هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الانتحار في نظر التحليل النفسي

كاظم حسوني

يرى نيتشه ان الموت نوعان، طبيعي، وهو هذه الظاهرة الطبيعية التي لا مفر، ولا حيلة للمرء في دفعها، ثم موت (ارادي) وهو الانتحار، الموت الطبيعي، هو موت لا دخل لارادة المرء فيه، وهو موت الجبناء، ويجب على الانسان في رأيه، حبا في الحياة، ان يريد الموت على نحو آخر، ان يريده حرا، يكون يوم عيد، بل اجمل الاعياد، الذي يقبل عليه الانسان طائعا مختارا ويجذبه بنفسه، ومن يمت موتا اراديا، يمت ظافرا، ومن حوله اناس قد شاعت في نفوسهم الاماني، وامتلأت قلوبهم بالتمنيات والآمال، اما الموت الطبيعي فهو الموت العبوس الذي يسترق الخطى كاللص ومع ذلك يأتي سيدا، لا مفر من الخضوع لمشيئته ولا حيلة في دفع سلطانه، هذا ما استهل به الباحث مكرم شاكر اسكندر دراسته (ادباء منتحرون)، ويعلق على هذه الافكار بالقول: انهم لبوا في اخلاص، ما دعا اليه نيتشه، وهم في الحقيقة فعلوا ذلك قبله بأزمنة سحيقة، وهم يدمرون ذواتهم في قسوة وعنف بالغين، في الوقت الذي قد يحزن فيه بعض الافراد اذا اصاب خدش احد اطراف اصابعهم، وهنا جاءت رسالته التي تقدم بها الى جامعة القاهرة بحثا معمقا عن السلوك الانتحاري المثير للدهشة، والاسى والحزن، بوصفه سلوكا مضادا للحياة، مدمرا للحياة ذاتها، فيه يدمر الفرد ذاته بيديه بدلا من ان يوفر لها اسباب الحياة، يودع العالم بما فيه، ومن فيه اسفا او غير اسف، وحيال ذلك تزداد الاسئلة تكرارا، لماذا يفعل المنتحر ذلك، ولماذا يقدم على ما لا يقدم عليه غيره؟ وما هي الاسباب والعوامل المؤدية الى ذلك الى غيرها من الاسئلة التي تصوغ كما هائلا من البحوث بشأن هذه المشكلة، او الظاهرة.

السلوك التدميري

هذه الدراسة تندرج ضمن البحوث التي تحاول دراسة السلوك التدميري الذي اقدم عليه أديبان من اكبر ادباء القرن العشرين على حد وصف الباحث، هما الاديبة البريطانية فيرجينيا وولف، والروائي الاميركي ارنست همنغوي، وقد قام البحث بتحليل اربع روايات طويلة، اعتمد فيها، منهج التحليل النفسي الفرويدي، اشتملت الرسالة على ثلاثة ابواب، ضمت احد عشر فصلا، تصدرها مدخل للبحث، عرض فيه مشكلة الانتحار من جوانب متعددة، اوضح فيه الاستاذ مكرم شاكر هدف دراسته وخطة عمله، ويرى ثمة قصورا في البحوث التي تناولت قضية الانتحار، باعتمادها اسلوب الاستفتاءات كاختبارات لقياس العوامل الشعورية، فضلا عن ان الافراد موضوع الدراسة الذين يؤخذون(كعينة) بعد محاولاتهم الفاشلة في الانتحار، قد تؤثر فيهم تلك الخبرة المؤلمة التي خبروها، وهم يحاولون قتل انفسهم بقدر كبير او صغير، ما قد يجعل موقف الاختبارات حتى الاسقاطي منها، موقفا منفعلا او غير دقيق، ما يستدعي للقيام، ببحوث اكثر شمولا وعمقا، ما دفع بالباحث الى تبني منهج التحليل النفسي، لدراسة اعمال ابداعية لاثنين من ادباء القرن العشرين هما فيرجينيا وولف، وارنست همنغوي، وانطلق لدراسة اربع روايات لهذين الاديبين.

