.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


1000 يوم في سجن نقرة السلمان ( الحلقة 13 )

لطفي شفيق سعيد

تسارعت ساعات اليوم الثالث من تموز عام 1963 وأخذت شمس النهار الحارقة تلهب أجساد ورؤوس السجناء وتبخر كل شيء تلامسه وأهم هذه الأشياء أحلامهم وأمانيهم المعلقة بحبل الخلاص ، ومع مضي الوقت أصبح جميع من تسورهم أسوار سجن نقرة السلمان يشعرون بأنهم قد فقدوا عزيزاً عليهم وهل هناك في الحياة أقسى على الأنسان فقدان من يحبه ويملأ أفق دنياه فلطالما كانت تلك الحالة تترك فراغاً هائلاً في النفس وتحولها الى صحراء قاحلة أشبه ما تكون بتلك المساحة الممتدة بين موقع السجن وبين مدن وقصبات الأحزان في أرجاء الوطن المذبوح بغفلة من الزمن والذي أصبح

يغوص في اللانهاية . ان هذا الشعور باليأس العارم قد تولد نتيجة
الخبر الغامض والمحبط الذي تناقلته 
( راديوات الترانسستر ) المخبأة بين أضلع السجناء وفي زوايا غير مرئية في القواويش والقلعة الحجرية حيث أشار البيان الأول في حيثياته ومفرداته ان مجموعة من ضباط صف وجنود عراقيين أردوا هد جدران السجون واطلاق سراح آلآف المعتقلين من شيوعيين وقاسميين وديمقراطيين ممن اعتقلتهم فصائل القسوة والرهبة ونزيف الدماء في 8 شباط من العام المذكور .

كان البيان الأول الذي اذيع من محطة اذاعة بغداد يتضمن تفاصيل مقتضبة عن المحاولة والقائمين بها وما هية اهدافهم ، إلا أن الأمر المهم الذي توصل اليه السجناء عند سماعهم للخبر هو ان الحظ العاثر يأبى أن يفارق حياتهم منذ أن وضعوا أول خطوة على طريق المهمة الصعبة وهي انقاذ الوطن من التردي والتخلف حيث تصدت جميع الأطراف لقضيتهم واقرب الناس لمنهجهم وخاصة السلطة الوطنية

لمرحلة ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958  وتم تسديد ثمن وطنيتهم واخلاصهم سلفاً ومنذ السنة الاولى من انبثاق ( الجمهورية العراقية الخالدة ) وصار ذلك الثمن باهضاً ومكلفاً عندما

وجدوا أنفسهم خلف القضبان كالقطعان

وفي غور النسيان يحملون أنقاض حياتهم على أكتافهم والى الأبد ، ومما زاد من أعبائها ما أشار اليه ذلك البيان بعد أن توصل جميع من كان في سجن نقرة السلمان في ذلك التاريخ والوقت أن مسافة الخطوة الأولى على طريق الآلام والأحزان قد أصبحت تمتد الى آلآف الخطوات .

لقد بدأت شمس يوم الثالث من تموز عام 1963  تميل نحو الغروب وبدأت حدتها وتحدي السجناء لوهجها يخف تدريجياً وخلال ذلك بدأ القلق ينمو ويتصاعد في نفوس جميع السجناء بعد أن ضربوا أخماس بأسداس للوصول الى الصورة الواضحة ولما جرى ليلة أمس على تخوم العاصمة وعند مشارف معسكرات الجيش وكيفية قمع تلك المحاولة الجريئة التي مزقت كفن اليأس والقنوط والأبطال الأسطوريين الذين شقوا عصا الطاعة على الخنوع وسياسة تهدئة الخواطر وعدم اتباع طريق العنف والمغامرات العسكرية والذي تبنى الحزب الشيوعي العراقي شعارها وثقف كوادره الحزبية العسكرية بها في وقت كانت فيه فصائل الانقلابيين تدق أبواب وزارة الدفاع بكل عنف لإكتساحها وحسب خطة عسكرية مدعومة من أطراف عديدة من الداخل والخارج وبتمهيد واضح وفاضح لا يرقى الى الشك اضافة الى ما انعكس على الشارع العراقي من تداعيات وتظاهرات واضرابات لم تستثن من ذلك البغايا والقوادين لغرض ارباك الوضع القائم آنذاك .

ما أن حل منتصف ليلة الثالث من تموز عام 1963 حتى سقط السجناء في لجة النوم بعد ما أصابهم الإعياء من هول ما سمعوا وبعد ان راودتهم الحيرة بسبب تضارب الأنباء ومن أجل أن يصبحوا على يوم آخر عليهم أن يلحسوا أسوار سجن نقرة السلمان بألسنتهم يومياً من الصباح الباكر والى المساء عسى أن يأتيهم الفرج من انسان اسمه ( إن شاء الله ) فيهد تلك الأسوار كما ورد في اسطورة مدينة طيبة وسكنتها قوم ( يأجوج وماجوج ) الذين منعت آلهتهم ( ميدوزا ) عنهم الخروج من المدينة المسورة بأسوار حجرية عالية ، لقد كان القوم يخرجون منذ شروق الشمس ليبدؤا بلحس أسوار مدينتهم بألسنتهم آملين إزالة ذلك السور لكن سرعان ما يصيبهم التعب والإعياء فيسقطوا نياماً ويعود السور الى حالته السابقة في صباح اليوم الثاني وهكذا كان حالنا ونحن ننتظر المنقذ والذي نقلت عنه الأخبار بأن مهمته قد أحبطت لأن صاحبها لا يمتلك تميمة ( إن شاء الله ) .

