هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(تقرير الى غريكو) الكتاب الاخير لكازانتزاكي

كاظم حسوني

(تقرير الى غريكو) لكازانتزاكي:طوال حياتي كانت هناك كلمة تعذبني وتجددني هي كلمة الصعود

في (تقرير الى غريكو) لكازانتزاكي كتابه الأخير نرى ان الكاتب يريد أن يتحرر من الموت الذي كان يقترب بعد بلوغ شيخوخته فكل شيء في سيرته يلتفت الى الوراء مستدعياً حنيناً الى الماضي، لرجل عاش الحياة بزخمها الكبير وعركته التجارب والتحولات، وفي الكتاب سيرة حياتية وثقافية باذخة، ومرايا لمدن وقرى تتراءى خلف ضباب الذاكرة، ومسار انسان مهووس بالجمال ومفتون بفكرة الصعود، كازنتزاكي يحاول ان يمنح الديمومة لكل ماهو عابر، ويخلق حواراً مع الذات والله والطبيعة، ولعل ما يجعله هاماً، هو استحضاره لروح صور الحياة اليومية، التي اعتدنا رؤيتها من دون ان نتوقف عندها، اذ يقوم بتقديسها، كأنه يزيح غبارها في كتبه، ويمنحنا من خلالها الاثارة، لأنه يصور قوة الحياة وهي تصطخب في الحجر والشجر، والطير، والسحب والتراب، يقول (ان موتاك لم يعودوا يقبعون في التراب، انما صاروا طيوراً وأشجاراً وهواء انك تجلس بينهم وتستطعم لحمهم، وتستنشق أنفاسهم، لقد صاروا افكاراً واحاسيس، وها هم يحددون مشيئتك وسلوكك، فالموت لديه ليس النقيض المفاجئ المستبد للحياة، انه النتيجة المنطقية غير المختارة للحياة، فالموت هو الحياة تحرق ذاتها حتى النهاية، ويمثل (تقرير الى غريكو) عصارة حياة وأفكار ورؤى لرجل خاض الغمار في مجالات شتى وتوغل الى الأعماق، حيث يجد القارئ (الأثر الاحمر الذي خلفته قطرات من دمه، الاثر الذي يشير الى رحلته بين الناس، والعواطف والعقائد والرؤى) ففي رأيه ان كل انسان (عليه ان يحمل صليبه ويصعد جلجلته، كثيرون، يصلون الى الدرجة الاولى أو الثانية، ثم ينهارون لاهثين في منتصف الرحلة، ولا يصلون الى ذروة الجلجلة) لان القيمة العظمى بالنسبة لكازانتزاكي (تتمثل في الجهود من أجل الصعود من درجة الى اخرى للوصول الى أعلى نقطة يمكن ان توصلها اليها قوتها وعنادها، القيمة التي سماها بـ(الاطلالة الكريتية) واصفاً هذا الصعود (كانت هناك أربع درجات حاسمة في صعودي وتحمل كل منها اسماً مقدساً: المسيح لينيين، بوذا، أوليس، ورحلتي الدامية بين كل من هذه الارواح العظيمة والارواح الاخرى،هي ما سوف احاول جاهداً ان ابين معالمه في هذه اليوميات التي تصور رحلة انسان يحمل قلبه في فمه، وهو يصعد جبل مصيره، الوعر والقاسي مطلقاً صيحته (روحي كلها صرخة، واعمالي كلها تعقيب على هذه الصرخة) ويضيف (طوال حياتي كانت هناك كلمة تعذبني وتجددني، هي كلمة الصعود، وسأقدم هذا الصعود، وأنا أمزج الخيال بالواقع، مع اثار الخطى الحمراء التي خلفتها ورائي وانا اصعد..

