.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مصحف الملكة نفيسة

محسن شوكت

عزيزي مجدي ممدوح :

لم أعد أحتمل . كتبت هذا الفصل بالدموع . أنفجر بداخلي رغما عني . لست مستعدا للتفريط به وسأضعه في قلب الرواية وليقولوا ما يقولوا. أنه خيمة عزاء متأخرة جدا  . أنه نواحي وبكائي. أنها دموعي منشورة للملأ . أليس من حقي ان أنوح . أنا أضعف مما تتصور .

  

    محسن شوكت

  زفولا-هولندا

  08-مايس-2012

  

(29)

  مصحف الملكة نفيسة

  

  

سقط البيت الاول من معلقة جواد سليم المؤلفة من اربعة عشر بيتا . شاهدت ذلك بعيني . أثناء رحلتي الى قوس النصر مررت بجداريته. توقفت قدماي هناك . أتكأت على الجسر ورحت أحدق .وجدت نفسي أقف في موضع يخطف الابصار. كان الجو ملبدا بالغيوم  والسماء تبرق مع اصوات للرعد  مخيفة .فجأة سقط شئ من السماء , شقها نصفين . نصل  ملتهب أنقض مثل طائر عملاق ونقر الجدار . فأختفت أجزاء منه . لم تعد عيني هي نفسها. حين سكت الرعد وهدأت السماء وتوقف تساقط المطر, فتحت عيني من جديد . رأيت جسرا ملونا يربط مابين قوس النصر والجدارية ,  فدهشت . فركت عيني جيدا . أزحت النعاس والسكر والوهم وخداع البصر.

أعدم الزعيم قبل ان تكتمل ادوات الاستبداد . وحين طلب وضع تمثال له في الجدارية طلب ذلك بحياء . وحين  رفض الفنان ذلك  رفضه بشدة. لكن الفنان  نسي في مسلته المؤلفة من اربعة عشرقطعة ان يضع البداية. الساعات الاولى من الرابع عشر من تموز وتحديدا الساعة الثامنة وعشر دقائق صباحا والمكان هو قصر الرحاب  . سوف يظل هذا السهو مربكا . كيف يمكن ان تسقط قطعة هامة ؟ من أخفاها  ؟  كان سليم نائما في ذلك الصباح في سطح الدار يغطي وجهه بشرشف سميك.   هل كان دوي الرصاص وصرخة الضحايا بعيدة . وحين مرت رؤوس الضحايا أمام الدار محمولة على حراب الضباط الأحرار , هل كان ذلك حلما ؟ وحين أيقظه ضجيج الشارع وصراخ الكلاب المسعورة وهم يسحلون جثة بشرية , هل كان ذلك حلما  ؟  سوف تواصل الجثة المسحولة طوافها مبتعدة عن داره . هل تابع بعينه الحادة خط السحل؟ كان هناك خيط من الدم يسير وراء الجثة    . هل يدري أين طافت وكم من الامتار صبغت بدمها ؟. سوف نتركه يواصل نومته العذبة . نرافق الجثة وهي تطوف  الشوارع الرئيسية وتعبر الجسور. تتكسر العظام وتتهرأ المفاصل  . خمسة آلاف متر من السحل ألا تستحق وقفة من برونز ؟. تتناثر الاشلاء على الارصفة في تكوين باهر مروع . وحين علقت على بوابة وزارة الدفاع مثل خرقة بالية  ألم تكن مغرية وتستفز الازميل ؟. ألا تحمل مقومات عمل نحتي ؟ على الاقل لتخليد ذلك الوحش ألغائر في أعماقنا . اليست هذه هي صورة رائعة  لأعماقنا؟ . في اللحظة التي يفتح فيها الجندي الشامخ قضبان السجن كان هناك ضابط يسدد على مجموعة من العزل بينهم أربعة نساء .

