هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رجل في اعلى السلم

كاظم حسوني

كنا نراه معلقاً فوق السلم طوال ساعات النهار كمن يمسك خيوط الضوء لينسج من ذراته حكاياه وهو يرقب منهمكاً بعينين مصوبتين عبر كوة صغيرة في  اعلى الجدار الى الخارج اذ كان قد اتقن مهنة التقاط ووصف حركة المدينة الصاخبة ... ؟

من جانبنا درجنا ان نتأهب في الصباحات ننتظر صوته ونطلبه حيث نجده بأنتظارنا وحين ننطلق بصحبته لكأننا ننسل كالريح من كوة السجن متجولين وأياه في الشوارع الفسيحة والميادين والأسواق . . كان يرسل حكاياه  بمهارة من اعتلى صهوة حصان رهوان ونحن بأثره نطوي الدروب ، نطوف البساتين ، نرتقي الجسور ، نتيه في زحام الناس والشوارع .. ولطالما ظننا فيه لوثة كلما يلتفت صوبنا مبتهجا فرحا بمجرد مرأى السماء . وحين تمسه نفحات الهواء والضوء عبرة الكوة فيتهدج صوته يضطرب ، تشمله سورة انفعال كمن يتفجر فيه ينبوع خفي حيث يقوده هواه للتو كل مرة الى وصفها الى الحد الذي جعل عنبر السجن يحف بأسراب العصافير المزقزقة والطيور المغردة وصفير الريح .. ولم يعد يخنقنا سمت السجن وظلامه . كان يلفنا فيض غامر في سموات رحبة مستحمة بشذى الزهر تمطر نورا بحسر الحكايا . حتى وقع بصري عقب احدى جولات النهار على تويجات بيضاء وزنابق متساقطة على الارض فالتقطتها وغرستها في احد ثقوب الجدار . مثلما في المساءات نتدفق مع الدليل الراوي باتجاه حركة الشوارع الضاجة بالسابلة او حين ينهمك في نقل طقوس الاعياد او الاحتفالات او مباراة كرة القدم يؤديها صغار التلاميذ في الساحة القريبة .. كانت اسماعنا مرهفة لنبرته الطليقة المترددة في قاعة السجن غائبين ، نحتضن طيوف خيالات طرية وقد التصقت اجرامنا المتلفعة بالبطانيات الى بعضها البعض في بقعة واحدة تحت اقدام السلم .. كان عليه ان يطيل من نظراته المتطلعة الى الخارج بابتكار حكايا جديدة لا نملك ان نغالب دهشتنا ازاءها فنضج بالمرح  والانطلاق .. لمرات يتوقف عامداً يتأملنا بنظراته كأنه يزن تأثيرها ثم لا يلبث ان يستدرجنا مجدداً الى ما الفناه ونروح ننصت اليه من جديد فعذوبة كلماته كافية لان تستحوذ علينا وتكبلنا اليه . كنا نحلم ، نثب من وحل الظلام ، نطير ونتوارى خارج المكان وصوته وحده يسبح في سماء العنبر الثقيل يهطل فوق رؤوس مغيبة يتساقط عنها غبن متكلس وعفونات ايام غادرة . حتى اذا ماذوى خيط الضوء من الكوة يمسك عن القص . يستدير الينا بأبتسامة مؤذنة بأنتهاء رحلة حكايا النهار وقبل هبوطه يكون قد اشار الى سارق السلم الذي لا تعدو مهمته سوى رفع السلم وحشره تحت الافرشة الرطبة واخفائه عن الحرس . فهو الذي سرقه بخفة ليلة خروجنا في احدى حالات الطوارئ عندما اتكأ على الجدار فأستطاع ان يدفع بقدمه سلم الألمنيوم المسند الى جدار السجن وبحركة حاذقة سحبه في الظلام داخل العنبر ونجح بأخفائه بعد جولة تفتيش عاجلة اجراها الحرس .. بينما ينشغل سارق السلم بأتمام عمله يكون الراوي قد انسحب بعيداً في الظلمة ليرتمي فوق فراشه المنفرد عند الزاوية الأقل عفونة في العنبر لساعة من الوقت ، ثم يقبل الينا طويلا مشدود الجلد من الهزال يسترخي في جلسته . حينئذ يمسح الوجوه بنظرات حانية قبل احتسائه كوب الشاي وبمرور وقت قصير يكون قد فتح صندوق حكاياه ونحن حوله متحلقين تسيل من رؤوسنا الرغبات والصبوات والاحلام ، وقد التقت الوجوه المغبرة واستحمت بدفء الحكي .. ومع تقدم الليل خلت ان اذاننا استطالت كثيرا لفرط الاصغاء والانتشاء حتى تترنح الاجساد اعياء وتتهاوى على الافرشة التي نجلس عليها قبيل النهار بقليل . . ذات صباح اعلن سجناء العنبر تمردهم واضرابهم لاول مرة عن سماع الراوي السجين بدعوى احتكاره متعة استنشاق هواء المدينة من الكوة ومشاهدتها لوحده ، الا انهم ما لبثوا ان تجنبوا مواجهته وعدلوا عن اصرارهم فجأة . لما انذرهم الراوي بأدب جم متوعدا اياهم بنظرات صارمة . فكتموا احتجاجهم يبهضهم احساس تفوقه عليهم وجدارته وقدمه في السجن ، وهو ما جعله يمارس من بينهم دور الأب او السيد بمقدرة فائقة فسلموا قيادهم اليه ومنحوه هذا الامتياز برضا تام .