الجوهر البدائي

وتأتي تسميته لمذكراته (تقرير الى غريكو) تمجيداً بالرسام الشهير غريكو وهو جد الكاتب المعجون من التربة الكريتية ذاتها التي عجن منها كازانتزاكي فهو القادر (أي غريكو) حسب صاحب المذكرات على فهمه أكثر من مكافحي الحاضر والماضي كلهم، كونه خلف الاثار الحمراء ذاتها على الصخور.. السيرة حوت الكثير من التجارب والتساؤلات، والمفاهيم والتصورات والقيم بشأن الحياة والكون والله والطبيعة، الى جانب ما تضمنته من مقتطفات أدبية لاعماله الروائية والشعرية، لتكشف لنا وجه كازانتزاكي وقراءته، وتكشف ايضاً دلائل تأصيل ذات الكاتب في كل ما هو يوناني، ودهشته لعجائب الحياة اليومية العادية، فنرى الروائي يشدنا بقوة الى اتجاهات عديدة، هو يعبر في (تقريره الى غريكو) عما عاشه وشاهده، ووعاه بصدق، واكسب الاشياء العابرة ديمومة ومعنى ببراعة الفنان وجعلها تهزنا، كما نجد تأملاته وافكاره بشأن مجهولية عالمنا، والمصير البشري، (اننا نأتي من هاوية مظلمة وننتهي الى مثيلتها، أما المسافة المضيئة بين الهاويتين فنسميها الحياة، لحظة ان تولد تبدأ رحلة العودة الانطلاق والعودة في آن، كل لحظة نموت، لهذا جاهر كثيرون ان هدف الحياة هو الموت فما ان تولد حتى تبدأ محاولاتنا في ان  نخلق ونبتكر، ان نجعل للمادة حياة، كل لحظة تولد، كما جاهر كثيرون ان هدف الحياة هو الخلود، في الاجسام الحية الفانية يتصارع هذان التياران، الصاعد نحو التركيب، نحو الحياة، نحو الخلود، الهابط: نحو التحلل، نحو المادة، نحو الموت، هذان التياران ينبعان من اغوار الجوهر البدائي، الحياة تفاجئ البدء، تبدو وكأنها خارجة على القانون، كأنها طبيعة مضادة، كأنها  رد فعل على الينابيع المظلمة، لكننا نشعر في اعماقنا ان الحياة هي الاخرى فوضى وفوران لا نهائي للكون، والا فمن أين تأتي تلك القوة التي تفوق طاقة البشر؟ تلك القوة التي تقذف بها من المغيب الى الميلاد ثم تشد ازر كفاحنا نباتات وحيوانات وبشر، هذان التياران كلاهما مقدس، لذا يرى الناقد (بيتربيين، ان معظم اعمال كازنتزاكي هي بحث دائم عن حل عبر الاسئلة المصيرية، لكن ما أعطى افكاره زخماً وقوة هو انجذابه نحو نيتشه والاقتداء به، اذ جسد له نيتشه اسلوب حياة وشخصية فنية طالما حلم بها كازانتزاكي، وعلمه ايضاً والكلام مازال للناقد (بيين) تحطيم القيم القديمة، وهو أمر حتمي اخلاقي، موضحاً ان كازانتزاكي قد أحب الطريقة التي انسكبت بها كتابات نيتشه في نشوة روحية، لكن هذا اي (نيتشه) قاده الى (برجسون) ليصبح لهما تأثير دائم في فكره وعقيدته، فمن برجسون نتعرف على الاسئلة التي سألها كازانتزاكي واجاب عنها، من قبيل: من أين أتينا والى أين نذهب؟ وقد عرضها على نحو مفصل في كتابه (تمارين روحية) الذي ترجمه الى العربية (أحمد علي بلال) عن لغته الاصلية اليونانية بعنوان (تصوف) وهو كتاب فلسفي شعري، ويعد هذا الكتاب مفتاحا اساسيا لبعض افكار برجسون، واطيافا من افكار نيتشه، مثل قول كازانتزاكي (نأتي من هوة مظلمة وننتهي الى هوة مظلمة) وبهذا تكون الحياة هي الفترة الفاصلة المضيئة بين هذين الفضاءين الاسودين، مؤكداً في كتابه (تصوف) على ان مشكلة عصرنا تكمن في انه قد امسك بنا من الوسط، فقد فقدنا تقديرنا العفوي لجمال هذا العالم من جهة، وفقدنا ايماننا بالسموات العلى من جهة أخرى، وهكذا لا نستطيع أن نكون وثنيين لأن المسيحية ازاحت نظرتنا الى الأشياء المادية، كما لا نستطيع ان نكون مسيحيين لأن الداروينية دمرت العالم الروحي الكامل، وأوضح كازنتزاكي انه يريد ان يخلق تفسيرا خاصا وفرديا للحياة وفق نظرية خاصة، في قدر الانسانية ومصيرها.

