هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ساعات القدر في تاريخ البشرية

كاظم حسوني

ساعات القدر في تاريخ البشرية

 

(الانتكاس الخطير)

شاء ستيفان تسفايج ان يفارق الحياة منتحراً في 23 شباط 1942 بعد مغادرته وطنه المانيا اثر نشوب الحرب العالمية الثانية، ليصبح مطارداً كالعديد من اقرانه الأدباء الألمان، فأنتقل في عدد من البلدان، لكن الغستابو كان في اثره، فكانت اقامته في لندن لفترة وجيزة قبل ان يقيم في البرازيل في آب 1941 بصحبة زوجته الثانية، الا ان تصاعد اخبار الحرب وانتشار فضائعها على يد الفاشيست، اصابته بالاكتئاب والقنوط، فكان يسجل يومياته مدوناً مسارات الاحداث، اذ كتب ذات يوم ان مايبعث اليأس في نفسي هي الكارثة التي جلت بأوروبا والزاحفة باتجاه بقية بقاع العالم، وهذا الانتكاس الخطير لقوى الخير، فالصور التي رسمها تسفايج عبر رسائله ويومياته تفصح الى حد كبير مدى الدمار الذي حاق بالانسانية، مثلما تكشف مقدار تأزمه واتساع محنته، قبل اقدامه على الانتحار مع زوجته بمدينة (بيترو بوليس) البرازيلية، تاركاً رسالة اعتذار الى اصدقائه اوضح فيها انه لم يعد يطيق رؤية الفاشية ويسمع اخبار انتصاراتها كل يوم وهي تدوس باقدامها الوحشية الشعوب البريئة، وعقب وفاته عثر في مخلفاته على مخطوطات غير منشورة، منها (عالم الامس، ذكريات اوربي) وفصول جديدة من كتابه (ساعات القدر في تاريخ البشرية) هذا الكتاب الذي ظل على الدوام اثيراً لديه، وحظي باهتمامه واولاه جل وقته، اذ دأب للعودة اليه كل بضعة اعوام مضيفاً اليه فصلاً جديداً حتى اواخر حياته، ففي رسالته الى رومان رولان قال بشأنه (على الكاتب ان يعرف البشر لامن التاريخ فحسب شأن المؤرخين، فلكي يصف المرء رجال الماضي وصفاً حسناً لابد له ان يكون عرف الاحياء، والمؤرخ لايكفي ابدا، اذ لابد له ان يكون ايضاً عالماً نفسياً) وقد اثبت تسفايج عبر نتاجه الادبي ودراساته وتراجمه قدرة فائقة في التحليل النفسي خاصة في تناوله لحياة العظماء الاعلام، من بناة الفكر والفلسفة والادب، امثال نيتشه، هولدرن، دوستويفسكي، بلزاك ، ديكنز ، تولستوي، كلايست، ستندال، وتجلت موهبته الاصيلة عبر اسلوبه الآخاذ الذي طبع كتاباته المتنوعة وامدها بالعمق والتحليل سعياً منه لاكتشاف سر الرجال العظام وسبر اغوار افكارهم ونوازعهم بغية التوصل الى ماغمض من ابداعاتهم، ولقد جاءت دراساته عن عباقرة الأدب كشكل من اشكال الفن، فاق فيها كل من كتب في التراجم والسير امثال هنري ترويا، وهنري مور، معترفاً بتاثره بمؤرخ الأدب الناقد الدانمركي جورج برانديس (1842 ـ 1927) الذي ترجم للرجال الاكثر شهرة كيوليوس قيصر، وشيشرون، وغيرهم، اذ يصفه تسفايج بالقول (هذا الشيخ العظيم يتوافر لديه ارهاف نادر في الذوق واللياقة، فهو لايدخل الملل ابدأ بالتفاصيل ولايختار الا مايعيب الجوهر والصميم.