 خائف أنا من هذا السهو . وخائف اكثر من النسيان المتعمد . كيف لنا ان ننام بعد ذلك ؟. ثمة علامات يصعب تجاوزها . نحن نهتز كل عام على مصرع رجل جاء برجليه الى الموت وجر معه واحد وسبعين رجلا . منذ اربعة عشر قرنا ونحن حزانى لا نغفر لأرواحنا. . توقف الفرح فينا الى الابد. كل عام نجلد اجسادنا بأشواك من حديد. نطعن رؤوسنا بالخناجر . نتعرى ونلطم وجوهنا وصدورنا. نجر أطفالنا ونسكب في أفئدتهم المرارة. نرضعهم الندم ونعلمهم البكاء. نضع لهم يوما لمفارقة النوم وعشرة للنحيب . نضع في قلوبهم أن عاشوراء هو ذنبنا الوحيد  . تحت جبل الآلام كنا نتسطح . فقدنا  شيئا هاما . تم أختزالنا الى واقعة لم نعد نرى ماعداها . لماذا لا نهتز على نفس الحادثة حين تحدث البارحة؟. متى نلطم في تموز ؟   

ثمة مشتركات بين كربلاء وقصر الرحاب , بين عاشوراء وتموز. كلا البيتين من بني هاشم  . في كربلاء يخرج سهم مسموم, يطير في السماء , يهبط  ليمر في عنق عبدالله الرضيع , تقابله رصاصة في عنق جعفر اليتيم  الطفل الذي ربته الاميرة عابدية  والذي لم يسلم من المجزرة , خوفا أن يكبر ويطالب بالعرش , العرش بالرضاعة  . هنالك عرس القاسم وهنا فيصل الثاني الذي يحضر حقائبه ليلاقي عروسته في لندن . هناك خيول تدوس على جثث و تعليق للرؤوس على الرماح وهنا سحل وتعليق على أعمدة الكهرباء . لماذا نلطم هنا ولا نلطم هناك ؟. أمر يصعب فهمه . كلما أردنا أن نضع رمزا لمصيبتنا نرتكب خطأ  فادحا. نحن محاطون بعوائق معرفية . كل نصب يؤكد او يغيب نفس المعاني . عاشوراء نصب متحرك , بانوراما سنوية تمجد الموت. كل نصب فينا يعضد ذات الفكرة القائمة على عبادة الموت . وما هو مطلوب مني هو المشاركة في هذا المهرجان المغطى بجميع  الحيل ومختلف وسائل التشويش . المحتوى ذاته سواء كان نصب الحرية او واقعة الطف او قوس النصر او نصب الشهيد او الكتابة عموما . الهدف هو وضع مبررات ووصف جميل  لازهاق الارواح . كل فكرة وكل عقيدة وكل لوحة تقدم طريقة ومبررا لازهاق الارواح وشنق الاخر . لا يوجد استثناء ولا توجد مهدئات لهذا العصاب الجماعي . ولكي احصل على شقة علي ان اشارك روحيا وعقليا وبدنيا في هذا الجنون الاحتفالي   . في كل شوارع المدينة وساحاتها هناك خطأ فادح .كل مرة  تسقط اللحظات الهامة ونعبرها لنؤسس دورة دم جديدة . سوف يصلب الزعيم ويبصق بوجهه. وسوف تعلق الجثث في الساحات العامة ويطلب من الناس التصفيق والهتاف والحضور. وسيأتي الناس ليصفقوا . سوف لن يوقف احد هذا الاحتفالات الدموية. سيكون الناس قد تعودوا تماما , والذين شاركوا او صمتوا للسحل في تموز سوف يواجهون نفس المصير في شهور أخرى , وسوف تمتلأ سنتنا بالمخازي . سوف يخرج علي احدهم ليقول ( انك تدافع عن مجرم شنق أربعة عقداء وثلاثة شيوعيين , والعدالة تقتضي ان يشنق سبعة مرات ). سوف أسجد للعدالة , لأنني أعبدها , ولكن هل كانت العدالة حاضرة في تلك الساعات ؟ من هو ممثلها ؟ لماذا لم يؤخذ (المجرم ) ويشنق في زاوية بعيدة , في واحدة من دهاليز العدالة ؟ . لماذا تتولى القصاص شوارع بغداد وساحاتها وجسورها  وارصفتها واعمدة الكهرباء التي تنيرها ؟ لماذا يتلطخ كل هذا بدمه ؟ لماذا يراد لنا أن نسير على أرصفة ملطخة بالدماء ؟ أليس من العدالة أن يشنق المجرم وهو حي ؟ أن يعلق وهو بكامل جثته ويسأل عن رغبته الأخيرة ؟ . لماذا شنقنا ثلثي جثته في الرصافة وبقي ثلثا في الكرخ تنهشه الكلاب المسعورة ؟. هل الكلاب المسعورة هي ممثل العدالة ؟ لماذا بقينا نتفرج طوال النهار من شرفات المنازل ولم نسد أعيننا وأعين أطفالنا  ألا بعد أن شبعت تماما ؟. أي صنف من البشر نحن ؟ كان الى جانب (المجرم ) الوحيد ستة أبرياء لماذا ذبحناهم ؟ , أبرياء بكل ما تحمله الكلمة من معنى , لم يؤذوا طوال حياتهم حتى نملة . تنازلوا عن كل شئ ولم يكن لهم سوى رجاء واحد هو الرحيل . لماذا أصر ثوارنا الاحرار على أبقائهم ودفنهم  بثيابهم؟ . لم يقشعر احد مما حدث ونمنا جميعا في تلك الليلة لم نصب بالارق . وسنحتفل بهذا كل سنة وسوف نضيفه الى سجل عطلاتنا الرسمية . سيكون يوما بهيجا . والشوارع التي شهدت هذا اليوم سوف تكنس وترش  وتزين بصور الثوار وترفع الاعلام الوطنية  وتعلق أضاءة ملونة   .سوف يتقدم المنفذ الرئيسي أمام  رئيسه ليضع على كتفه نجمة جديدة ويرسله ملحقا  عسكريا في موسكو .