كلمة الصعود

انطلق كازنتزاكي في مذكراته مبرزا تعلقه بتراب مدينته (كريت) وعلى نحو مازخرت به حياته من ألم وفرح وعذاب، جاءت صفحات التقرير لتتعاطى مع الاحداث التي عاشها منذ طفولته وشبابه، مشرعاً أبواب ذاكرته (انني أوقظ ذاكرتي لاتذكر، أحشد حياتي في الهواء، وأضع نفسي كجندي امام جنراله، لكي اكتب (تقرير الى غريكو) كون غريكو معجونا من التربة الكريتية ذاتها التي عجنت منها).. فيركز التقرير على استدعاء ميثولوجيا اليونان، لاعادة خلق تاريخ بلاده ورسم الوجوه الاثيرة والمشرقة لجزيرة (كريت) وما يعنيه ترابها من قوة وايحاء مؤثر مشحون بالمعاني والدلالات، تمرغ كلماته في طبيعتها وتضاريسها التي انعكست على ملامح شخصية الكاتب فهي مسقط رأسه وما تشكله حكاياتها وأساطيرها من قيمة ومادة خام لاعادة صياغتها ومعالجتها روائياً كميثولوجيا، بوصفها خصائص وهوية خاصة لملامح شعب، يرى فيها الكاتب مزايا الوجه المشرق النبيل لبلده الذي يعبر عن الحياة وعن ديمومتها، أما المحاور التي تضمنتها مذكراته فتتمحور حول الحرية والعدالة، ومعنى الصراع البشري على الأرض، علاوة على حواره المباشر مع اللاهوت الذي يمثل رأيه منبعاً للخلاص، وما يقتضي ذلك من بحث دائب عن  مسالك الصعود، لتكون الحياة مظهراً، وتكريس الجهود لأجل بلوغ القمة، التي اسماها (الاطلالة الكريتية) وهي تعني بالنسبة له ذروة الكدح (طوال حياتي، كانت هناك كلمة تعذبني وتجددني هي كلمة الصعود) لذا اندفع لتحشيد جهوده كجندي يلتحم بمعركة الحياة بروح عنيدة، فالقيمة العظمى عند كازانتزاكي تتمثل في معاناة الانسان، ووضعه في خضم الصراع، ثم وعي هذه المعاناة والتطلع صوب المستحيل، في السعي للارتقاء بمدراج القمم، من خلال درجات حاسمة مقدسة بالنسبة للكاتب متمثلة في المسيح، وبوذا، لينيين، أوليس، انها رحلة انسان يحمل قلبه في فمه وهو يصعد جبل مصيره الوعر والقاسي).

