف عما هو عليه في الدنمارك، حيث يكون من أقسى شهور السنة عتمة، برداً ووحشة، لا يوفر على شجرة ورقة ولا شفاه ابتسامة، المناخ يكون مؤثراً وربما حاسماً أحياناً، يشكل حاضنة طبيعية للنشوء وتشكيل الجينات، ويبلغ أي المناخ حد التدخل الجغرافي في الطبيعة التاريخية لشخصية الفرد· الإنسان نبتة حيّة في غابة الكون· يتضح أن الجو عنصر ثقافي هام، والإنسان ظاهرة ثقافية قابلة للاختراق. يؤمن اعتدال الجو فرصة للتفاهم والانفتاح على الآخر، بصفته زميل عمل، رفيق طريق أو جار· وتنعكس المظاهر المناخية على الظهور الشخصي، فالظهور في الشتاء يختلف عما هو عليه في الربيع، الصيف أو الخريف، فالشتاء مستبد بالبرد والعتمة، ويجرد الفهم من التفهم ليقوم سوء الفهم. وطالب شاعر بخزن الضحكات الصيفية والاستفادة منها في الشتاء المتجهم. كما ذهب شاعر آخر إلى حساب السنة الدنماركية بـ 16 شهراً، وجاءت على النحو التالي: يناير، فبراير، مارس، ابريل، مايو، يونيو، يوليو، أغسطس، سبتمبر، أكتوبر، نوفمبر، نوفمبر، نوفمبر، نوفمبر، نوفمبر، نوفمبر، نوفمبر وديسمبر. وفي الشتاء المعتم والبارد تنشط الرغبة في التخلي عن الحياة لجهة الموت.

يشهد شهر نوفمبر على صعود للكآبة يقلّ نظيرها في الأشهر الأخرى. قد يتحفز المصدومين فيه على ارتكاب حماقة تناهز جنحة، وتنشط أثناءه الرغبة في التخلي عن الحياة انتحاراً. وأيام الآحاد الباردة، هي الأقسى والأصعب، حيث يتهيج المرضى والمصدومين ويكونون أقرب إلى العدوانية، ذات مرة، شهد الشهر هذا في واحد من آحاده على وقوع جريمة هزّت الدنمارك، حيث أقدم شخص على ارتكاب جريمة، لم يكشف البوليس عن هوية القاتل خشية عليه من الانتقام المتوقع. فقد قام باستدراج فتاة في التاسعة من عمرها إلى أحدى الباحات الخليفة المغلقة لمباني متجاورة، مستغلاً عزوف السكان عن النظر عبر زجاج النوافذ، فالجو شديد البرودة، غائم ومعتم، والنوافذ تكون مُقالة عن النظر. اغتصب الشخص المجهول الفتاة ثم قتلها وأغلق على جثتها غطاء حاوية القمامة.

نقف متطلعين إلى الأشجار التي تؤلف غابة تتمرد على قانون الغاب بجمالها، الجمال هو الحل. نشاهد حوض ماء كبيراً معد للسقاية، القي نظرة على مولاي عبد السلام وأردفها بأخرى على جعفر الكنسوسي، قائلاً: "أنت تسكن في رياض العروس وهي تعود إلى الوطن، وجعفر الكنسوسي في رياض العريس وتعود ملكيته إلى المواطن". نضحك، يقهقه مولاي عبد السلام، ويعد جعفر الكنسوسي بإطلاق تسمية رياض العريس على مساحة سكنه.

نخلع أحذيتنا، ندخل إلى غرفة الضيوف، الغرفة مغربية الطراز والفرش، الألوان تميل إلى الفاتح. الديكور يوحي بالهدوء. يمتص توتراً قد يكون مفاجئاً. يأخذ كل منا أريكة ليفرد نفسه عليها، وينشر مشاعره الموغلة بالرضا عن أفعال حدثت وأخرى لم ترتكب بعد. الشعور الذي يتفوق بالرضا على القلق مصدره تلك الألفة التي عمتّ بيننا. ألفة تفضي إلى ذكرى والذكرى هي فعل المنفي المتاح والمتعذر في الوقت ذاته. وبغير اتفاق مسبق، يرتدي كل منا قطعة بيضاء ليست ناصعة لكنها نظيفة، نرتديها ليس تملقاً للمكان الذي يتشدد إلى ما هو فاتح من الألوان وإنما رغبة جوانية نعبر بها عن النقاء الذي يزداد ندرة، بسبب تقدم سوء الفهم علىّ الفهم. يستقل كل منا عن الآخر باسترخائه على الأريكة، يجري الحديث هادئاً فيصب في عمق الإصغاء. بلا سند فكري ولا مرجعية عقائدية يطفح فينا كيل المسامحة والمسالمة، نعم شلة من متسامحين ومسالمين أكثر مما ينبغي وبلا سبب. الفم ينصب فخاً للابتسامة ليظهر بها، الصمت تعفف الفم عن الكلام، القبلة طهارة الفم. نميل بدافع البياض المنتقى إلى الجدية المرحة والمرح الجاد.