الاختلال والتشوش

فيما يتعلق بالاديبة وولف عرض تاريخ حياتها ابتداء من مولودها عام 1882 حتى انتحارها غرقا في عام 1941، مشيرا الى تلقي تعليمها على يد والدها (سير ليسلي ستيفن) ووالدتها، واصفا حالات اكتئابها، واضطراب عقلها، اثر اعتداءات اخيها غير الشقيق(جورج) عليها، التي اورثتها الاضطرابات العاطفية، والانهيارات العصبية، ما دفعها للانتحار اكثر من مرة، الى ذلك ذهب الباحث الى تقصي علاقاتها بالرجال التي كانت يشوبها الاختلال والتشوش، اما علاقتها بليونارد وولف الذي تزوجها عام 1912، فقد سادها البرود والنفور الجنسي من قبل فيرجينيا، الى جانب ما كان ينتابها من انهيارات عصبية، وما تبديه من كراهية صريحة للرجال بما فيهم زوجها، لكن ظلت تشدهما علاقة معذبة استمرت الى عام 1941 حيث انهت فيرجينيا حياتها في نفس السنة، مخلفة وراءها نتاجا روائيا ثرا، منه(رحلة الى الخارج 1915) (الليل والنهار 1919) (حجرة يعقوب 1922) (مسز دالواي 1925) و(الفنار 1927) التي اتخذت كنموذج من رواياتها للدراسة والتحليل، وجاء اختيار الباحث لها كون هذه الرواية تنطوي اهميتها لانها تصف حياة فيرجينيا الشخصية والاسرية، كاشفة الكثير من المشاهد والاحداث، والتخييلات الاكتئابية، والخلط الذهني، والعدوان المكثف الذي تكنه الكاتبة نحو الاب، الذي اظهرت الرواية مدى قسوته وساديته كما يرى الكاتب، الامر الذي فاقم من ازمتها النفسية والاجتماعية فضلا عن الصدمة التي تسببها  اخوها (جورج) اثر العلاقة الجنسية المحرمة، وغيرها من الاسباب التي انتجت صراعا نفسيا اليما ظل ملازما لها طيلة حياتها، بعد ذلك ينتقل الباحث لدراسة الروائي العالمي ارنست همنغوي المنتحر 1961، الذي يصف النقاد اسلوبه بانه مفعم بالفحولة والحيوية والانبساطية، وينم عن احساس جمالي بالغ الرقة، عاش همنغوي متقمصا اهتمامات والده الطبيب الذي كان يمارس هوايات عديدة، مثل صيد السمك، وقنص الحيوانات، لكنه كان يعمل في الصحافة في بواكير حياته مراسلا حربيا لاحدى الصحف خلال الحرب العالمية الاولى مع الصليب الاحمر، وبدأت شهرته في ميدان الادب بعد صدور روايته(الشمس ما تزال تشرق 1926)، وازدادت بعد نشر روايته (وداعا للسلاح 1929) ، كما شارك في الحرب الاهلية الاسبانية، وكتب عنها روايته(لمن تقرع الاجراس 1940) التي لاقت نجاحا واسعا وترجمت الى عدة لغات، وعزز من مكانته الادبية في الاوساط العالمية، صدور روايته (العجوز والبحر) عام 1952 التي اسهمت الى حد كبير في صنع مجده الادبي، وحصل عنها على جائزة نوبل عام 1954. لكنه بعد سنوات قلائل اطلق الرصاصة على رأسه.

