هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سلطة الحلم وأقنعة الأرث الحكائي في قصص عبد الستار البيضاني

كاظم حسوني

في المجموعتين القصصيتين (مآتم تنكرية) عا م2000 و (تحت خط الحب) عام 2011  ، للقاص عبد الستار البيضاني ، نشعر منذ اول وهلة تمكنه اسلوبياً من اقناعنا بما يرويه لنا ، وان شخوصه حقيقيون ، قادرون على صناعة احلامهم الخاصة ببراعة ، هكذا نتصور ونحن نقرأ مدوناته السردية ، وهي ثقة فنية ، تجلت فيها بلاغة السرد ، والجملة المتقنة التركيب ، وفعل الحكي في صياغة دراما القص ، سيما وان لغته مشبعة حسياً بالدلالات والمعاني ، ذلك ضمن سياق رؤية فنية تتلخص في حركة الانتقال من الواقع الى الحلم ، واجتراح عالم آخر ينطوي على الحب والصدق في العلاقات الانسانية ، وفي هذه الحركة او التحول تكمن رؤية القاص المميزة وقوته الابداعية ، اذ يشدنا سحر القص ، ونحن نقاسمه العوم في الحلم الذي يعكس صورنا في مرآيا مسروداته ، ما يؤكد ان بؤرة اهتمام القاص ورهانه الدائم هو الحب ، كما تمثل على وجه الخصوص في مجموعته (مآتم تنكرية) ، وبعض قصص مجموعته (تحت خط الحب) التي حمل عنوانها دلالة  على التوجه ذاته ، فأبطاله لا يكفون عن العشق وهم يسعون في احلك الظروف لأستشفاف مظاهر الجمال في الانسان والطبيعة، والتمسك بتلابيب الحياة الهاربة ، ، الحياة التي فقدت رونقها ومذاقها ، اثر تراكم الحروب والمآسي ، لكنها لم تثن شخوصه من ان يظلوا ملتحمين بعصب الحياة ونبضها ، على افواههم ترتعش كلمات الحب الذي يهز قلوبهم ، حتى عند مواجهة ظروفهم الصعبة بعناد روح لاتتنازل ،، فالحلم مهما ضؤل يفعم قلب بطله برحيق الحياة ، هكذا نرى الجندي في احدى قصصه وهو يعيش اسوأ اللحظات الاخيرة لأجازته عشية التحاقه بالجبهة يقتفي اثر امرأة يراها في (الكراج) وتظل تشغل فكره الى الحد الذي ينسى فيه وضعه المأساوي ، وكأنه اي البطل يحيا من اجل لحظة حب ، ولو كانت عابرة او حتى لمجرد حلم يطوف في رأسه ، كون روحه تعتمل دائماً بهاجس الحب ومشدودة اليه ! ،

 فلننظر هذا المقطع من قصة (دم الأراجيل) (دائماً احاول الوقوف خلفها بزاوية تسمح لي رؤية جزء من وجهها ، او في أحسن الاحوال ارى المقطع الجانبي (بروفيل) وجهها من دون ان تراني حتى حفظت كل تفاصيل ظهرها وكتفيها ، وانطبعت في مخيلتي الصورة الجانبية لأنفها) ، حين تدخل الشخصية في معترك حلم او خيال عنيف فأن منحى السرد يتخذ مناخاً شعرياً ، ويكون الايقاع اكثرحرارة وشفافية ،، والتمعن اكثر في قصص عبد الستار البيضاني نجد ان الطبيعة الداخلية لشخوصه غير محايدة بتكوينها النفسي والذهني تقود السرد الى مدارات متوهجة بمشاعرهم المفعمة بحالات الحب ، وكأنهم يشمون رائحته من بعيد ويطوفون حوله ، وهذه الحالة لا تلازم الشخصيات حسب ، انما تتعدى لتشمل منهج الكتابة ذاته ، لأستلال الحياة من وسط القتامة ومحاولة تغيير صورة الواقع ، لخلق نص احتفالي مكتنز بنفثات الشعر ، وجمالية اللغة التي برع من خلالها القاص في تصوير الشخصيات بمظاهرها الخارجية ، والنفاذ الى اعماقها ( نشطت مخيلتي وكذلك قلقي ، وجه دائري دقيق الملامح يشبه حبة نبق بمباوي ،،هكذا رأيتها وكذلك اسميتها مع نفسي (أمرأة النبق البمباوي) ..

