..........

د.علاء الجوادي 
......... 
..............  

..........
............
  


....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور الثامن
 

يحيى السماوي  

 

 

 

 

ملف مهرجان النور السابع

 .....................

فيلم عن
الدكتور عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 

 ملف

مهرجان النور السادس

.

 ملف

مهرجان النور الخامس

 

.

تغطية قناة آشور الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ والاهوار

.

تغطية قناة الديار الفضائية 

تغطية الفضائية السومرية

تغطية قناة الفيحاء في بابل 

 

ملف مهرجان النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة الرشيد الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

.

تغطية قناة آشور الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

 

تغطية قناة الفيحاء
لمهرجان النور في بابل

 

ملف مهرجان النور

الثالث للابداع 2008

 

 

 

ملف مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أدبُ الرحلات .. متعةُ القراءةِ ولذَّةُ النص

زيد الشهيد

قراءة لكتاب ( ماجلان قاهر البحار ) (1) لستيفان زفايج

 

... وهكذا تغدو المتعة شفرة مهمة في رحلة القراءة ، وتتجلّى اللذاذة مدلولاً ذا أثر وتأثير .

... وهكذا حين تقرأ كتاباً مفتضّاً نسيجَ تشكّله ، وداخلاً من بابٍ مواربٍ تبارت على ناصيته العليا لافتةٌ تقول : من هنا تبدأ رحلةُ صيدِ المعرفة .. من هنا الشروع بقطفِ فاكهةِ الجذل .

لماذا كلّما طرقنا أبوابَ النصِّ واستقبلتنا المفرداتُ والصورُ بأريجِ الصدقِ والرصانةِ انفتحت دواخلُنا بابتهاجٍ ، وولجنا بلهفةِ الباحثين عن فردوسٍ تبعثُ بشائرُ طلعتِه نوراً وضاءً ، واشذاءً عاطرة ، وترانيمَ حنين ؟

لماذا يدعونا ذو اللافتةِ إلى التحاورِ وإفرادِ الأذرع ترحاباً للتداخلِ والتماهي وحصدِ غيومِ الانتشاءِ ومطرِ الارتواء ؟

هكذا تتمُّ الحواريةُ التنافذيةُ بين قارىءٍ وخطابٍ / متلقٍّ ونصٍّ .. حواريةٌ تدفعُ بالقراءةِ إلى مرفأ الإعجابِ بخالقِ النصِّ حتى تنتفي موضوعةُ ( موت المؤلف ) ليحلَّ محلَّها ( الإعجابُ بإنتاجِ المؤلف ) . هذا الشعور الذي ينبثق في دواخل المتلقي ثم يتنامى ويتراغى ليستحيل أمطارَ دهشٍ وغبطةً تهطلُ من غماماتِ إعجابِ المتلقي على أرضِ خلقِ المؤلِّفِ .. أليس المؤلفُ خالقَ عوالمٍ وباعثَ أموات ؟! لذلك َعندما يُسقطكَ كتاب تقرأه في حومة الإغراء ويتلقفك فضاء المتعة يهرب الزمن ويتقلَّص !.. تريد له أن يصاحبك بلحظاته ودقائقه ليعينك على مواصلة القراءة ولا يسحبك من رحيل المتعة القرائية . لكن اللحظات مارقة ، والدقائق سائرة ، وصفحات الكتاب باعث أريج اللذاذة لمّا تزل كثيرة ، وفيرة تحوي الامتع ، وتضم الابهج . .

