.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سلمان... يا رحيقَ جبل ٍ امتزج بالخردل السام المحرم!

كفاح جمعة كنجي

 

سلمان كان ما يزال برعم جميل، لا يعرف سوى المرح واللعب مع الأطفال، لم يكن يعرف بعد أي شيء، سوى القفز بين أحضان أبيه وأمه، ولم يمتلك أي شيء رغم طفولته من لعب الأطفال. لم يكن يعرف الحقد أو يدركه، ولم يؤذي أو يجرح احد، كان لا ينظر في وجه احد دون أن يبتسم ..أية ابتسامة؟.. يا الهي من رأى سلمان وهو يبتسم له لن ينسى أبداً تلك الابتسامة. كان أجمل الأطفال وارقها.. كانت أمه تلبسه أجمل الألوان . 

 


سلمان كباقي الأطفال. سلبت طفولته، سلبت براءته، سلبت مدرسته، سلبت منه كل الأشياء.. كل الأشياء سوى تلك الابتسامة. حين كان يجلس بجوار والده، كالكبار بهدوء دون أن يتفوه بكلمة إلا إذا أذن له أو طلب منه. لكنه كان يمدُ رأسه ويلوي جسده الطري ليتسلل من تحت ذراع أبيه ويلقي بجسمه بين أحضان أبيه .
(سلمان جوقي سعدون) برعم من (دوغات) ... عرف الهروب والتخفي.. تنقل بين الجبال والسهول.. عانى من الجوع والعطش.. واجه الموت والمرض.. وعاش أجواء حرب الدكتاتورية وتجربة الثوار.. تعود السكن في الكهوف.. بدل الموسيقى وأغاني الأطفال استمع لأزيز الرصاص وانفلاق القنابل والنيران.. وأنين جرحى المعارك والشهداء. أدرك كل هذا وهو دون الرابعة من العمر. سمع احاديثاً و قصصاً عن السموم. كان ينظر وهو برفقة أبيه في مراني إلى أبي ثابت بذهول ويتساءل مع نفسه .. كيف لا يستطيع هذا الرجل البالغ أن يوازن جسمه أثناء سيره كباقي الناس. لم يكن مؤهلا ليدرك السبب... ولم يدركه لاحقاً أيضا برغم إصابة أبيه هو الآخر بذات السم القاتل.. الذي كان السبب في عدم قدرة أبا ثابت على السير كباقي الناس معتمداً على قدميه.. لكن طرق إلى سمع سلمان لأول مرة اسم (الثاليوم).
سلمان كان عطر اطوش ورحيق دوغات وقطرة ندى من مراني وزهرة من صوصيا... سلمان طفل صغير وشاهد وبرهان كبير على جريمة لا يتمنى أحداً أن تتكرر في أي زمان ومكان. سلمان وئدَ مرتين. أول مرة كانت يوم 5/6/1987... حينما هجرت عوائل اطوش وصوصيا سكنها بسبب استمرار "هطول الموت" من السماء دون توقف.. الموت المرسل من وحوش وغربان جائعة وجباتها اليومية هي لحوم ودماء البشر... حينها كان والد سلمان (أبو فواد) قد ذهب بعيداً عن الجبال كان في سفرة علاج من الثاليوم الذي دسه بين ما قدم إليه من طعام وشراب العميل ...... نجى ابو فؤاد من الموت بالثاليوم.. بعد رحلة علاج استمرت لأشهر في إحدى مشافي طهران... حمل جسده المتعب ليعود من جديد إلى أحضان بلده ورفاقه وعائلته.
كانت أم سلمان مع صغارها الثلاث قد انتقلت من (اطوش) إلى احد الكهوف في شعاب جبل كارة للمحافظة على صغارها من الوحوش التي تلاحقهم بالطائرات والمدفعية في كافة الأماكن من قرى ومدن كردستان... كانت أم فؤاد والدة سلمان بجوار عمي أبو عمشه وعائلته... أما أبيه فقد قطع أكثر من ثلثي المسافة التي تفصله عن سلمان مشياً على الأقدام.. بقي له وهده صغيرة، لكنه كان تعباً، اختار أن يؤجل اللقاء يوماً آخر!... كنتُ عائداً للتو من جولة مع مفرزة تنقلت في أطراف بقايا الريف المدمر بين دهوك والموصل... أبو عمشه اقرب لي من سلمان في جلسته عانقته ثم استدرت نحو سلمان يا الهي أم فؤاد كانت قد كسته أجمل ثيابه احتضنته بين ذراعي وبادرت لسؤاله عن السبب الذي دعاه ينتظر ويرنو للطريق؟!!!! .... قال لي:-
