هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لـوعــة الغيــاب - محـاولة لـتشييد ذاكـرة حـية

كاظم حسوني

لا احسب ان احدا يقرأ كتاب (لوعة الغياب) للمبدع الراحل عبدالرحمن منيف من دون ان يعيد قراءته ويجعله قريبا من متناول يده، ليعود اليه مجددا.. انه من الكتب القليلة التي تستوقفنا، وتظل مصاحبة لخيالنا،
وملتصقة باذهاننا (نلوذ بها للبحث عن العون في خلاصة الحكمة المقدسة) على حد قول اندريه جيد، فهو ليس دراسات نقدية، او محاولة لابداء الاحكام، ولا عرضا لاعمال من الادب العربي والعالمي، انه مزيج يرقى فوق كل ذلك، لون جديد من الكتابة، روعتها متأتية كونها شيئا مختلفا في طريقة تناوله، ومزاياه، محورها اللوعة، لوعة غياب المبدعين من الشعراء والروائيين والمفكرين الراحلين، ، ابتداء بسعد الله ونوس، جبرا ابراهيم جبرا، الجواهري، غائب طعمة فرمان، نزار قباني، جميل حتمل، اميل حبيبي، يوسف فتح الله، حسين مروة، اضافة الى الروائي اليوغسلافي ايفو اندريتش ولوركا، باستثناء حليم بركات الذي ما زال حيا، لكن روايته (طائر الحوم) تحوم حول الموت كما وصفها المؤلف، فمن خلالهم تناول منيف ثيمة الغياب، واللوعة المضمخة بالحنين، والاسى، الاستذكار، والحضور والامل. لما تركه الراحلون من اثار حافلة بالابداع والديمومة، هو الذي التحق بركبهم بعد ان اختطفه الموت في كانون الثاني، 2004 ليخلف وراؤه تراثا روائيا غنيا، حيا ومتوهجا، يشابه او يفوق ابداع اولئك الذين كان يرى نفسه فيهم، لقد قدم لنا شكلا مغايرا للكتابة عبر (حيوات ونصوص جمعها هاجس الموت) ويسعنا تلمس براعته في الاستبصار، بقراءة عمدت الى السير باتجاه اخر، متخذا من بعض ابداعاتهم وجوانب من حياتهم لتمتزج بثمار تجربته وذائقته الخاصة وخبرته، مسوقا بهواجس الموت الذي يغيب الافراد فجأة، ويبقي مساراتهم المضيئة للاجيال، اذ تناول كل ذلك بنزوع فنان تشرب سحر الكتابة، وصب فيها لوعته، وافتراضاته، وتصوراته، واسئلته وهواجسه، ليعبر من خلالهم عما يفكر فيه كقارئ مثقف، وكاتب يلج عوالم رحيبة لروايات، واشعار وقصص الغائبين، ولم يكن عزاؤه في الرثاء انما في اعادة النظر من جديد في كتاباتهم لكشف الزوايا المظلمة، واضاءة العوالم التي لم يسبق الاشارة اليها من قبل بغية تلمس الجوانب الروحية العميقة المنعكسة صورها وظلالها في اعمالهم من خلال استقراء ثنائية (الحياة ـ الكتابة)، تلك الرحلة التي يمكن وصفها كنوع من الكتابة عن الذات بمرآة الاخر، لا سيما انه جمعته مع بعضهم الصداقة وحياة المنافي والتشرد والغربة، كما حصل مع الجواهري، وغائب طعمة فرمان، جبرا ابراهيم جبرا وغيرهم، وهذا ما نجده مبثوثا في كتاباتهم لتتحول معاناتهم ومواقفهم من الحكام الى قصائد وروايات غنية بتجارب كبيرة الى جانب ما حفلت به من جمال الابداع
(رحلة غنية رغم قصرها) :
افتتح عبدالرحمن منيف كتابه بالكاتب المسرحي السوري المعروف سعد الله ونوس، واهدى الكتاب له (الى سعد الله ونوس الذي حكم علينا بالامل، ليفرد له ستة فصول امتدت في اثنتين وتسعين صفحة، ما يشير الى الاهتمام الذي ابداه المؤلف لحياة سعد الله ونوس ولأدبه، ومأساة موته المبكر لانه (رحلة غنية، رغم قصوها). ترى من منا لم يقرأ انجازات هذا المبدع الكبير الذي يعد احد ابرز رموز المسرح العربي المعاصر منذ (حفلة سمر من اجل خمسة حزيران) المسرحية التي فضحت فساد الانظمة العربية التي تسببت بكارثة 67 حزيران باحتلال اسرائيل لاراضي الضفة الغربية والقطاع، وهضبة الجولان، لكن فيما تلا من اعمال تحول ونوس فيها من