هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


يوميات صنع الله ابراهيم في سجن الواحات

كاظم حسوني

السجن يضع الانسان في مواجهة الذات، وفيه تمتحن قدراته على الصبر والثبات وتحمل الصعاب ومقاومة الظروف الشاقة واحتواء المتغيرات، ومن شأن تجربة السجن ان تسقط الاوهام والرهانات الزائفة والادعاءات، وتمثل في احد جوانبها حالة تربوية تنعكس على السلوك والعلاقات الاجتماعية، خاصة عند اقترانها بالتمسك بالقيم الانسانية والعقيدة الحقة والاخلاص، في السجن يمكن لنا اكتشاف الوجوه الخفية للانسان، ويمكن ان نحسن احوالنا، بتعلم الاستنباط والتأمل ومراجعة الذات، وبالنسبة للكاتب والفنان فربما تفتح له معايشته في السجن عالماً مثيراً له حكاياته واساطيره وقصصه وحيواته النادرة، والاقتراب من العالم الداخلي للانسان.. لكن رغم ذلك ثمة قلة من الادباء والفنانين السجناء ممن استثمروا معاناتهم وتجاربهم وحولوها الى ابداع، فمعتقل نقرة السلمان الشهير الذي ظل معقلاً لعقود طويلة للاحرار السياسيين الوطنيين، وكان من  نزلائه الادباء والاساتذة والمثقفون، لم نقرأ لأي منهم عملاً مميزاً او ملفتاً مستوحى من ظروف القهر والنفي والجوع التي عاشها السجناء في نقرة السلمان في عهود حكومات الاستبداد لسنوات طوال..عدا اللمحات السريعة التي قرأناها في كتاب فاضل العزاوي (الروح الحية) حيث دون فيه صفحات حميمة عن تجربته في اكثر من معتقل،  وكذلك صنع في روايته (القلعة الخامسة) عن احد معتقلات بغداد ورواية (السرداب) ليوسف الصائغ و(المبعدون) لهشام الركابي، وقصص (ايها البرج ياعذابي) وهذه ليس سوى استثناءات، اما على الصعيد العربي فلعل ابرز من استثمر تجربة السجن في ابداعاته الروائية والقصصية هو الروائي المصري (صنع الله ابراهيم) اذ يجد القارئ ايحاءات معاناته في المعتقلات منذ صدور روايته الاولى المهمة (تلك الرائحة) 1965، ثم في روايته الثانية (نجمة اغسطس) 1974، كما هو حاصل ايضاً في روايته الفذة (اللجنة) وروايته (ذات) وقصصه القصيرة التي توحي بغنى التجربة ومعطياتها الواسعة التي تحولت الى ابداع في مختبره السردي. وفضلاً عن ذلك اصدر الروائي مؤخراً استذكاراته في كتاب اسماه (يوميات الواحات) الذي ضم الى جانب مشاهداته ومعايشته للاحداث في عنابر السجون، هواجسه الفكرية والفنية، ومراحل نمو وتطور امكاناته في الكتابة، وتعرفه على اهم الشخصيات الفكرية والثقافية التي جمعتهم واياه زنازين المعتقلات.

  

  

  

•·        (البدايات المعقدة)

رغم انه يلفت انظارنا الى ان هذه الاوراق التي تضمها (يومياته) كان يعتبرها في البدء امرا شخصياً لا يهم احدا غيره، ومن شأنها ان تكون مبعث تسلية له في وحدته، لكنه غير رأيه فيها حينما طلب منه رئيس تحرير مجلة (الهلال) كتابة بضع صفحات عن العوامل التي ساهمت في تكوينه الادبي، عندئذ اختار بعض من اليوميات لنشرها في المجلة عام 2003، ثم رأى ان اليوميات ككل قد تكون مفيدة في القاء الضوء على بعض الاحداث والمواقف، وايضاً على البدايات المعقدة والصعبة لتطور الكاتب.