 عيناها مسحوبتان الى الجانبين مثل عيني اسد فتضيقان بلونهما العسلي الذي خلته يسيل من طرفيها على الخدين فيمنحها لمعاناً يختلط مع لون الخدين المشمشي ويضفي عليها اغراء واثارة) ، ، القاص هنا يرينا الجمال بصوره النقية ، يصنع مناخاً صوفياً عابقاً بسحر الصورة وتهاويل الحلم ، وكشف ما هو مخفي فيما وراء الاشياء ،، الى جانب ذلك لابد من الوقوف للاشارة الى ميزة اخرى في قصص البيضاني ، اذ يمكن النظر اليها بوصفها تحمل مزايا مزدوجة المدون والشفاهي في آن ، خاصة سردياته التي استثمرت الموروث الشعبي والفلكلور الحكائي ، اذ يتضح شغف القاص بهذا اللون من السرد عبر اعادة انتاج الحكايات الشعبية والميثولوجية المشبعة بالبعد المحلي ، بأثواب السرد الحديث ، فالأم الثكلى في قصة (تنور الثكلى) التي اختطف الأرهابيون ابنها الشاب تدخل رأسها في فوهة التنور الطيني متضرعة (يا من عدت يوسف الى يعقوب تعرف قلب الأم احر من هذا التنور ، اعد لي ولدي) وتشجعها الجدة (ادخلي راسك اكثر ، سيلوح لك ظل ابنك ، ينهض من الرماد مثل النار المتموجة لا تخافي انه نور وليس نار) لكنها تحترق برماد التنور المتوهج وتظل تطلق الأهات وصوتها الممزق يشبه الزئير والجعير ..

 ويأتي اختيار القاص لضمير السارد المؤلف ليمنح نصه قدرة اكبر لينطق بفجائعية الحدث وصدقية المشاعر كي ينقلنا من تقليدية الحكاية الى حداثتها عبر سلم السرد والمبنى الفني ،، وهذا الضرب من القصص حفلت به اكثر مجموعته (مآتم تنكرية) التي تعد من ابرز اعمال المؤلف وتم اختيارها فترجمت الى اللغة الاسبانية ، وعند تقصي اشتغالات القاص يلفتنا ولعه بما هو محلي وشغفه بالموروث الحكائي والفلكلوري الذي استثمره كما اشرنا انفاً بنجاح في قصصه ،  في ذات  الوقت لانجد له ميلا الى الشكلية والتفلسف والطلسميات التي جذبت الكثير من القصاصين فأنزلقوا في مطباتها الشائكة ، انه يبني تجربته السردية من خامات الواقع ، من المعيش واليومي والعابر مجترحاً عالماً خاصاً به زاخرا بمخلوقات تفيض بحياة دافقة تعيش الحب الذي يبدد مخاوفهم ويجعلهم اعمق عاطفة واكثر حرية ، فشخصيات البيضاني حلمها واقع ، وواقعها حلم ! وسلطة الحلم عنده تفوق الواقع برؤية بانورامية مميزة تجعل القارئ يتقاسم معه متعة الغوص بتوهجات الواقع المتخيل ،  رغم خوض ابطاله معترك واقع قاس ، فكانت مواقفم متأتية من تراكم الخبرة وحدس القلب ،  لتهيمن ثيمة الحب بكل اشتقاقاتها ، وايحاءاتها  منتجة قصصاً متوترة مشحونة بشفرات الحب ، تلعب فيها حيوات نجت من فساد الواقع وتجاوزت قسوته ، نصوصاً مسكونة بمرموزات ومعان ودلالات خاصة ،   مايجعلنا نفكر ان كان هذا الضرب من القصص يمثل منحاً جديدا لرومانسية حديثة ؟ هذا الاتجاه من الكتابات السردية الذي بدأنا نعثر على نماذج منه ممثلا بالقصص والروايات الأوربية .