العين الثالثة

في صفحات أخرى يسهب كازانتزاكي في وصف (النار والتراب) بومضات سريعة مكثفة عن الاسلاف، يقول (النار والتراب) كيف اوفق بين هذين السلفين في داخلي فأجداده من جانب الأب قراصنة متعطشون للدماء، وهم يمثلون (النار) أما (التراب) فهم اجداده عن امه حيث كانوا فلاحين طيبين، ينتظرون ما تجود به عليهم السماء والأرض من بركاتهما، ويصف أباه بالوحش البري يذهب في تعداد صفاته وصرامته المتميزة بشهامة البطل، اذ لم يكن يتحدث او يضحك الا نادراً، ويعتبر اظهاره للعواطف او بوحه بها خيانة للنفس (كان كالحاً لايحتمل، كان يلقي التحية بفتور ويجلس في ركنه المعتاد) اما امه فأنها قديسة، امرأة في طهارة العذراء جميلة الروح (لها صبر الأرض ويتذكر انه كان في طفولته يتجرع العالم بشراهة، يتلقاها بمنخريه، ويتمثله ويحوله الى طفل، يجعل لكل شيء رائحة خاصة (فعالم الطفولة ليس مصنوعاً من الطين، لكي يبقى، بل من الغيوم)، الطفولة بداية اكتشاف وتفهم العالم، وبدقة متناهية يتذكر لقاءه الاول بالبحر والنار والمرأة وبروائح العالم، حيث تتحد هذه العناصر في مخيلته اتحاداً لا انفصام فيه، وتصير واحداً، وهي تشبه وجهاً مفرداً يظل بغير اقنعته، وتأتي المدرسة التي تمثل بداية انخراط الطفل في اعتناق مفردات اللعب والشغب وفك رموز الكلمات، و بداية تهجي المصاعب عبر السبورة وعصا المعلم، ولعل اول الفواجع التي عاشها وخبرها كانت المجزرة التي قام بها الاتراك ضد سكان كريت، كاشفاًُ وجه الحياة الحقيقي، وراء القناع الجميل للبحر والحقول الخضراء، وخبز القمح، وابتسامة الام، يقول في هذا الوقت سقطت سرا، بذرة في احشائي، بذرة قدر لها فيما بعد ان تزهر، وتثمر عينه الثالثة، العين الداخلية الصافية، المفتوحة ليلاً، نهاراً، لا تعرف خوفاً او املاً (ساعات قليلة بدأت  اتحول بغتة من طفل الى رجل) ثم راح يرى في كلمة مجزرة المكونة من عدة احرف ابجدية صارت هديراً هائلاً او اقداماً ترفس أبواباً ووجوهاً كالحة تحمل السكاكين بين الاسنان، ونساء يرتجفن في كل مكان من الجوار، ورجالاً يحشون الاسلحة وهم راكعون وراء الابواب، وكانت هناك كلمات اخرى عديدة تمتزج بالدم والدموع، كلمات صلب عليها شعب بأكمله: الحرية، القديس ميناس، المسيح، الثورة..

اعوام النضوج

قضيت سنوات نضجي، تكتنفني المتاعب المألوفة للشباب، استيقظ في داخلي وحشان هائلان، ذلك النمر الذي اسمه اللحم، وذلك النسر النهم الذي يلتهم احشاء الانسان، وكلما اكل ازداد جوعه (العقل) في مرحلة النضوج يتخفى البلوغ وراء مختلف انواع الاقنعة بالصداقة والكبرياء والتمرد غير الواعي، هنا حيث تبدو الحياة ضاغطة والعقل ملتهباً والقلب يفيض بالألم، الألم غير المحدد، وغير الواضح النابع بالدرجة الأولى من مفاجأة الاكتشافات الصغيرة لذهن التلميذ في المدرسة، لكن مع النمو، تبتدئ نفسه بالتعبئة بالعلم، الى ان يتخطى القانون في أعماقه ويحرر نفسه من سلطة الوصايا، ثم تليها دراميتيكية مرحلة الشباب، بما تحمله الرومانسية من جانب لا يخلو من فعل مؤثر سام ومضاد، يأخذ شكل ضباب الأخلاق والتصورات الخيالية والطيش والندم الذي يدفع باتجاه العودة الى العزلة والكتب، فلم تتمكن مجموعة المتع الحسية ان تجعله سعيداً، ففي تصوره ان لكل انسان قدره الخاص، وعلى العقل تقع مسؤولية حل الالغاز المترتبة على صيرورة هذا القدر الخاص، فالعالم احياناً بعيني الشاب يأخذ ايقاعاً عنيفاً وسريعاً ثم يتحول الى دمار، وعلى الرغم من ان هذا العالم زائل وفان، الا ان له قيمة وان هذا هو الجمال ففي اليونان يتحد الجمال بالقوة، ويصف بعض مناطق بلده انها قاسيةومتغطرسة  ومناطق أخرى مليئة باللطف الانثوي ويرى ان القسوة واللطف يقفان جنباً الى جنب فاسبارطة هي النموذج الأمثل للقسوة، لكن ابتسامة هيلين تلون الجو الاسبارطي كله، لقد أصبحت هيلين صرخة حب، وهي مدينة بخلاصها للشاعر (هوميروس) ان العالم اليوم يغرق في الدم والعواطف تضطرم في عالمنا الفوضوي لكن هيلين تظل خالدة، ونظيفة.