  

وفي غمرة أرتباكنا الدائم وانحطاطنا المتكرر كنا نبحث عمن يرفعنا بأية طريقة. نبحث عمن يرسم لنا صورة زاهية سامية حتى لو كانت ملفقة ,  فقد سأمنا من رداءتنا . وهكذا عثرنا على نحات هو جزء منا . يحلم بالخلود والسمو وتربى مثلنا على دروس الأنشاء والتربية الوطنية وبعضا من صخب ذلك العصر . تسوية جديدة تضاف الى سجلنا    . لم تعد شوارعنا نظيفة ولا تساعدنا على السمو  , كل مافيها يخدرنا , يجعلنا أكثر استعدادا لخطأ آخر . لم يكن الفنان داعية للقسوة لكنه وضع في قلب البلاد جدارا باهرا تختفي وراءه جريمة بشعة . اسقط بطريقة غامضة تماما لحظة دموية جديرة بالخلود  .

 شيد النصب و ثمار الخوف لم تنضج بعد  . كنا ما نزال نعيش في العهد (البائد ) .تأسس الدم المعاصر في الرابع عشر من تموز واول القطرات كانت  في قصر الرحاب. كان الذبح حتى تلك اللحظة هو في العاشر من محرم .والرأس هو رأس الحسين  . المشهد يتكرر بحذافيره . وبدل شمر بن ذي الجوشن يتقدم الى منصة المسرح بنفس الدم البارد والتصميم ذاته ضابط اسمه عبد الستار العبوسي وينحر سبعة رقاب . يقف فوق الجثث تماما مثل زميله السابق في المهنة والذي يبعد عنه اربعة عشر قرنا , يختصرها العبوسي بثوان . يضع اقدامه على جثث العائلة المالكة  . لن يكون مضطرا الى  الأنتظار أشهرا لأيصال البشرى الى رئيسه , فقد قطع العصر شوطا بعيدا وتقدمت تكنولوجيا الاتصال لتختصر هذه الفقرة . سوف يمسك العبوسي سماعة التلفون ويتصل بقادة الانقلاب ليبلغهم بتنفيذ المهمة . سوف يسمع تصفيقا وهتافا حادا يأتيه من الطرف الاخر , وسيحصل على اطراء لائق وملحقية عسكرية في موسكو  . حتى الان ليس هنالك اي ضجة . لكننا لم نبكي, لم نذرف دمعة واحدة, لم نتأسى ولم ندقق . كان القاتل اكثر شرفا منا جميعا . بعد اربعة عشر عاما وضع فوهة المسدس في سقف فمه ووضع حدا لليالي الأرق وسيل الكوابيس والزيارات الليلية للضحايا . كانت السيدة نفيسة تزوره يوميا وهي تحمل مصحفها المثقوب بالرصاص وتقف عند حافة سريره لتمنع عنه النوم  . لكننا كنا أكثر حيطة من القاتل . اوكلنا الى جزء هام من عقولنا أن تعيد رسم الحدث وتضع صورة شاخصة متعالية سامية وباهرة. أعدنا سرد الحكاية من اليمين الى اليسار في أربعة عشر بيتا  .علقناها على جدار في قلب العاصمة كي نراها من كل مكان, كي نراها كل يوم ونطمئن تماما ان كل شئ جميل في ذلك اليوم التموزي : ينابيع تتفجر ماءا وامرأة حبلى بالخير وسكينة محاطة بأغصان السلام  وطفل تائه يجده اهله ومطرقة تستعد للبناء . معلقة شعرية للاعصاب المجهدة التي يأست من نفسها فراحت تبتلع حبوبا الفاليوم  .