 

المغامرة شفرة الاكتشاف

تندرج فكرة الرحلة - والانتقال من فضاءٍ مُكتشَف إلى آخر مبهم - في حيِّز المغامرةِ . ويغدو الرحالةُ مخلوقاً ارتدى معطف الجرأة واعتمر قلنسوة العزيمة وراح يضرب بصولجان المُخاطرة على حجرِ العائق ليفتَّته مُمهِّداً طرقَ بلوغ الهدف بناءً على عزيمة إدراك المجهول وتحقيق حيازته وامتلاكه وتسخيره لصالحه . ورحلةُ المغامرةِ التي نقصدُ هي ليست الانتقالَ من مدينةٍ لمدينةٍ عبرَ أريافٍ وبرارٍ سبق أن مرَّ بها الكثيرون وحفِظت أوصافُها سواء في الذاكرات أو سُكبت على الورق ، بل رحلةُ اختراقِ الأماكن التي لم تمتصَّها عين ولا وطأتها قدم . بمعنى آخر رحلة جغرافيا لا تاريخ أو اجتماع . رحلة حلم أريد له أن يتحقق . حلم لا يمر بمخيلةٍ واحدةٍ إنما بسلسلةِ مخيلات متعاقبةٍ تُحقق بعضاً من بغيتها ، وتنتهي لتتسلَّمها مخيلةٌ أخرى توالي المهمة وتتولى نجازةَ الفعل ؛ وهكذا تتوالى محطّات الحُلم . وتتكاثف بساتين الأحلام .. أتنتهي أحلام الإنسان ؟! ...

لقد شكّلت الجغرافية مثاراً يناهض مخيلة البشري شأنها شأن التماهيات الروحية والميتافيزيقة طوال وجود البشرية على البسيطة . لكن حمّى الفضول للاكتشاف وتراكم الأسئلة التي تقول ماذا وراء ذلكَ الجبل ؟ أو ماذا يوجد خلف هذا البحر ؟ أو لماذا لا نعبر ذلكم النهر لنرى ما وراء تلك الغابة ؟ ولماذا لا نجتاز تلكم الوديان لنتعرف على ما يجري بعدها ؟ كل ذلك وغيره كان مبعث تساؤلات جغرافيّة لا تنقطع بلغت شدّتها وأوجِها لدى إنسان القرن السادس عشر عندما تراكمت لديه خرائط غير مكتمِلة لعوالمٍ مجهولةٍ حفّزت فيه رغبة أن لا يبقى يحار بالأسئلة دون أن يتحرك لفك ألغازها وحصوله على أجوبة شافية لها : واقعية وموضوعية . وهذا ما حصل لـ ( فرناو دي ماجلان ) . البحّار الذي خاض الأهوال واجتاز الأنهر واخترق المضايق ونزل عند شواطىء غريبة والتقى أناساً لا يعرفهم ، لهم أوصافٌ يجهل رؤيتها قبلاً . ولأن ديدن البشري الاكتشاف وهاجسه التحرك لتلمس ما لم تتلمسه أصابع العين من قبل فقد وضع ماجلان نصب ناظريه الوصول إلى ما لم يصله إنسان قبله . وهو حلم أ ومهمة لا يستطيع تحقيقها دون مساعدة عظمى تتمثل بتهيئة سفن وإعداد رجال وتوفير مستلزمات تموينية أسطورية ؛ وهو البرتغالي الذي لم يوله ملكُه أهمية ، ولم يقتنع بما كان يريد . فالمغامرة غير المحمودة النجاح لا يمكن أن تتم ، والمهمَّة المُبهمة ليس من العقل هدر الأموال لأجلها .. ثم إذا كان ماجلان قد وجد مَن يلبّي رغبته في مهمته فمن سيكتب عنه بلغةٍ سرديةٍ سلسة ومؤثرة بحيث يتمتع كل مَن يقرأ عنه برحلة مهولة تشوبها المخاطر وتعتورها المؤامرات ، ويصاحبها حظ قد يغدق بالبهاء والنجاح أو يجافي بالنكد والأهوال ؟