الذي سيلقى رواجا واقبالا من القراءعليه ، شأنه شأن الواقعية السحرية واتجاهات الادب الاخرى الاكثر  شيوعا في الادب ، سيما وان الرومانسية بثوبها الجديد تحمل تجديداً للذات ، وتنزع للعودة الى الطبيعة الحقيقية للانسان الذي اتخم بصخب العولمة وضجيج الحروب والتكنلوجيا ، ولعل القاص عبد الستار البيضاني ابدع قصصاً تقترب من هذا التوجه الجديد ، بأدوات القاص الحديث الذي اتقن لعبة الفن ، مجسدا اياه في سردياته التي اقتربت كثيرا من خصائص الشعر ، ادراكاً منه ما للكلمة الشعرية من شحنات كبيرة من الايحاءات وما تمنحه من اتساع للأفق ، وديمومة للاشياء ، وعلو المعنى ، استند القاص الى حياة اللغة ان صح الوصف بتدفقها المحسوس وفعلها المتوتر الذي يشد النص ويرتقى به ،، ففي (مآتم تنكرية) يضعنا القاص عبد الستار البيضاني اما نصوص مركبة تنوس ما بين الشعر والنثر ، فيها لغة مرنة في خلق التعابير والكلمات الموحية والدالة وتستنطق الكثير من الافكار والاحلام والمسرات وتداعب المخيلة ، انها شكل لغوي يقترن ويؤلف بين الشعر والنثر ولايكتمل احدهما الا بآلآخر لكن رغم هذا الزخم الشعري الا ان القاص ممسك بحبكة قصصه ، اذ تعانقت شعريته بغنى التكنيك وحبكته البنائية عبر وحدات سردية ومونتاج صور استنبطت الحالة الشعورية ومكنون افكار البطل واحاسيسه الدفينة وصورتها ببالغ الرقة والعذوبة ،، وعكست اسلوبيته التي تعد اهم ملمح في فنه ايضاً رؤية القاص للكون والمجتمع حيث النصوص كل النصوص مرايا لذات صانعها وسيرة ابداعية له ، هذه الذات انطوت على الأيمان بقدرات الانسان اللامحدودة على المواجهة ، فابالرغم  من بساطة شخصاياته وهم في الغالب من الجنود ، والعمال ، وصغار الموظفين والباعة ، وممن يلتقطهم من وسط المجتمع ، يخوضون في العادة معترك حياة ارهقها العنف والصراع واللامعقول وضنك العيش ، وواقع لايركن اليه لحظة ، الا انهم يردون على كل ذلك بثبات مواقفهم ، ومقابلة الخراب وعبث الواقع ، بصلابة الروح والامساك بما تبقى من نثيث الحياة بقلوب تخفق بلواعج الحب ، فبطل قصة (دم الأراجيل) يقول ، عقب دوي الانفجار القريب من مقر عمله الذي اهتزت له ابواب وشبابيك دائرته ، وامتلأ المكان برائحة البارود (لم يساورني القلق ، فمنذ ان قررت البقاء في بغداد وطنت نفسي على توقع الموت بأبشع صوره ، الموت والخراب صار عنوان جميع ساعتنا وايامنا) فيغادر غرفته مسرعاً الى موقع الانفجار باحثا يطوف بلهفة عن مصير الفتاة التي يلمحها كل صباح في أنتظار السيارة التي تقلها الى دائرتها وشخصياته الاخرى وجعلتها الظروف المروعة تتجاوز براثن عفن الواقع بمعنويات باسلة ، وفي واقع الامر ان ذلك يفصح دون شك بتمكن القاص ومهاراته على تفجير مكامن الخير والقوة في نفوسهم ، اذ انهم اي ابطاله لم يتخلوا عن احلامهم وطبيعة دورهم المتميز ،، وهنا تنبغي الاشارة الى مسآلة مهمة في تجربة القاص عبد الستار البيضاني ، المتمثلة بما ذكرناه انفاً بشأن رؤيته المتسمة بالتفاؤل والايمان بطاقات الانسان على تجاوز قتامة الظروف وتراكم الازمات والمعبر عنها في مكونات البنية القصصية ومسارات الابطال ، هذه الخصوصية تحيلنا وتكشف لنا احد اسرار نجاح تجربته الفنية والقارئ المتأمل لم يعثر الا على القليل من التجارب المماثلة في القصة العراقية ،، لأن ازمة القصة في العراق كما شخصها بعض النقاد ليست ازمة تقنية في المعمار واشكال البناء الفني ، بقدر ما هي ازمة وعي القاص ورؤيته المجتزأة الشاحبة اذ تشيع في نماذج كثيرة من القصة خاصة فنتاجات الحقبة الستينية زخرت بأجواء الاحباط والفشل ، لدى الأبطال ، عند مواجهتهم لهموم ومشكلات الواقع الامر الذي يعبر على نحو جلي انعكاساً لأحساس الكاتب ذاته باليأس والعبث ،، وهذه القضية يعدها الدارسون والنقاد واحدة من ابرز معضلات القصة القصيرة ، حيث ينبغي ان ترافق موهبة الكتابة لدى القاص القدرة على استلال ماهو ساحر وآسر في الانسان والقوى الكامنة فيه ، وهذا ما تجسد في نصوص عبد الستار البيضاني بمهارة عالية ، لأن القصص وكل ضروب الفن ما هي في حقيقتها الا اقنعة لأفكار الكاتب ومرايا لذاته الخالقة ..

كاظم حسوني


التعليقات




5000