قصيدة مديح فاقع لذواتنا  المتهرئة   , ثم ذهبنا الى أسرة نومنا وأنتهى كل شئ .. لابد اننا كنا نملك من السفالة ما يكفي لتمرير هذه القذارة , زبل دون ادنى شك , منحطون  , وبلا ضمير  . نضع الارواح في علب وخانات. نضع طمغة زرقاء  على اللحم المجاز , هي نفسها طمغة الرقابة الصحية في المجازر الحكومية  . ننام ملأ الجفون ونشخر . مجرد بضعة كلمات وقصائد وصخب جماهيري . مجموعة هتافات وينتهي كل شئ ليتكرر بعد ذلك  . هنالك ارواح تصلح للذكرى تصلح للاشارة واخرى تصلح للنسيان  . عقود من السنين  يمر الحادث مرور الكرام . هناك فرق آخر جدير بالذكر . هو ان شمر بن ذي الجوشن  قطع بالسيف  رأسأ كان هو الاخر يحمل سيفا ويقاتل ببسالة  .بينما  لم يكن اي من السبعة الذين نحرهم العبوسي في قصر الرحاب  مسلحا , كانوا عزلا تماما : اربعة نساء وثلاثة رجال احدهم طباخ تركي  والثاني ملك سوف يتزوج بعد يومين (من حقنا ان نعقد مقاربة  بينه وبين القاسم بن الحسن العريس يساعدنا في هذه المقاربة ان كليهما ينتميان لنفس العائلة الهاشمية ).والثالث خال الملك. وهناك طفل أيضا أسمه جعفر اليتيم  .  وبعد ربع قرن سوف لن يبقى من ذلك العهد شئ يذكر . واذا كانت الحياة والناس حاضرين بقوة في النصب فذلك لأنهما كانا جزء من عصر لم يقتل بعد ولم تصفى جميع مؤسساته. كان العهد( البائد) مازال طريا  . هذا العهد وعلى مدى تاريخه الممتد لاربعين عاما لم يخض حربا واحدة , ولم يعدم سوى اثني عشر شخصا بعد محاكمات اصولية , ولا توجد حوادث اغتيال تذكر ولا سجون سرية , وكانت الشرطة هي الجهاز الوحيد الذي يتولى امر الشيوعيين . لم يترك لنا هذا العهد منشآت نووية ولا صواريخ تصل طهران ولا خمسة وعشرين مليون بندقية  ولا خمسة الاف دبابة جاهزة للغزو . كانت تركته من نوع آخر تماما. ترك لنا شعبا على وشك ان يكون اعزلا , لايحمل فيه المسدس سوى رجال الشرطة. ترك لنا خزينة بلا مديونية مع بيدر قمح من سواعدنا يكفينا ويزيد . ترك لنا معملا للزيت ,وآخر للبطانيات , ,آخر للسمنت, واثنين وثلاثين مليون نخلة مثمرة, وشريطا  من الاغاني تدور كلها عن الحب ولهيبه. اللهيب الذي يحيي القلوب ولا يميتها   . سوف يأتي زمان علينا نقف عاجزين عن تصور المدى الشاسع للمفارقة التي وصلنا اليها. سوف نضع مقابلات مفزعة.  بعد ربع قرن سوف تصل المديونية الى نصف ترليون دولار  وستزول اربعة عشر مليون نخلة جراء الحروب والعقوبات الجماعية. وسوف تتحول الاذاعة والتلفزيون الى مصنع لانتاج كل ما من شأنه تلف الجهاز العاطفي  , سوف ننتج كل أنواع المبيدات الحسية اللازمة لقتل الحب  وشحن القلوب بالبغض , وبدل الحب ولهيبه صارت هناك لهيب الراجمة ودوشكة عبدالله والاب المحزم بالسمتية والزغاريد التي تمهد للمجازر  ورائحة الكافور وعشق الشاجور  . سوف يتغير كل شئ.كيف وصلت الامور الى هذا الحد ؟ .