(كشوفات عميقة)

فالصورة التي رسمها ليشيشرون في (قيصر) لاتنسى، لقد تحول تصوير جورج برانديس للشخصيات والاحداث الى انموذج ابداعي لدى تسفايج، ولعله كتب (ساعات القدر في تاريخ البشرية) من وحي هذا التأثير فجاءت ساعاته حافلة بالعمق بمنحاها الملحمي الدرامي والبراعة في الوصف والدقة في التحليل الى الحد الذي فاق ربما به استاذه (جورج برانديس)، اذ عمد في تراجمه لعمالقه الأدب والفكر الى دراسة مذكراتهم واعمالهم الأدبية واشعارهم، للوصول الى افكارهم وعوالمهم الداخلية والنفاذ الى اسرارهم ونوازعهم وطباعهم حتى لكأن حياته وفنه امتزجت وتداخلت بحياة المبدعين، وكينونته اختلطت بعوالمهم بالغة الثراء، من خلال مارسمه لهم ببراعة فائقة من لوحات معبرة وكشوفات عميقة، لجلاء المزيد من الحقائق المخبوءة والاسرار في حياة هذا الفنان او ذاك، في دراسات امتزج فيها التحليل والحدس والفن بمخيلة اديب عبقري لايقل عنهم شأناً، استطاعت تقصي الوقائع، ورصد الانفعالات والمشاعر والافكار، للتوغل الى اعماق الانسان.. فتسفايج كان يتجه في كل المسارات بفضول الفنان الذي لايرتوي، لانه لايرى في حياة اولئك العباقرة الذين احبهم وتعلق بهم سوى حياته! او جوانب منها على الاقل، اذ يقول في هذا الشأن (اننا كلما ازددنا نفاذا في اعماقهم، ازداد شعورنا بعمق انفسنا، ولانكون قريبين اليهم الا عندما نصل الى جوهرنا الحقيقي، جوهر الانسانية) فمن كان يعرف كثيرا عن نفسه ذاتها فهو يعرف الكثير ايضاً عن ديستويفسكي وكافكا وسواهم، من هنا كانت تراجمه ابداعاً عظيماً اختلط فيه السرد بالتاريخ والتحليل والكشف، ممسكاً باروع اللحظات والتجليات والحقائق، تدفعه حماسة الفنان المفعمة بالطلاقة والحيوية وهو ينتقل في كتاباته في اصقاع العالم الواسع من روسيا القيصرية لينتقل الى اقصى الغرب في المانيا وفرنسا وانكلترا وايطاليا، متخذاً من العالم اجمع مادته، منتخباً عباقرة الامم ومبدعيها كمرايا للانسانية جمعاء.

(حوليات التاريخ)

اما ماحفل به كتابه الذي نحن بصدد قراءته (ساعات القدر في تاريخ البشرية) فيعد من كتبه الاكثر شعبية ونجاحاً على الاطلاق حسب المترجم محمد جديد، ولعله من اخطر ابداعات تسفايج كونه نمطاً جديداً من التدوين الدرامي الملحمي على حد وصف صديقه الكاتب (فرانتس تيودور سركور).. اشتمل الكتاب، فضلا عن المقدمة على (اربع عشرة صورة تاريخية وجيزة) التي شكلت عنواناً فرعياً للكتاب، وهي (هرب الى الخلود) (فتح القسطنطينية) (انبعاث جورج فريدريش هيندل) (عبقرية ليلة) (ديمقة واترلو في تاريخ العالم) (مرثية ماريبنباد) (اكتشاف الدورادو) (لحظة بطولية) (الكلمة الاولى عبر المحيط) (الهرب الى الله) (الكفاح من اجل القطب الجنوبي) (القطار المختوم) (شيشرون) (ويلسون)، وتتأتى اهمية هذا الكتاب كونه رافق المؤلف طوال حياته، اذ كان يضيف له فصلاً كل بضعة اعوام، وهذا ماتشير اليه طبعته الاولى عام 1928 التي احتوت على خمس صور تاريخية فقط، ثم توالت طبعاته على مدى عقود حتى بلوغها (40) طبعة باضافة ساعات قدر اخرى لتكتمل بـ (14) ساعة، وبمختلف طبعاته لاقى الكتاب انتشاراً واسعاً، وترجم الى العديد من اللغات، وظل يتصدر المبيعات على الدوام، ولم يكن تسفايج يتصور ان تحظى مدونته بكل هذا الاهتمام، وقد عبر عن ذلك برسالة الى مدير دار النشر قال فيها (لقد سررت، ايما سرور بنبأ النجاح غير المتوقع لكتاب (ساعات القدر) وانكم اشرتم في الصحافة الى الرقم القياسي، ورقم اليوبيل، خلال عام) فحتى نهاية عام 1928 طبع سبع طبعات، وتوالى النجاح وصولاً الى عام 1986 بيعت اربعون طبعة بملايين النسخ في العديد من اللغات الحية اذ يبدأ الكتاب في عام 1928 ولاتنتهي طبعاته التي استأنفت الاصدار بعد وفاة المؤلف، وفي تعليق له عن احد الفصول (انا اشتغل بشيشرون، لقد كتبت صورة تاريخية وجيزة له، ساعة من ساعات القدر، مثل ساعاتي الاخرى، موت شيشرون، الانساني الاول، الذي داسته اقدام الديكتاتورية لقد كانوا يصغرّون شيشرون دائماً، على نحو مطرد، ليجعلوا قيصر يبدو اكبر، غير اني فوجئت حين قرأت كتابه (في النظام العام) و (الواجبات) انه رجلنا الذي مات في سبيل افكارنا)، وتوخي الدقة في حوليات التاريخ لدى تسفايج يكشف مدى ولعه في احداثه وشخصياته وتقصي حقائقه واماطة اللثام من المخبوء والمستور في دهاليزه ومخابئه، فقبل ساعات قدره كان قد الف كتاباً تاريخية عن فوشيه، وماري انطوانيت، وماجلان، وكازانوفا، وغيرهم، اذ يرى في اهمية التاريخ (لايكون التاريخ الذي نعجب فيه بالمشاعر وهو المصور الاعظم في كل العصور قاطبة خلاّقا على نحو متواصل بحال من الاحوال، حتى في مصنع الرب الحافل بالاسرار، يحدث الكثير الذي لايقاس، مما لااهمية له.

