هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ضياع في حفرالباطن...شهادة روائية لحرب الصحراء

كاظم حسوني

  تناولت رواية عبد الكريم العبيدي أحداث حرب غزو الكويت في منطقة حفر الباطن، وتميزت بقدرة تصورية لافتة ساخرة، ولغة جريئة متمردة, ورغم كونها رواية من عالم الواقع لكنها تبدو أحيانا عالما سرياليا غريبا يصل إلى مصاف الكوابيس المفزعة , فثمة جنود محاصرون بدوي العواصف والانفجارات والحرمان والقهر والغربة.

ويمكن القول إن "ضياع في حفر الباطن"  نص يحمل هوية مزدودجة امتزجت فيه السيرة الذاتية والرواية وفق خطاب اتسم بالجرأة والصدامية متجاوزا بذلك الحواجز والحدود المألوفة في السرد، إلى جانب النبرة الاعترافية الصريحة التي سمت الاشياء بمسمياتها الحقيقة المباشرة .

الرواية تمثل سيرة كاتبها وتنتمي إلى أدب الاحتجاج أو المراثي، رثاء الذات والاخر الذين زجا في أتون الحرب وضاعوا في الصحراء، وقد دوّن المؤلف فيها ذاكرة الخراب والفناء والجنون والفوضي والبحث عن معنى ومبرر لوجودهم في تية الصحراء التي لا تبعث في نفوسهم سوى الشعور بالغربة والضياع، كأنهم في كوكب آخر.

 و تعد الرواية شهادة لتجربة جحيمية توحي باجواء العوالم السفلية للمعذبين في مدونات الاساطير والملاحم القديمة. وبقدر ارتباطها بالتاريخ  الشخصي لكاتبها لخصت الرواية واختزلت مصير مجموعات كبيرة من الجنود ظلت ضائعة ومستلبه، بل لخصت مصير وطن بات ضائعا ومستباحا، ففي الرواية تجلى عنف الصحراء وخداعها وتقلباتها وأحداثها التي حفرت بعمق في وجدان الكاتب،  فالوجود فيها يعني الاندثار والغوص في الرمال أو التحول بعد حين الى حبة رمل صغيرة، وكان الموت فيها أقرب منه إلى الحياة تحت القصف الجوي وقذائف صواريخ كروز، ولذا كانت الهزيمة متحققة قبل حصولها.. الجنود أشباح منكسرة تفيض ملامحهم بالبؤسس والعفن وقد تبددت جموعهم في التيه عقب الهزيمة فدفنت بعضها في الرمال وهي تدور وسط الفيافي في النهارات الطويلة  بانتظار الرحمة والخلاص، خلال بحثهم الدائب عن المسالك المفضية الى تخوم مدينة الزبير التي غدت في أذهانهم حلما صغيرا راح يداعب مخيلاتهم.

 لكن مسيراتهم المنهكة منيت بالفشل بعد ان خدعهم سراب الصحراء ووجد الناجون أنفسهم في ذات البقعة التي غادروها. " مضت الساعات ثقيله ونحن نعوم في الرمال، اكتشفنا أننا لا نميز شمال الصحراء عن جنوبها وان كل ما كنا نفعله في ذلك المسير هو أننا نبتعد عن ذكرياتنا المقيتة في ملاجئ الوحدة ونتيه في دائرة حمراء خداعة راحت تتسع شيئا فشيئا وتحيلنا الى ندب صغيرة بين تلالها الرملية الناعمة".

 لقد تمكن الروائي بمهارة من وصف لحظات الاحباط والحنق والجنون والأحداث المروعة التي ألمت بالبعض ممن غرقوا بظلام المصير إلى جانب وصفه لبعض الليالي المتخمة بالخمرة المسروقة في ليل الملاجئ حيث يتمدد الحنين للزوجات والحبيبات والأصدقاء لتناسي ما يحيطهم من مخاطر، في فعل مضاد لتبديد سوداوية المصير وطرد الكوابيس والمخاوف بعد ظهور الرغبات المكبوتة التي يتمنى المرء تحققها، فالى  جانب العالم العدائي يبرز عالم الاحلام والوهم، والواقع إن الارتباط وثيق طالما ان الاحلام والرؤى في مدرسة التحليل النفسي تشير إما إلى الرغبات المكبوتة أو إلى ما يخشاه الإنسان ويتجنب التعرض له.

 في المستوى الأسلوبي للرواية اقترب عبد الكريم العبيدي من الريبورتاج الصحفي، كما تداخلت في مروياته فنون سردية أخرى، فثمة دفق سردي ينثال على مدى صفحات النص بحرارة وزخم قوي دون أن تفقد الرواية ايقاعها وزخمها السردي ضمن نهجها الخاص الذي حمل الكثير من تفاصيل المسيرات وحمرة الرمال وامتداداتها الشاسعة وكفاح الجنود المستميت من أجل الخلاص، مثلما عبّر أسلوبه الساخر عن قدرة تصورية بارعة تجلى فيها التمرد والرفض. فالكاتب البطل يقف مع صديقه "الاشتر" موقف الرفض والتحدي ويثور لكرامته ويهزأ من السلطة وما يواجهانه من وضع مأساوي، بلغة تهكمية حافظت على قواتها وعمقها طوال النص وهي تشيراالى استحالة العيش في بيئة بدت كالقدر الغاشم تحاصرهم وتهدد وجودهم.

