هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حين تكون الكتابة بوابة للحياة

كاظم حسوني

في الباص شدني حديث دار بين شاب في الثلاثين جالساً الى جانب معلمة شابة بشأن تربي الطفل ، كنت اجلس في المقعد الذي يليهم ، رحت اصغي بأهتمام لما يتحدث به الشاب ، اذ شغفني بمهارة اسلوبه في النقاش ولباقته لأقناع المعلمة بأفكاره ، حدث ذلك في الثانية عشرة من عمري بمطلع السبعينات وقتها كنت احسب ان المعلم او المعلمة مثل اعلى في الثقافة ، واغبطت الشاب على ثقافته التي اتاحت له مناقشة معلمة ، هذه الصورة الساذجة ما زالت شاخصة في خيالي ومترسبة في وجداني ، فوجدتني ارسم في خيالي الصغير بأنني حينما اكبر سأرتقي بثقافتي الى حد اناقش معلمة ! واثير اعجابها مثل هذا الشاب ،، لذلك صممت ان اتثقف ، وكان لوقع القرار الطفولي تحفز عميق في نفسي ، وسحر خاص اشعر به حتى هذه الحظة .. رغم ان غالبية الناس البسطاء في احيائنا الشعبية انذاك بمدينة الثورة (الصدر حالياً) ينظرون الى قارئ الكتب بريبة ، وهو برأيهم انسان عاطل ، او معقد ، وغالباً ما يشاع عنه انه شيوعي معاد للدولة ولا يؤمن بالدين . فكنا نحن الصغار ننظر له بهيبة وحذر ، وفي العادة كانت الكتب تحرق او تدفن لمجرد ورود اشاعة عن مداهمات ستقع او وقعت فعلاً ، فالكتاب دليل ادانة ، كما هو الحال لعهد قريب ، الأمر الذي اغراني بالتعلق اكثر بالكتب ، اتذكر اول كتاب محظور قمت بأخفائه تحسباً للطوارئ هو (خالد الى الابد) عن حياة لينين ، ورحت اقرأه بحذر ، ثم قرأت في صباي ثلاثية نجيب محفوظ ، كنت اتملاها وانا بها فرح ، وبضعة كتب اخرى كان قد وضعها اخي الذي يكبرني داخل صندوق خشبي ، وقتها بدأت اشعر بتذوق متعة القراءة ، والتذ في التأمل في الشخصيات والاحداث والصور الفنية ، فأتخيل واقلق ولاتبارح ذهني معايشتهم ، ثمة نشوة وجاذبية للقصص على وجه الخصوص ، في محلتنا او قطاعنا هناك صبية ابتلوا مثلي بسحر الكتاب ، والمؤثر الكبير كان شيوع الفكر الماركسي الذي استهوى الكثير من الشباب في فترة السبعينات بمدينة الثورة ، كما صاحب ذلك نشاط ملحوظ للحركات الاسلامية ، لذا يمكن القول انني نشأت في وسط ثقافي محموم ، كان يثير اعجابي شباب مثقفون يكبروننا ينتمون الى الحزب الشيوعي ، او الى الاحزاب الاسلامية ، كنت التقي بعضهم ، اذا كان التنافس على اشده بين التيارين لجذب الشباب والصبية الى صفوفهم ، وبتأثير هذا المناخ صرنا محملين بهم القراءة كانت حياتنا عاطفية لذيذة مبهورين بكل شيء يتصل بالثقافة والفن ، رغم اننا لا نعي الا القليل ، والحقيقة انني في يفاعتي وانا ولد صغير لم اكن احب السياسة لانها اقترنت بذهني بالسجون والقتل ، بقدر تعطشي للمعرفة ، الا ان واقع الحال حينذاك ان المثقفين هم السياسيون ، وكان هذا التواشج صفة ملازمة لأغلبهم ، فكنت اصغي مع اصحابي الى هذا الشاب وهو يتحدث عن كتاب (فلسفتنا) للعلامة الشهيد محمد باقر الصدر ، وتارة لأخر يشرح لنا شيئاً من مفاهيم (المادية التاريخية) من دون ان ندرك الا اليسير ، وفي الواقع كنت فرحاً بالحياة ، قلقاً مزحوماً بمشاعر تشدني الى اكتشاف ومعرفة المزيد من الاشياء الغامضة . وصرت اعتقد ان كل كتاب يحمل وعدا بكشف ما ، وعدا بنشوة من عالم الجمال ، رحت اتحرى في الكتب عن السحر ، واغراءت المجهول ، اجدني احلم ، وفي قلبي حب يمدني بأسباب التحرق ، لكن حدث ما افسد فرحي الطفولي واحبط عنفواني ، هو ادراكي ان الحكومة لا تقيم وزناً للثقافة وتعتقل المثقفين ، وتنشر اخبار كاذبة بزعم دعمها للثقافة ! هذه المفارقة حيرت عقلي الصغير ، وغيرت فهمي للاشياء حيث غذت في بزمن مبكر مشاعر الكراهية للحكومة . المثقفون الذين كنا نلتقيهم اكدوا ان الحكومة تعادي الشعب وتقتل الشباب وتملأ بهم السجون ، ازاء ذلك اصبحت لقاءاتنا معهم مشوبة بمزيج من المتعة والخوف والحذر ، وتعمقت صلتنا بالكتب ، صرنا نستعرض قابلياتنا حيث نلقي امام بعضنا البعض مقاطع قد حفظناها من هذا الكتاب او ذلك بزهو وخيلاء ، في ممارسات تمثيلية تمويهية ، اذ كانت قد بلغت بنا الحماسة والاندفاع العاطفي حد الاستعداد للتضحية بالنفس ، وحدث فعلا ان اعتقل بعض الصبية خلال مداهمات الرجال (السريين) الأمن اعتقل فيها الشباب وخطفو الصغار . فعمد اهلنا الى اخفاء او حرق ما لدينا من كتب ، رغم انها اي الكتب كانت نادرة ، لأن اهالينا لايمتلكون ثمن احذية نذهب بها الى المدارس .. تلك الايام مازالت صورها عالقة في ذهني ، عرفت فيها التذوق الفطري للكتاب ، حتى صار لصيقاً بعدئذا بحياتي ، ولعل العنصر الاساس الذي رسخ وزرع هذا المبدأ النبيل اي القراءة في نفسي ، انضمامي مبكرا لحلقة الاصدقاء الذين اشرت اليهم انفاً من ذوي الميول الماركسية ، في منتصف السبعينات وبداية الثمانينات ، كنا نشترك بقراءة الكتب ، نتناقش ، ونتبارى في الحديث عنها في جلساتنا المتواصلة ، نثق بتوجيه من نعدهم اساتذتنا حين دعونا الى تجنب قراءة المؤلفات البرجوازية لأنها حسب وصفهم الايدلوجي معادية للشعب ، فالبرجوازيون طفيليون يفسدون العقول ، لذا حرمنا من قراءة طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وعشرات العبقريات وسواهم من الكتاب العالميين ، التي تمثل مؤلفاتهم كنوز الأدب البرجوازي العظيم ! ولم التفت الا بعد مرور زمن طويل لحماقة هذا التوجيه وتهافته ، الأمر الذي دفعني للاعتكاف على قراءة ما فاتني من هذا الادب ، خاصة عقب اطلاعي مفصلاً وقتذاك الى قضية (باسترناك) الشهيرة ، اذ قرأت عنها مقالات عديدة ، وكتاباً لأودنيس يشرح قمع السلطة السوفيتية للشاعر (باسترناك) ومنعه من استلام جائزة نوبل ، ومصادرت الحريات والافكار المعارضة ، وذات الشأن حدث مع كتاب مشهورين منهم (سولجستين) و (غوركي) الشاعرة (اخماتوفا) و (شالاموف) والعديد من كبار الكتاب السوفيت … ومرت السنوات و جاءت حقبة الحروب الفاشية التي اكتوينا في اتونها ،، كان الانقطاع لفترات طويلة عن الكتاب امر طبيعي وسط اهوال الحروب والنكبات ، لكن الحرمان من القراءة اشبه بالحرمان من الحب ظل هاجساً لا يفارقني ، وكمن يتحرق لأي طعام من الجوع ، كنت اضطر للتحايل على وضعي واحاول دائماً سرقة الوقت للأنفراد بنفسي لمطالعة الكتب التي لا تخلو منها حقيبتي . وكنت بسببها موضع تندر ودهشة وغضب الجنود حتى ظن بعضهم بأنني مخبول ، او مصاب بلوثة في عقلي لانني كنت انقل حقيبة كتبي على ظهري برضا وحماسة في ترحالي وتنقلي دائما ، ففي المسيرات الحاشدة للجيش المنكسر التي قطعنا فيها مئات الكيلومترات مشيا على الاقدام لعدة ايام طويلة قاسية من الكويت الى بغداد اثر هزيمة النظام في حرب الكويت عام 1991 ،كانت اقدامنا قد تقرحت من