ان تكوين الكاتب ليس بالمسألة السهلة، انه نضال طويل وشاق وقاس، وصارم، يتطلب ارادة كالحديد، يتطلب تدريب هذه الارادة وتكوينها على مر الايام، ان العمل اليدوي (ومسؤوليته والمسؤولية امام الاخرين) قد لعب دائماً دوراً مهماً في تكوين الارادة والشخصية وصلبها، ان طريق الكاتب مليء بالتضحيات، كل شيء يجب ان يخضع لفنه، لا يجب للكاتب ان يسمح بما يعيق عمله وفنه، انه قديس وشهيد (مقتطف من يوميات المؤلف) التي دونها في السجن حيث امضى الروائي المصري صنع الله ابراهيم عدة اعوام في الاعتقال بعد ان حكم عليه سبعة اعوام مع الاشغال الشاقة بسبب انتمائه للحزب الشيوعي في نهاية الخمسينيات.. السجن الذي ضم معه نخبة من الادباء والمثقفين المصريين في الحقبة الناصرية امثال: يوسف ادريس، عبد الحكيم قاسم، شوقي خميس، سامي خشبة، شهدي عطية الشافعي، محمود امين العالم، عبد العظيم انيس، لويس عوض، الفريد فرج، محمد صدقي، صلاح حافظ، شريف حتاتة، لطفي الخولي، معين بسيسو، فؤاد حجازي، حسن فؤاد، وآخرين.. السجن شهد البدايات الاولى للكاتب صنع الله ابراهيم، وكان يمثل له تجربة غنية امدته بالخبرات المتنوعة، والقراءات، والمعاناة، ومعايشة شخصيات لها الاثر في صناعة الثقافة المصرية والعربية، ففيه كتب قصصه الاولى ومارس الترجمة وكتابة اليوميات، وفصولاً من روايات بعضها انجز والاخر لم يكتمل  يعلق عن هذه التجربة في كتابه بالقول: (السجن هو جامعتي، ففيه عايشت القهر والموت، ورأيت بعض الوجوه النادرة للانسان، وتعلمت الكثير من عالمه الداخلي وحيواته المتنوعة، ومارست الاستبطان والتأمل، وقرأت في مجالات متباينة، وفيه ايضاً قررت ان اكون كاتباً..اما ابي فهو المدرسة، كان حكاءً عظيماً، يتقن سبك حكاياته ونوادره المختلفة، النابعة من تجاربه اوقراءاته، بحيث يستولي على مستمعيه، وكدت اصبح المستمع الوحيد في السنوات الاخيرة من عمره.

ثم يضيف: دفعني الملل من المدرسة التي كنت فيها متواضع الاداء، فضلاً عن ظروفي العائلية الى عالم القصص الساحر، ومن حسن حظي وحظ جيلي من الكتاب، ان وجدنا امامنا مجلة اسبوعية تدعى (روايات الجيب) تصدر منذ الثلاثينيات، وتنشر ملخصات وافية لجميع انواع الروايات العالمية من كلاسيكية الى بوليسية وقد اسبغ عليها ناشرها عمر عبدالعزيز امين، ما يتميز به من اسلوب عصري بعيد عن التقعر،  وشاركه في ذلك عدد من المترجمين المتميزين. وتابع قوله: صار ابطالي هم (ارسين لوبين) و(روبن روبن) و(الفرسان الثلاثة) و(الكابتن بلود) وهم مغامرون رومانسيون وضحايا للظلم الاجتماعي ويتميزون بالجرأة والشجاعة، وفي اغلب الاحيان يأخذون من الغني ليعطوا الفقير، شجعني ابي على قراءاتها فشغفت بالروايات البوليسية التي دفعتني الى كتابة اولى رواياتي وانا بعد في الثانية عشرة من عمري.