المسرح السياسي، الى مسار اخر شهد فيه المسرح تطورا ملحوظا (اعتمد فيه على احداث نابعة من التاريخ او حكايات لها علاقة بالتراث المحلي او العالمي، واعاد صياغتها في نسق جديد، لتكون المسرحية مناسبة لمناقشة المغزى المتعدد الذي يحمله) كما في مسرحياته (الفيل يا ملك الزمان)، (راس المملوك جابر) و(الملك هو الملك) لكن الروائي منيف توقف طويلا ليكرس دراسة معمقة لاعمال ونوس الاخيرة، خاصة مسرحيته (منمنمات تاريخية) التي افرد لها اربعين صفحة، ولعل ما يبهر في تجربة ونوس التي تبدو كالمفارقة انه حقق اعظم ابداعاته وكمال نضجه ابان التسعينيات خلال فترة صراعه المرير مع المرض الوبيل الذي فارق الحياة على اثره عام 1997، حيث واجه وحدته والامه بالانفجار بالكتابة منجزا بذلك اهم كتبه، وخلاصة ابداعه وفنه، وعصارات روحه، ليبلغ قمة الخلق الفني. بخلاف ما هو مألوف للمريض الراقد على السرير من تعكر المزاج، وخمول الهمة، والتوجس من الموت والفناء، الا ان ونوس في مرضه ملأته رغبة عارمة للعيش، فاتقدت موهبته، فتمرد على الالم وتحدى الموت، صانعا بالكتابة متسعا للحياة، مدونا بذلك شهادته لعصره، حين دفعه المرض لكتابة المزيد من الاعمال القيمة التي احتلت الصدارة في مجمل انجازه المسرحي مثل (طقوس الاشارات والتحولات) و(منمنات تاريخية) (ملحمة السراب)، (يوم من زماننا) و(احلام شقية).. (بمقدار ما هو فرد فإنه متعدد) : 
ثم جاءت دراسته عن جبرا ابراهيم جبرا بثلاثة مداخل، اذ يرى المؤلف ان الحديث عن هذا المبدع (شائك، وبالغ الصعوبة، لكنه لا يخلو من اغراء، لان جبرا بقدر ما هو فرد فانه متعدد، وبالتالي تناول جانب واحد من ابداعه لا يوفيه حقه)، فالصعوبة تبرز في التمييز بين مجالات فنه، اذ حقق في معظمها مكانة بارزة ومتميزة، ففي المنجز الروائي شغل حيزا مهما على المستوى العراقي والعربي، اما قامته الشعرية فلا تقل عن مكانته الروائية لا سيما انه جايل رواد الحداثة الشعرية في العراق، فضلا عن الجوانب الاخرى المتمثلة بكتاباته النقدية التي ساعدت كثيرا على بلورة الاتجاه الشعري الجديد، كما تنبغي الاشارة الى ما لعبه جبرا من دور مهم في اقامة التجمعات الفنية، إبان حقبة الاربعينيات (مع النخبة البارزة من الفنانين العراقيين، الذين درسوا الفن في فرنسا وايطاليا، امثال جواد سليم، فائق حسن، شاكر حسن آل سعيد، الرحال، محمد غني، الراوي، واخرين، اذ استطاع هؤلاء وغيرهم دفع الحركة التشكيلية العراقية، ثم العربية خطوات كبيرة الى الامام، كذلك اثبت براعة عالية بترجمته لتراجيديات شكسبير كهاملت، الملك لير، العاصفة، ماكبث، اضافة لقيامه بترجمة اهم كتب النقد، وبعض الروايات العالمية في مقدمتها رائعة فوكنر (الصخب والعنف)، الى جانب ذلك تناولت كتاباته فنونا اخرى، مثل فن العمارة، والموسيقى، والمسرح والخزف والتصوير... لقد مارس جبرا تاثيرا على الفن العراقي عموما، وعلى مسيرة النقد الادب منذ اربعينيات القرن الماضي والعقود اللاحقة ورغم اختلاف التقييمات حول مدى ذلك الدور، لكن الملفت في شخصيته امتلاكها لثقافة موسوعية، وطاقات كبيرة في عدة حقول. (ونظرا لهذا التعدد والتشعب في مجالات ابداعه) قد يتعذر على الدارس قراءته والالمام به من جميع الجوانب، كما اكده المؤلف (لا يمكن الحديث عن جبرا الا بشكل جزئي وانتقائي، لذلك سيقتصر حديثي على دور جبرا في الشعر الحديث، والفن التشكيلي، اذ استطاع ان يسهم من خلال علاقاته وثقافته واطلاعه على تجارب شعرية في لغات اخرى في بلورة الاتجاه الشعري الجديد الذي يبشر به الشعراء الجدد) كالسياب والبياتي ونازك الملائكة، وبالقدر نفسه اسهم بفاعلية في مجال الفنون التشكيلية لذا (يستدعي حين يتم التعامل مع هذا المبدع الاستثنائي، ان يؤخذ ما يميزه من تعدد، بعين الاعتبار، اي ان الكلمة الروائية وحدها لا تكفي لاكتشاف، وكذلك الحال بالنسبة لشعره او لاعماله النقدية، اذ لابد ان تؤخذ كلها معا) لنرى ونتعرف عليه كما هو.