التسول من العابرين

كان كازانتزاكي أميناً لرؤاه وتجاربه بقدر صمود هذه الرؤى والتجارب امام التساؤل، فالرجل الذي عاش في عصر عاصف اجتاحته عدة حروب، الحربان العالميتان والحرب الأهلية اليونانية، كما شهد احتلال الايطاليين والألمان لبلاده ظل ملتزماً بمبادئه حتى النهاية وسار بقاربه الى أقصى حدود طاقة الانسان، وقد وضع على شاهدة قبره في كريت العبارة التالية (أنا لا أطمع في شيء، لا أخاف من شيء، أنا حر) حيث ان هذا شعاره في الحياة، كان نيكوس يطلب من ربه ان يمد في عمره عشر سنوات أخرى يكمل بها عمله، يقول فيها ما كان عليه ان يقوله ويفرغ نفسه، تقول هيلين زوجته كان في ايامه الاخيرة يردد (أحس كأنني سأفعل ما يتحدث به برجسون -الذهاب الى ناصية الشارع ومد يدي للتسول من العابرين، زكاة يا اخوان، ربع ساعة من كل منكم، آه على هذا الوقت، ما يكفي فقط لانهاء عملي، وبعدها فليأت الموت..

القديس

كان كازانتزاكي يقول (لاتحكموا عليّ بأعمالي ولا تحكموا عليّ من وجهة نظر الانسان، بل احكموا عليّ من وجهة نظر الله، ومن الهدف المختصر وراء اعمالي، تقول هيلين: كان زوجي متديناً تديناً عميقاً، بحث عن الاله لكنه لم يقل، ها قد وجدته وآمنت به، أنه يؤمن بقوة اعلى منا تحركنا، كان يبحث لاكتشاف حدود دورنا وماهية وجودنا على هذه الارض، وكان معنى الاله بالنسبة له هو ان نكون احسن مما نحن عليه، وكنا نذهب الى الكنيسة يوم الجمعة العظيمة (من ايام عيد الفصح) وكان يحب شعائر الكنيسة ويحب شعائر الاسبوع المقدس ولطالما حاول في كتبه ان يمثل توق الانسان، توقه الشديد ليبلغ الله، او بعبارة ادق ليعود الى الله ويتحد معه، ويرى ان الهدف الاسمى من نضال الانسان وصراعه الاتحاد في الله، والواجب الاكثر قداسة هو الوصول الى الذروة الشامخة التي وصل اليها المسيح وانجز المهمة والعمل العظيم المترع بالحب، وخليق بنا اقتفاء آثاره.

في الحقيقة كان معارضاً لكل المؤسسات السائدة، اذ يريد للانسان ان يتحرر بارادته، وان ينعتق من اسر هذه المؤسسات الزائفة، اذ يقول (روح الانسان شعلة متوهجة، طائر يقفز من غصن الى غصن، صائحاً (لا استطيع ان استقر، لن ابلغ حد الاحتراق، ولو بلغت فلا احد يستطيع اطفائي ويصف الروح بانها لسان ناري يلعق ويصارع يشعل النار في كتلة من العالم حالكة الظلمة، وذات يوم سيصير العالم كله حريقاً، النار هي القناع الاول والاخير الالهي، ونحن نبكي، ونرقص بين النارين العظيمتين، من اين نأتي؟ والى اين نذهب؟ ما معنى هذه الحياة، هكذا تصرخ القلوب، وتتساءل الرؤوس، وهي تقرع على فوهة الهاوية، افكارنا واجسادنا تتلألأ وتتألق، اقف هادئاً بين النارين، اقول وقوى عقلي ساكنة وسط الزوبعة، ما اقصر الزمان، وما أضيق المكان، بين النارين، وما أشد بطء ايقاع الحياة، اني لا أجد زمانا، ولا أجد مكاناً، لكي ارقص على عجل..

كاظم حسوني


التعليقات




5000