هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


العودة الى كاردينيا

كاظم حسوني

كتب السيرة الذاتية والمذكرات من ضروب الكتابة التي غدت تشيع في ثقافتنا العراقية في الاعوام الاخيرة، اذ شهدت نهاية التسعينيات ظاهرة تسرب كتب المذكرات المستنسخة الى سوق الكتب، ويتم نسخها وتداولها على نطاق واسع، لاسيما انها لساسة عراقيين من الشيوعيين المعروفين، والقادة القوميين والبعثيين، او المذكرات الادبية كمذكرات الجواهري وفاضل العزاوي الذين خاضوا معترك الاحداث السياسية الدامية، فمنذ الخمسينيات والحقب التي تلت، ممن يعيشون بقايا شيخوختهم في مدن وعواصم اوروبا بعد اعتزالهم العمل السياسي والركون الى الاعتكاف تحت وطأة العجز والشيخوخة. لكن المذكرات الادبية اغتنت بالحديث عن التجربة الادبية والسياسية لذا كانت ثرية منطوية على ابعاد عدة مثل"الروح الحية " للعزاوي، و"ابجدية الصكار " للفنان محمد سعيد الصكار، و"الشاعر الغريب في المكان الغريب " للشاعر شاكر لعيبي، وغيرهم، ولعل كتاب الشاعر فوزي كريم"العودة الى كاردينيا " الذي نحن بصدد قراءته ينتمي الى الفضاء الادبي والسياسي الذي اشرنا اليه، اذ قال المؤلف في المقدمة:" ما اؤمن به هو السيرة الشعرية للشاعر او الفلسفية للفيلسوف او الموسيقية للموسيقي، السيرة التي تلاحق روح المبدع وهي تتجسد وتنمو وتفلت من اسار الزمن، عبر نتاجه وما يتصل بنتاجه وحده " فيرى في سيرته"محاولة لادراك الماضي على ضوء مشاعر الحاضر ورؤاه وافكاره، وتبدو غير وفية بالضرورة للتاريخ قدر وفائها للذاكرة " فمحلته العباسية في كرادة مريم المطلة على شواطئ دجلة التي نشأ فيها الشاعر وامضى طفولته وشطرا من شبابه، افرد لها العديد من الصفحات كونها تنطوي على الكثير من الذكريات واحلامه الاولى اما خمارة كاردينيا التي حملت عنوان كتابه فهي المكان الاثير الى نفسه .

وما انفكت ذكرياتها تبقى في ذاكرته كاردينيا الكائنة في شارع ابي نؤاس على ضفة النهر قبال العباسية لم تبارحه.

بوابة كاردينيا

اجواؤها ولياليها ووجوه روادها وندلها، انها اشبه بقوى حية غير زمنية وابطالها كذلك، ولو وقفت على بوابة كاردينيا في شارع ابي نؤاس امام النهر لرأيت العباسية او شبحها الذي لا يزال ماثلا اما ناظريك في جهة الكرخ، العباسية وكاردينيا وجهان لحالة واحدة، تشكلان للشاعر"لحنين متداخلين في اغنية رقيقة بالية " رغم ازلتهما قسرا شأن العديد من الاماكن ابان حقبة الحكم البائد.

في الفصل الاول من سيرته يصف فوزي كريم هروبه الى لندن شتاء 1978 اثر ازدياد حملات الاعدام والاعتقالات والقمع ما بعد اواسط السبعينيات التي طالت طول البلاد وعرضها، من قبل زمرة البعث، ما تسببت بموجات الهجرة والفرار الى الخارج وخوض مغامرات عبور الحدود بجواز سفر او بدونه، اذ راحت تنتشر بين الناس حكايات ممن وقعوا بايدي رجال الامن وعملائهم على الحدود، ولاقوا التعذيب والاعدام او المصير المجهول"حين وصلت لندن قبل ايام من اعياد ميلاد 1978 كنت ازن 60 كيلوغراما شاحب الوجه كثير الوسواس بسبب الكحول هاجمت لساني ذا المرارة التي احسستها في نزل فيكتوريا، احسست فجأة بان ايام وصولي الغريب الى لندن قد اصبحت تاريخا هي الاخرى، تاريخا صالحا للتذكر والتأمل ".