الدوافع الشائعة

يرى الباحث ان السلوك المرتبط بالانتحار يمكن ان يوضع على متغير، احد طرفيه الشعور بالامل، والطرف الآخر الشعور باليأس، لذلك يؤكد اصحاب هذا المنهج انه كلما زاد شعور الفرد باليأس، كان السلوك الانتحاري اكثر تهلكة، مشيرا الى ان اكثر الباحثين يرون ان فقدان الامل او اليأس هو من اكثر الدوافع الشائعة للرغبات الانتحارية، خاصة عند المرضى شديدي الاكتئاب، ويرى اكثرهم ان ازدياد معدلات الانتحار في اوروبا، كان ابان الانهيار الاقتصادي العالمي عام 1930، في الوقت الذي تشير فيه الى انخفاض معدلات الانتحار بشدة في اوروبا ابان الحربين العالميتين، اما الوسائل فيعتقد بان نسبة الرجال الذين يستخدمون الشنق او الخنق، اعلى من نسبة الاناث، فضلا عن استخدام  الاسلحة النارية من قبل الرجال دون النساء اللاتي يستخدمن وسيلتي الغرق او التسمم بالعقاقير، وحسب الباحث ان ابرز ما يلاحظ على محاولي الانتحار، هو الاكتئاب، وهو التشخيص الشائع، وهناك اقلية تعاني من الفصام، فضلا عن الحالات العقلية العضوية، ويذهب الى ان اختلاف الاتجاهات النظرية للباحثين، واختلاف توجهاتهم المهنية، انتج اختلافا في المنهجية، واثمر في النهاية اختلافا في النتائج المحصلة، لكنه يعد ذلك امرا طبيعيا في علم النفس، كما هو الشأن في العلوم الاخرى، الا انه يسجل مأخذا على الدراسات التي تناولت مشكلة الانتحار من خلال اشخاص حاولوا الانتحار، اذ يرى ان هؤلاء الافراد ليسوا جميعا بالضرورة كانوا يقصدون الانتحار، ومن جانب آخر، فان هذه الدراسات تقوم بعد اتمام هذه المحاولات وفشلها طبعا.. ما يجعل الدارس يشكك في صحة وصدقية هذه الاختبارات والتجارب، لذا يلفت الباحث الى انه لم يبق امام المختص الا القيام بدراسة المنتحرين الحقيقيين الذين تأكد انهم يقصدون تماما الانتحار، بدليل نجاحهم فيه، لكنه يتساءل كيف يمكن دراسة الموتى؟ ويجيب ان ذلك يمكن عن طريق دراسة آثارهم الفنية كالادب والفنون، وهنا كان الادب مادة البحث الرئيسة لهذا الكتاب، باعتماد الباحث نظرية التحليل النفسي الفرويدي منهجا لدراسته التي لا تقف عند حدود السلوك الظاهري للفرد انما تمتد الى اعماقه دون ان يطابق بين السلوك الظاهري المحدود والحياة النفسية الثرية التي تحتل فيها المضامين اللاشعورية حجر الزاوية، وفي ضوء ذلك يصف الانتحار من وجهة نظر التحليل النفسي بانه المحصلة النهائية لعمليات لا شعورية بالغة العمق والثراء والتعقيد، ويرى ان الحياة النفسية هي محصلة الوحدة والصراع الجدلي بين غرائز الحياة وغرائز الموت.

الابداع يرمز لشخصية الفنان

اما النموذجان المتمثلان بالكاتبة الانكليزية فيرجينيا وولف، والروائي الاميركي همنغوي، فقد جاء اختيارهما حسب الباحث عشوائيا ضمن المنتحرين وتحليل ابرز اعمالهما التي يمكن من خلالها الافصاح عن نوازعهم وهواجسهم وافكارهم، وعوالمهم النفسية الخفية، واخضاعها للبحث المختبري، كرواية(الفنار) لفيرجينيا وولف التي تكشف عن حياة الكاتبة وازماتها الاسرية، وصراعها النفسي الاجتماعي.. وبالنسبة لهمنغوي فقد اختيرت له ثلاث روايات تمثل في حقيقتها تغطية زمنية لحياته، وهنا تجدر الاشارة الى ان الكاتب لا يهدف من بحثه ايجاد تفسير لعملية الابداع الفني، انما التحليل النفسي ضمن ما يقره فرويد(لا يملك ان يكشف عن طبيعة الموهبة الفنية، ولا يستطيع ان يبني الوسيلة التي استخدمها الفنان، اي الاسلوب الفني)، ويؤكد المختصون ايضا ان التحليل عاجز عن حل مشكلة الابداع من حيث هو عملية سيكولوجية تنتج صورا ومعاني جديدة مبتكرة، ولا يستطيع ان يفسر عبقرية المبدعين، لكنه يسعى الى كشف العوامل التي ايقظت هذه العبقرية، لذا نبه الباحث ان هدف هذه الرسالة يأتي في المقام الاول لتحليل شخصية الاديب من خلال دراسة اعماله ، وبهذا الشأن يورد كلمة(لفرويد) عن الفن والفنانين يقول فيها(الفنان شخصية ذات استعداد منطو، وليس بينه وبين العصاب شقة بعيدة، وهو شخص تحفزه نزعات عنيفة صاخبة، فهو يصبو الى الظفر بالقوة، والتكريم، والثراء والشهرة، ومحبة النساء، لكن تعوزه الوسائل الى تلك الغايات، لهذا فهو يعزف عن الواقع شأنه في ذلك شأن كل فرد لم يشبع رغباته، ويتصرف بكل اهتمامه، وبكل طاقته اللبيدية ايضا الى الرغبات التي تخلقها حياته الخيالية، ويضيف: الفنان يعرف كيف يفرغ على احلام يقظته صورة تجردها من طابعها الشخصي الذي يثير التبرم والضيق في نفوس الغير، وبذا تصبح مصدرا للذة والامتاع، كما انه يعرف كيف يحورها، ويشكلها بصور معبرة عن الافكار التي ينضمها خياله تعبيرا صادقا، ويموه عن الام الكبت، وحين يفلح في هذا كله يمنح الآخرين فرصة، هي بلسم وعزاء، ومتنفس لمنابع اللذة اللاشعورية لديهم، وبذلك يغدو خليقا بتقديرهم واعجابهم، وبذا يكون قد ظفر عن طريق خياله بما لم يوجد من قبل الا في خياله، التكريم والقوة، ومحبة النساء، وبذلك يتحول العمل الفني الى مظهر من مظاهر السلوك.