(لحظات نادرة)

وما ينطبع بطابع الحياة اليومية، وهنا تعد اللحظات التي لاتنسى نادرة) وعن ساعات القدر يقول (لحظات نادرة) (لابد دائماً ان تنسرب الملايين من الساعات من تاريخ العالم هدرا قبل ان تظهر الى حيز الوجود ساعة تاريخية حقاً، ساعة حاسمة من ساعات البشرية، فثمة ساعات تنشىء حسماً يمتد الى مدى عقود من الزمان، وينضغط الزمن في لحظة واحدة، تحدد كل شيء، وتفصل في كل شيء، كلمة نعم واحدة، وكلا واحدة، تجعل من هذه الساعة ساعة حاسمة لا رجعة فيها، على مدى مائة جيل، وترسم معالم حياة فرد، او شعب، بل مسيرة المصير للبشرية باسرها) ويضيف تسفايج (هذه الساعات يتقرر فيها المصير، وتتجسم فيها حياة مغايرة تتخطى حدود العصر، في ساعة واحدة، وفي احايين في دقيقة واحدة، تكون نادرة في حياة فرد، ونادرة على مر التاريخ).. ففي ملاحمه التاريخية الاربعه عشرة التي اشتمل عليها كتابه (ساعات القدر) يصف التسفايج بخبرة المؤرخ والكاتب البارع ماسكاً اللحظات او الساعات المصيرية، بدقة وعمق كاشفاً تاثيرها الهائل في تحول حياة شعب، او شعوب، صوب الارتقاء، او التراجع، ويرى ان هذه اللحظات النادرة هي كالنجوم التي تشع بنورها مضيئة في ليل الفناء والزوال، في عصور واصقاع شتى.. ومن هذه الساعات الدرامية الخطرة (فتح القسطنطينية في 29 ايار 1453) التي بدأ التخطيط لها حال ورود خبر وفاة السلطان العثماني مراد، وتولي ابنه الامير محمد العرش الامبراطوري، اذ بدأ هذا الفتى على الفور بتصميم للتخلص من خصومه من الدم ذاته، ليأمر بخنق اخيه القاصر في الحمام، مثبتاً مكره ووحشيته ليزيح كل من يمكنه اعتراض طريقه، ليشرع في تنفيذ مشروعه العظيم الذي لطالما غازل مخيلته منذ كان اميرا والمتمثل باحتلال حاضره العالم القسطنطينية . ورغم حداثة سنه اذ لم يتخط العشرين ببضعة اعوام فانه وجد في نفسه من المؤهلات العسكرية والدبلوماسية والطاقات مايفوق به جده السلطان بايزيد، واباه مراد اللذان لقنا اوروبا دروس التفوق العسكري، من هنا كان هدفه بيزنطة التي تعني لاوربا رمزاً للشرف، وحاضرة مقدسة للعالم الغربي بأسره.