المسيرالمتواصل ، صرنا ندفع خطواتنا بمشقة بالغة بعد ان خارت قوانا عقب قطع المسافات الشاسعة اجتزنا خلالها عدة مدن ومحافظات ثائرة ، ونحن نجر اجسادنا منهكين ضائعين مخذولين وجياعا ، بتنا كالاشباح من فرط التعب والارهاق والمخاطر باسمال معفرة بالاوساخ والاوحال والمطر ، ندفع انفسنا الخاوية بصعوبة كيما نواصل المسير ، اضطررنا للتخلص من كل مايثقلنا كالقماصل والاحذية للتخفف ، نمشي حفاة ، لكنني بالرغم من عظم الماساة وفداحتها ، وماكان يحيطني من خطروما اصادفه من جثث مرمية في الطرقات ، لم اتخل عن حقيبتي المليئة بالكتب ! رميت حذائي ، ولم ارم حقيبتي ، وكنت اتلقى طيلة المسير صرخات غضب وكلمات استهجان وتهديدات وسخرية من رفاق دربي على رعونتي وجنوني ، لانني اتحمل ثقلها بطرا ولانها اي حقيبة الكتب كادت تودي بحياتي وشكلت خطرا على اصحابي لانها تلفت انظار قطاعي الطرق واللصوص فيهرعون الى خطفها شاهرين اسلحتهم بوجهي ثم قلب الكتب على الارض وتقليب الصفحات بحثا عن المال ثم يشتمونني عند ياسهم من العثور على ماينفعهم ، ، والحق انها اي حقيبتي قصمت ظهري وقطعت انفاسي وانهكت قواي ، حتى بات الوصول الى منزلي حلما بعيدا ، لكن حدثت المعجزة ودخلت منزلي بعد نهاية رحلة اسطورية عجيبة ، كانت هيئتي قد اثارت فزع اهلي واشفاقهم ، اذ كنت ابدو كالشحاذ باسمال ممزقة مكسوة بالاوساخ والطين ، اسحب انفاسي بمشقة لجسامة ماحل بي ، وزاد استنكارهم وعدم تصديقهم حملي هذه الحقيبة الثقيلة بالكتب مشياً على الاقدام من الكويت الى بغداد . . نزعتي للقراءة تحولت بمرور الاعوام الى ادمان ، صار همي كله موجهاً للكتاب ، ويزداد جوعي وتعطشي للكتب ، آتخيل نفسي كالمسحور يملؤني الفرح بالعثور على كتب جديدة ، ويداخلني الحزن لأنني لا اعلم متى وكيف سأقرأ ما اقتنيته ، فكنت وما زلت اعد نفسي بقراءة هذا الكتاب او ذاك ، لكنني انتقل لغيرة لسبب ما ، ويحدث ان تمنعني ظروف معينة ، فأنسى وعدي ، ولا اعرف كيف افي لهذا الركام من الحيوات (الكتب) التي تطالبني بالاطلاع عليها ، والواقع انني اقرأ في الحد الادنى في الاعوام الاخيرة ، ارغم نفسي على قراءة كتب الاصدقاء المهداة او كتب عن بعضهم ، الا ان الحقيقة التي عرفتها كوني مطلعاً على بعض خفايا الوسط الثقافي ، واعمل في الصحافة الأدبية منذ عدة اعوام ، هي حقيقة مؤلمة اذ تبين لي ان معظم المثقفين لايقرأون ما يهدى اليهم من مؤلفات اقرانهم ، سيما الادباء والنقاد المعروفين فأن اي واحد منهم لا يقرأ الا في حالات نادرة الكتب المهداة اليه لكن مهما تبدلت الظروف وتقلبت ، تظل للقراءة نشوتها التي لافكاك منها ، ولكم احزن على من لم يذق هذه الهبة الالهية العظيمة (أقرأ) ، وقصارى القول يبدو ان القراءة مهما تحدثنا عن عالمها وجمالها تظل نشاطاً خاصاً لايستثير الا القلة من الناس ، ممن امتلكتهم ، ووجدوا فيها عالماً من الأثارة والدفق والتجدد ،، لكن ليس كل من يقرأ يتمثل ويفهم مرامي واغراض الكاتب ، لقد رأيت البعض يلهث ويلهث ويقتني كل جديد من الكتب ، لكنه لايلتمس شيئاً ولايجد شيئا كأنه لم يذق ولم يقرأ ! وليس للقراءة اي صدى في نفسه . . رحلتي مع القراءة وعالم الكتب لم تجعلني يوماً افكر بالكتابة ، اذكر في نهاية السبعينات ان واحداً او اثنين من اصدقائنا نشر مرة او مرتين قصصاً وقصائد ، غدت هذه