يعد فوزي كريم نفسه محظوظا لأنه اتخذ قراره وسلك طريق المنفى واقام فيه، رغم الجلطة القلبية الحادة التي ختم بها السنة الاولى من وصوله، والجلطة الثانية بعدها بنحو احدى عشرة سنة ورقدات المستشفى.

حكايات المحلة

إن الاكثرية من ابناء جيله ممن تركهم وراءه في العراق، ماتوا مثل محمود الحيدري، جاسم الزبيدي، عباس فاضل، محسن اطيمش، محمد شمسي، شريف الربيعي، عبد الجبار عباس، موسى كريدي، سامي محمد، عبد الامير الحصيري، احمد امير، موفق خضر، وغيرهم ممن(هرستهم عجلة المرحلة البربرية ) .

ونجد المؤلف رغم مغادرته للوطن منذ نحو ربع قرن الا ان حنينه ظل ملازما لكرادة مريم ومحلته العباسية، في جانب الكرخ مستحضرا المناطق المحيطة بها، كمبنى المجلس الوطني، وسفارة الفاتيكان، وبساتين النخيل، واشجار اليوكالبتوس الممتدة حتى ضفة النهر، واشجار التوت والغرب والاجواء السحرية في المساءات خاصة والمقاهي وبيتهم الطيني الذي احتلت باحته شجرتا الدفلى ذات الخضرة العميقة، والتوت الكبيرة واعشاش الطيور(كم علقت لمسة شجرة التوت العذبة الحانية في ذاكرتي الظامئة، لكن شجرة الدفلى وجدت لها مجرى جوفيا داخل كياني كله) الى جانب ذلك يروي لنا حكايات محلته ويصف ابرز ابطالها وشخصياتها مثلما يعرض ما رأه وما شاهده من نزوح اهلها قسرا تحت ضغوط السلطة وتهديدها، وهجر السكان لبيوتهم وبساتينهم واملاكهم لتستحيل المحلة والكرادة برمتها الى بيوت اشباح فارغة واوكار لعصابات رجالات الامن والمخابرات وبيوت اخرى الى اقبية للتعذيب والقتل، وما تلا من احتلال كامل لضفتي دجلة بامتداده لمسافات بعيدة وصولا الى الجادرية، لتصبح هذه المنطقة الكائنة في قلب بغداد المكان الاكثر اثارة للرعب والخوف لدى المواطن، بما احتوى من سجون ومعتقلات سرية، فضلا عن كونه مقرا للدكتاتور ما يسمى(القصر الجمهوري) المنطقة الخضراء حاليا، ومن محلته العباسية قبل نزوح سكانها يستذكر الشاعر حركته المعتادة بالانطلاق كل يوم الى جانب الرصافة عبر جسر الجمهورية الذي يمثل له ايسر واقصر الطرق الى شارع ابي نواس لارتياد البارات والكازينوهات الموزعة على امتداد الشارع، الا انه يأخذ طريقه الى مكانه الاثير خمارة كاردينيا دون اي مكان اخر، حيث يجد من ينتظره من ااصدقائه الادباء والشعراء، امثال الشاعر شريف الربيعي، والقاص احمد خلف، وعبد الستار الناصر وغيرهم، فعلى موائد الكاردينيا كانت تقوم الحلقات النقاشية والحوارات وعرض نتاجاتهم لبعضهم البعض.