يتحدثون عن جمال الأدب وأتحدث عن ألم الكتابة وشرط التجربة فيها. في سياق قصائدي أكون مجبراً على الاعتراف عليّ قبل غيري، قصائدي هي آلامي وبوح قسري عن ذكريات لم تحدث وأخرى مغدورة. غالباً ما أكون مهزوماً في قصائدي ينتصر عليّ الحزن أو آخر أتفاوت معه في الإرادة وأختلف معه على النوايا. هزائمي ذكرياتي التي لم تحدث. أسقط في الألم لتقوم قصيدتي. في المقابلات لا أعرّض بشعراء آخرين، وهناك شعراء شهرتهم لا تحول دون بناء صريح مديحهم على ذم غيرهم. وآخر يصف قصيدة النثر بالخنثى، هو شاعر وليس ناقداً أو مؤرخ أدب. وكأن الحوار لا يستقيم دون، ذم وتعريض أو تخوين وطعن، حتى المحاور يتصدع حماسه. هذه مفردات المدرسة الإعلامية الجديدة الطاغية التي تضيف إليها مفردة شحن الكراهية عبر تكبير مضاعف لصورة حدث فيه شيء من الدماء لكن حقن الدماء، مادة لم تعد إعلامية. ونحن اليوم بوسع المرء أن يتناول عشاءه أو رجل يقبل امرأة وهما يتابعان آثار مشاهد التفجيرات أو الهجمات الانتحارية من دماء مراقة، أشلاء ودمار. القتل لا يفسد يوماً، ولا يفقد قهوة الصباح طعمها. لكن لِمَ يعرض الشعراء عن تناول التجربة وجماليتها، عن كيف تتحول الحياة إلى خيار وليس قدراً. الطبيعة تتعجل بطرح الإنسان على الوجود، فهو مؤلف كينوني من حيوان مهزوم وإنسان منتصر. نعم، الإنسان مبكر على الكون، خياراته لم تتبلور بعد، مشروعه الثقافي لم ينجز خلافاً للحيوان الذي يعيش على أرضية راسخة من العيش، الإنسانية مشروع قاس وفاشل، وهذا مما حمل الكون على التمرد على بدئه.

أرى العالم حقلا فسيحاً تعمره كائنات سرمدية، تتساوى بالجمال وتتكافأ بالحب. الجمال كفو الحب. حلولها أكثر من مشاكلها، أمنياتها تحقق دون عناء التمني. تقضي هذه الكائنات على الوقت باللهو وممارسة الحب. الحياة بسيطة ومصدر تعقديها الوعي.

 

الجمال يؤهل القلب للحب.

 

رأيت أن قلباً في عقل خير من عقل في قلب

رأيت أن منْ انقطع عن عقله، انقطع إلى قلبه

رأيت أن القلب بعد العقل

رأيت أن منْ كان مع قلبه، كان معه عقله، ومن كان مع عقله، أضلّ العقل والقلب

رأيت أن منْ تبع قلبه، انضم إليه عقله

رأيت أن منْ كان على قلبه، كان عليه عقله

 

أنا

من

القلب

واليه

أوول

 

رأيت أن منْ يُفنى في قلبه يقوم بعقله

رأيت أن منْ القلب تأتي السوية

رأيت أن منْ وجد ذاته في قلبه، انوجد ووجد

رأيت أن أثر القلب في العقل، يعلل العقل بالحب

 

القلب

خيار

والقدر

العقل

 

رأيت أن القلب صفاء، والعقل اصطفاء

رأيت أن منْ وجد قلبه، اهتدى إلى الفعل، ومنْ يفعل يكون

رأيت أن القلب كشف، والعقل ستر

رأيت أن القلب ينشد الصدق، والعقل يطلب الولاء

رأيت أن منْ ملك القلب، تملك العقل

رأيت أن منْ ملك القلب، ملك نفسه

 

الحب

عزيمة

القلب

(كتاب الرؤيا الدار البيضاء 1997)

 