(عشرات السفن تعبر الجبال)

ويلفت تسفايج الى دهاء السلطان الجديد، انه كان يستقبل منذ ارتقائه العرش رسل الامبراطور قسطنطين بكلماته الاكثر وداً وبعثاً للطمأنينه، ويحدثهم عن السلام حديثاً يبلغ من السخاء اقصى حدوده، مقسماً بالله ورسوله وملائكته انه ملتزم بمعاهدات السلام الى ابعد حد.. في الوقت الذي عقد النية الخالصة لاحتلال بلادهم! ويعد السفن، والبواخر الحربية، والمدافع والجنود للهجوم الكبير، ولاشيء يشغله في الليل والنهار الا كيفية تقويض استحكامات المدينة الاثرية واسوارها الشاهقة المتينة.. لكن مايشغله على الدوام كان الاخطر والاكثر استحالة على التحقيق، يتمثل في القدرة على انزال اسطوله البحري لمواجهة اسطول الامبراطورية البيزنطية، وسفن الانقاذ الاوربية، حيث لامنفذ له، اذ تفصله عن بحر مرمرة الى خليج القرن الذهبي سلسلة جبال.. ما يعدم امكانية وصول سفنه الى الخليج واعلان الحرب على الامبراطورية القديمة، وامام هذه الاستحالة تجلت عبقرية السلطان، حين قرر على نحو مخيف تنفيذ فكرة جريئة تبهر الانفاس، وهي ان تجتاز مئات السفن الحربية سلاسل الجبال!! للوصول الى ساحل ميناء القرن الذهبي... تبدو الفكرة ضرباً من العبث والخيال، وهي حقاً كذلك، لان السفن لاتجري الا على الماء،، فكيف يمكن لاسطول ان يجري على الجبال،، لايمكن تفسير ذلك، لكن وحدها الارادة الشيطانية قادرة على تحويل المستحيل الى واقع، حسب تسفايج. فهذا السلطان الداهية النزاع الى المجد ملأ رؤوس الناس بالفزع من افكاره الرهيبة فبتصميم لاهوادة فيه وعزم عجيب سيحول الحيال والحلم الى واقع، وهنا يصوغ خطته المفزعة كيما تجري سفنه فوق الجبال، مما يستدعي القيام بعمل هائل، فيوعز باستدعاء كل الحطابين ليحضروا الاخشاب الاسطوانية ثم تتجول هذه من قبل عمال الورش الى الواح يثبت عليها القوم بعد ذلك السفن المسحوبة، وفي الوقت ذاته يكون هناك آلاف من عمال الحفر يعملون على تسوية الدرب الذي يفضي الى الصعود، ثم يفضي الى الهبوط بحيث يكون ممهداً للنقل الى الحد الممكن، لتأمين رحلة عشرات السفن عبر الجبل من بحر الى بحر، في عمل مباغت اذ لايتوقع اهل بيزنطة هجوماً الا من البر، وهكذا انطلقت الجموع الهائلة من العمال والجنود تحرك الاخشاب الاسطوانية باعداد لاتحصى، وتحويلها الى زحافات عملاقة مطلية بالدهن والزيت كل سفينة فوق قضبان زحافتها تجرها ازواج عديدة من الثيران مع المساعدة في الدفع من قبل البحارة والجنود، وعلى مدى الايام والساعات يتم هذا النقل العجائبي، وتتم اعجوبة العجائب في صمت، كما يصفها تسفايج، وكان يتم كل شيء في رؤية واحتراس، وبذلك حصلت معجزة لاتصدق، بانتقال اسطول كامل فوق الجبل، على ان الامر الحاسم في كل العمليات العسكرية مثلما يرى المؤلف هو دائماً لحظة المفاجأة،، وهنا ابلت عبقرية السلطان محمد بلاءاً رائعاً فما من احد من بيزنطة وغيرها ادرك مقصده، فبينما كانت مدافعه تقصف الاسوار من باب التمويه والمباهاة،، كان ينفذ عمليته البارعة التي لايمكن تصورها قط المتمثلة بنقل عشرات السفن من بحر الى آخر عبر الجبال والوادي، وخلال الحقول والغابات، ترى اي مجنون، واي شيطان هذا السلطان

(القدس الاخير لبيزنطة)