للحق نقول أن هذا الرجل القصير القامة " الصامت الهادي الغامض " الذي اسمه ماجلان دخل حقل الرواية عبر سارد قدمّه بأسلوب السرد السيَّري . ذلك السارد روائي اسمه ( ستيفان زفايج ) ، نمساوي ولد في الثامن والعشرين من شهر أكتوبر 1881 في العاصمة فيينا . لكنه غادرها إلى لندن مضطراً بعدما تحطمت آماله في بناء وحدة أوربية ، تماماً كما هاجر ماجلان من موطنه البرتغال إلى اسبانيا بعدما وجد أن آماله في اكتشاف العالم تتحطم على صخرة لامبالاة ملكه " مانويلو " .. في لندن صرف زفايج أعواماً ست ؛ هاجر بعدها إلى البرازيل ليموت هناك منتحراً بعيداً عن الوطن ودون ان يشهد انهيار النازية التي كان يبغضها بشدة، تماماٌ كما قُتل ماجلان بعيداً عن موطنه البرتغال دون ان يحقق حلمه بعودته منتصراً .

 

بين ماجلان الحلم وزفايج التجسيد

 

إن الخيال ليتأجج واللذاذة تتفاقم . وشهوة الحصول على توابل تمنح الغذاء نكهة فيها اللاذع والمثير ، والمستطاب والمستعذب لهي من عداد الشهوة التي لا يطير عبقها بيسر ولا ينجلي سحرُها بالسهولة المتصوَّرة . وكان للعطور القادمة من بلاد العرب والبخور المحمولة من غابات الشرق أبلغ الأثر في نفوس الأوربيين الرازحين تحت سطوة مناخ بارد يكتسحه الثلج المتجمد والهواء الزمهرير , و (( كل ما هو شرقي في ذلك الحين كان خليقاً أن يبهر عقول الأوربيين ويعمل في نفوسهم عمل السحر )) [ ماجلان ص10 ] . وزفايج يعطي استهلالاً معرفياً تفصيلياً للمتلقي قبل أن يوارب الباب على شخص ماجلان الذي أعطاه صفة عنوان يخطه على الغلاف الأمامي لكتابه ويمنحه نعتاً تهويلياً يعرض من خلاله شخصية لا يمكن أن تكون اعتيادية ومن جهة أخرى يثير مكمن تحفيز ذائقة المتلقي لمعرفة تفاصيل أكثر عن رجل عُرفَ بأنه اكتشف مضيقاً سمّي غب زمن باسمه ويجهل عنه الكثير .

يأتي الاستهلال زاخراً بمعرفة زفايج بواقع حال الحياة الأوربية في القرن السادس عشر ، يقابلها طبيعة عيش أولئك القاطنين أصقاعاً في الشرق بمدنه وغاباته ، بسهوله وموانيه ، بتعامله وتواصله . يأتي الاستهلال فاتحاً نوافذ للمعرفة عمّا كان يريده الأوربيون وما يساورهم ؛ وما لدى الشرقيين ( هنوداً وعرباً ) من منتجات صارت مثار اهتمام ورغبة حصول . فالبضاعة من أجل أن تصل إلى هدفها الأوروبي كان عليها أن تقطع فيافي وتعبر بحورا / تجتاز سهولاً وتمر بوديان / تنسلخ من زوابعَ وتنجو من أعاصير . ومع معضلة الجغرافية كانت تدخلات الإنسان بهيئات متفاوتة ومظاهر متباينة : ضرائب ، قراصنة ، خدع ، دهاءات ، استحواذات ، لصوص الصحراء ، معاملات غير متكافئة ، مقايضات مشوبة باستغلال يتم ابتداءً من منشئها الأول من جزر ملوك في الهند الشرقية مروراً بملقة ، ومضيق هرمز في الخليج العربي أو ميناء عدن على البحر الأحمر وصولاً إلى (( بيروت أو طرابزون " طرابلس " مارة بالبصرة وبغداد ودمشق ( ... ) أو الوصول إلى القاهرة مارةً بميناء جدّة )) ص11 وإدراكها هيمنة (( جمهورية البندقية بعد أن قضت بفضل أسطولها الكبير على مزاحمتها " بيزنطة " أصبحت تحتكر تجارة التوابل التي تنقل إلى مرفأ البندقية ، حيث تعرض في سوق " الريالتو " لتباع في مزاد علني للوسطاء الألمان والفلامنديين والانجليز ، ثم تودع في مركبات متينة تزحف بها خلال الجبال والثلوج لتصل أخيراً إلى البقالين والمستهلكين . )) ص11