الخطوة حدثاً ، رحت انا واصدقائي ننظر اليهم بأعجاب ، كان النشر في تلك الحقبة له قيمة ، ان تنشر قصة او قصيدة يعني الكثير ويصبح صاحبها كاتباً وهذا امتياز كبير وقتذاك .. وبمرور السنوات وتراكم التجارب ، بدت تبرز لي حقائق جديدة ، وتغيرت امثولتي وتبدلت الكثير من قناعتي ،، فالانسان صيرورة في رحلة بحث واكتشاف الآن وبعد هذا الزمن الطويل ، ارى كمن تعرض امامه صوراً متعاقبة في شريط سينمائي صور بعيدة اراها في نفسي ، واحسها في ضميري ، مرات يرق قلبي لسذاجتي وصدقي وبراءة اندفاعي ، الآن أقر بأني اضعت الكثير من سنوات عمري بسبب اوهام أمنت بها في صباي ، فحين اتأمل اهتماماتي في الثمانينيات لبعض الافكار والاشخاص يغمرني الاسى لأنني انفقت اوقاتاً كثيره كمن وجد نفسه لاهثاً وراء سراب ، واعجب لاهتمامي بشؤون ثقافية لا تملك مقومات وجودها ، ولا تستحق الالتفات , اجل كنا نقرأ ونتحمس للكثير من القضايا من دون منهاج سليم ودراسة ،، ولم ادرك ذلك الا بعد فوات الآوان ، فثمة تجارب تكلف كثيراً ولا يحصد المرء منها الا الرماد (فالذين اوتو العلم عيونهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) يعيش الواحد منا ويحس انه على صواب حتى تنوشه النيران ،، ربما عذري كوني كنت صغير السن حديث العهد بالوعي والثقافة ، لكن اعيب على نفسي انني عاطفي بطبعي قليل التروي ، ثمة قناعات واتتني متأخرة وصار يساورني احياناً الشك حول القيمة الحقيقة للعديد من القضايا التي كانت تشغلني ، هنا لابد من القول بأن الحقائق العميقة تقتضي من المرء التبصر والاصغاء الى الحكمة ، فما اشد المرارة وحجم الخيبة لمن اضاع ساحبة عمره لأجل قضية يكتشف متأخراً انها زائفة ، او مجرد موضة وسراب ، ، واظن ان اهم العناصر للتبصر والكشف التجربة اولاً ، والكتاب الذي يحمل خلاصة حكمة الانسان وجوهره ومآله ، عبر قراءاتي اكتشفت ميلي واهتمامي للحكايات والقصص والروايات ، جذبتني لأن الأدب من خلق الخيال والعاطفة ، لقد شعرت بنشوة هائلة حينما قرأت عدداً من روايات (دوستويفسكي) اما محاكمة (كافكا) فأشعرتني بالصدمة وظلت هاجساً يلازمني حتى الساعة فشخصية مثل (جوزيف ك) البرئ يثير العجب والحيرة والتساؤل ، ولعل اعظم شخصية روائية اثارت مخيلتي ولم تبارح ذهني هي شخصية (بنجي) تجعلني اشعر بالاشفاق على انفسنا ، والمسيرة المفجعة لحياتنا المعاصرة ، ترى اية روعة وحقيقة يبثها (فوكز) من خلال (بنجي) المعتوه ، انها بعبارة لشكسبير على لسان (ماكبث) بأن الحياة حكاية يرويها معتوه ملؤها الصخب والعنف ، لكن بقدر تعلقي بالأدب العالمي ، احببت كثيرا القصة العراقية ، واعترف بأنني تربيت على كتابها الافذاذ وبهرتني قصص محمد خضير ، جليل القيسي ، احمد خلف ، فهد الاسدي ، حنون مجيد ، موسى كريدي ، عبد الاله عبد الرزاق ، محمود عبد الوهاب وآخرين ، اما الكتاب الذي اثر في كثيراً فهو (القرأن) كلما اجلس اليه يترك في نفسي انطباعاً جديداً وأرى ان كل حديث يتكرر على الانسان ويلتقيه الانسان مرات متواليه يفقد طراوته وغضاضته وتأثيره وفعله وأيحاءه في النفس عدا (القرأن) فلا يفقد طراوته بكثرة الترداد والتكرار ... بالنسبة لتجربتي في الكتابة بدأت محاولاتي الاولى بكتابة رسائل ادبية في مطلع الثمانينيات الى الاصدقاء ، ثم تطورت ونمت قدراتي الى كتابة القصص ، كنت