حياة بافكار مترجمة

اذ يحدثنا عن شريف الربيعي ويصفه"كان شيوعيا شأن معظم ابناء جيله، الا انه غادر هذه الجادة، قبل لقائي به فاصبح مثل سارتر يساريا مؤمنا بقداسة الحرية الفردية، وبفعل الذعر الدفين من حياة لا ضمان فيها، انتسب شريف الى البعث، صارت وجوديته ذات مذاق ساخر، اما ابناء جيله من الستينين فيقول"كانوا مولعين بسارتر وكامو، وكل مايرد من الغرب عبر منخل بيروت " وانهم اندفعوا بهذه الموجة قليلا خارج تيار الحياة اليومية ورفعتهم قليلا عن الارض، واهاب المثقف المحترف صار واحدهم يعيش حياة لا تختلف عن الوهم الا بخلوها التام عن متعة الوهم، حياة افكار مترجمة محاصرة من قبل الحياة، اما لقاؤه بالقاص احمد خلف فحصل اول مرة عندما ارسل له بيد صديق اول قصة كتبها للنشر"قرأتها والتقينا لنتحدث توالت بعدها قراءاتي لقصصه، كنت اعجب من محاولته النبش داخل حدثه وداخل شخوصه، كان يطمع بافكار تشبه تلك الافكار التي كنا نقرأها في الرويات العظيمة ". وعن جنداري يقول"انه من عائلة فلاحية تسكن للشرقاط وهو بسبب العمل اصبح من سكنة الموصل، بعد ان اقام في بغداد زمنا عرفته فيها، وكان يعمل مع القاص عبد الستار ناصر في دائرة المنتجات النفطية، ظل ينتسب روحيا لبغداد بفعل علاقتنا الحميمة وبفعل شاغل القصة، التي بدأت تتضح بين يديه وتأخذ خصائص روحه الباطنية الفريدة، كان جنداري بئر مرارات، يفيض مع الايام ثم وقع علينا انا والقصة القصيرة لنصبح ملاذه الوحيد ".

الحصيري رمز لجيل الستينيات بكامله

اما بوهيمي بغداد عبد الامير الحصيري فكان وجهه مليء وسامة ومكابرة وكانت له جولتان يوميتان اثيرتان على خمارات ومقاهي بغداد، واحدة في النهار، واخرى في الليل، في النهار جولة يسيرة مختزلة وفي الليل على شيء من التعقيد والالتباس بسبب كثرة رواد الليل وكثرة خماراته، قامته الطويلة واستدارة وجهه الممتلئ الصبوح، وشعره الفاحم السيل المنحدر من منتصف قمة رأسه حتى منحدر كتفيه، وبدلته السوداء المتهدلة واستقامة خطواته التي لا تحيد، بل تذهب قدما الى هدف معلوم، كل هذه تمنح انطباعا للشاهد على الحياد والوقار والنبالة واصالة المحتد، ويضيف كان الحصيري يمثل رمزيا جيلاً برمته، هو جيل الستينيات. وفي فصل اخر يأخذ بنا الى مجلة الف باء وتجربة عمله فيها بالمكافآة الشهرية الممتدة لعدة اعوام، التي اتسمت بمجملها بالمرارة وصراعه الخفي والمعلن في رئيس تحريرها سامي مهدي الذي عمل على بسط سطوته الحزبية لتسييس الثقافة وسعيه الدائب الى جعل كتاب المجلة ينفذون سياسات وتوجيهات حزب السلطة واتخاذهم ابواق لتمجيد الدكتاتورية وتزيين وجهها القبيح، اما بالنسبة لموقفه من فوزي كريم فقد اخذ بمطاردته ومتابعة نشاطه وتعرية تهربه الدائم من اداء مايريده، منتقدا ومفندا على الدوام الحجج التي يتذرع بها فوزي ويراها خادعة، ويضيف المؤلف كان سامي مهدي على معرفة دقيقة بموقفي ويعلن امام المحررين ان فوزي يتستر وراء جهله بشؤون السياسة، ولكن منجزات الحزب غيرت مجرى الحياة العامة، والحياة الثقافية ضمنا لم لا يكتب عن ملامح هذا التغيير، اذ كان يطالبه بالكتابة عن 7 نيسان، وتوفر البعد القومي في الكتابة موضحا بانه"لايعرف حقا ما المقصود بالبعد القومي في النص الادبي " ورغم ذلك فلا يخفي فوزي كريم"بان سامي مهدي شاعر، وربما اجود شاعر داخل"ثقافة اعلام" سلطة البعث، لكنه يقف ضد نفسه، ضد الانسان في داخله، ويتغابى عن بداهة استحالة كتابة شعر حقيقي من الرداءة والكذب على النفس وعلى الاخر.