والفصل الاستهلالي لا يكتفي بسياق طرح التاريخ كتمهيد معرفي وتسليط الضوء على حاجة أوربا إلى التوابل بل يتجاوز إلى مبررات يتلمسها موضوعيةً في نظر الحاكمين المتنفذين آنذاك حيث المسلمون يحتلون طرق مرور التوابل ويقطعون على الأوربيين صلة الوصل مع الشرق لتصريف بضاعتهم والإتيان ببضاعة لا توجد في بلدانهم . فتوالت الحملات الصليبية ؛ ظاهرها الدافع الديني وخافيها الوصول السهل والاستحواذ على منابت طبيعية بهيئة كنوز لا حدّ لها . وحين فشلت الحملات واستمر واقع قبض المسلمين والعرب على الطرق المهمة (( بات لزاماً على الغرب إيجاد طريق آخر لتجارته يكون حراً مستقلاً )) ص11 وهذا ما دفع (( " كولومبوس " إلى الغرب ، وبرتولوميو " و " فاسكو دي جاما " إلى الجنوب ، و " كابو " إلى الشمال نحو أرض لابرادور في سبيل استكشافات مسالك بحرية )) ص11

ويوم يُشرع في المغامرة كمخطِّطٍ لا بد لها من مغامرٍ مُخطِّط ! ولا بدَّ للاثنين من محفزات مادية ومعنوية كي يتحول الحلم حقيقة ، والخيال واقعاً ، والمفردات التي تأججت تنتظر من يسكبها على الورق ليظهر إلى الوجود كتابٌ يمزج بين التاريخ بأحداثه وشخوصه ، والأدب بأساليبه وتنميقاته وتبعيث صوره المحفزة على القراءة بلا جزع ، ودون ملل .

 

الرحلة .. المغامرة

 

كان ماجلان ( البحّار ) قد تعهد لملك اسبانيا " شارلكان " بأنه سيصل ورفيق له من الجغرافيين الأفذاذ اسمه " روي فاليرو " ، دارس ( الخرائط والرسوم ومطالعة الكتب ) إلى جزر التوابل بأقرب مسافة ممكنة (( عن طريق يصل بين البريغال وجزر التوابل ، من الغرب لا من الشرق . فلا يطوفان حول إفريقيا بل يدوران حول أمريكا . وقد كانت الخرائط المتداولة ترسم أمريكا الجنوبية متصلة بالقطب الجنوبي . ولم يكن احد يفكر في إمكان اجتياز المحيط الأطلنطي والانتقال منه إلى المحيط الهادىء في سفينة واحدة . أما ماجلان فيعتقد أن هذا ممكن ، وذلك هو السر الذي يكتمه . )) ص32 .. تم الاتفاق بين ملك اسبانيا بعقد مبرم وقعه تاج المملكة الاسبانية من جهة ؛ ومن الجهة الأخرى ماجلان وروي فاليرو في 22 آذار / مارس 1518 .