(الصفة التي ميزته انه معارض أبدي) :
(اسطورة قرن) بهذا الوصف يفتتح منيف حديثه عن الجواهري الذي رحل بعد مائة عام من التمرد والشعر والبحث، وبعد ان تحول الى اسطورة) عاش الجواهري قرنا من الزمان المصطخب بالاحداث الكبرى، والتحولات، والانقلابات، والحروب، والانظمة المختلفة التي تعاقبت في العراق، بدءا من الامبراطورية العثمانية، والملكية والجمهورية، واكتوى بنار الديكتاتورية فعانى التشرد، والنفي، والحرمان، واسقطت جنسيته، لكنه كان في صميم الاحداث، شاعرا استثنائيا، ومحرضا، يقود التظاهرات، يخوض المعارك، ويعارض الملوك والرؤوساء، وكلمته نافذة ومسموعة لدى اوساط واسعة من الناس، اذ (يصعب ان نجد شاعرا عربيا انخرط في قضايا عصره كالجواهري، فبالاضافة الى كونه شاعرا لا يقارن باي من معاصريه، فقد كان نائبا لبعض الوقت، وصحفيا لوقت اطول، وكان مواليا لبعض المواقف، ولبعض الاشخاص، لكن ميزته انه معارض ابدي، اذ ما مر حدث في العراق، او في المنطقة العربية، الا وكان له موقف وكان له صوت مسموع، وهذا ما جعله حاضرا ومؤثرا باستمرار وما جعل قصائده على كل شفة ولسان).
(الرواية شجاعة مكتوبة) :
اما الروائي غائب طعمة فرمان فقد خصه المؤلف بدراستين الاولى (غائب طعمة، والام السيد معروف) والثانية (المنفى والمدينة الاولى)، المنفى الذي عاشه غائب لسنين طويلة قاربت الاربعين عاما، بكل قسوته وبرودته وبعده، ولم يحصل لاي مغترب ما حصل له، اذ اسقطت عنه الجنسية، ومنع من زيارة بلدة، فالوطن ممنوع وما زاد من وطأة محنته انه عاش في منافي بعيدة مثل الصين وموسكو، ورغم مضي اعوام طويلة على غربته كان غائب ينتظر لعل شيئا ما يتغير في وطنه، ويتمكن من العودة اليه، بعد ان ارقه الحنين والتعلق المفرط ببغداد والعراق، الذي عبر عنه في كل اعماله الادبية ابتداء من (النخلة والجيران و(خمسة اصوات) وانتهاء بـ(المرتجى والمؤجل) و(المركب) روايته الاخيرة، والملفت في تجربة غائب طعمة فرمان
انه كلما طال الزمن به بعيدا عن وطنه زاد تعلقا به وحبا، اذ وهب نفسه لوطنه العراق واهله واصدقائه واقربائه، هذا البغدادي الذي يحمل بغداد معه اينما حل، ولا يتعب من النظر اليها كما ينظر الطفل الى لعبته، هو بحاجة الى رائحة بغداد وشمسها، انها بالنسبة له ليست مجرد مدينة، مكان، وانما هي كل شيء، ومهما شرق او غرب، تظل قبلته يصلي لها ليل نهار).. يرى عبدالرحمن منيف ان خير من يعرفنا بغائب هي روايته (الام السيد معروف) (هذه الرواية رغم صغر حجمها، تلخص غائب طعمة فرمان على احسن الوجوه، وتدلل على مدى المعاناة في مشواره الروائي والحياتي معا. فهي تحكي عن احلام مبددة وعن كهولة صعبة، لكنها كاشفة الى حد العري، كم هي الالام التي يعانيها المنفي، وكم هي الهلوسات التي تملأ ايامه ولياليه) فالغربة بالنسبة لغائب بقدر ما هي عذاب وهاجس مرضي مزمن غدت محرك ودافع ابداع لاستقراء تراب بغداد
وازقتها واهلها، اذ لم تبارحه صور الناس الذين عرضهم يدفعه الشوق العارم اليهم، وهو يفتح صفحات الماضي متمثلا اياها حاضرا ملئيا بالمشاهد، والذكريات، والاحداث التي ملأت صفحات رواياته كلها حتى (رحل به المركب عنا مرة والى الابد)..