تأتي الخادمة بالمغسل وعليه إبريق ماء كلاهما فضيان يتبادلان اللمعان، قطعة صابون موضوعة على طرف المغسل. تضع الخادمة على رسغها منشفة بيضاء. إنها في العقد الثاني من العمر، نحيفة سمراء البشرة، شاحبة الوجه لا أثر لأي مسحوق تجميل على وجهها. لم تتخلص نهائياً من الشعر غير المرغوب فيه. ترتدي ثوباً أخضر اللون، عليه وردات فاقعة. مظهرها يدلل على نشأتها الريفية. إنها خجولة لا تبدي مبالغة في الطاعة، ملامحها تنكمش على أمنيات يتعذر تحقيقها، شفتاها تطبقان على أسئلة لا يجوز طرحها. أقسى الأسئلة تلك التي يستحيل طرحها. تستعمل لغة محدودة الكلمات، غالباً ما تتكرر، لا تبدو كلمات بقدر ما هي أدوات لفظية تستعمل لأداء مهام العمل. يعاملها الكاتب جعفر الكنسوسي بلطف باد. لهجته معها ليست آمرة. يخاطبها بصيغة التمني. أظنّ قدم عملها وبؤسها قد زوداها بالخبرة، وكيف تفوز برضا سيدها أو سيدتها وكيفية تجنب إغضابهما. تضع على شفتيها ابتسامة لا تخص أياً منا تتبرع بها عندما تقتضي مصلحة عملها. تنحني الخادمة نصوبن أيدينا، تصب الماء من أبريق فضي لا يجاري لمعانه لمعان المغسل. نتغرغر ونغسل أفواهنا أيضاً، أتغلب عليهم بفارق غسلة لصالحي، لأني في الواقع قد غسلت يدي وتغرغرت بالماء وجففت يدي بمحارم ورقية. فقد شدني منظر المغسل اللامع عندما رأيته موضوعاً خارج غرفة الضيوف. لم أخبر أحداً ولم اعتذر عن الغسلة الثانية.

تحملني الذاكرة إلى بغداد وبالذات إلى نهار أيام الجمع. كنا شلة من الأصدقاء الحالمين بعراق اشتراكي، (من بيننا حسون المضلع أحد أبطال روايتي مقهى مراكش الصادرة في القاهرة). كنا فنانين عاطلين عن الفن، البطالة عقاب على حملنا رؤى توصفها الدولة قانونياً بالهدامة. نلتقي عند أحد باعة الشاي. نشرب الشاي وقوفاً. حانوت صغير يقابل موقف لعدد من باصات النقل العام. الحانوت يشبه علبة يُحشر فيها محصلو الباصات وسائقيها ونفر من الجنود، إلى جانب الحانوت أستوديو العروبة للتصوير، يفاجأ الناظرين إلى واجهته صورة فوتوغرافية كبيرة لمحصل بملابس العمل الشتوية وقبعته المائلة إلى اليمين، اسمر السحنة، ابتسامته تحولت إلى ضحكة لحظة التقاط الصورة. نحن زبائن العالم الأبديين كتب علينا الشراء. يجمعنا حب الشاي ويفرقنا الخوف على الوطن من الدولة. مخاوفي متعلقاتي، أنا والخوف من معدن واحد. نتبرع بالنظرات بلا تساوي على المنتظرين، الرصيف يكتظ بالمارة. القلق يطغى على الوجوه والترقب يسود.

المح ذات امرأة اسمها ذكرى، أعرفها جيداً. نتبادل أنا وإياها الإعجاب بأفكارنا وأحلامنا، يؤلف الحرمان بيننا ويجمعنا فهم واحد نقف به على أرضية واحدة غاية في القلق. إعجاب لم يصل إلى حب ولم ينقطع إلى علاقة جسدية. ابحث أنا فيها عن امرأة أخرى وتبحث هي فيّ عن رجل قد لا يكون أنا. تعاني ذكرى من أوضاع عائلية متدهورة. أبوها ينفصل عن أمها رداً على خيانتها له مع رجل يصبح زوجاً لها بعد ذلك. أبوها تزوج من امرأة تصغره سناً، لا تحتمل وجود ذكرى، وزوج أمها يجد محلاً لتحرشه وخياله في جسد ذكرى الذي لا يكف عن التعبير المتدرج والمتألق عن نضج ابرز أعضائه. تلجأ إلى أي مأوى أو تستنجد بأي موقف يعينها منهم وعليهم.

أتسلل إليها من بين أصدقائي الحالمين (الواقع يسخر من أحلامنا التي تموت بلا اكتراث). أقبل عليها. تتلقاني باسمة، نتصافح، يطفو على وجهها فرح حذر، جديد جداً عليّ، لا لم أعرفه سابقاً. تخبرني بأنها ستسافر إلى بيروت بصحبة رجل فلسطيني زائر، تعرفت عليه بالأمس واليوم أصبح زوجاً. تستدرك على فكرة كنت سأخبرك في لقائنا الأسبوعي يوم الخميس، أحسبه سيكون الأخير، لا تتضايق، سأترك لك أجمل ذكرياتي وأطيب ما أتمناه، ألا يكفي!. لحسن الحظ وجدتك الآن. أعرف أني سألقاك هنا اليوم. أقدم لها التهاني المرة، أودعها وأنصرف منها إليّ، لا أعرفني اصرخ: يا أنا أيني أنا الآن.

