هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


درامـا الـروح الحلاجيـة

كاظم حسوني

(عرّف بالحلاج لانه كان يتكلم على اسرار الناس، وما في قلوبهم، ويخبر عنها، فسمي بذلك حلاج الاسرار، فصار الحلاج لقبه)، عن الخطيب البغدادي في مؤلفه تاريخ بغداد، والرواية بلسان ابنه، وفي مراحل مختلفة من حياته، لقب بالقاب عديدة، فكان الناس يكاتبونه من الهند بالمغيث، ومن بلاد الصين وتركستان بالمقيت، ومن خراسان بالمميز، ومن فارس بابي عبدالله الزاهد، ومن خوزستان بالشيخ حلاج الاسرار، وبالبصرة يسمونه"المحير : عن ما سينون وكراوس في كتابهما "اخبار الحلاج"، كان متعبدا افنى جسده وانحله بالصلاة ومناجاة الله والعبادة، يقول"ما صليت صلاة الفرض قط الا وقد اغتسلت اولا ثم توضأت لها، وها انا ابن سبعين سنة، وفي خمسين سنة صليت صلاة الفي سنة، كل صلاة قضاء لما قبلها".

وكان لا يفرق بين نعمة وبلوى، وطريقته بافتداء الروح لاتتم، الا بالجسد المضحي، فكان قربانه الدائم هو جسده، حسب وصف عزيز السيد جاسم في كتابه"متصوفة بغداد " فعبادة الصوفي كما يراها الصوفي ابو القاسم القشيري بانها التوجه بالكلية الى الله لعبادته حد الفناء، يفني احساسه بنفسه وجسمه، فاذا به غافل عن وجود الاشياء، وعن وجود ذاته، ثم يرتقي فيفنى عن رؤية فنائه، فلا يدرك انه فني، وكل هذا الفناء يقتضي انواعا من البقاء، فاذا فنيت واعدمت الصفات المذمومة بقيت الصفات الحميدة.
واذا أبطل احساسه بمن حوله، وبنفسه بقي ما يشاهده من جريان القدرة الآلهية، ولا وجود الا للحق فيه.

(اللهم اكثر أعدائي)


حسب ماسنيون لم يكن الحلاج يرى ان الطريق الى الله بكثرة العبادة بخلاف ماهو معروف، اذ يعترض بالقول من ظن انه يرضيه بالخدمة فقد جعل لرضاه ثمناً، لكنه يضيف: يتلمس الطريق الى الله بالحب وحده، لكن الحلاج كان دائب العبادة يروم استهلاك نفسه بالانوار الآلهية، ودرج بالرياضات وقمع الذات، وحين اراد الذروة، ادرك انه مائت لامحالة، وقد كان دائم الاحتجاج على نفسه، وللآخرين بالغفران، فكان يتوجه الى الله تعالى بالدعاء(اللهم اسألك ان لاتردني الي، بعدما اختطفتني مني ولاتريني نفسي بعدما حجبتها علي، واكثر اعدائي في بلادك)، ، ويؤكد عزيز السيد جاسم ان الحلاج كان يشتط به الغفران بعيدا حتى مع الذين كفروه، فكان يتحدث عنهم بالحب والتودد فكان يقول ان بعض الناس يشهدون علي بالكفر وبعضهم يشهدون لي بالولاية، والذين يشهدون علي بالكفر احب الي والى الله من الذين يقرون لي بالولاية).

 

أقتلوني يا ثقاتي ... ففي قتلي , حياتي

 

 

كشف السر


يقول ( الخلق يشهدون بكفري ويسعون الى قتلي وهم بذلك معذورون وبكل ما يفعلون بي مأجورون)،
وكان يخاطب الناس للخلاص من نفسه!( ايها الناس، اعلموا ان الله تعالى اباح لكم دمي فاقتلوني، اقتلوني، تؤجرون، واسترح)
ويوضح السيد جاسم: بان الحلاج ربط عشقه بهتك الستر ولا يستطيع المساومة مع الخارج على حساب الحقيقة الداخلية، لقد رفض منذ البدء ان تكون له حقيقة داخلية بوجه خارجي مختلف، وهذا يخالف اكثر المتصوفة في استخدام التقية،،