ابعث بقصصي خلال اعوام الحرب الايرانية الى المجلات والصحف واتلقى الرفض ، كنت اقرأ تعليقات المحرر في مجلة فنون التي تشير الى ضعف اسلوبي ، وغياب الحبكة ، ويدعوني لاعادة المحاولة مجدداً ، وكنت افشل في كل مرة الى الحد الذي دفعني الى الاقلاع عن الكتابة ، والانصراف الى القراءة ، اذ بدا لي ان الكتابة مهمة صعبة ومتمنعة ورحت اقرأ قصصاً من الادبي العربي والعالمي ، ولكم سحرني يوسف ادريس باسلوبه وحكاياته الجميلة ، واسرح مع الاحزان الشفيفة في قصص تشيخوف ، اما قصص محمد خضير فكنت اعيد قراءتها واقرأ ما كتب عنها ، اظنها تجربة متفردة القت بظلالها على السرد العراقي ، احببت قصص احمد خلف وفهد الاسدي ، جليل القيسي يذكرني (بكافكا) ، كنت اقارن تجربتي وابحث اسباب فشلي ، ودام ذلك قرابة ثلاثة اعوام ، حين عدت محاولتي الجديدة وبعثت بقصتي الى مجلة فنون في صيف 1986 ، لكن مضت اشهر من دون ان تنشر ، قلت انها غير صالحة ايضاً ، ونسيتها ، ولم افكر في المحاولة من جديد ، الا اني التقيت مصادفة ذات مساء في حدائق الاتحاد بالشاعر باسم المرعبي ، وراح يحدثني عن قصتي (اللوحة) المنشورة في مجلة فنون ، وقتها لم اكد اصدق ملأني الفرح وسرعان ما حثثت خطاي خارج الاتحاد الى بائع الصحف والمجلات ، وجدت المجلة وابتعت ثلاثة اعداد منها ، تصفحتها وعثرت على قصتي وقد احتلت صفحتين مع تخطيط جميل ،، بعدها بفترة نشرت قصصاً في الثورة والطليعة الأدبية والقادسية لكنني لم اشعر بجزء مما شعرت به في قصتي الاولى حتى عند اصدار كتابي الاول وما بعده من كتب ، لكن تبدو لي المسالة برمتها اوهام كأوهام الطفولة، العجيب هذا الشعور الاول كأنه الحب الاول له مذاق ونشوة عارمة ، يصعب وصفها انها لاتعني احد ، فهي مجرد قصة ، وما اكثر القصص ، لكن النشر لاول مرة له وقعه وتميزه ونشوته ، اميل الى القصة التي ترصد تحولات النفس وما يعتمل فيها من تقلبات مثل قصة الكاتب الايطالي (بوتزاتي) في قصته العظيمة (الطوابق السبعة) انها قصة رصدت برهافة وبعمق حالات تقلب الحالة النفسية للبطل ببراعة محلل نفسي وفنان .. من جانبي تخامرني دوافع لأن اكتب ما يبهضني وما لمسته وعشته ، وعبر تجربتي اواجه بياض الورقة دوماً فتفتر حماستي في اول لحظات ، فاقاوم ترددي لتدوين حكاياتي وكلما ينصاع القلم تتشكل السطور وتتجسد الحيوات والاحداث ، حينما تتحول القراءة الى متعة فأن للكتابة متعة اعظم ،، وبعد اصداري ثلاث كتب واعمل الآن على اعداد مجموعتي القصصية الرابعة . لا ادري ماذا صنعت ، لكنني ما احسست يوما بالرضا بما صنعته ، وفي اعماقي توق وقلق ، واحلام ، وامامي افق بعيد .. وهناك في الساحة كتاب لهم تجارب اعمق واكبر ، ولديهم تمرس وخبرة اوسع ، وارى التفاوت في العطاء امر طبيعي ، ولكل واحد مقدرته ،، واعتقد بأن الكتابة عملية شاقة لكنها سحرية تحتاج الى انصراف كلي وامتلاك كلي ، وانغمار تام ، عندها يمكن برأيي ان تمنح كلماتها الذهبية لربانها ، وفرسانها الاصلاء ، الكتابة عشق ، وجموح وخيال ، وابتداع وخلق ، عوالم واكوان تنبض بالحياة من صنع الكتاب الشجعان ، قصص كالوهج لاتغيب في ذاكرة الأنسان يحلم بها ويتأملها وتحيا فيه كالذكريات الحلوة ، ولكم اتذكر قصص الكتاب الروس والأدب الامريكي والعديد من الاثار الأدبية العظيمة

كاظم حسوني


التعليقات




5000