علاقة مزودجة

ويحاول الدكتور يوسف مراد تفسير السلوك بمفاهيم التحليل النفسي، وربط شخصية الفنان باثره الفني، الذي يعبر بطريقة رمزية عنه، وعن دوافع السلوك الشعورية واللاشعورية.. ويرى ان العلاقة القائمة بين الاديب وعمله، هي علاقة مزدوجة ذات اتجاهين، اذ يمكن تحليل العمل وتفسيره بالقاء الضوء على بعض اتجاهات الاديب ودوافعه، وما قد يعانيه من صراعات نفسية، وما اكتسب من خبرات في فترة الطفولة، يمكنها جميعا ان تساعد على تحليل الادب، فالمبدأ الاساس في مجال تطبيق التحليل النفسي لدراسة الابداع الفني في نظرية فرويد يذهب الى ان افكار اي شخص وعواطفه وافعاله في لحظة ما، تتوقف توقفا تاما على تطور دوافعه الشخصية وتشكيلها خلال الخبرات التي سبق ان عاناها، مشيرا الى الدور المميز الذي تضفيه الطفولة في تكوين الشخصية، ويخضع هذا التكوين لتأثير عاملين اساسيين، هما النزعات الغريزية من جهة، واهمها الجنسية والعدوانية، وطبيعة الموقف السيكولوجي والاجتماعي من جهة اخرى، ويعتقد فرويد ان الفن ينتج حين يندفع الانسان تحت وطأة رغباته اللاشعورية الى انتاج ما يشبه اشباع تلك الرغبات، وبذلك تكون الاعمال الفنية معبرة عن حياة الفنان اللاشعورية، بما فيها من ذكريات مكبوتة، تنحدر الى عهد الطفولة كعقدة اوديب، او حب المحارم، وبالتالي فان الفن هو ضرب من الاعتراف الذي يريد الفنان عن طريقه ان ينفس عن رغباته المحبوسة، ويعرف الفن في رأي الباحث: بانه انفجار لا شعوري يحدث في الحياة الشعورية لتلك الرغبات التي لم ينجح الرقيب في كبتها، ويخضع الفن لتأثير الميول الجنسية والرغبات المحرمة، التي تلزم الفرد بان يختار واحدا من امرين، فاما الصراع مع العالم الاجتماعي، او التوازن الباطني، ويضيف بان الفن كالجنون من حيث انه تحرر من العقد الغامضة، وتحرير للطاقة، وهو تطهير واخراج.  