فالحلاج في نظر الشبلي: كشف السر .
وهو يردد (كنت انا والحسين بن منصور شيئا واحدا، الا انه اظهر وكتمت)
ويؤكد صاحب كتاب(متصوفة بغداد): لقد رفض الحلاج التقية في حين اختارها البقية.
فكانت حقيقته تسبح في مياه الحياة عكس التيار السائد، ولم يترك لنفسه بين ما يفكر به، وما يفعله، فنظريته الصوفية، وافكاره، وسلوكه، كانت اشتغالا واحدا، ويضيف: قد يقال عن محيي الدين بن عربي ان افكاره اكبر من سلوكه باعتباره مفكرا صوفيا، وقد يقال مثل ذلك عن الغزالي، الا ان الحلاج كان واحدا، تختلط الفكرة، الخطوة والخطرة، والكلمة ، في وجده، وفي تباريحه، وفي انسحاقه فتتحول كلها في لحظة واحدة، الى نفثة دم، غيبوبة، ورؤيا معراجية لا حدود لها، محطاتها الذكر الدائم، والوجد الذي لايتوقف، ملفتا الى ان الامر الآلهي قد استحوذ عليه، فكان مطيعا له بكليته، لذلك لم يعرف التستر على اسرار قلبه،
لذا قال له الشبلي وهو يصلب: ان الله ائتمنك على سر من اسراره فأذعته، فأذاقك طعم الحديد.
فأجابه تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصبر .

وما احسن في مثلك ان ينتهك الستر

ويؤيد قضية فضح الاسرار الباحث سامي خرطبيل في كتابه(اسطورة الحلاج)، مشيرا الى ان ما يميز تجربة الحلاج الصوفية هتك السر، فاضحاً اسرار وجده، ملفتاً الى بلوغ قمة فيوض نشوته وفضح اسراره في اسواق بغداد بعد عودته من حجه الثالث سنة 292 هـ، فكان يقف على باب المسجد،
وهو يقول
(ايها الناس، اذا استولى الحق على قلب اخلاه عن غيره، واذا لازم احدا افناه عمن سواه، واذا احب عبدا حث عباده بالعداوة عليه، حتى يتقرب العبد مقبلا عليه، فكيف لي ولم اجد من الله شمة، ولا قرباً منه لمحة، وقد ظل الناس يعادونني.)
ثم بكى حتى اخذ اهل السوق في البكاء، فلما بكوا عاد ضاحكا، ثم اخذ في الصياح صيحات متواليات وراح ينشد شعرا، يعبر عن حرقته ووجده المفرط الى الله،

 

ويروي خرطبيل عن ابن الحداد المصري الذي يقول: خرجت في ليلة مقمرة الى قبر احمد بن حنبل رحمه الله فرأيت هناك من بعيد رجلا قائما مستقبلا القبلة، فدنوت منه من غير ان يعلم فاذا هو الحسين بن منصور، وهو يبكي ويقول: يا من اسكرني بحبه، وحيرني في ميادين قربه، انت المنفرد بالقدم والمتوحد بالقيام على مقعد الصدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبعدك بالعزل لا بالاعتزال، وحضورك بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتجال، فلا شيء فوقك فيظلك، ولاشيء تحتك فيقلك. ثم انشد قائلا:

لاتردني الي بعدما اختطفتني مني
ولاتريني نفسي بعدما حجبتها عني

الحلاج ليس حلولياً
ناقش سامي خرطبيل في كتابه( اسطورة الحلاج) مبعداً فكرة حلولية الحلاج واتحاده بالله مستندا باقوال الحلاج نفسه(حضورك بالعلم لا بالانتقال وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتجال) فالله يظهر ويري نفسه للحلاج للحظات ثم يبتعد عنه محتجباً كومضات البرق، وما يؤكد ايضا بان الحلاج موحد كبير رده على الاتهامات والظنون الباطلة القائلة بتهمة الحلول والاتحاد يقول:

وتظنوا بي حلولا واتحادا
وقلبي من سوى التوحيد خال

ويستغرب الباحث خرطبيل امر اولئك الذين يتحدثون عن حلولية الحلاج، متسائلا:

ترى ايقصدون ان الله يحل به للحظات ثم يرتد عنه؟ ويتابع قوله: لا احسب ان هذا هو المقصود بالحلول، مثلما انكر حلوليته الكاتب عزيز السيد جاسم في كتابه( متصوفة بغداد) واورد العديد من قصائد الحلاج التي تؤيد وحدانيته..
وبرأي خرطبيل يمثل الحلاج تجربة نادرة فريدة، يقترب منها من الله ويراه، الا ان هذا لايدوم اذ سرعان ما يعود الى نفسه، فاذا الله محجوب، لذا يسأله هذا الطلب موضحا هدفه الصوفي(لاتعدني الى نفسي، وابقني معك وفيك وبك ايها الرب الى الابد) الحلاج يريد الامساك بالزمان ليكون دائما مع الله، ان يجعل الحياة باكملها لحظات آنية كلها نشوة، فاصبحت حياته كلها ترقباً، ماؤها الصراع والقلق والخوف من هجران الحبيب، ومن حرمانه من نعمة الوصال والحضور، حسب خرطبيل.

ثم يلفت الانتباه الى ان تجربة الحلاج ليست كلها استهلاكا وحضورا، وسكرا بالحب وضيقا بالبعد، وتنزيها لله، بل سعيه لطلب الموت، كما ذكر في(اخبار الحلاج) قول احمد بن قاسم الزاهد: سمعت الحلاج في سوق بغداد يصيح(يا اهل الاسلام اغيثوني، فليس يتركني ونفسي فانسى بها، وليس ياخذني من نفسي فاستريح منها، وهذا دلال لا اطيقه) ويقول:

حويت بكل ماسنيون يا قدسي
تكاشفني حتى كأنك في نفسي
اقلب قلبي في سواك فلا أرى
سوى وحشتي منه وانت به انسي

وكان يردد في كلمات وينشد اشعارا يستنجد فيها للتخلص من حبس الحياة ويورد ماسنيون في(اخبار الحلاج) ايضا ان علي بن مردويه قال: سمعت الحسين بن المنصور قد سلم عن الصلاة فقال( يا من استهلك المحبون فيه، واغتر الظالمون باياديه.
لا يبلغ كنه ذاتك اوهام العبادة، ولايصل الى غاية معرفتك اهل البلاد، فلا فرق بيني وبينك الا الالهية والربوبية، وكانت عيناه تقطر دما، فلما التفت اليَّ ضحك فقال: يا ابا الحسن خذ من كلامي ما يبلغ اليه علمك فاضرب بوجهي ولاتتعلق به، فتضل عن الطريق، معبرا عن خشيته بذلك على علي بن مردويه، ويخلص خرطبيل الى تشبيه علاقة الصوفي بالله كمن ينظر في مرآة، ويمكن ان نبعد اكثر في التشبيه لان يكون المرآة ايضا! مشيرا بان التجربة على اهميتها القصوى وفرادتها، ما كانت لتكون شيئا لو ملك الحلاج طبعا باردا، يناجي ربه في بيته، او في صومعته، وما كانت تجربة الراهب ستلفت نظر احد، ولكن الحلاج، ماكان ذاك الشخص الهادئ...

 

لم يكن الحلاجُ فردًا منزوعًا من ذاته، بل ذاتٌ تحققت بجوهر المعرفة وتبوأت عرش التأمل الممزوج بروح الكشف عن عوالم الغيب، تلك الروح التي يتاجر بها الحاكمُ والفقيهُ وجمهرةُ المغفَّلين العابدين النصوصَ الجامدةَ والمنتظرين جنةَ وَهْمٍ خاليةً من معناها ومنتميةً إلى لذَّات التجار والسادة والحكام!