 وبهذا المعنى كانت الاحداث في منحى السرد فضاء منفتحا كانفتاح الصحراء، منبثقا، أي السرد بعفوية وطزاجة كونها تجربة شاقة عاشها المؤلف بكل كيانة وراح يدون يومياتها، فتحولت الكتابة لدية كنوع من التطهر، نوع من الخلاص والمنجى.. "إننا هنا في الجناح الشرقي للوطن العربي لا نقاتل دفاعا عن العراق وانما نيابة عن الامة العربية ضد مخططات المعسكر الامبريالي الصهيوني وكل الدول الطامعة. وقبل أن أكمل قراءة بقية الحديث تحركت الورقة بسرعة والتصقت بين فخذي فمسحت بها مؤخرتي وحرصت أن أطلي الدائرة البيضاء بطبقة سميكة من خرائي ثم خطوت باتجاه باب الملجأ... وتحررت الدائرة البيضاء أخيرا من حديث القائد الملهم وتشرفت بخرائي". وهنا يثبت الروائي بان السيرة الذاتية الروائية ليس بالضرورة أن تكون متصلة أو محاكية للأنساق السردية الشائعة إذ بدت روايته غير مكترثة بالشكليات والأسلوبيات بمفهومها التقليدي المتعارف عليه بغية التمايز والمغايرة وإنما كتب "العبيدي" نصه ليضعنا ازاء نمط من كتابة مفتوحة حرة يمكن وصفها بأنها صنو المعايشة والخبرة وهي تصور وتصف مصائر حيوات عائمة في بحر الرمال المتحركة، كما التقط اللحظات الأكثر دراماتيكية الفاصلة ما بين الحياة والموت.

 واحسب أن الروائي أنتج نصه كمدونة مضادة في وجة الضياع وعالج ظلم السلطة وامتهان كرامة الانسان وكان نصه يبرز ضياعا وغضبا وكشفا ساخرا لهزيمة الديكتاتورية، كما أراد بالكتابة التحرر من قهر الحرب ونزع كوابيسها وأوجاعها من ذاكرته، لذا كانت الرواية هي الواقع والواقع هو الرواية، وهي رغم غرابتها لكنها عين ما حدث لان كاتبها اكتوى بنارها لذلك كان في بنيته المعمارية خروج تلقائي على الأنماط المألوفة في سرديات القص، لتكون المدونة خلاصة روح معذبة محتجة زجت عنوة في ميدان الحرب مع حيوات منتهكة أخرى بعضهم من أبطال روايته: إياد /محمود /وسام /ورائد وغيرهم، ممن ضربتهم عدوى الصحراء فاكتسوا بطباعها وخشونتها ،أمثال الاشتر الصديق الأقرب للكاتب تلك الشخصية القادمة من الهور المتشحة ببدائيتها وبراءتها وعنفها أحيانا وما تميزت به من نكهة خاصة بعفويتها وصراحتها وغرابة أطوارها.

لقد اكتظ فضاء الرواية بالغرابة الناجمة عن غرابة الواقع ،إذ يبدو للأبطال أنهم في وجود لا عقلاني، في صحراء اتخذت على الدوام شكلا قاتما وكئيبا، فبعد إعلان الهزيمة انتاب الجميع الجنون والفوضى ومواجهة اليأس من الخلاص من محيط الرمال. ولقد تمكن الروائي من إضاءة مشاهد القيامة وطواحين الموت بمهارة وعبّر أسلوبه بسخرية وصدق بارعين، ممتزجا بالتشبيهات والتعليقات اللاذعة وإضفاء روح الفكاهة والطرفة إزاء الكوميديا السوداء للفوضى والحيرة التي اكتسحت المعسكر قبيل الوقوع في أسر قوات التحالف المشتركة، فعلت نبرة السخرية وكان البطل الروائي ما بين النار والرمال مستهزئا بالهزيمة والانتصار على حد قوله. إذ لم تكن قرارات السلطة وحروبها وقادتها وأسلحتها وإعلامها برأيه سوى أكوام خراء،  فضلا عما تميزت به الرواية من صدق في عرض ما جرى، فالكاتب لا يتعمد ابراز أفق ثقافي أو جمالي، إنما قدم لنا وثيقة جارحة صارخة نابعة من قلب المعاناة من دون رتوش أو ادعاء أو حذلقة تقليدية أو رؤى مسبقة، كاشفا عن فصول الحياة المأساوية والمذلة للجنود، علاوة على ذلك فضح النص زيف الديكتاتورية وخواء عقيدتها وهزال شعاراتها كاشفا عن العار الذي سيلاحقها إلى الأبد.

كاظم حسوني


التعليقات




5000