  

•·        المقارنة الصعبة

يصف الروائي صنع الله محاولاته الاولى في كتابة القصص، واشتراكه باول مسابقة قصة قصيرة، وفوزه بالجائزة الثالثة ثم حصوله على (ثلاثة جنيهات) ويرى بأن قصته كانت ساذجة للغاية تحمل عنوان (الاصل والصورة) ولم يدرك وقتها ان حياته كلها ستدور حول هذه المقارنة الصعبة، والمحاولة المستمرة للمواءمة بين المثال والواقع حسب قوله.. خاصة بعد ان اتسعت اهتماماته بالموضوعات السياسية اعقاب سنة 1952 التي تعد حاسمة في حياته وحياة بلاده، اذ دفعته تلك الاحداث الى الاشتراك لاول مرة في المظاهرات التي خرجت من كليتي العلوم والهندسة بقيادة عادل فهمي، وعادل حسين، وحسن صدقي (الذين اجتمع معهم فيما بعد في سجن الواحات) وحضوره اجتماعاً حاشداً لاول مرة في قاعة الاجتماعات الكبرى في الجامعة قبل حريق القاهرة بأيام، ثم انضمامه لتنظيم (حدتو) اي (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) وانكبابه في العمل بالنشاط السري من اجتماعات وتوزيع منشورات تطالب بجبهة لاسقاط (الدكتاتورية العسكرية)، ويحكي عن مقدار تعلقه بعمله حكاية تجرؤه على ابيه حين عثر على المنشورات ذات مرة في مخبأ صغير له، ولما اراد التخلص منها، هدده بالقتل ان فعل، مثلما يروي تحول وتغير سلوكه ازاء اخته وعائلته واقاربه موضحاً بان اهم دوافع التحاقه بالنشاط السياسي كونه (كان امتداداً لقصص المغامرات التي شغف بها، وتأكيداً للذات في مواجهة الكبار والاغنياء، اضافة الى اعتباره حالة تربوية ثقافية مستمرة، انعكست على سلوكنا واخلاقياتنا، وعلاقاتنا الاجتماعية، مؤمناً بان الشيوعي يجب ان يكون قدوة لغيره في السلوك والخلق وان يحقق اتساقاً بين حربه ضد الاستغلال وبحثه عن العدالة الاجتماعية، وبين حياته الخاصة.. الى جانب ذلك تملكه وهو في العشرين من العمر هاجس الكتابة مما دفعه لكتابة المقالات وعروض الكتب التي نشرها في مجلة (الهدف) وجريدة (المساء) وفي فترة لاحقة اختاره شهدي عطية الشافعي للعمل معه في منشأة صغيرة للترجمة تعود لزوجته، ولعل العمل في هذه المنشأة شكل له رصيداً ثراً لتعلم مهنة الصحافة واغناء التجربة، ويصفها بالقول: (تعلمت من شهدي اخلاقيات العمل الجاد المنضبط والترجمة من الانكليزية الى العربية واحتل مني موقع الوالد، او الاخ الاكبر، وكان يعتمد منهاجاً في التربية يقوم على افساح المجال للمبادرات الشخصية فشجعني على تنفيذ اقتراحاتي باعادة صياغة الموضوعات المملة للمجلة السوفيتية التي كان يتولى ترجمتها وطباعتها، وتعد هذه المرحلة بمثابة اعداد وتهيئة للكتابة الصحفية والادبية، انضجها احتكاكه اليومي بشخصيات مميزة ومعروفة بعطائها الثقافي او الفكري والادبي، امثال لويس عوض، يوسف ادريس او محمود امين العالم، عبدالحكيم قاسم وغيرهم، اذ شهدت تلك الفترة حماسته واهتمامه المفرط بالقراءة ومحاولة تمثله لاهم التجارب الادبية في كتاباته الاولى قبل سعيه لخط ملامحه وصنع تجربته الخاصة التي صنعتها معاناته الطويلة لصنوف شتى من التعذيب النفسي والجسدي على ايدي رجال الامن في عدة سجون تنقل فيها وامضى فترات متفاوتة تحت سياط الجلاد، وتحمل البرد والحر في الزنازين والعنابر القاحلة هو ورفاقه الشيوعيون فقد استشهد تحت التعذيب في تلك الايام العصيبة، شهدي عطية الشافعي، واحمد فؤاد وعدد آخر من السياسيين المعروفين قبل ان يتم نقلهم الى سجن الواحات (نقلنا خبراء الامن الى الواحات في قطار خاص بعد ان قيدونا الى بعضنا البعض بسلسلة واحدة تمر من ثقب في القيود (الكلبشات) التي يضم كل منها شخصين متجاوزين، وكان من شأن هذه (الوحدة) ان من يرفع يده لشيء ترتفع ايدي رفاقه كلها معه، وكذلك شأنه عندما يرغب بحركات اخرى في رحلة على مبعدة (400) كيلومتر لمدة عشرين ساعة من دون طعام او ماء، وكان في انتظارنا اللواء اسماعيل همت المتخصص في الاستقبالات الدموية وحفلات التعذيب، سرنا في صحراء بين مدافع رشاشة مصوبة الى صدورنا الى ان ولجنا ساحة بها ثلاثة عنابر مستطيلة حديثة البناء من طابق واحد، لم نمكث كثيراً في الواحات سوى بضعة اشهر.