الحلاج قربان الكلمة المسكوت عنها والعبارة الممزوجة بسُكْر العشاق بالحقيقة أمام تاريخ يمجِّد المستور ويقتل كلَّ مَن يكشف عن مناجم الوهم وتجَّاره الذين توارثوا مهنتهم سيدًا عن سيد، فاحتذوا بعضهم ببعض حذو النعل بالنعل، ولم يتركوا مسافة حقٍّ إلا وفيها قبر وليٍّ كوني، أو صاحب طُهْر قلبي، أو إنسان باحث عن الحق، أو فاضح لأوهام "الغيب" المدسوس، أو كاشف عن قرابين التشريع المقدس المملوك لـ"وليِّ الأمر" تحت لافتة اسم الرب الفقيه.

أجل، ذُبِحَ الحلاجُ لأنه أراد أن يكون للمعرفة الحق وللانتماء الكوني والروحي وجودٌ فعلي، لأنها لا تنفك قبلةَ الإنسان الذي يبحث عن عوالم روحانية نقية، عن التطور والإبداع والانفلات من تحجُّر التاريخ وسلطة المنتفعين من الدين الذين يهيمنون بقوة اليوم ليمارسوا فِعَالهم نفسَها في تكميم الأفواه وتكريس الصمت الخائف المرعوب في وجه الذين يحاولون أن يفتحوا أيَّ أفق جديد - هذا الإنسان الذي سيكون مصيره حتمًا كمصير الحلاج: يُذبَح على شجره الصليب العيسوي الممزوج بسُكْر المحبة وعشق المعنى الكامن في وَجْدِ الألوهة المنتشية بعشَّاقها!


نذكر اسم الحلاج في خشوع، وكأننا نقرأ فرمان التهديد بالذبح والحرق والتهجير حينما يقول لنا: "لا تكشفوا عن فضائح تجَّار الوهم وفقهاء السلاطين وملوك اللعنة والمستولين على كلِّ شيء!" لكننا شاهدنا الحلاج يتواصل بالكتابة، كاشفًا عن فضائح تاريخ أرباب الذباحين المخيف، أولاء الذين لا يريدون للكلمة وللمعنى وللمعرفة أن تنوجد كي تؤسِّس لحضارة القانون والعدل والسلام.

بَحَثَ الحلاج عن الحقيقة، ووجدها مبكرًا، "أنا الحق!"

فعرفوا أن جبال أوهامهم ستذوب، فقالوا: "كفر الحلاج... إنه زنديق، صوفي، باطني، إلخ." عرفوا الحق أنه "الله"، ولم يعلموا أن الله بين الأضداد حقٌّ يُرى، وأنه كلُّ شي في كلِّ شيء، وأنْ "ليس كمثله شيءٌ" (الشورى 11).

هكذا نطق بالحقيقة أبو المغيث الحسين حين قال: "مَن أنا في البَيْن حتى أجعل الواحدَ اثنين؟!" - مستنبطًا أن "الحق" هو "الإنسان المتحقق"، إذ قال: "أنا الإنسان!"

وحينما قال بوحدة شهود الله في العالمين، علموا أن مُلكَهم زائلٌ لا محالة! أجل، قال بوحدة الشهود التي يشهد بها الإنسانُ ذاته من أجل أن يسنَّ قانونَه، ويُظهِرَ إبداعَه، ويحقق عدالةَ السماء في ذاته، ويتكامل مع مخلوقات الله في وحدة العشق ونَفَس المحبة والسلام.

رسم الحلاج طريقَه بقوة التأمل، وإبداع التفكير، وتدوين الحق كسلوك نقيٍّ خالص، لا ينفك أبدًا يفضح عري المنافقين والمنتفعين، أربابِ الحرب وتجَّار الوهم.

ترك الحلاج توسلاتِ العقول للنصوص المقدسة في استظهار المعنى الكوني والإنساني، وهجر أحاديثَ التاريخ التي شنقت الأحرار على أعمدة معابد الخوف والتردد والصمت المرعوب التي نَخَرَها الزمنُ وتلاعَب بها أزلامُ الحاكم والفقيهُ المتعهِّر بأموال السلاطين والسلطانُ المتفقِّه بعهر الفقهاء.

فكيف نرى "لحظة" حرية الحلاج؟ - تلك اللحظة الإنسانية الرائعة في تدوين المعرفة الإبداعية في الكون بأسره، تلك اللحظة التي هي "زمن الله" في قلب الإنسان الحر.