ـ عمو كفاح أنا بانتظار أبي سيأتي اليوم.. (ما مو كيفاح ئه ز ل هيفيا بابي خوما... ئيرو دي ئيت )... استدرت نحو أبو عمشه لأستوثق منه الخبر.. هل سيأتي أبو فواد اليوم حقا؟.. اخرج زفيراً قوياً... معرفتي بعمي ووضعه الصحي ليست وليدة تلك اللحظة.. أدرك حينما يُخزن خبراً مؤلما.. يحرك رقبته بصعوبة بالغة من اليمين إلى اليسار ثم يصارح السائل بما حدث... قال لي
:ـ لقد وصل القاطع في مقر زيوة .. لكنه لن يصلنا.. لقد قصفت الطائرات يوم أمس المقر بالأسلحة الكيماوية.. أبو فؤاد أول شهيد.. سلمان لن يرى أبيه بعد الآن.. دعهُ يحلم.. حتى حلم الطفل بلقاء أبيه أصبح حلماً .. أصبح مستحيلاً...هل هي قصة من الخيال؟هل هي تراجيديا لفلم واقعي يصور الألم؟!!!..هل هي من حكايا نسجها كتاب روائيين بارعون؟!!..بالتأكيد لا... أنها قصة سلمان وأبيه مع السموم والموت.. قصة بشر مع غربان.. حدث واقعي سجل في فترة من الزمن الأسود بين قمم الجبال وشعاب كردستان.. لكن قلة هُمْ مَن خزنت ذاكرتهم تلك المأساة وصورة الموت بالسم والخردل والسيانيد .
سلمان لم أكن يوما صديقاً لك.. لم تكن في سني لتكون صديقي.. لكنّ لحظات ذلك الانتظار وأنت تستعد للقاء أبيك بلهفة... وأنت لا تدرك انه لن يأتي.. في ذات اللحظة لسماعي نبأ استشهاده جعلتك صديقاً لذاكرتي المشروخة التي تأبى النسيان... أتذكرك كيف كنت جالساً على تلك الصخرة الصغيرة محتضناً خديك بكفيك على أمل لقاءك بوالدك مرتقباً مجيئه. أتذكرك كثيراً.. أحياناً تأتيني في الأحلام.. كلما وضعت رأسي على الوسادة تجددت لحظات ذلك الانتظار في مخيلتي.. . بقي سلمان ينتظر في ذلك اليوم في نفس المكان حتى حلول الظلام. لكن كان انتظاراً دون جدوى.......في البيت إنْ جاز أنْ نسمي الكهف بيتاً كانت أم فواد تنتظر بلهفة لا تقلُ عن لهفة سلمان لعودة أبيه .. أنها لهفة الزوجة والرفيقة في دروب ومحطات يتقاسمها.. جوع وعطش.. وموت وميلاد.. ضياء وظلام.. بين السهول والجبال في الغربة والترحال. .
في صباح اليوم التالي استيقظ سلمان ليشارك أمه بكائها الذي لم يعتاده ... أيقن انه لن يرى أباه مرة أخرى.. كان قد بلغ في تلك الليلة من العمر ما يمكنه أن يفهم بشكل واضح معنى الموت وغياب الأب... تلك كانت المرة الأولى التي وأد فيها سلمان الصغير.. سلمان جوقي سعدون الدوغاتي.. يوم 05.06.1987. يوم استشهاد والده..لم يمضي عاماً واحداً على تلك الفاجعة حتى تعاد وتتكرر من جديد.. لكن بشكل اكبر وأضخم.. فاجعة جديدة تبتلع فيها غربان الفاشية طوابير من البشر.. من جديد يحرق الأخضر واليابس.. الشيخ والطفل .. الشاب والرجل .. البنات والنساء والعجائز.. العشب والشجر.. الماء والحجر.. كل شيء .. كل شيء.. وأد سلمان من جديد في عمليات الأنفال.. لحق بأبيه مع آلاف المؤنفلين عام 1988... قبل عامين في صيف عام 2008 نقل جثمان الشهيد أبو فؤاد بجهود فؤاد وأصدقائه من كلي زيوه إلى دوغات بتشييع مهيب.. لكن سلمان لم يعثر على جثته حتى اليوم بسبب انشغال رفاق الأمس بالاجتماعات والتخطيط والتفكير بالمؤتمرات والاحتفالات التي تتقدمها دائماً دقيقة صمت روتينية براكماتية تحية للشهداء .
سلمان ستبقى صديقاً لذاكرتي اللعينة التي تأبى النسيان وتنساب منها في كل يوم كل صغيرة وكبيرة مرت خلالها أحداث تلك الأيام.... سلمان رغم بعدك وغيابك كل هذه السنين ما زلت اقبل طيفك الذي لا يفارقني في كل يوم ... 
 



كفاح جمعة كنجي


التعليقات




5000