ولكن هناك دائماً مَن لا يرضيه تغييرُ الحال ، ولا يسُرُّه تجاوزَ المألوف . والمستقبل لديه نذيرُ تطيُّرٍ ، ومدعاةُ خوفٍ ، وتنامي رعبٍ ، واستدعاءُ خشية .. هناك دائماً مَن يتأهبون لفعلِ شيءٍ ! أي شيء يحبط مهمةَ التغيير .. هناك دائماً مَن يخططون لوضعِ العصي في العجلةِ الحثيثةِ التحرك لمنعِها وعرقلة أدائها .. لقد وقفت الكنيسة يوماً بوجه اكتشافات غاليلو غاليلي القائل أنَّ الشمسَ محورُ الكونِ وأنَّ الأرضَ مُتحركةٌ على عكسِ رأي الكنيسةِ التي تؤكِّد محوريةَ الأرض وتحرُّك الشمسِ حولها . ولم يُقروا اعترافاً أنَّ الإيمانَ لا يتعارض مع المنطق . وها هو الملك مانويلو يقف بوجه ماجلان من اجل إحباط آماله في اكتشاف ما لم يكتشف بعد . فيروح يقدم الاحتجاجات لملك اسبانيا ويحيك الدسائس ويختلق الأعذار بهدف قتل الأمل وإيقاف الرحلة . لكن القدر كان مع ماجلان ، والعزيمة استحالت رديفاً لرغبة تحقيق الهدف ؛ فابتدأت الرحلة يوم 10 آب / أغسطس 1519 ب ، وسيكون انتهاؤها يوم 6 أيلول سبتمبر 1522 . ابتدأت بإقلاع خمس سفن يقودها ماجلان من مرفأ اشبيلية . أكبرها " سان انطونيو " و " ترينيداد " و " كونسبسيون " و " فكتوريا " و " سانتياغو " وسفن صغيرة أوكلت إليها أعمال الكشف وقياس الأعماق وانتهت بسفينة واحدة ، هي من اصغر السفن التي أبحرت . رحلة طويلة ومجهولة استمرت ما يقرب من ثلاثة أعوام . ابتدأت بتموين كافٍ من العِدد والأغذية فكدس ماجلان بطون سفنه بالدقيق والحبوب من عدس ورز ولوبيا وحبوب أخرى ، ولحم خنزير مملح ، وبراميل من سمك السردين ،وقطع كبيرة وكثيرة من الجبن ، ورزم من الثوم والبصل ، وحاويات من العسل ، وصناديق من الزبيب واللوز ، وكميات كبيرة من السكر والخل والخردل ، وسبع بقرات حية . ولم يضع ماجلان نصب عينيه التموين الغذائي فقط بل اهتم بالعدد والآلات وما هو ضروري لرحلة طويلة ستعوم على مياه مجهولة ، وتغور في منعطفات مائية غريبة ، وخلجان مبهمة ؛ فهو (( يعلم أن اصغر شيء يتناوله النسيان عند الرحيل بسبب الإهمال وعدم الاكتراث لا يمكن أن يعوض . فإن اصغر رزمة من القطن أو أقل قطعة من الرصاص ، أو قدراً بسيطاً من الزيت قد يكون له في الغد ، في تلك الأصقاع المجهولة قيمة تفوق قيمة الذهب والدم ، وقد يؤدي نسيان قطعة صغيرة إلى شل حركة سفينة كاملة وجعلها غير صالحة للملاحة ، وخطأ واحد في الحساب قد يؤدي إلى فشل الرحلة كلها . )) ص49 وانتهت بوصول البحارة جوعى ، عطشى ، منهكين .

وفي رحلة للامل والتمنيات الكبرى واجهت ماجلان عقبات مختلفة ، ومرَّ بمواقف مهولة ، لكنه استطاع بحنكته وقيادته وخبرته البحرية وتعامله طويلاً مع البحارة - منذ أن كان هو بحاراً بسيطاً - السيطرة على المواقف وتجييرها لصالح إنجاح المهمّة . فواجه عصيان عدد من بحارته وخصوصاً مساعده " جوان كرتاجيا "الاسباني الذي لم يتقبل أن يبقى يتلقى الأوامر من برتغالي وهو الاسباني الذي تعود لبلده السفن وما فيها من عدد وتموين مثلما صارع الطبيعة التي لم ترحمه طوال زمن إبحاره . فمن رياح إلى صقيع ، إلى وحشة شواطيء تخلوا من وجود بشري ، إلى قدر لا يعرف أين يرسيه . إلى تساقط عدد كبير من بحارته موتى بفعل الإنهاك والرحلة الطويلة وقلة الغذاء . فالـ ( 265 ) بحاراً الذين رافقوه من مرفأ اشبيلية لم يبق منهم يوم وصولهم إلى ارض الوطن في مرفأ " سان لوكار دي براميدا " سوى ( 18 ) ، ولم يكن ماجلان بينهم ؛ فقد قتل في معركة عند جزيرة اسمها " ماكتان " في 27 نيسان / ابريل 1521 .