  

•·        تأليف القصص

في سجن القناطر الخيرية الذي نقلوا اليه بعد ذلك، وضعوا في مكان منعزل، وحرموا من الاختلاط بالسجناء العاديين، والحصول على الصحف، كما منعوا من استخدام مكتبة السجن والاستماع الى المذياع، الى جانب حملات التعذيب والجوع والبرد (في تلك الايام الشديدة البرودة، كنا نقفز كالقرود التماساً لبعض الدفء، وخلال ذلك نتبادل الحكايات، وبدأت اتذكر احداث طفولتي التي انشغلت عنها بحاضري، وعندما انتهت الحكايات واستنفذت ذكرياتي انفتح المجال لاحلام اليقظة، وتأليف القصص، وتحولت كل حكاية سمعتها الى قصة فنية بعنوان مثير، كما ان الحكايات التاريخية للكتب المقدسة روت عطشي الى القصص، ونشط خيالي في تطوير كثير منها) وقد شهد صاحب اليوميات وعاش الاحداث الجسام التي اودت بحياة بعض رفاقه واصدقائه تحت سياط الجلادين وذاق ضروباً عديدة من الامتهان والضرب والضغوط النفسية والشتائم وبشاعات التعذيب، وما يلفت ان ادارة الامن المصرية عمدت على الدوام الى ترحيل السجناء السياسيين من حين لآخر الى العديد من السجون ايغالاً في تعذيبهم ومحاولة بث القلق والخوف في نفوسهم، فلم يلبثوا شهوراً او عاماً في هذا السجن او ذاك حتى يتم نقلهم الى سجن آخر، ليلاقوا صنوفاً جديدة من القهر والتعذيب، على ايدي جلادين جدد..فلم يمض اكثر من عام من مكوثهم في سجن القناطر الخيرية، حتى تم نقلهم الى سجن الاسكندرية (للمثول امام محكمة عسكرية بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم، واستمرت المحاكمة ثلاثة شهور، بلغت اوجها حسب المؤلف بدفاع شهدي عطية الذي اقر باعتناقه الماركسية، وفي نفس الوقت اوضح موقف التأييد الذي اتخذته المنظمة الشيوعية (حدتو) من عبد الناصر)..

  