 يتوقف الدم في اللحظة التي نتوقف جميعا عن اراقته . لا يوجد سلام من طرف واحد . يتوقف الدم في اللحظة التي لا نختلف على تسميته . في اللحظة التي نصل الى وصف دقيق وواضح له . في اللحظة التي نعزل فيها كل الهتافات والصخب ولا نرى سوى لحظة ازهاق الروح , لحظة اقتراب الحبل وضيقه وصعوبة اخراج النفس وضربات القلب المتصاعدة واليقين الحاد بارتفاع الموت وقسوته فوق اي قيمة اخرى . سوف يتوقف الموت تلقائيا حين يكون هناك عزما كونكريتيا على الاحتفاظ بالحياة بأي ثمن . بطي صفحة الموت كليا والتنكيل والتسفيه المتعمد لكل الدعاوى الفارغة للاعلاء من شأنه , واولها الموت من اجل العقيدة . لا توجد عقيدة أرفع شأنا من الموت , ولا يمكن ان تكون أعلى من أعواد المشانق . ثم يأتي شطب هذا المسخ الروحي المتمثل في فكرة الثأر  . نحن حيوانات بائسة نشبه الى حد بعيد اي جمل او ثور , وحين نساق الى المسلخ يتضح على الفور هذه المطابقة. سوف يتضح لنا تماما ان الثور لا يهتف ابدا ولا يريد أبدا أن يعانق السكين  الا اذا كان مجنونا , وكل ما يتمناه هو الخلاص من السكين والدليل هي الحبال المعدة لربطه والرجال الستة التي تتولى المهمة  . ولكننا في المقاهي والشوارع والاقبية السرية وتحت تأثير المخدرات واطنان من القصائد وبنادق الاب المعلقة في الحائط وصورته  كشهيد للعقيدة واغاني القطعان وقصة الاميرة النائمة  نحمل انطباعات اخرى. وسوف نأبى ان نموت ميتة طبيعية . يضع لنا اهلنا الخلود شرطا .لاخلود بدون الموت. اي قساوة هذه ومن يدفع ثمنها ؟. ندين ذبح الحسين في نفس اللحظة التي نؤكد براعته في ذبح الآخرين . نروي دون وازع بشكل اسطوري لاوجود له في رواية ابي مخنف  انه مرر سيفه وحز اربعين فارسا قبل أن يقتل . لا نريد أن نتنازل لحظة واحدة عن القسوة  . وكأن الذين ذبحهم هم مجموعة من الذباب . ونذهب الى العباس ونبكي على قربته وكفه المقطوعة التي بترت بعد ان حزت بضربة واحدة سبعين فارسا . ونضع ارقاما  كاريكاتيرية   .  ارقاما من عندنا لكل من اصحاب الحسين واهله نؤكد فيها انهم ايضا قتلة حتى لو لم يكونوا كذلك , ولم يسعفهم الحظ . واذا جمعنا امنياتنا الوحشية  نجد ان جيش الحسين البالغ اثنين وسبعين قد قتل ما مجموعه ثلاثة الاف انسان ,  او حشرة , لافرق . اننا لا نؤمن بوجود ارواح متساوية وان ميتة الحسين هي غير ميتة الاخرين . كنا نتربى تدريجيا على ان الموت ليس متساويا . ان موتنا وحده هو الجدير بالاعتبار . كان هناك اكثر من صوت عاقل توسلوا بالحسين ان لا يخرج. هذا ابن عباس يقول له ( لولا ان يعيرني الناس لشبثت يدي من رأسك ,فلم اتركك تذهب ) وقال له عبدالله بن الزبير (اين تذهب ؟ الى قوم قتلوا اباك وطعنوا اخاك ؟)  وقال عبدالله بن عمر بن العاص (عجّل الحسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني).