مظاهر الفحولة

عند تناول فرجينيا باعتبارها النموذج الاول للباحث في رسالته، يصف حياتها العاطفية منذ البدء بانها بدأت بجرح غائر، سببه لها اخاها غير الشقيق(جورج) بمداعباته الجنسية لها، التي تحولت فيما بعد الى ممارسات في حجرة النوم! ما جعلها تتعرف على الحب الآثم وهي صغيرة، بصورة تختلف عن الافلاطونية البريئة التي رسمتها في ذهنها على حد تعبير الكاتب، وغدت تشعر وهي صبية ان اخوها قد حطم حياتها وافسدها قبل ان تبدأ، ويضيف: ولما كانت فيرجينيا تخجل من النواحي الجنسية والعاطفية ازاء ما حدث لها، اثرت الصمت واصبحت ترتعب منها، واضطرت لكي تحمي نفسها الى اتخاذ مواقف سلبية جامدة باردة حيالها، لكن مشاعرها ومواقفها وافكارها اتضحت في روايتيها(مسز دالواي) و(الفنار) كما يرى الباحث، فضلا عما اكدته مذكراتها التي دونت فيها حالات اضطرابها، وما يصاحبها من اعراض ارتفاع نبضها، وسرعة غضبها، وما اصابها من الاكتئاب والنفور، حتى اصبحت تخشى الناس، وتخافهم، ويحمر وجهها خجلا اذا ما خاطبها احد، وتمشي منكسة الرأس. فكانت محاولتها الاولى للانتحار حينما القت نفسها من نافذة لم تكن عالية، وقد وصفت حالها لاختها في مذكراتها عام 1911 (لم استطع الكتابة، خرجت كل الشياطين سوداء كثيفة الشعر، ها انا في التاسعة والعشرين، دون زواج، مثال للفشل، دون اطفال، مجنونة ايضا، لا اجيد الكتابة) وتفشل علاقتها مع(والتر هيد لام) وتفشل ايضا مع(ليتون ستراش) الذي طلب يدها 1909، لكنها تتزوج عام 1912 من ليونارد وولف، ورغم الحب الذي نشأ بينهما، لكن ليونارد يفشل رغم سعيه الحثيث في ان يعيد لفيرجينيا انوثتها، وثقتها بنفسها، وينسيها خوفها من الرجال. ما جعل الجميع يلقون باللوم على اخيها(جورج) الذي حطم حياتها، وتركها فريسة للتخيلات المريضة والهلوسات والخوف، وفي 1913 تسوء حالتها الصحية والنفسية، وتشتد فيها النزعة الانتحارية، فتتناول مائة حبة من(الفيرونال) لتقضي على حياتها، وتظل في رعاية الممرضات حتى نهاية العام.. وبعد تحسن نسبي يعاودها الاضطراب فتدخل احدى المصحات، في عام 1915 تظهر فيها اعراض الجنون، كالثرثرة، والتشوش الفكري، والتحدث دون توقف حتى ينتهي بها الامر الى اللغو والبربرة، كما ينقل مؤرخ حياتها. 