وذات صباح اعتقد مواطنو بيزنطة انهم يحلمون، اسطول العدو ، امامهم! كأنما حملته ايادي الجن، وفيه الرجال والبيارق والاسلحة في قلب خليجهم الذي يحسبون انه لاسبيل الى الدنو منه، ومازالوا يفركون عيونهم ولايفهمون من اين جاءت هذه الاعجوبة، وهاهي الابواق والصنوج تهلل تحت سورهم الجانبي، وبات في وسع السلطان التقدم بقواته على جسر من القوارب نحو السور المتخلخل من جراء قصف مدافعه، وغداًالمحاصرون يدركون ان مابدا لهم حلماً او وهماً هو حقيقة مفزعة امامهم، ولاول مرة شعروا بالخطر الذي ينتظرهم والهول الزاحف اليهم، الذي تزامن مع انتظار صدور الامر بالهجوم العاصف، بامر الحبر الاعظم (باسيلوس) باقامة طقس مؤثر فيجتمع الشعب كله، من الارثوذكس، والكاثوليك، جميع الكهنة والرجال والاطفال والنساء في موكب واحد احتفالي عظيم، وفي الوقت ذاته جمع الامبراطور قسطنطين حوله الشيوخ والاعيان، والنبلاء والقادة، لبث نار الحماسة فيهم، ليبدأ المشهد الاخير، وهو احد المشاهد الاعمق تاثيراً في اوربا، يقول تسفايج انها حالة وجد لاتنسى ان يقف شعب كامل بصمت وخشوع، الوف مؤلفة من الظلال التي تغمغم، الشعب الراكع والمنفعل من الخوف والهم، يجأر الى الله بالدعاء والبطريرك يرفع عقيرته بقوة وتأثر بالغ. لقد بدأ القداس الاخير، قداس موت دولة الروم الشرقية، وبعد هذا الطقس الذي يهز النفوس، يدور الامبراطور بين جنوده لبث روح الشجاعة فيهم، وفي الساعة الواحدة صباحاً يعطي السلطان اشارة الهجوم وتنطلق صرخة هائلة واحدة (الله ، الله ، الله) ينقض على اثرها مائة الف رجل بالاسلحة، والسلالم ، والحبال، والكلابيب على الاسوار، بينما راحت تدوي في ذات الوقت كل الطبول، وتهدر كل الابواق، وتتحد الطبول الكبيرة، والصنوج والمزامير ، بدويها الحاد مع الصرخات البشرية ورعود المدافع مشكلة اعصارا واحداً، لتنشب اعنف اشكال القتال ضراوة حول الاسوار اذ اندفع عشرات الالوف من المهاجمين بقوة عاصفة لاقتحام الاسوار لكن المدافعين من خلفها يردونهم بتصميم وعزم مستميت على اعقابهم في كل مكان، لكن بمضي الساعات والايام وفيما هم مشتبكون في قتال عنيف.

(باب كيركابورتا)

من سوء حظ بيزنطة يحدث شيء لم يرد في الاحتمال ابداً، اذ تغلغل من موضع غير بعيد من موضع الهجوم بعض الجنود الاتراك، اثر اكتشافهم لاحد الابواب الصغيرة داخل سور المدينة الداخلي، وهو مايسمى (كير كابورتا) مفتوحاً سهوا في غمرة الانفعال العام والفوضى، لتدخل من هذا الباب مجموعة من الجند الى داخل المدينة بغفلة، لتغير من فورها على المدافعين عن السور الخارجي الذين لاعلم لهم بما جرى على نحو مفاجىء من وراء ظهورهم، بعدها بوقت قليل لاحظ المدافعون وجود الاتراك وراء صفوفهم، فانتابهم الفزع والارتباك، ثم حلت الطامة بارتفاع الصرخة المخادعة التي هي اكثر فتكاً من كل المدافع (لقد اخذت المدينة) لتحطم كل مقاومة، عندها راح الكثير منهم يغادرون مواقعهم هاربين صوب الميناء لانقاذ انفسهم، ما سهل لتدفق الالاف من الاتراك للانطلاق داخل المدينة ونهبها وسحق اهلها بسنابك الخيول وقتلهم بالرصاص والسيوف، وهنا يعلق تسفايج قائلاً (ولم يعلم العالم اي وبال خرج في ساعة القدر تلك من خلال هذا الباب المفتوح (باب كيركا بورتا) الذي اودى بحياة الامبراطورية البيزنطية وضياعها الى الابد..