 

الزمن في متوالية المغامرة

 

يلعب الزمن دوراً كبيراً في تحقيق أولوية الاكتشاف . ويتلاعبَ القدرُ في كثير من المواقف لصالح مخترِق جدار الزمن أو يتجافى معه . وبين التلاعب والتجافي ثمة الضحايا والقرابين البشرية التي لا بد منها لإدراك الهدف . فما من مجهول يُسعى لإدراكه إلا وقُدِّمت التضحيات مدرارةً ، وما من غيهب أريدَ اختراقه إلا ودُفِعت الأثمان غاليةً . لكن مع كلِّ ما يُقدَّم تتجلّى خاصيةُ امتلاك اللذّة في التضحية ، مقايضةً بنيلِ كنزِ المُرتجى وحيازةِ المُراد حيث الزمن يستحيل تاريخاً يُسجِّل ، وتدويناً يُسلَّم إلى الأجيال الآتية من زمن المستقبل ليتعرفوا على عظيم الفعل الذي جرى ، وشدّة البأس الذي حدث ، ومقدار الإصرار الذي روكَم ، وباع العزيمة التي حُشدت ، والنفوس التي تاقت ، والليالي التي سُهِرت ، والفيافي التي قُطِعت لتُسلَّم إلى الذاكرة ، تختزنها لتعيد كتابتها بشكل سيرة فيصح قول غوستاف باشلار ( أن وضع الذاكرة في الزمن هو فعل كتاب السيرة ) . وما أكثر أهميتها كتب السيرة ، وما انفعها . وما عظم اللذاذة التي تجنيها وأنت تتنقل من فقرة لفقرة ، ومن صفحة لأخرى فتنهل مما في كنز المعلومات من معارف ، اطلاعاً على التجارب ، وتعرفاً على الخلجات والأفكار والنوازع ، إدراكاً لحسم الأمور لحظة الشدّة ، وحل الألغاز ساعة الإبهام .

والزمن في ( ماجلان قاهر البحار ) يغدو مؤسِّساً كبيراً لمتوالية سير الكتاب وشفرة تقف عندها العين لتقيس المسافة الوقتية بين حركة البحّارة في رحلة الاكتشاف ولحظة التلقّي ساعة القراءة . وقياس اللحظات المهولة في كل فرسخ بحري تقطعه السفن المغامرة المغادرة في مد مائي غامض مليء بالأسرار والمجاهيل تُعد دهراً عند الخائضين غمار القدر المبهم بينما يتلقّاها المتلقي على طبق من إشباع رغبة ، وإتمام عمل ، وإكمال مهمة ، وتحقيق نجاح .

 

المكان في حركية الاكتشاف

 

يبقى المكان رمزاً هلامياً له أبجديته في المخيلة ؛ تلك التي كثيراً ما فشلت في تحقيق شكله ومطابقة أوصافه الظاهرة التي رسمها الخيال . ويوم نكتشف المكان على حقيقته وتضع الباصرة بصماتها على أديم تشكله تتفكك آجرات الخيال ويحل محلها مدلول الواقع بكل تفاصيله .

المكان غير المكتشف كينونة مضببة مهما جهدت هذه المخيلة في رسمه وتحييد معالمه ، وجزئياته تبقى قاصرة عن إدراكه بمواصفاته الخارجية التي يتمتع بها وبالأبعاد التي تكيننه .