الباحث يدعو القارئ الى تأمل رواياتها(كالامواج) و(الفنار) اذ يمكنه ان يلحظ هلوساتها، واجواء الاكتئاب والحزن والتوتر، رغم ما يؤطر هذه الصفحات من جمال الفن، الى جانب ما كتبته في مذكراتها عام 1928(انا تعسة، تعسة، مكتئبة، منقبضة، يا الهي، اني اتمنى الموت، ولكن لماذا هذا الاحساس، لارقبن الموجة وهي تعلو، اني ارصدها) ، ويضيف الباحث ان فيرجينيا كانت تحاصرها صورة مفزعة ذكرتها في مذكراتها لـ(زعنفة) تتهددها بالخطر، وهي تراها تشق الامواج، تريد افتراسها، وتدخل في دوامة الامواج حتى تصاب بانهيار مفاجئ، من ناحية اخرى رصد انحراف فيرجينيا الجنسي، وتشوه انوثتها، وقد تمثل ذلك بالعلاقة الشاذة التي اقامتها مع صديقتها(فيتا ساكفيل)، ووقوعها في غرامها، حيث احبتها بتلهف رجالي، حسب تحليل صاحب الرسالة، رغم ان فيرجينيا في ذلك الوقت كانت في الاربعينيات من عمرها، ويرى في روايتها(اورلاندو) تعبيرا عن هذه العلاقة، وتخليدا لهذا الحب الجنسي الذي كانت تكنه لصديقتها(فيتا)، في عام 1932 اي في الخمسين من عمرها تنشر روايتها(الامواج) وبعدها باعوام قلائل تبدأ الحرب الاهلية الاسبانية، فتتأثر فيرجينيا بذلك لانها تكره العنف، وفحولة الرجال، وحين تنشب الحرب العالمية الثانية بعدها بثلاثة اعوام تزداد مخاوفها واحزانها خاصة عندما بدأت تلاحظ شوارع لندن تمتلئ باللاجئين، وكان من بينهم(فرويد) فتقرر زيارته، حينها اهداها زهرة نرجس، في 1940 تتأزم اكثر اثر تطورات الحرب واخبارها المفجعة، فتهرب الى منزل ريفي بجوار نهر(اوز)، وتطوف من جديد فكرة الانتحار بذهنها، فتفكر باستعمال غاز السيارة المحترق، او باستخدام(المورفين)، كما جاء في مذكراتها، ومع مرور الايام كانت لا تفكر بشيء سوى الانتحار، بعد ان اغرقتها كوابيس حياتها الخاصة، والام الحرب واخبارها المدمرة. 

(الفنار.. رغبات فيرجينيا المكبوتة)

في صباح 28 مارس 1941 خرجت فيرجينيا الى شاطئ النهر، وهي متحرقة لانهاء حياتها، وقبل وصولها الى الضفة عمدت الى حشر الاحجار الثقيلة في جيب معطفها، ثم القت بنفسها وسط الموج لتموت غريقة كما ارادت.. واثر موتها كان من بين تعليقات النقاد ان الكاتبة كانت قد رثت نفسها كميتة، ورثت الحبيب الميت، مثلما رثت الحب، في العديد من رواياتها التي تزخر باعترافاتها والامها ومخاوفها، خاصة في روايتها(الفنار) التي تميزت باسلوب بارع في الاعتراف، الى جانب عنصر آخر هو(البحر) الذي يسمع في الرواية في كل مكان. كما وصفه الباحث مضيفا بان(الفنار) فيها الكثير من الاشارات الدالة على اضطرابها العقلي، وعلى هذياناتها، والرواية برأيه تنضح كلها بالاكتئاب، والتخيلات السوداء، ملفتا الى ان الرواية تلخص رغبات الكاتبة اللاشعورية، وتعبر عن مشاكلها، والامها النفسية والعاطفية، واضطرابها العقلي، مثلما تفصح عن رغبتها في ان تصبح رجلا!.

وداعا للسلاح ورغبة التلاشي

بعد ذلك ينتقل الباحث الى قمة ادبية اخرى هو الروائي المعروف همنغوي، متناولا في الدراسة اهم اعماله(وداعا للسلاح) (لمن تقرع الاجراس) (العجوز والبحر)، في مسعى حثيث لاستنباط الدوافع والاسباب التي دفعت مؤلفها الى الانتحار، عبر ابداعه الروائي، كما حصل مع الروائية فيرجينيا وولف، لان الادب والابداع عموما يعبر كما اسلفنا عن شخصية الفنان والاديب، وعن اعماقه الخفية، ورغباته وعقده، مثلما يفصح عن خبرات الطفولة، خاصة السرد الروائي اذ يمكننا التعرف من خلاله على افكار وآراء وفلسفة الكاتب، وفي ضوء ذلك يرى الباحث ان همنغوي في روايته (وداعا للسلاح) كان يصرح على المستوى الشعوري عن عدم جدوى الحرب، معلنا ادانته لها، لكنه يظهر على المستوى اللا شعوري، رغبة دفينة لا شعورية عميقة في العودة الى رحم الام، ثم الموت بعد ذلك! ويضيف ان(وداعا للسلاح) تشير بقوة الى نزعة اكتئابية مازوخية، ورغبة لا شعورية الى التلاشي او عدم الوجود، او الوصول الى العدم والفناء، وفي الرواية نرى ان الرحم والحرب تلفظ موتا، لكن البطل يود الا يكون قد وجد اصلا حيا! وان يكون قد مات قبل ان يوجد، ويذهب الباحث الى ان الصفحات الاولى للرواية تحمل اجواء اكتئابية، سوداوية للحياة، والوجود، وتتضمن ما اسماه (الحب موتا)، حين يجعل الروائي بطله(هنري) يقع في حب الممرضة (كاترين) ثم يميتها في النهاية، ويميت جنينها ايضا، انها ثيمة الحب الذي يموت، وهذا ما تؤيده فروض (فرويد) عن نزعة المريض السوداوي في القضاء على نفسه، وعلى الانسان الذي يحبه ايضا.