وتناول في المؤلف فصل اخر القاص موفق خضر الذي تربطه واياه صداقة حميمة وجمعتهم محلة واحدة، فكان يعي مأساته الناجمة عن تورطه بالانتساب لحزب البعث وتحرجه من هذا الانتساب ولان لاخيار له بالتخلي تنامت في نفسه الكراهية للحزب الى الحد الذي تحولت فيه الى عقدة ذنب راحت تملأه بالمرارة. ولعل الحدث المريع الذي اودى بحياته فيما بعد تمثل في ارتفاع جلبة وصراخ مفاجئ في محلته الصامته التي هجرها سكانها، وباتت موحشة تتجول فيها الاشباح، ورجال المخابرات والامن، وعلى اثر الصراخ في مقدم الليل هرع الى سطح داره واخذ يتلصص بحذر على ما يجري في البيت المجاور الذي تحول الى واحد من مقرات الامن، فأهلته رؤية المعتقلين وهم يساقون الى حديقة المنزل، بينما صدام يقف على مبعدة واضعا يديه على خصره، وباشارة منه تطلق عليهم والوحوش وتلتهمهم وهم يلوذون بين الاشجار ويطلقون الصراخات والاستغاثات، فيما ظل على وقفته مستمتعا بمشاهد الدماء وبشاعة المجزرة، هذه الحادثة عمقت سخطه على الحزب والسلطة، مثلما راكمت احساسه بالذنب، وهو يتذكر من قتل من اصدقائه، ومن هرب منهم، ومن كان رهن الاعتقال والمصير المجهول، فراح ينفس عن آلامه وتحرجه بالانكباب على الخمر، معتزلا في بيته، يتأمل محلته الخاوية الخالية من اهلها الذين غادروها عنوة، بما فيهم اهله واخوته، فكان يمضي واقاته"سكيرا مدمنا لا يعرف ليله من نهاره " حتى ذاب رويدا رويدا ليمت بصمت، او في فصول اخرى ثمة حديث عن ادباء ممن زاملهم وكانت له صداقة معهم كالشاعر حسين مردان الذي وصفه بانه"بطل روماتيكي في مرحلة بدأت انحدارها وانحطاطها الروحي، لذلك كان متماديا في تطرفه باتجاه الفردية، كائن عظيم الاحساس بالفقدان والتشرد والعزلة " لقد احب شخصه وصحبته، وكان قريبا منه لصقيا به، فكتب له قصيدة وفاء منه منه اسماها"حسين مردان " وهي في حقيقتها مرثية"لكائن ينتسب الى راحلين " لشاعر قطع الشوط الى الضفة الاخرى، او شبحا من اشباح الماضي الملحة الحضور، وحين قرأها في حدائق اتحاد الادباء عام 1972 كان حسين مردان حاضرا، وكانت ردود افعاله خليطا من المفاخرة والاسى والغيض، المفاخرة لأنها حسب فوزي كريم القصيدة الوحيدة التي كتبت عن شخصه، وبورترتي روحي عن شخصه ذا طراز خاص، اما الاسى فهو الاحساس الخفي الغامض الذي لايبين فيه هو مصدر فاعليته، وقوته ككائن متفرد، وانموذج امثل للانسان الشاعر، الاسى منحه طلاقة الفتى وبراءة الطفل، وحكمة المسن.

الوحدة بين الشاعر والانسان

يقول فوزي كريم انه حينما وصل في القراءة الى مقطع عزلته"تململ ابو علي " فاصبح لكرسيه صرير وكأن الكرسي ضاق به على حين غرة: هل تريد اسمه؟

اسمه في الهوية حسين مردان

واسمه في الازقة حسين مردان

واسمه في المقاهي"الاله "!

واسمه حين يعتزل الناس ..آه!