انتظرها في موقف الباص مساء كل خميس على الساعة التاسعة إلا ربعا وقت انتهاء دوامها في ثانوية التجارة. نأخذ الباص رقم 73 المتجه صوب حي عدن/ مدينة الشعب، ليس دوماً يضم جلوسنا مقعد واحد، أحيانا نتبعثر إلى جالسين على مقعدين متباعدين. وبدلاً من أن نتجاذب أطراف الحديث نجدنا نتبادل النظرات حد التورط. من النادر أن تبقى ذكرى واقفة، فهناك دائماً منْ يتبرع بمقعده لها، بوصفها امرأة، إذ لا تسمح شهامة الرجل بجلوسه هو ووقوفها هي، لو فعل أي رجل ذلك مع المرأة الدنماركية حتى العجائز منهن، لنهرته بقولها: لستُ عاجزة إلى الحد الذي تشفق فيه عليّ بمقعدك. لكنه أي الرجل المتبرع بالمقعد لا يتنازل لي ولا ينزاح عن مكان وقوفه المحاذي لها بتاتاً. نتحدث أنا وهي حينما نجلس متلاحمين عن همومنا اليومية، عن ذلك الغول القادم الذي يدعى المستقبل. أحدثها عن همومي المسرحية، ولماذا يبتعد المسرح عني كلما دنوت منه، تحدثني هي عن شبحها المرعب الذي لا يتوانى ولا يتأخر عليها، هذا الشبح هو الخوف اللصيق بها، هو التشرد، أنا توأم الخوف، لا تصدق نفسها حين تصحو وتجدها قد مضت ليلة كاملة على فراش في بيت أمها أو في بيت أبيها. من وقت لأخر أبدي إعجابي بها، وبالذات بحفها وخطها لحاجبيها، فتبدو كأنها من حور العين. أمازحها بذلك، لسنا في الجنة ولا سنكون، ترد عليّ. تستغرق جولتنا زهاء 50 دقيقة. أوصلها مرة إلى بيت أبيها ومرة إلى بيت أمها، أفضل أن أرافقها إلى بيت أمها فبعده يضيف 10 دقائق إلى الجولة.

أشعر بنشوة الجولة، أعود محملاً بها. أذهب فوراً إلى بيت صديقي حسن الصفار وأخيه عبد الواحد الذي يكبرنا سناً وتحول إلى رغماً عن حسن إلى صديق لنا. تستقبلني الأم، نحن نسميها أم عبد، فعبد هو الأكبر وحسب العادة يجب أن تكنى باسمه. تسخن أم عبد الطعام نطلق عليها (الأم) تشبها بالأم بطلة رواية الكاتب الروسي مكسيم غوركي. تتضايق حين آكل خارج منزلها.

انتهي من العمل على الساعة الثالثة عصراً، أذهب إلى البيت آخذ دوشاً في أيام الصيف شديدة الحرارة. أستلقي قليلاً، ارتدي ملابسي على عجل وأمضي حاملاً إياي إلى بيت حسن الصفار. القريب من بيتنا. لا أطرق بابه، فالباب مفتوح. أدخل، أجتاز ممراً إسمنتياً مغسولاً. لا أطرق باب الصالة، فباب الصالة مفتوح. أقف وسط الصالة أصيح: شاي، شاي، شاي. ترد على صيحتي أم عبد التي تفيق راضية من نومها: جاءك الشاي، جاءك الشاي، جاءك الشاي.

صرخات تنهي قيلولة، كان يمكن لها أن تدوم لو دام الهدوء. يتذمرون بفرح وود. بعد لحظات تدخل أم عبد باسمة تتشح بالأسود، تعتمر عصبة سوداء جنوبية، تغطس ملامحها في سمرة غامقة. تحمل صينية الشاي، وصحن الكعك. أما حسنة الأخت الكبرى، تضع نفسها تحت تصرف اللون الأسود، اختيارها للأسود ينم عن ذوق، تنفرد بنفسها حين نتكاثر من حولها. لا تغادر مساحيق الماكياج وجهها حتى في أحلك الظروف، وبالنسبة لها دخول الحمام مثل الخروج منه. تتصنع التأفف من الإزعاج الذي أرميه عليها. لا تتكلم، وترد على إيغالي في مضايقتها المرحة. "أوي، عشنا وشفنا".

نتناول الشاي والكعك، نتبادل الأخبار، نجرح التشاؤم بتفاؤلنا. يعترينا إحساس بالرضا عنا، لقد ناضلنا بما يكفي من أجل عراق اشتراكي، نعم فالاشتراكية، لا تطرق الباب، فباب العراق الخارجي لا يغلق. تجتاز ممرات تاريخية غير مغسولة من دماء الضحايا، لا تطرق باب صالاتنا، فالأبواب مفتوحة، تدخل تتوسط وجودنا الشقي، تصيح: السعادة، السعادة، السعادة. (السعادة على الأبواب كالماء تغمر بيوتكم عقبال الكهرباء) فيّهب العراقيون الأحياء منهم والأموات، فرادى، مثنى وجماعة، يتقدمون بأوانيهم الصدئة والمثقوبة، ليأخذ كل منهم حقه من السعادة، ونصيبه منها تقرره حاجته.