(نزعة الحب موتا)

 رواية(لمن تقرع الاجراس) تعبر عن هذه النزعة من خلال بطله(روبرت) في حبه للفتاة الاسبانية(ماريا) اذ يعبر عن الحب الذي يكنه لها قائلا (انني لاود ان اموت ونحن نمارس الحب)، والحب موتا يشاهد ايضا في كل انحاء الرواية، فمعظم الشخصيات الحبيبة للبطل تموت في الرواية، وهذا لا يأتي مصادفة على حد تعبير الباحث موضحا بان همنغوي يدمج على الدوام موضوع الحب في اعماق ذاته، وفي لا شعوره، لكنه يميت هذا الموضوع، في اعمق اعماقه، فضلا عن اجواء القتل والموت في الروايتين، ففي(وداعا للسلاح) تكون الحرب العالمية الاولى الخلفية التاريخية للاحداث فيها، وفي (لمن تقرع الاجراس) الخلفية هي الحرب الاهلية الاسبانية. ثم يعود ليؤكد بان الحروب في روايات همنغوي تأتي ضمن مشروع العدوان الموجه للآخرين وللذات ايضا، اما في رواية (العجوز والبحر) فتتمثل نزعة الحب موتا من خلال حب العجوز للسمكة، حين يكلمها(ايتها السمكة اني احبك واحترمك كثيرا، ولكني ساصرعك حتى الموت قبل ان ينتهي هذا اليوم) وفي مكان آخر يكشف بان العجوز يقرر لا شعوريا قتل ذاته، وهو يبرر هذا القرار(قرار قتل الذات) بانه اصبح عجوزا، وخلص الباحث عبر دراسته لروايات همنغوي الى القول: ان الرغبة الانتحارية لديه كانت قابعة في اعماق لا شعوره وقد سجلها في روايته(وداعا للسلاح) وبقية اعماله، من كل ذلك يتضح ان احد اهداف الدراسة التي اعتمدت تحليل الاعمال الابداعية للكاتبين فرجينيا وولف، وهمنغوي هي محاولة للتأكيد على الحتمية السيكولوجية، التي تشير الى ان كل ما يصدر عن الانسان، انما يعبر ويرمز الى مكوناته النفسية والى اعماقه اللاشعورية.. وقد كشفت الروايات العديد من الجوانب الخفية، والمشاكل النفسية، ويلفت الباحث الى ان دراسته تؤيد طروحات التحليل النفسي الفرويدي، في تفسيره لديناميات الانتحار وارتباطه بالاكتئاب من ناحية ومراحل تطور البناء النفسي وكشف نزعات العدوان من ناحية اخرى، كما تجلى لدى الاديبين على نحو مكثف وعنيف ومدمر، للاخرين، وللذات، مبينا بان مظاهر العدوان الموجه ضد الذات تتمثل بالقدر الهائل من المازوخية لدى الاديبين، والرغبة في ايذاء الذات وتبكيتها، اما الصور العدوانية فتمثلت في مشاهد الحروب والتدمير، والموت،، والمازوخية لديهما تصل الى الذروة ثم تتحول الى تحقيق رغبة عميقة ودفينة، في تدمير الذات، وهذا ما تم استنباطه من الروايات التي تمت دراستها.

اذا اقترن التصعيد والاضطراب النفسي في روايات فيرجينيا وولف الى دفعها للانتحار غرقاً، وتحقق عند همنغوي باطلاق الرصاص على نفسه.                               

كاظم حسوني


التعليقات




5000