•·        في القيد الحديدي

بانتهاء المحاكمات نقلوا مجدداً الى معتقل (ابي زعبل) في ضواحي القاهرة (وغادرنا الاسكندرية ليلاً في سيارات الترحيلات الكبيرة المغطاة، وجاء نصيبي في سيارة واحدة مع شهدي الذي تميز بقامة طويلة، وعظام عريضة، بينما كنت ومازلت نحيف البنية ضئيلها، ولهذا السبب اختار ان نشترك سوياً في القيد الحديدي لمعصمينا) ويضيف صنع الله ابراهيم انهم امضوا الوقت وهم مكبلون بالسلاسل في الحديث عن الكاتب الاميركي همنغواي بينما كانت تسير بهم الحافلة الى مكان مجهول.. (كان شهدي يرفع يده بين الحين والاخر ليتناول مشطاً صغيراً من جيب سترته الاعلى ويمر به على شعره الخفيف، وهي عادته في لحظات القلق، وتابع وعند وصولنا فجراً وضعونا في ساحة تحيط بها اكوام القاذورات، وتشرف عليها فرقة من الجنود المسلحين بالمدافع الرشاشة والضباط المزودين بالسياط فوق خيولهم، امرونا بالجلوس القرفصاء، وخفض الرؤوس، وتخلل ذلك سيل من الشتائم، ولم تمض فترة حتى اخرجوني وثلاثة من زملائي من الصفوف ثم صدر الينا امر بالوقوف، وارتفع صوت قائلاً ـ اجر يابن الكلب، وجريت مع زملائي وسط صفين من الجنود مزودين باحجام مختلفة من العصي والشوم، ومازلت اذكر وجها ريفيا شابا، يخلو من اي تعبير بينما يهوي صاحبه على جسدي بعصا غليظة) اما زملاؤهم الباقون فقد جردوا من ملابسهم، وكانوا يضربون ويترنحون عرايا، وهم يلهثون ويغمى عليهم فيغمسون في مياه بركة صغيرة ويداسون بالاقدام، وتردد الاصوات الآمرة ـ انت شيوعي يابن الكلب، قول انا مرة.. ويضيف صنع الله: ويعد ان خلت الساحة تم تجريدنا من ملابسنا حتى صرنا عرايا دون ان تكف الشتائم والضربات، وركعت امام حلاق جز شعر رأسي وعانتي دون ان يتوقف الضرب بالعصي، بعدها اعطاني احدهم لفافة من ملابس السجن وبرش وبطانية خفيفة وصاح آخر ـ نام على ظهرك، قول انا مرة! وبدأ الضرب من جديد وجرني احدهم على ظهري فوق الرمال بطريقة السحل).. اما بشأن حادثة استشهاد شهدي الدموية على ايدي جلاوزة عبدالناصر، فيذكر المؤلف انه هو وزميل له تعرضوا في اعقاب ذلك الى ضغوطات ادارة السجن التي استدعتهم وطلبت منهم للادلاء بشهادة مزورة امام المحكمة تفيد بانه توفي في الطريق قبل وصوله وزملائه الى المعتقل، يقول: كنا شبه مشلولين، وشل الرعب تفكيري وارادتي، لكنهم رغم التهديد رفضوا الادلاء بهذه الشهادة الكاذبة، يقول (لكن لحسن الحظ ان الموقف تغير تماما بعد لحظات، اذ اقتحمت النيابة مبنى المعتقل، وامام مكاتب صغيرة انتشرت في ساحة المعتقل ادلينا جميعاً بشهاداتنا عما حدث) ثم افتضح الامر وعرف العالم قصة مصرع شهدي، اذ تناقلت وكالات الانباء الخبر، على حد قول المؤلف، وكان عبدالناصر وقتها في بلغراد، ودعاه تيتو لحضور مؤتمر شيوعي، ووقف مندوب يوغسلافي وسط الجلسة المهيبة ووجه التحية الى (ذكرى الشهيد الذي قتل في مصر بسبب التعذيب، وتعرض عبد الناصر لسؤال الصحفيين عن الحادثة فقال: لم نقتل احدا، لكنه ابرق لوزارة الداخلية لوقف التعذيب وترحيل المعتقلين الى مكان اكثر أمنا، وتعرض عبد الناصر للفضيحة والادانة خلال سفراته خاصة للدول الاشتراكية انذاك من قبل وسائل الاعلام كون مصر تعلن تبنيها للاشتراكية، وتقتل من يعتنقها!؟

  

•·        (أساتذة جامعات وكتاب)

اما حياة السجون فيصفها بقوله: (أرتني هذه التجربة بشاعة القهر ما يؤدي اليه من اهدار للكرامة الانسانية، وعلمتني النظر الى الانسان ككل متكامل مؤلف من نقاط قوة، ونقاط ضعف، واحتل هذا الموضوع مكان الصدارة من تفكيري بعد ذلك فيما تلا من احداث). ادارة السجون كدأبها بترحيل السجناء السياسيين من معتقل الى آخر كل بضعة اشهر او ايام احياناً نقلتهم الى سجن القناطر في انتظار صدور الاحكام، وبعد عدة شهور مثل صاحب اليوميات مرة اخرى امام المحكمة العسكرية لتصدر حكماً عليه بسبع سنوات مع الاشغال الشاقة وبعدها بقليل نقلوا الى سجن الواحات، ويضيف الروائي صنع الله (تجمعنا في الزنازين الواسعة التي لا يقل عدد افرادها الواحدة منها عن اربعة عشر نزيلاً، وصارت قبل المختبر العلمي للسلوك البشري ولقصص الحياة. فقد ضمت بين نزلائها صحفيين وعمالاً وكتاباً واساتذة جامعات، امثال د.لويس عوض، صلاح حافظ، لطفي الخولي، محمود امين العالم، وعبدالعظيم انيس وسواهم..