 

هذا ليس عالماً

إنما شلة بلدان

هذه ليست بشرية

إنما حفنة مجتمعات

هذا ليس وطناً

إنما ذرات تراب

هذا ليس إنساناً

إنما قطرات دماء

هؤلاء ليسوا أحياءً

لكنهم ليسوا أمواتاً

هذا ليس بحراً

إنما مقبرة ماء

حتى أنتِ

لستِ أنتِ

لأنكِ أنا

 

تودعني ذكرى إلى الأبد، تاركة إياي عرضة لهواجس غير رحيمة. أواجه خواء أيامي بأحلام شاخت على التحقيق. لكن ماذا أفعل بمساء أيام الخميس. أين وكيف أكون عندما تشير الساعة إلى التاسعة إلا ربعاً. وهل سأجدني معنياً بسير الباص رقم 73 على خطه أو انحرافه عنه. أجمعني فيّ، بعد تشتت على ذكريات وتبعثر في أحلام. في الحياة الخائنة يبالغ الموت بعرض وفائه. تتخلى عني الحياة إلى موت لا يتخلى عني.

تدخل الخادمة، تحمل طبق الكسكس. أراه جبلاً، يكسو قمته اللحم وتنتشر على سفوحه الخضار المتعددة. تضعه الخادمة على الطاولة المغطاة بعدد من الشراشف البيضاء. عدد الشراشف ينم عن عدد الأكلات التي سيقدمها المضيف للضيف، إذ مع انتهاء كل أكلة يرفع شرشف. إصرار الكسكس على اصفراره يزيد من حماس اللحم والخضار إلى مشاكسة البصر بألوانها المكتسبة. طبق الكسكس يقدمه المغاربة بذوق رفيع. هذا الطبق الظافر وحده ما يعيدني من حلكة بغداد إلى زخم الأنوار المراكشية. ارتفاع الكسكس عن مستوى سطح الطبق يجعل رؤيتي لوجه مولاي عبد السلام مشوبة بالخضار وباللحم. أما عبد العزيز بو مسهولي كان ساهماً، فهو الناقد الرائي، يعلق ابتسامة لا تزال صالحة. لا يسلخه عن التأمل غير التأمل. شكل الطبق وتناسقه وجبة للعين قبل أن يكون وجبة معدة تتكرم اليد بنقلها.

يبسمل جعفر الكنسوسي ويدعونا بالصحة والراحة إلى الأكل. لم يعطِ مقدمات وشروحات تتعلق بأصل الطبق ولا تاريخيه، معلومة تتسرب إليك دون أن تعرف مصدرها، كأنك تعرفها وهي انه طبق تقليدي يتناوله المغاربة كل يوم جمعة وان التسمية أمازيغية الأصل. لعل جعفر الكنسوسي أدرك أن الوقت وقت الفعل وليس وقت الكلام، فترك الطبق يقدم نفسه بنفسه لجياعه. نقبل على الطبق بثقة الجوع بجياعه. واللافت أن جعفر الكنسوسي يأكل بلا إدعاء، فكلامه وإصغائه يجلبان الاهتمام إليه بلا فاصل للتدقيق بتلك العلاقة الصاعدة بين اليد والفم بفضل الكسكس، طبعاً.

أمام مدّ الطعام ينخفض مستوى الكلام ليبلغ الصمت الذي يكسره أصوات المضغ وارتطام الملاعق عندما تخطيء النقطة المصوبة إليها في الطبق. وما يضاعف من الشعور بطيب الطعام حفاوة جعفر الكنسوسي واهتمامه بضيوفه. اعتقد أن العين أكثر شراهة من اليد، وتؤاخذ المعدة على شبعها المبكر والمفاجئ. ننفض عن الطبق معترفين بتفوقه علينا. نسجل عجزنا في القضاء عليه. رغم مذاقه الطيب المعزز بطيبة جعفر الكنسوسي. ندرك أننا بحاجة لوجستية إلى تعزيزنا بعشرة أفراد أكولين لنتمكن معاً من محو الكسكس من على وجه الطبق. نشيع بنظراتنا الطبق المحمول على ذراعي الخادمة ليواجه بعيداً عنا مصيره المحتوم.