كثيراً ما خدعتنا المخيلة برسم مكان رغبنا في معرفة صورته حتى إذا اكتشفناه وأدركنا امتداده وهيأته أدركنا بلادة هذه المخيلة رغم حماستها ، وعرفنا خطأها رغم صوابها في أن لا تبقى عاجزة تعلن جمودها . والأرض حتى القرن السادس عشر كانت مكاناً غير مكتشف ككينونة أرضية تحتل اليابسة منها نسبة كبيرة ، ناهيك عن عالم البحر المبهم بأجمعه ؛ خارجاً أو داخلاً ، سطوحاً أو أعماقاً . وكانت محاولات اكتشاف المجهول لا تتوقف . لا تتوقف طالماً أن ثمة كينونة مكانية لم تتركها أصابع الإنسان . لكن ثمة العقبات ، وثمة القدرات المحدودة والوسائل الحسيرة لا تمهد للانتصار السهل والفتح اليسير . كان الغرب مقطوعاً عن الشرق ؛ وكان الشمال يجهل ما في الجنوب ؛ والمكان غير محدَّد الأبعاد (( فالمسافة بين الغرب والشرق كان الإقدام على قطعها ضرباً من المغامرة ، لكثرة العقبات والأهوال التي كانت تعرض للسفن والقوافل في الطريق ، في وقت تفشت فيه الحروب وأعمال القرصنة )) ص10

لقد قدّم ستيفان زفايج في كتابه هذا ماجلان إنساناً مثارَ الإعجاب والعرفان لما أبداه للإنسانية ورأى فيه قائداً جغرافياً كان (( في اشد المحن وطأةً ، أكثر الجميع ثباتاً وحزماً ، فاحتمل الجوع بصبرٍ يفوق صبر الآخرين ، ولم يكن على وجه الأرض إنسان أوسع منه خبرة في علم الخرائط وفن الملاحة . )) ص142 وقُدِّرَ له (( أن يحمل عبء مشروع عظيم ، دون أن ينعم بنجاح المشروع . فالأقدار ادخرت هذا الرجل للعمل فقط )) ص142 جعلته يكتشف مضيقاً فتح من خلاله الجغرافية ووضَّفها للإنسانية كي تختزل المسافات وصولاً إلى الشرق بأقصر خط سفر وأيسر رحلة بعد أن كان الوصول إلى الشرق أو بعكسه رحلة شقاء وأخطار مضمرة ومنفتحة على فضاء لا يُحد من المفاجآت .

ومثلما اختزل فرناو دي ماجلان المسافات ، اختصر ستيفان زفايج درب بحث القارىء فقدّم له من خلال كتاب ( ماجلان قاهر البحار ) سيلاً من معرفة ، وصوَّر أحداثاً متتالية صاحبت عرض مشاعر وإفشاء تهّجسات أعطت للمتلقي خلاصة جهود مضنية لمكتشفي جغرافية ، ومغيّري تاريخ .

 

 

 

(1) ماجلان قاهر البحار - ستيفان زفايج - ت . حبيب جاماتي - إصدارات دار المدى للثقافة والنشر- سلسلة شعبية 2008

زيد الشهيد


التعليقات

الاسم: حسين علي غالب
التاريخ: 14/07/2013 21:06:28
كتبت فأبدعت
تحياتي لك يا مبدع

الاسم: زيد الشهيد
التاريخ: 24/07/2012 19:55:11
الشاعر والقاص البهي الاستاذ انمار
شكراً لمشاعرك النبيلة ايها المتوهج خلقاً وابداعاً .. يا فخر المبدعين على الساحة الثقافية السماوية والعراقية .. تحية لك ورمضان كريم ...

الاسم: انمار رحمة الله
التاريخ: 24/07/2012 13:47:02
رائع استاذ زيد
ما اسعدنا بك كاتبا وموسوعة راقية
سلمت وسلمت الانامل ايها الكبير

الاسم: زيد الشهيد
التاريخ: 24/07/2012 07:35:22
صباح الخير استا فراس وتحية من القلب لشخصكم النبيل .. رمضان الخير عليكم ان شاء الله وعيد سعيد قادم ... حقاً انكم برقتكم وطيبتكم وسعة بالكم لسفير النوايا الحسنة والرقي الدائم للانسانية .. سلمت اناملك ايها البهي ...

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 23/07/2012 20:01:17
زيد الشهيد

........................... ///// لك وقلمك الحر الرقي والابداع والنجاح الدائم أن شاء الله

تحياتي فراس حمودي الحربي ................................. سفير النوايا الحسنة




5000