  

. لكننا لا نشير اليهم ابدا. اننا نريد ان تحصل المواجهة ويسقط الدم وبعد ذلك نسطف لنعلن توقف الحياة  وبقائها رهنا بحادثة لانريدها ان تنتهي . نعلن ان الحياة لا تستحق اي شئ وينبغي ان تظل كذلك . نعلق الحياة . لاشئ يعلو فوق هذا الحدث  . اننا نخاف من السلام , نخاف من الود , من الحب الذي يجردنا من اعز خصائصنا. السلام فراغ شاسع يرهبنا لانعرف كيف نملأه . لا نملك العابا اخرى ولا نريد ان نتعلم العابا اخرى  . يدفعنا بعيدا عن اعز واقدس ما نملك : وحشيتنا اللذيذة وكراهيتنا الايروسية واستمنائنا لمنظر الدم المراق وتلك الكراهية التي توصلنا الى ذروة اللذة . نريد ان تظل  دورة الكراهية ونغذيها لعقود اخرى. لا نكتفي بما صنع المختار الثقفي وحز رؤوس قتلة الحسين . نريد شيئا آخر ابعد من القصاص. ابعد من اسدال الستار عن المشهد الدموي وتبييض التاريخ . نريد ان نؤكد شيئان الاول : ان السيف هو  الحادثة الوحيدة الجديرة بالانتباه  .و نريد ان نؤكد ان ارواح البشر ليست متساوية  . لا نريد ان يتوقف هذا المشهد. ماذا كان يحصل لو استبدلنا هذه الحادثة باخرى ؟.ماذا يحصل لو كنا نحتفل سنويا بسنة القحط وانحباس المطر في جزيرة العرب ؟. لماذ يصعد السيف في كل ساحة , في كل مفترق , كل شارع , ولا يصعد المحراث؟ . لماذا لا نمجد المحراث وبيدر الحنطة ؟. لانريد حتى ان نعرف من اين يأتي بيدر الحنطة ؟ على الارجح يخرج من تلقاء ذاته ؟ . لا نسأل حتى من كان يطعم الجيوش ؟ من هو القصاب ؟ ام انه كان يقوم بعمل مزدوج حز رقاب الابل والبشر في نفس الوقت ؟ يفعل ذلك  لدرء تهمة التقاعس عن القتل ؟ القتل العمد هو العمل الوحيد الذي يرفع شأن صاحبه . لايوجد قصاب خالص ولا مزارع خالص ولا راع خالص  . ماذا يحصل لو احتفلنا بفيضان دجلة  او وصول نخلة الى عمر العطاء  ؟ هل تذكر كتبنا أسم ألأعرابي الذي كان يداوي  الجمال من الجرب ؟ هل يوجد بيت شعر عربي واحد يذكر فيه المنجل ؟, لماذا لايوجد بيت شعر عربي واحد يمدح الخبز ؟ ألم يكن العرب يأكلون الخبز كل يوم ؟  لماذا لا نحتفل بجز الصوف ؟ . لماذا يحفظ اطفالنا أسماء السيف والأسد ولا يحفظوا أسماء الزهور   ؟ لماذا لا نحتفل بالجمل ونجعل له عيدا ؟ . واذا كان السيف هو القيمة العليا والحقيقة الكبرى لماذا ننوح ونلطم ؟ لماذا نبكي على شئ نحن نقدسه ؟ . انه لغز محير . اننا مجموعة من الالغاز . ماذا نريد بالضبط ؟. رجل يخرج من بيته  للقتال ثم يقتل , أليست هذه  هي الحكاية ؟. سوف يعترض احدهم قائلا . ويحك انه خرج على الظلم , لاعلاء كلمة الله , ورد الدين الى اصوله . كلام جميل , ولكن لماذا لم تعلو  كلمة الله بعده , وبقيت طوال اربعة عشر قرنا كلمة الطواغيت هي العليا ؟  تارة على يد الامويين واخرى على يد العباسيين وتارة على يد المغول  ومرة على يد الصفويين واخرى على يد العثمانيين , حتى وصلت الى قائد الضرورة وعزم القصور الذاتي. الا تكفي ارتال الطواغيت هذه للدلالة على شئ ما ؟  . سيقول البعض غدر به العراقيون. طيب... ممتاز . وماذا كان يحصل لو لم يغدروا ؟ سوف يكون جيش الحسين اكثر عددا  أليس كذلك ؟ عندئذ  سوف يضطر يزيد لارسال جيش الشام , وسوف تتكرر صفين . اليس هذا هو السيناريو المحتمل لاعلاء كلمة الله ؟. سوف تعلو الجثث حتى تصل الى الله, تلطمه في انفه الطويل وهو نائم  في عرشه . وسوف يسقط سبعين الف بدل اثنين وسبعين. وسوف يخرج أحدهم عورته لوقف نزيف الدم   .أليس هذا ما يريده دعاة نصرة الحسين ويرددون كل عام :( ياليتنا كنا معكم سيدي فنفوز فوزا عظيما ).