ان الذي دفع حسين مردان الى الغيض، فبضعة ابيات كان قد حذفها فوزي في مخطوطة القصيدة، وكان حسين مردان عارفا بهان ومعولا على انشادها، لانه تشير بصورة مبتسرة الى حبه لامرأته في وزارة الاعلام، ولأن الشاعر لم تكن لديه نية في افساد حب حسين مردان، اذ كان ينتظر اشارة شعرية لحبه معلنة، واول اعتراف خارج عالمه الخيالي، ما دعا حسين مردان الى الثورة والاحتجاج على فوزي كريم حينما انفرد به، متهما اياه انه حذف المقطع لانه غنائي، بحجة ان فوزي يجد تعارضا بين الحداثة والغنائية، بعدئذ نشرت القصيدة في مجلة"الاداب " بايام معدودة من موت حسين مردان بالجلطة القلبية، وهو لم يتجاوز السابعة والاربعين، وفوزي كريم كان حينها في الثانية والعشرين، يقول حين مات"ودعته صامتا وانا اغذ السير على طريق تشردي المطلق، كمن يودع رفيق سفر وحيد، بلا هدف واصدقاء الشاعر ممن يكتبون القصة والشعر، يسرون له احيانا انهم يغذون السير بلا هدف، ولا يملكنون الايمان بعقيدة، فيبدي عجبه من سطوة العقائد العمياء على الناس، ويرى ان حسين مردان كان اخر محاولة متباهية للانتصار لفردية الفرد، مغتنية بالمودة والحب، ومخمورة بما حققت من هذه المودة والحب في صيانة لعالمها الخيالي، اذ لم يكن احد يضاهيه في تحقيق الوحدة بين الشاعر والانسان، ومع موته انطفأت الشمعة الوحيدة على طريق التشرد الغامضة.

وفي صفحات اخرى يرسم المؤلف لعبد الجبار عباس صورة بورتريتية فهو"قصير القامة، ناصح البنيان، متورد الوجه، ومتحفز ابدا للاحتفاء بحياة لا تريد ان تقبل عليه كريمة معافاة، شاربه تقليدي، ينحدر بكثافة بين الانف والشفة بهيئة مثلث، وصوته فخما جهوريا يتعارض مع قصر قامته، لكنه نتاج طبيعي لقلب على قدر كبير من التدفق والحماس والحرقة " رغم تجربته الفذة في النقد وما الفه من كتب درس فيها الرواية العراقية والعربية بمرآة صافية في العبث والاهواء، اضافة الى نقده للقصة والمسرحية وما حققه من قدر ومكانة في النقد الادبي وفنون الشعر، ينظر اليه الستينون على انه تقليدي" لا يتمتع بخيلاء الراقص الماهر داخل بهو الحداثة المضاء " دون ان ينظرون الى خصوصيته وما حققه من منجز باهر تميز بالجدة والعمق دون الانبهار والتهافت للمدارس الفلسفية للنقد الغربي، والانسياق وراء الصراعات الادبية التي جذب بريقها الكثير ممن يمارسون كتابة النقد.

الابن الشائه ضجيج الافكار

 وحين يستعيد ذكرياته عنه التي تتناول جانبا من شخصيته خارج نطاق الادب، يرى ان رغباته الحبيسة المقموعة داخله ولوية روحه لاشباعها، لا يجد في ممارسته للكتابة النقدية الا مزيداً من القيود والضوابط القامعة، تماما مثل قيود وضوابط الحياة الاجتماعية، اذ عاش حياة جافة صنعتها ظروفه الخاصة، وسطوة سلطة جائرة اغلقت المنافذ امامه وساقته عنوة في حروبها بزجه في قوات الجيش الشعبي، ومطاردتها للكلمة الحرة وتكميم الافواه.