بعد انتهاء مهمة الأكل الشهية هذه نحيي جهدنا المبذول فيها، نشعر بحاجة جسدية إلى الراحة وأخرى روحية نستجمع فيها قوانا الفكرية التي تشتت بفعل تأثير الطعام الواضح. لحظات ونستأنف الحديث، يقصره الناقد عبد العزيز بومسهولي على كتابي: "كتاب أسئلة العقل" الصادر في كوبنهاجن 1990. يتفهمه نقدياً وشخصياً ويكتب عنه. يطرح عبد العزيز بومسهولي أسئلة، فيسأل:

يتضح أنك تعبر في شعرك وعلى وجه الخصوص في "كتاب أسئلة العقل" عن موقف أصلاني عميق يمزج بين الدهشة الشعرية والروح الحكمية الأكثر صفاءً وخلوصاً· أريد أن توضح طبيعة هذا الموقف ومصادره الأصلية؟

وأنا أجيب: أجدني مقذوفاً في أحدى المدن الدانماركية الساحلية، معزولاً تستولي عليّ المدينة، تبخل عليّ بالذكرى، مخلوعاً عني، يتوجني الفرح النادر على وافر الحزن، يلومني الماضي على الحاضر، تتمرد فيّ الحاسة على المحسوس، منقوص الفعل، أسير الرجاء، يفصلني عن البشر، تاريخ، لغة، عقيدة، عقل، وندم، لا تعفو عني عفويتي، تتقاعس العبارة عن التعبير، يتعذر الحوار، تنفضّ عني ذكرياتي، فاسقط في غيبوبة فكرية.

لا تحفل هذه المدينة بالغرباء، تخشاهم وتحذر منهم. بشرها محبوسون عن سواهم بالنظرة وشراهة التطلع، تتقلدهم الكراهية، يتعالون بضعف، المحب منهم مخلوع عن الحب· ينضم إليهم الطقس بالقسوة، ناقص عشرين درجة.

أتأملني أجدني حقاً، لست سوى بضعة أشلاء في سروال، أتفقدني فافتقدني فيّ، يحتويني إحساس لم يبق لي إلا أنا، أجدني ماهية تتجرد عنوة عن مادتها استطاعتي لا استطاعة لها، تعقلني الموجودات، فلا أعقل وجودي، أنا معقول لا يُعقل، هكذا يتضح لي:

جنوني

أعقل

ما بي

كأنني لست أنا، أجدني وعياً مستعاراً، استعير عقل سواي لأعقلني، أتعاقل خشية النعت بجنون، يتملكني عقل لايؤمن بي، يشرك بي، ولا يشركني· يترآى لي كل ما هو موجود لامعقول، واللامعقول هو المعقول، أنا الهيولي الأولى يمالئ بالملكة ليكون· أتساءل هل العقل طراز رفيع من المادة، أم أن المادة ارفع ما فيه· الموجودات ضروب من اللا معقولات.

تتساقط الأسئلة، ويتساقط الثلج، اكتشف في الاعتراض البشري والمناخي على وجودي في هذه البقعة النائية عن العالم، أو البقعة التي ينأى عنها العالم، إن حاجة حاجتي أنا بما أكون· وأمضي في الأسئلة، هل الإنسان كتلة جسدية تعنّى بالوعي · أم أن الإنسان كينونة تاريخية قبل أن يكون وعياً، الوعي الذي من دونه لا يكون

تبدو عليّ أعراض الأسئلة، لا اقبل على الحياة، وأدبر عن الشغف بتفاصيلها، يقلع عني الهدوء، يستبد بي القلق، واستبدني به، أعاني حمى يأس، وبرودة الأمل· تطرح عليّ بقوة مقولاتي، أجدها موحشة وغرائبية، فتكرس اغترابي، فيتضح أن:

 

العقل

خدعة

الطبيعة

.....

العقل

أبن

العالم

العاق

 

....

نهاية

عقل

امهلوا

الجنون

 

ينهض أمامي حشد من المصدومين ومشاريع الموتى وأشباه الأحياء، اصرخ: "حين يتداعى العالم يقوم العقل"

اشرع بالتفكير، ويأخذني الإحساس مني فأجدني في غمرة الأسئلة من جديد فيترآى لي "كتاب الرؤيا" اثر صدور "كتاب أسئلة العقل".

 

هو يسأل: في "كتاب أسئلة العقل" تسعى إلى بناء وجود دينامكي متوتر الفاعلية من خلال المساءلة والمشاكسة، فما هي بواعث هذه المساءلة المشاكسة في رأيك، هو يسأل.

وأنا أجيب: استمد مادتي الشعرية مني، وانشغالي بي لا يوفر لي الفرصة والوقت للتنقيب بعيداً عن مرمى تجربتي، وأكون انا، في اللحظة التي أتمكن بها من تمثيلي على الورقة عبر قصيدة· احرص في بناء القصيدة، على توجيه الانتباه وشده مانعاً عنه الفرصة في التشتت، بالصوت والعبارة البلاغية، فبلاغة الجملة الشعرية، كما أسعى ليست بالكلمة المبلغة، المنمقة أو المفخمة، وإنما بالمعنى وعمقه· أرى في البدء يكون المعنى ومن ثم تقوم العبارة. احملّ نصي الخوف الذي احمل، وهو ضمانتي في الحفاظ على العلاقة المرتبكة مع الأشياء واللغة· ارفض التحسينات البديعية، الفكرية والنظرية، التي تربك العناصر الصورية، الشيئية والمحسوسة· أحاول أن يكون المنطق لا منطقاً في القصيدة، وليس العكس· وينبغي الإبقاء على إرهاصات الجرأة في المعنى والعبارة، وحفظ المفارقة على مفارقتها· انظر الى اللغة في الشعر على انها وسيلة لتراكم صوري يؤدي إلى السؤال· وارى نقاء الرؤية أساس صفاء الجملة· احرص على أن تكون الجملة بسيطة التركيب والمفردة، المفردة ليست غربية على القارئ