 

(الرجل الذي يسكن عند الاسكافي)

ومن ساعات قدره الاخرى صورة تاريخية اسماها المؤلف (القطار المختوم)، وفي اسفلها عنوانا اخر (لينين 9 نيسان 1917.. الرجل الذي يسكن عند الاسكافي وفي مستهلها يقول تسفايج: كانت جزيرة السلام السويسرية الصغيرة التي تحدق بها الحرائق من كل حدب وصوب من جراء الطوفان العاصف الذي نجم عن الحرب العالمية، في تلك السنوات اي في اعوام 1915، 1916، 1917، 1918، على نحو لاينقطع ، مسرحاً لرواية بوليسية مثيرة، وفي الفنادق المترفة كان مبعوثو الدول المتخاصمة يمر بعضهم ببعض ببرود، كان لم يسبق لهم قط ان عرف بعضهم بعضا، وكل واحد منهم يحمل المهمة ذاتها اذ كان منهم النواب، وامناء السر، والملحقون في السفارات ويقومون باعمال المراقبة، والترصد، والتجسس، وفي كل مكان تعمل منظمات بعضها ضد بعض في الفنادق، والمقاهي، والمنازل، والسفارات تنصت على بعضها، وترسل التقارير والبرقيات يوماً فيوماً، ومن ورائها العملاء الكبار والصغار، والكل كانوا في ضجيج عمل متقاطع اشبه بالحرب الكلمات والاتصالات والبرق، حتى باتوا لايعرفون انفسهم في حمى العمل التجسسي أمطاردون أم مطاردون اجواسيس ام موضوعون تحت رقابة الجواسيس، ام معرضون للخيانة ام خائنون، لكن تسفايج يستثني رجلاً واحد لايوجد عنه الا القليل من التقارير في تلك الايام، ولم يثر الانتباه، ولايؤبه الى حد بعيد

، ولم يكن ينزل الفنادق الفخمة، ولم يكن يقعد في المقاهي، بل كان متخفياً يسكن مع زوجته عند اسكافي في عزله كاملة، في احدى الحارات المزدحمة القديمة، وكان جيرانه زوجه خباز، وايطالي وممثل نمساوي، ولايكاد يعرف رفاق المنزل عنه اكثر من انه روسي، وانه اسمه صعب النطق، لكن قيمة المنزل كانت تعرف أن هارب من وطنه لكثير من السنين وانه لايوجد تحت تصرفه ثروة كبيرة ولايمارس ايا من الاعمال التي تدر مالاً، هذا الرجل القصير المتين البنيان لايلفت النظر ويعيش حياة بسيطة، فهو يتجنب المجتمع، وقلما ياتيه زائر، غير ان يذهب الى المكتبة العامة بصورة منتظمة كل صباح الى الظهيرة، ثم يعود كل مساء اليها، يقول المؤلف ان الناس في العادة لاينتهبون الى البشر المنعزلين الذين هم الاكثر خطراً على الدوام وفي كل حركة تثوير للعالم، وهم الذين يكثرون من القراءة والتعلم، لكن بعض الناس يعرف عنه على وجه الخصوص انه كان في لندن محرر مجلة صغيرة متطرفة للمهاجرين الروس، وانه يعد في بطرسبورغ زعيماً لحزب، وكان لايحفل به احد، اما الاجتماعات التي يدعو اليها احياناً في مقهى بروليتاري صغير فياتي اليها على اقصى تقدير خمسة عشر الى عشرين فرداً، اكثرهم من الشباب، ولكن مامن احد ينظر الى الرجل القصير الذي يدل جبينه على الصراحة، نظرته الى رجل خطير يدعى فلاديمير ايليتش اوليانوف، الرجل الذي يسكن عند الاسكافي.