عبد الجبار عباس كان اعزلا منهكا في سخطه الصامت، وتراكمات الحرمان وحياة مبتورة شوهاء، ربما جعلته يشعر ان الادب لا امل في جدواه لكن حماسته لن تفتر اذ ظل اكثر نقاد الادب من الستينيين محافظة واناة وتجنبا للعبث اللفظي، الذي ابتلى به معظم الجيل، ولم يتلوث بموجة التحزبات السياسية، ولم يجد في نفسه ادنى توافق مع ثقافة اعلام السلطة، حيث فصل من وظيفته في الاذعة، مثلما طرد من عمله في مجلة"الف باء " ليعود الى الحلة مدينته ليعمل بائعا للباقلاء في احدى مقاهي محلته، وكانت وفاته المبكرة دون الخمسين عام(1992)، بمرض"الحمسة " اي بحرقة القلب واستشاطته، وذهب المعلم طاويا آلامه تاركا ابداعه الغزير، اذ قال عنه الراحل محسن اطيمش:"لم يبلغ الخمسين لكنه اخصب دنيا نقدية بارعة، او كانت كل تلك الغزارة، وهذا من اغرب الامور، نتاج قراءات في المقاهي والفنادق والحافلات وبعض المكتبات، نتاج رحال فقير مدقع، لا بيت، ولا زوجة ولا حبيبة ولا مستقر الا على ضيم ".

في الفصول الاخيرة يذهب المؤلف للحديث عن مقتل العائلة المالكة باستذكار مصير بعض شخصيات محلته التي تقلبت احوالهم بتقلبات السياسة، واقتلعوا من بيوتهم في العباسية، بعد ان ازدحمت كرادة مريم بالبعثيين اذ لم يسلم من عروبة صدام احد، وكان ثمن تهديدات الحزب الغرق في الخمرة، فهي حجتي الوحيدة، التي املك ان ارفعها امام وجوههم على عدم صلاحيتي لأي شيء، لا صلاحية للحياة ولا صلاحية للموت، وسلمت بريشتي، لكن العباسية لم تسلم بريشتها، ولم تسلم كرادة مريم والكرخ ولا بغداد ولا العراق.. اما الدرس الذي تلقنه وهو صغير فلا حد لقسوته في صباح 14 تموز"درس املته ارادة الطبيعة وارادة التاريخ العمياء في مشهد الفخذ الانساني المحترق، فخذ نوري سعيد الذي سحل في الشوارع، فخذ لجسد بشري حمله رجل يصيح وهو يدور مبحوح الصوت"هذا ما تبقى من جسد خائن الشعب " يتوقف ثم يسكب قطرات من النفط من تنكة في يده الى الاستطالة اللحمية، فتصاعد النار من جديد، ومع الدخان يتسارع رائحة اللحم والعظم من جسد ابن آدم ". بعد العثور على نوري سعيد بعد اختفائه في ازقة البتاوين مرتديا عباءة نسائية سوداء، ويضيف المؤلف"كان 14 تموز صمام امان فتح لأن نكسر القيد وينطلق من عقاله الى حياة الغاب، وان قرونا عراقية مظلمة اسهم بها العثمانيون ظلت كامنة في اعماق كياننا، وما حاوله الانكليز والملك فيصل ودولة القانون والدستور لم يكن بالنسبة لنا اكثر من محاولة كبح " فالناس تهتف وتصفق وتقفز حول الفخذ المحترق برائحته المرعبة فكانت الثورة مجرد طوفان لازالة عقبة العقل، ويرى المؤلف ان نصوص الكتاب ظلت تعزز هذه القيم وتهلل لها، خاصة لدى الجيل الستيني الابن الشائه لضجيج الافكار على خلفية تدمير المؤسسة والدستور والنظام البرلماني والقانون.

واخيرا يرى الشاعر فوزي كريم في سرده لسنوات من التاريخ والاحداث المتداخلة بسيرته الشعرية، بانها رؤى وافكار وليست استعادة لتاريخ شخصي، او محاولة لادراك الماضي على ضوء مشاعر الحاضر، معتمدا الذاكرة وليس التاريخ كونها ملاذ الشاعر، اذ وجد فيها عزاء وغنى، بعد مرحلة المنفى التي امتدت به الى اكثر من ربن قرن فجاءت حافلة ومتنوعة بالاحداث وعميقة بالافكار والتصورات واستذكارا لشخصيات ورموز لطالما ضمت اسماءها في الشعر في الخمسينيات والستينيات وما بعدها كالحصيري وحسين مردان وشريف الربيعي وسواهم من الادباء وحضور شارع ابي نواس والنهر ومحلات الكرادة والكرخ.

كاظم حسوني


التعليقات




5000