  

•·        (الكتابة على أوراق السجائر)

وبشأن محاولاته الاولى للكتابة يقول (انه تحول الى اشبه بجهاز رادار نشط يتحرك في كل الاتجاهات ليلتقط كل مايثير المخيلة او يصلح مادة للكتابة او يساعد على فهم العملية الابداعية والحياة نفسها، واخذت نفسي بجدية شديدة فاخضعت كل دقيقة في اليوم لهدف الكتابة، التذكر، القراءة، العلاقات الشخصية، الاصغاء الى الاخرين، كنت قد قررت ان اصبح كاتباً، وكنت انتهز فرصة الهدوء الذي يسود العنبر في الصباح عندما يغادره العاملون في المزرعة فالجأ الى فراشي واسند الورقة والقلم الى ركبتي وانهمك في تسجيل كل ما يعن لي من خواطر، ويتكرر الامر في المساء بعد اغلاق السجن وانصراف الحراس الى ثكناتهم القريبة، فبعد العشاء تفتح المخابئ ليحصل كل واحد على اوراقه وقلمه.. المؤلف عمد في تلك الايام الى استخدام اوراق لف السجائر في الكتابة كي يسمح بتهريبها بسهولة الى الخارج، وايداعها لدى عائلته او الاصدقاء، ورغم معاناة الكتابة على هذا الورق الصغير الرقيق وما يستدعيه من جهد مضن، حملت دفاتر لف السجائر، يومياته، والعديد من قصصه، ومشاريع روايات لم تكتمل، فضلاً عن خواطره وتعليقاته على الكتب التي كان يقرأها، ومتابعته لاحداث المعتقلات التي عاش فيها، وهموم السياسة..

  

•·        معرض كتب داخل المعتقل

اثر مواجهة السجناء لادارة السجن باعلان العصيان بعد قيام الاخيرة بمصادرة الكتب والاوراق العائدة للسجناء في احدى حملات التفتيش المباغتة، رضخت الادارة لاحتجاج السجناء وطرأ تحسن تمثل بغض النظر عن وجود الصحف والكتب وصار من حقهم حيازة الاوراق والاقلام وعلى ضوء الظرف الجديد قرر السجناء الكتاب اقامة معرض للكتب التي يتم اصدارها داخل السجن، وتمثلت مشاركة صنع الله ابراهيم في المعرض، القيام بترجمته جانباً من مذكرات الشاعر الروسي يوفتوشنكو، ومساهمته مع الاستاذ عبدالعظيم انيس بترجمة دراسة موسعة عن همنغواي. وفي (يوم المعرض صفت الكتب فوق عدد من الصناديق المغطاة بالقماش، وضعت في الممر الفاصل بين الزنازين، ومن هذه الكتب، روايتان لابراهيم عبد الحليم، ومسرحية (الخير) لصلاح حافظ، ورواية من الخيال العلمي اسمها (اندروميدا) لـ مجدي نصيف، وترجمة لرواية المانية لـ فخري لبيب ومجموعات قصصية وشعرية، بالاضافة الى عدد من الترجمات السياسية والنظريات الجديدة، وكتب اخرى، وبعد انتهاء المعرض الذي دام لعدة ايام، جرى تهريب اغلب هذه الاصدارات الى الخارج، كما استطاع صنع الله تهريب كتابه الاول ويلفت المؤلف الى ان عملية النشر والاصدار تم تمويلها من المال العام المشترك، بما فيها ثمن الورق واجرة الخطاط الذي يدون النص بخط جميل وكتابة العناوين ويتقاضى اجره في صورة سجائر معدودة! ثم دور الفنان حسن فؤاد في اشرافه على اغلفة الكتب وتلوينها برسوم جميلة وتخطيطات.