أجدني معنياً في الحفاظ على وحدة القصيدة، وحركتها السريعة والدرامية، وهذا ينطبق علي ترتبيب كتبي أيضاً وتسلسل القصائد فيها· اعتني دائما بمعجمي الشعري، وأرعى وأراعي مفرداته، واحرسه من أن تسلل إليه مفردة غريبة، فالكلمة معناي، الكلمة تسفر عني. لا أرى موعظة ولا تعليم في الشعر، مهمة الشعر توجيه الانتباه صوب الأسئلة والتأمل· والشعر هو رسالة من الشاعر إلى قارئ غير متخيل، تؤلف بينهما الحاجة إلى التواصل عبر التجربة. أرى أن هناك خيانة بينة، عندما يكتب الشاعر وفقاً لتصميم سابق أو نية مبيتة، وعندما يمالئ شاعر مؤسسة، مناسبة أو آخر فيؤدي ذلك للتضحية بالشعر والمس بذوق القارئ· تكييف القصيدة يعنى سلبها.

 

ألم العقل صحة القلب

 

هو يسأل، هل يمثل الشعر بالنسبة لك لا تناهي في الكينونة في نفس الوقت الذي يمثل فيه العقل الأداتي تناهياً؟

وأنا أجيب، من الكون كينونة الكائن

رأيت أن الكون ينتحل صفة التكوين

رأيت أن الكون ينسخ الكائن ويمسخ كينونته

رأيت أن الكائن ضمير الكون المسلوب بالتأنيب

رأيت أن حزن الكائن كناية الكون

رأيت أن الكون يعتذر عن الوجود بانوجادي

رأيت أن شهوة الكائن من شهية الكون

رأيت أن الكون يعد بالرغبة ويتوعد باللذة

رأيت أن الكون يوفر لذته وينفق آلامه

رأيت أن الكون يحمل اللّذة ويضع الألم· (كتاب الرؤيا الدار البيضاء 1997)

 

يتابع مولاي عبد السلام والكاتب جعفر الكنسوسي باهتمام، وهما اللذان استضافاني بوصفهما رئيساً ومقرراً لودادية الجزولي بوصفها الجهة المسؤولة عن دعوتي لإحياء أمسية شعرية في مدينة مراكش.

نفاجأ نحن الموزعين بأمان بين الإصغاء، الصمت والكلام باقتحام الخادمة بأسياخ ساخنة، تفصم تعاضدنا الفكري والحواري. اقتحام لذيذ، احتلال شهي. تطرح على الطاولة بانحناءة تنم عن احترام واجب الأطباق، أطباق عديدة مغطاة بقماش أبيض نظيف يعرب عن ذوق وتذوّق. تزيح الغطاء الأبيض، فينجلي أكثر من طبق يعبر عما فيه من سلطات، حزمة من أسياخ لحم مشوي مدعومة بأباريق من الماء واللبن. عندما أزاحت الغطاء، خيّل لي، كأننا نزيح الستار عن نصب خروف مجهول ضحى بحياته من أجلنا. نحن الطاعنين بالجوع. لم تطرأ قطعاً على خاطري فكرة ستأتي بعد الطبق الشهي الكسكس أسياخ لحم مصحوبة برائحة الشواء كي توقظ الشهية فترد المعدة عليها "شبعانة". نقع بين شهية ملهوفة ومعدة متخمة. نواجه نزق الشبع وعبث الشهية، كنا في أمان، لكنه تهدد تحت أسياخ الشواء الملتهبة الطعم والرائحة. لطف وكرم نخوّض فيه بمحبة وأمل. يومئ الكاتب جعفر الكنسوسيٍ بلطفه وكرمه، مهللون بأعيننا ومنهالون بأيدينا على ما في الأطباق. نجد الموقف لا يتسع إلى المناقشة، أفعل إذن أنت حقيقة. نتخلف بلا أسف عن مسيرة الكلام ونتقدم بفخر إلى ركب الطعام.