يحب الحياة والإبداع، ويشاهد حقيقة التنزُّلات الإلهية التي لا تكرار لها، لأن الله "لا يكرِّر فعلَه مرتين": فهو العطاء، والإبداع اللامتناهي، المتواصل في قلوب الأحرار وعقولهم، الذين لا يصمتون أمام الحق، إذ إن وجودهم فضيحة المتعسكرين باسم الرب، الذين حوَّلوا الدين ثكنةً عسكرية، والعبادَ مشاريعَ موتٍ مجانيٍّ على مذبح أمانيهم المريضة.

لهذا جسَّد الحلاج أجمل قيمة إنسانية أرادت للمعرفة والفكر الاعتراضَ والنقدَ لسلطة الدين والدنيا، التي تفنَّنت في ابتكار صنوف العبث والاستحواذ والهيمنة على كلِّ شي، - وذلك كله يحصل باسم الرب، - ومارست أبشع أنواع التنكيل في حقِّ أهل التأمل الحق والروحانية النقية والمفكرين والمثقفين والمبدعين لأنهم سيكشفون عريها الحقيقي.

لهذا كان الحلاج - ومازال، هو ومَن ساروا على دربه - علامةً واضحةً من علامات الإنسان المبدع في كشف المستور، وفضح المضموم، وإعلان اللامفكَّر فيه والمسكوت عنه، وقتل الرب المكنون في عبث السلاطين.

كان الحلاج فردًا بقوة أمَّة بكاملها، لأنه "أمَّة" من المعرفة والفكر النقي والتأمل الخالص والسلوك الروحي الذي يعشق الحياة بقوة الرحيل، كي يترك لأخيه الإنسان مكانًا عامرًا بالوعي والفكر الناضج، ويمنح الآخرين مفاتيح حريتهم وسلوكهم كبشر أحرار يمتلكون حريتهم الذاتية - تلك الحرية التي لا تُمنَح أبدًا، بل تؤخذ بقوة المعرفة والنضج الإنساني الحق.

عندما نتكلم على الحرية، علينا أن ننظر حقًّا إلى صورة عيسى المسيح بالحب، والحسين الشهيد، والحلاج الإنسان، وغاندي الرحيم، وسائر المذبوحين على طريق المحبة والنقاء، ونتأملهم: هل لنا أن نواصل الطريق بلا قرابين، بلا مشاريع للموت المتواصل، بل بقوة الحياة، بكلِّ جوانبها المعرفية والروحية والإنسانية؟!

سلامٌ، "حلاجَ المحبة"، على الروح التي سكنت جسدك الطاهر والتي طالبته بالرحيل مباركًا، فأبتْ أن تدخله مرة أخرى، لأنه أمسى مملكةً عبث بها الصبيانُ وتربَّع على مُلكها بالقوة والسلطة المفرطة فقهاءُ الموت والتحزب.

سلامٌ، "حلاجَ الأسرار"، إلى كلِّ نَفَسٍ من أنفاسك، وأنت تنثر جسدك فوق نهر دجلة كي تتنفَّسه الكائنات كلها، فتصنع من أهل هذا الماء والتراب أجيالاً سيقولون كلمتك: "أنا الحق، أنا الإنسان"، ويكتبون مقالك بروح المحبة والدعوة للسلام والتسامح.

سلامُ الروح والنفس الصادق وحقيقة الطهارة المطلقة في الإنسان الذي يسعى إلى إنجاز إنسانيته كي يحيا حيًّا بالحياة والمحبة والإبداع والمعرفة الإلهية الحق.

الحلاَّجيون أبناؤك، الساكنون على ضفاف أنهار معرفتك، يعبُرون إلى الحقيقة - الإنسان، الحرية - في زمن مخيف!

إنك حقًّا عابرٌ كلَّ شي - ولا بدَّ من العبور!

كاظم حسوني


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 2012-07-23 20:16:15

إنك حقًّا عابرٌ كلَّ شي - ولا بدَّ من العبور!

كاظم حسوني


........................... ///// لك وقلمك الحر الرقي والابداع والنجاح الدائم أن شاء الله

تحياتي فراس حمودي الحربي ................................. سفير النوايا الحسنة




5000