  

•·        الكتابة في الرأس

كانت تشغله مشروعات كتابة وتأملات وافكار تتعلق بتأليف قصص وروايات، كان صنع الله ابراهيم يفكر بها ويكتبها برأسه قبل ان تتاح له فرصة الحصول على ورقة وقلم، ولعله كان يستمد معظم مشاريع قصصه المؤجلة من الوقائع والاحداث التي تجري لهم، او خلال الحكايات التي كان يسمعها او يعيشها داخل عنابر السجون، او من ذكريات الطفولة، ففي يومياته احتلت الكتابة ومشاكلها ودور الكاتب وتكوينه ونظرية الرواية والاقوال المتضاربة بشأنها جانباً مهماً منها، وشغلت القضايا الفلسفية والسيكولوجية المرتبطة بالعمل السياسي جانباً آخر، ويشير فيها في اكثر من مرة عن (سقوط الاوهام) في عملية النضج والاسئلة التي طرحتها الموائمة بين المثال والواقع، ويعترف المؤلف ان كتابة اليوميات ليس بالامر السهل، فهناك حسب رأيه خوفه الدائم من ان تقع في ايدي ادارة السجن والمباحث. فضلاً عن الزملاء انفسهم، ويضيف (الحق اني بالرغم من شدة حرصي على هذه الاوراق حملتها معي الى كل مكان سافرت اليه واودعتها مخابئ مختلفة ثم شرعت اخيراً في نقلها الى جهاز الكمبيوتر عام 1998. وقد احتوت اليوميات في الكثير من صفحاتها على مقتطفات مقتطعة من قراءاته لكتب الادب والفكر والسياسة كان قد دونها المؤلف في فترات متفاوتة وتنطوي اهميتها على صعيد تطوره ككاتب روائي وقاص وشيوعي من هذه المقتطفات نقرأ لسلامة موسى في كتابة (تربية سلامة موسى): ميلاد كل منا هو مغامرة مع القدر، نخرج الى العالم بكفاءات وراثية لا تتغير من ابوين لم نخترهما، ونعيش في وسط تتكون فيه نفوسنا، وتملى علينا فيه العقائد وطرز السلوك قبل ان نستطيع ان نغيره، ثم تتوالى علينا الحوادث التي تقرر اتجاهاتنا في الحياة، وتقع بنا الكوارث التي نتكيف بها، وننزل على مقتضياتها، وعلى الرغم من اننا جميعاً نصاغ في قالب البشرية فان كلاً منا في هذه الدنيا قد كتبت حظوظه واكثرها قبل ان يولد، ان خيراً او شراً ولذلك فان قصة كل منا هي قصة فذة مفردة تستحق ان تروى وان تقرأ في صفحة اخرى نقرأ (كلما رأيت الكتاب المتعجلين يبذرون الاحداث والوقائع دون ان تنضج في قلوبهم ودون ان يستشعروا الحاجة الى ان يمسوا قلب القراء كلما كان الفنان موهوباً وجاداً كلما قلت ثقته بنفسه ويتغلب على تردده الاليم وشكوكه فيتوجه الى القارئ لانه يشعر بضرورة في داخله تدعوه للتعبير لانه لا يستطيع ان يكتم ما بنفسه، عندئذ يظهر الكتاب الذي يهزني انا القارئ في صميم قلبي، كتاب ينفذ الى اعماقي الروحية، كتاب لا يبرح ان يكون جزءاً من نفسي ويجعلني اكثر ادراكاً وخيراً واقوى واسعد مما كنت..

ومن افكار كاتب اليوميات نقرأ (ماهو الجمال في عرفي؟ انه التوتر، هو القالب الدرامي الذي يعبر به الفنان عن فكرة عظيمة بعقله واحساسه، فالموت لا توتر فيه ولا امكانيات للتطور لان التوتر ديدن كل شيء حي، والحياة وهي تتقدم، تغالب عقبات الحياة ذاتها فالحركة والسكون جميلان، اما الغشية فهي قذى العين، والقبح بعينه..