ذات ليلة ، افقت قبيل نهاية الليل ، ثمة انفاس تفح . حركة اجساد لائبة متظاهرة بالنوم تحت الاغطية . من زاويتي الباردة لصق الجدار ، لمحت انسلال الرؤوس الحليقة من تحت البطانيات تتبادل الهمس . رأيت سارق السلم يجري بخطوات خافتة مترددة ووجهه نحوي ليطفئ النورة فجأة . ثمة شيء مريب .. لعلهم سيتوارون في الظلام ليحجبوا تدخلي اذا ما حاولت في الاسراع الى نجدته . فهم يعدونني نزيلا جديدا رغم وجودي معهم منذ عدة اشهر . ثم توالت همهمة ، دبت حركة مبهمة ووقع خطوات مكتومة تخوض في الظلام . تراءى لي سارق السلم يخف لجذب سلمه من تحت الفراش رافعا اياه بكلتا يديه محاذرا ايقاظ الراوي العجوز ، بينما تبعه الآخرون متأهبين لممارسة دورهم .. تخيلت احكام السارق في اطباق حافة عمود السلم المعدني فوق عنق الراوي .. وفي برهة تصاعد دوي ، تقافزت كتل الاجساد بكل ثقلها لتدك وتجثم فوق جسد الراوي !.

عندئذ اجتاحني خجل لما تبدد عزمي حين غادرت فرصة التدخل . تمثل لي اندفاع عدة اذرع متزاحمة اوثقت اطرافه ثم اطبقت قبضات عنيفه اخرى لتكميم فمه وقطع انفاسه . وتأكد حدسي حين لفحت سمعي خبطات قدميه ، وعبثاً انطلقت صرخاته الواهنة اذ ما لبث ان لفظ انفاسه من دون ضجة . لحظتئذ ادركت انهم شرعوا يجرون الجثة الى الزاوية الملوثة قرب صفيحة البول . ولابد انهم انسحبوا ليتكوموا في احدى الزوايا بعد انجاز مهمتهم يغرقهم الظلام واكتفوا يهمهمون بحذر بأنتظار الصباح .

ما ان تسللت انفاس النهار من كوة الجدار حتى تواثبوا جميعهم بضجة لتسلق مدرجات السلم بغية التمتع بمشاهد المدينة . وذا حشروا اجسادهم فوق مدرجاته الضيقة واوشك ان يتهاوى بهم بفعل التدافع .. ولتفادي السقوط تنحوا عنوة واخلوا الطريق لسارق السلم الذي استطاع ان يشق طريقه من بينهم بوثبات متلاحقة ويرتقي جذلا السلم . رأيته وهو يدنو وعند السقف تباطأ ودفع برأسه الى حافة الكوة فجفل بغتة مرتدا كمن لدغ ، ، وانفلتت منه صيحة تعجب . غدا متحجرا بوقفته زائغ النظرات وقد افزعه وجود جدار شاهق منتصب امام الكوة تماماً !.

كاظم حسوني


التعليقات




5000