 

تحقق الأمل

ذات يوم وهو الخامس عشر من اذار 1917 ياتي النبأ كالصاعقة يفيد بنشوب الثورة في روسيا، يأبى لينين ان يصدق ذلك اول الامر، لكن بمرور الايام تاكد صحة الخبر، اذ عزل القيصر واعلنت حكومة مؤقتة، ويكون البرلمان، والحرية لروسيا، والعفو عن السجناء السياسيين، كل ما كان يحلم به منذ سنين، وكل ماكان يعمل من اجله (اي لينين) منذ عشرين عاما في تنظيم سري، في السجن، وفي سبيريا، والمنفى قد تحقق، دفعة واحدة، ويبدو له ان الملايين من القتلى الذين اقتضتهم الحرب حسب تسفايج، لم يموتوا عبثا، بل باتوا شهداء من اجل الدولة الجديدة، دولة الحرية والعدالة التي تتشكل الآن، والآن يتاح لآلاف المهجرين الروس في المنافي العودة الى الوطن، لابجوزات سفر مزورة، ولابأسماء مستعارة، ولاتحت خطر الموت في مملكة القيصر، بل مواطنين احراراً في البلاد الحرة، وهاهي برقية غوركي المقتضبة ترد في الصحف (عودوا جميعاً الى الوطن).

 

(خيبة أمل)

بعد بضعة ايام يتضح ان الثورة الروسية التي كانوا يحلمون بها ليست ثورة الشعب، بل كانت انقلاباً في القصر ضد القيصر بتدبير من الدبلوماسيين الانكليز والفرنسيين لمنع القيصر من عقد الصلح مع المانيا، انها ليست الثورة التي عاشوا من اجلها، وهم مستعدون للموت من اجلها، بل هي مؤامرة احزاب الحرب، من الامبرياليين والجنرالات الذين لايريدون احدا يقف دون تنفيذ خططهم، وسرعان مايدرك لينين وجماعته حقيقة الامر، وهاهي الحكومة الجديدة تحضر العودة عليهم ودعت الدول الى احتجازهم عند الحدود وعدم السماح لهم بالعودة الى روسيا، وعند الحدود ثمة لوائح سود باسماء كل اولئك الذين شاركوا في مؤتمر الاممية الدولية الثالث.

وتتوالى برقيات لينين، واحدة اثر اخرى، الى بطرسبرج، غير انها يتم احتجازها او تظل معطلة، اذ يعلم اعضاء الحكومة على وجه الدقة، الى اي مدى تبلغ قوة خصمهم فلاديمير ايليتش لينين، وحيويته وتطلعه الى الهدف، وخطورته القاتلة.

فيما يرى لينين انه حان الوقت للعودة الى روسيا، ولابد له ان يقوم بثورته بدلاً من ان يقوم بها الآخرون، لابد له ان يعود باي ثمن قبل تمييعها وافسادها وان لايظل محتجزا هنا في سويسرا، وكان الطريق مسدوداً في وجه لينين عن طريق البلدان المتحالفة سواء اكان خروجه عن طريق المانيا، ام النمسا، بحكم كونه من الرعايا الروس،أو بحكم كونه تابعا لدولة معادية، لكنه رغم كل الصعوبات يرتب بمشقة رحلة عودته مع رهط من رفاقه عن طريق المانيا، والملفت في لينين بعد دخوله الارض الروسية، يرمي بنفسه قبل كل شيء على الجرائد، لقد مضى عليه اربعة عشر عاما لم يكن فيها في روسيا، وان هذا الايديولوجي الحديدي، لاينفجر بالدموع شأن الاخرين، كان ينظر الى الرافد ليفحص ويتقصي تطورات الاحداث وموقف الحكومة، وعند دخول القطار المحطة الفنلندية ياتي الجواب خارقاً، يعبر عن الواقع، ويشي بمدى اهمية هذا الرجل والامال المعقودة عليه، اذ يكون الميدان الهائل طافحاً بعشرات الالوف من العمال ، وحرس الشرف، في انتظار العائد الى وطنه من المنفى، وتدوي اصوات الاممية الدولية، وحين يخرج فلاديمير لينين، تتلقف الرجل، الذي كان، حتى منذ اول امس، يسكن عند الاسكافي، مئات الايدي، ويرفع على سيارة مدرعة، وتوجه عاكسات الضوء من المنازل اليه، ومن المدرعة يوجه الى الشعب اول خطبة له، وتتزلزل الشوارع، وسرعان ماتكون قد بدأت (الايام العشرة) التي تهز العالم، وكانت القذيفة قد ضربت ضربتها وحطمت مملكة ، وعالماً.. وكان وصوله انشأ حسماً لتاريخ طويل من سلطة القياصرة، ليدق ساعة قدر روسيا وتحول مسيرة شعب وامة.

 

كاظم حسوني


التعليقات




5000