  

•·        الانضمام الى التنظيم الرسمي

يقول المؤلف عندما خرج الشيوعيون الى الحرية الفوا انفسهم معزولين عن جماهيرهم، فقد حققت الثورة للفئات الشعبية كثيرا من المكاسب وخلقت كثيرا من فرص العمل الى جانب موقفها المتصلب من الاستعمار وكسبت بذلك الغالبية الساحقة من الجماهير.. لقد حققت كل ما دعا اليه الشيوعيون واكثر.. وكان النظام يطلب انذاك شيئا واحدا هو حل التنظيمات الشيوعية تماما، على ان يتاح لاعضائها العمل من خلال حزب السلطة (الاتحاد الاشتراكي) فراحت السلطة تمارس الضغوط، فاما حل الحزب او الصدام المباشر. ويرى المؤلف ان الشيوعيين قد فقدوا الرؤية المستقلة والبرنامج المستقل، وفقدوا مبرر وجودهم المستقل.. ويضيف: لقد تخيلوا ان عبدالناصر يحتاج الى التعاون معهم للافادة من خبرتهم في العمل بوسط الجماهير ومن تفانيهم، وانه سيقتنع باخلاصهم فيتيح لهم الاشتراك في تطوير البلاد وتحويلها الى الاشتراكية.. لان اقصى ما يطمحون اليه ان يكونوا جنوداً باسلين لكن عبدالناصر لم يرغب في جنود يمكن ان يتحولوا الى جنرالات.. وبذلك كما قال رفعت السعيد قد كشفوا عن سذاجة تامة.

  

•·        نشاطات ثقافية في سجن الواحات

شهد سجن الواحات حسب اليوميات نشاطات مسرحية وثقافية ازداد حجمها تدريجيا مع تحسن الظروف في المعتقل، اذ بدأ بخيال الظل الذي قدمه الاديب(صلاح حافظ) و(صنع الله ابراهيم) مساعدا له في الافراج، ثم تطور هذا النشاط بمرور الوقت الى تقديم مسرحيات مصرية وعالمية، وعندما ازداد تحسن ظروف السجناء، بدأ التفكير في بناء مسرح في حوش السجن كما يؤكد المؤلف. حيث شرع السجناء بعد موافقة ادارة السجن في الشروع بمهمة اقامة مسرح في الباحة الكبيرة للمعتقل وبذلك تواصل العمل لمدة اربعة اشهر، دأب فيها السجناء على حمل قطع الطوب الى موقع العمل في معظم ساعات النهار في حملات عمل متواصلة وبحماسة كبيرة حتى تم تشييده على احسن وجه.. واصبح ليس مكانا للعروض المسرحية فحسب، انما مكان لالقاء المحاضرات ولاقامة مختلف الفعاليات الثقافية والفنية، كما تلقى فيه نشرات الاخبار الصباحية.. ولعل اهم العروض التي قدمت على منصته(حلاق بغداد) للكاتب الفريد فرج في اثناء وجوده في المعتقل، ثم(عيلة الدوغري) لنعمان عاشور، و(ماكبث ) وفي شهر رمضان قدم شاعر العامية(فؤاد حداد) ملحمة الشاطر حسن، ثم (المسحراتي) اللتين قدمتا فيما بعد في الاذاعة والتلفزيون.

وفي النهاية يمكن ان تشكل هذه الاستذكارات واليوميات صفحات هامة من التاريخ السياسي الحديث، وقراءة لحقبة شديدة الحساسية في الحياة المصرية والعربية. كما انها تكشف عن الكثير من الحقائق ومواقف العديد من الشخصيات الثقافية المعروفة فضلاً عما انطوت عليه من افكار وهواجس وتصورات الكاتب في شؤون الادب والثقافة والفكر وتميزت بالصراحة والجرأة العالية.

كاظم حسوني


التعليقات

الاسم: كاظم حسوني
التاريخ: 2012-06-21 06:56:30
تسرني كلماتك القيمة صديقي الناقد الرائع مقداد مسعود ويسعدني رضاكم

الاسم: مقداد مسعود
التاريخ: 2012-06-20 18:03:20
مبارك جهدك السردي المتفرد لمكابدات الرائع الكبير
صنع الله ابراهيم
اخي في محنة الكتابة المبدع كاظم حسوني سلمت يداك
لعصر سيأتي




5000