عندما يتعذر عليّ الكتابة، فأنا أفضل التجربة والكلام على الكتابة، ففيهما أكون أنا كما، إنسانا محضاَ، أما في الكتابة أكون أنا وآخرين. الآن سأنفصل عنهم لأعود إلى دواخلي بالتفكير، لأحفظ دون خشية من نسيان ما سأدونه لاحقاً. تتجلى أفكار بالحديث، نجلو عنا لوعة الحرمان. أن تكون عراقياً يعني أنت تكون محروماً. الحرمان صفة العراقي. لكن ليس هذا ما أتقصاه في التفكير الآن. لماذا الحرية لا تكون غلافاً أو دافعاً إلى الحديث. وما الضير بالصراحة، فرفض فكر الآخر لا يعني رفضه شخصياً، وهناك فرق بين الرأي وحامله. فالرأي زائل والإنسان باق. الرأي متغير ومتقلب أحياناً. يعترف البشر بالصراحة كقيمة نظرية وربما فكرية لكنهم يتنكرون لها بالممارسة متذرعين بذرائع شتى. ينزع الإنسان إلى وهم يتعرف عليه، ثم يجعله واقعاً له. يمارسه كبديل عن حقيقة يعرفها جدياً ويتنكر لها الواقع بجدية.

رأيتُ أن منْ لا وهم له لا حقيقة له.

رأيتُ أن الوهم حاجة ومن لا أوهام له جارت عليه حقائقه.

رأيتُ أن الوهم حقيقة الواهم.

(منعم الفقير كتاب الرؤيا الدار البيضاء 1997).

 

ألجأ في أغلب الأوقات إلى التمرين على الحديث، أحاول تجنب الحديث الذي يتحول إلى ورطة. أعدّ وجبة من الموضوعات والأفكار التي تتناسب مع الشخص وتوافق مكانته مني ومكانتي منه. أميل إلى السخرية، الفكاهة والتهكم في غلو الجد وتطرف الألم وتشدد القسوة، أحياناً أطهر أذني من الخطب والمواعظ بالإنصات إلى مفردات جمالية لا تخلو من الجنس. أحرمني مكرهاً على التنازل عن حقي في حرية الحديث اتقاء الوقوع في الزلل. (أخطائي أولى بي من صوابي).

أجدني في مراكش حراّ بما أفكر وطليقاً (ظلي بالضوء رهينة، لكن لا يعرف ما الذي تخبئه العتمة، عد أيها الظل كيلا يخدشك الصخر). لا تستدعني محاذير ولا تستوقفني مخاوف. اعتقد أني مفهوماً من غيري ومتفهماً له. يتضح لي، أن الكاتب جعفر الكنسوسي لا يضع فكرته المسبقة شرطاً لقبول الآخر أو رفضه، ها أنا ذا أتحدث معه بحرية، أنعطف عن السير معه، فيما يستمر هو على طريق فكره الديني الصوفي الطابع.

بعد الانتهاء من الغداء يدعونا جعفر الكنسوسي إلى نزهة في رياضه الغناء، الرياض يشكل أفقاً أخضر لبناء يقوم من الأسمنت. نتحدث أثناء النزهة عن صعوبات الري، نتوقف عن حوض إسمنتي، يخزن فيه الماء على حافة منه تنصب مضخمة كبيرة. أن قوت الفلاحين والمزارعين وقف على مطر. يعلقون رزقهم على السماء وبما تهب من مطر. وعندما ينقطع الماء يهدد الجوع والأذى حياة ممنْ يحيون على قطرات مطر. في الجفاف ينمو العوز والحرمان، وحدة الشعور بهما، قد تساعد على ازدهار قيم الشر من عنف واستهداف عشوائي لحياة آخرين يكون الماء مصدر حياتهم، نعم، لكنه ليس مصدراً لرزقهم. ولأهمية المطر يقيم المغاربة صلاة الاستسقاء يبتهلون إلى السماء لعلها تمنّ عليهم بالمطر.

نعود بعد النزهة مكللين برائحة الليمون والبرتقال، أما الأزهار البرية فقد أباحت لنا بسر عطرها. نتجه إلى غرفة الضيوف، تستقبلنا سيدة فرنسية، تقدم نفسها بأنها حرم السيد جعفر الكنسوسي، تسلّم عليّ بالمغربية وعليهم تسلم بالفرنسية، سيدة مهذبة. تتمنى لنا مذاقاً طيباً، وتدعونا إلى تناول القهوة التي تفضلت علينا باعدادها بنفسها. تغادرنا بوداع وأمل بلقاء. على مذاق القهوة وبهاء لونها الأسود نتدافع على الحديث، كأننا نعتذر إلى الكلام عن خيانته بالأكل.

ينطلق بنا جعفر الكنسوسي بسيارته متجهاً إلى بيت مولاي عبد السلام في المدينة العريقة - رياض العروس، حيث ينتظرنا صحفي شاب عازم على أجراء لقاء صحفي معي للملحق الثقافي لجريدة "الميثاق الوطني".

 

منعم الفقير


التعليقات




5000