(زرقاء يمامة البلقان) :
من بين الكتاب العالميين اختار عبدالرحمن منيف ايفو اندريتش الروائي اليوغسلافي، ولوركا ليضمهم الى متن كتابه، ففي اندريتش وجد (البراعة والصدق، وتقديم لوحة بالغة التفاصيل، شديدة الثراء، عن بلده البوسنة وما تتصف به من تنوع وغنى) فما يتركه فينا (جسر على نهر درينا) غير قليل، لهذا الروائي الذي ولد عام 1892، وظهرت له اعمال روائية عدة، منها (اخبار مدينة ترافينك) و(الانسة) وثلاث مجاميع مع القصص القصيرة، فضلا عن دواوين الشعر، ان اكثر مؤلفات ايفو اندريتش، تدور موضوعاتها على البوسنة، تروي تاريخها منذ الفتح التركي حتى عصرنا الراهن، كما يقول مترجم رواية (جسر على نهر درينا) التي تعد القمة من بين اعماله، وقد نال بها المؤلف جائزة نوبل عام 1961، وبطلها الجسر الحجري الذي اقيم عام 1571 بامر الوزير محمد باشا العثماني، ليربط بين البوسنة والشرق، متربعا فوق ضفتي نهر درينا العريض المصطخب بمدينة (فيشيجراد)، هذه الرواية التي ترجمت الى العربية وتلقفها القراء باهتمام
بالغ، تفصح عن مكانة كاتبها الذي يعده منيف احد اهم كتاب هذا العصر، نظرا لما انجزه في مجالات
القصة والرواية والشعر، فضلا عن ان المرحلة التاريخية التي عاشها اندريتش، كانت منعطفا من المنعطفات الكبرى في تاريخ البشرية، اذ تخللها انهيار الامبرطوريات القديمة، والحروب العالمية، وتغير حدود الدول، وتغير الانظمة الاجتماعية ليفتح عينيه على حقائق الحياة والتاريخ، لقد جسد في رواياته تاريخ بلاده البوسنة، وحياة شعوبها من الصرب والكروات والمسلمين، وقرأ مبكرا ما سيجري برؤية مستشرفة مراحل الاحتراب والاحتقان العرقي والديني لدى سكانها، وقد تحقق ذلك بعد رحيله بوقوع الفصول الدامية التي ذهب ضحيتها الالاف في تسعينيات القرن الماضي..
لقد اشتمل كتاب (لوعة الغياب) على فصول اخرى لا تقل متعة وعذوبة تناول فيها كتاب اخرين مثل اميل حبيبي، ونزار قباني، وحليم بركات، لا يسع المجال للحديث عنهم في هذه المقالة، اذ عمد المؤلف الى دراستهم من مداخل عدة، امتزجت فيها جوانب من ابداعاتهم مع لمحات من سيرتهم الذاتية، ليقدم لنا لوحات ملونة ومشاهد مؤثرة، واستذكارات حية، ذابت في جمال لوعة غيابهم، التي لن تغيب عن ذاكرة القارئ ابدا...

 

كاظم حسوني


التعليقات




5000