كان سجن نقرة السلمان يبعد مئات الكيلومترات عن أقرب مدينة يمكنها إيصال الخبر اليقين الذي شغل أذهان السجناء وجعلهم في حيرة من أمرهم للتوصل الى حقيقة ما جرى بالأمس القريب حتى أن المجموعة الصغيرة التي أخذت على عاتقها التنسيق بين ادارة السجن والسجناء لم  تفلح بإقتناص أي معلومة واضحة وخبر مؤكد يزيل الغموض الذي اجتاح السجن والسجناء في ذلك اليوم المشئوم ، وعلى هذا المنوال أخذت ساعات اليوم الرابع من تموز عام 1963 تجر أذيالها واهنة وبطيئة مما جعلت ذلك اليوم يبدوا ثقيلاً وقاتماً ، وانشغل السجناء أو بالأحرى شاغلوا أنفسهم بالواجبات الروتينية والمهمات التي استوطنوها وتأقلموا عليها والتي هي أشبه ما تكون بحياة سكان الصحراء من البدو و كما ذهب اليه الباحث العراقي المرحوم ( الدكتور علي الوردي ) عندما أشار الى حالة التناقض التي تبرز عندما ينتقل البدوي الى المدينة وينقل معه عاداته وتقاليده التي تفرض نفسها على قيم المدينية فيخرب معالمها وبعكس ذلك عندما يحاول المديني أن يتشبة بالبدوي ويقلد عاداته ولهجته فيبدوا ( كالغراب الذي ضيع المشيتين ) ، أما حالنا نحن الحضريون والمثقفون الذين زج بنا في قلب الصحراء فمهما حاولنا ان نتأقلم مع حالة الصحراء وأجوائها وقساوتها ورياحها الرملية اللاهبة المحمرة فان أفكارنا وعاداتنا لا تسلخ جلودنا وتستبدلها بجلود أخرى أشبه بجلود البدو .

لقد لملم اليوم الرابع من تموز عام 1963 مضاربه وأطنابه وما أن حل المساء حتى بدأت حالة السكون والصمت الرهيب تلف أرجاء السجن وخمد السجناء مفترشين ساحة السجن الرملية بأبسطتهم البسيطة وراح الكثير منهم يغط بنوم كابوسي ثقيل وآخرون أبحروا في رقعة السماء المعلقة فوقهم يحصون نجومها عسى وأن عملية الإحصاء تساعدهم على الغرق في السبات والنسيان وأنى لهم ذلك وأسوار السجن تبدوا من حولهم كالحيوانات الزاحفة المفترسة .

يظهر أن هناك مرحلة جديدة قاسية تلوح في الآفق وان على السجناء أن يهأوا انفسهم لها لأن ما كثب عليهم من ثعاسة وهوان لن يمح بسهولة كقول أبو الطيب المتنبي ...

 

            من يهم يسهل الهوان عليه                ما لجرح بميت إيلام


وبلا شك أن المرحلة القادمة ستكون خاضعة لما حصل بالأمس وسيتحمل وزرها جميع من ( صوفتهم حمراء ) وكما نوه عنها الجواهري الكبير بقوله ...

 

               والله لاقتيد زيد بإسم زائدة        ولجتنى عامر والمبتغى عمر

 

أما أنا فقد جفاني النوم من كثر ما دارت في رأسي أسئلة أورد بعض ما أسعفتني الذاكرة لترديدها مرة أخرى :

•1.    لماذا خدعنا ومن هو المخادع ومن هو المخدوع ؟

•2.    لماذا أصبح تاريخنا لفافات تبغ تحولت الى دخان تلاشى في الفضاء ؟

•3.    لماذا أصبحت أجسادنا وعظام كل من رحل منا سلالم تسلقها قادة من أصحاب الياقات المنشات والقمصان المطرزة ؟

•4.    لماذا عبأت ذكرياتنا وآمالنا ومعاناتنا وسني سلب حرياتنا وفراغ أيامنا الباهتات في علب صفيح صدئة أركنت في أقبية التاريخ المظلمة كسجن نقرة السلمان ؟

•5.    لماذا تحولت دموع وعرق من تعذب منا تحت سياط الجلادين الى مشروبات كحولية احتساها الحرفيون من فرسان العصر الخرافي الجديد ؟

كل هذه ( اللماذات ) لم تجد نفعاً ولم تساعدني على الكرى فكان الصباح لناظره قريب ...

لماذا عبأت ذكرياتنا وآمالنا ومعاناتنا وسني

سلب حرياتنا وفراغ أيامنا الباهتات في علب

 صفيح صدئة أركنت في أقبية التاريخ المظلمة

كسجن نقرة السلمان ؟


 

 

لطفي شفيق سعيد في سجن نقرة السلمان

 

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000