نحن لا نهتم للارواح وعددها. هنالك أمر غريب  . ماذا نريد ؟ النصر  , واذا لم نحوز النصر نريد الثأر , واذا حصلنا على الثأر نريد ما بعد الثأر , وأذا حصلنا على ما بعد الثأر نريد ديمومة الثأر , نريده أزليا , نسميه ثأر الله . سوف نطلق عليه اسماء براقة اسماء من نوع ثورة ووقفة . في الحرب يهرب الجنود , لا ندري عنهم شيئا , ويعدم الالوف منهم في ابو غريب ولا نعبأ بهم . نسميهم فرارية للتنكيل  وهم الاقرب الى الطبيعة البشرية, هم الحياة نفسها. يهربوا لكي لا يقتلوا أحدا    . سوف تتكرر هذه الحكاية مرارا وسوف تمسح التاريخ كله حتى تصل الى قصر الرحاب . هنالك شئ يحيرني وأقف عاجزا عن فهمه . لماذا نغيب في اللحظات الهامة ؟ . أين كانت  عيوننا ؟ العيون الحادة  التي تبصر حتى من باطن التيزاب كما نقول . سوف يسقط شئ هام في معلقة جواد سليم المؤلفة من اربعة عشر بيتا . يسقط  بيت هام جدا هو المطلع . البيت الاول الذي ابتدأ في الساعة الخامسة من صباح الرابع عشر من تموز . بعد ثلاث ساعات من المداولات حول امكانية السماح بالبقاء على قيد الحياة مقابل كل  شئ.  التنازل عن كل شئ للعسكر: العرش والبلاد والقصور وكل ميراث هذا البلد القديم . لم يكن يريدون سوى النفاذ بجلدهم ,  سوى ابقاء الروح داخل الجسد . كان بالامكان القبول حتى بالحبس مدى الحياة . كان هناك مطلب واحد لاغير : هو العودة للطبيعة , الى ذلك الانسان بدون قشور ,  فلقد ادركوا ان كل شئ قد انتهى . يقفون من اليمين الى اليسار: طباخ تركي , خادم  ,  ملك صغير يهيأ نفسه للزواج , ملكة عجوز تحمل مصحفا تدعى  نفيسة  , الأميرة عابدية , طفل يدعى جعفر اليتيم  , خال الملك والوصي على العرش , الاميرة هيام زوجة الوصي, الخادمة رازقية ومحمد فقي جندي الحرس. جاء العبوسي من الخلف . فتح نيران رشاشه في قوس قزح بديع ودقيق  . أفرغ ثمانية وعشرين أطلاقة . لم يخطئ أحدا  . كان هناك ضابط آخر يدعى النقيب مصطفى عبدالله خشي أن يستأثر زميله بهذا الشرف ففتح نيران رشاشه  من الامام على الاجساد التي كانت في طريقها الى التهاوي. الملكة العجوز تقف وراء حفيدها ,تضع المصحف فوق رأسه , وفي محاولة  يائسة عامرة بالدلالات تضع مصحفها امام اعين المهاجمين , تحاول صد الرصاص القادم اليهم  , يثقب الرصاص مصحفها ويدخل جسد الملك اولا يخترقه ويدخل جسدها   . تصاعدت الغيرة والحمية في بقية الضباط الاحرار: انهمر الرصاص من كل جانب . من كل يد تحمل السلاح . لا يخلو المشهد من شتائم وصراخ . لن يستغرق المشهد سوى بضعة دقائق . سوف يختلف الضباط الاحرار فيما بينهم عن حقوق واسبقية الرمي . كل يدعي أنه الاسبق . وقبل أن يبلغوا قيادة الانقلاب ينبغي أن يتفقوا , أن لا يستأثر أي منهم بشرف هذه المجزرة . سوف يكتبون تقريرا كاملا يتضمن عدد الطلقات واماكن التصويب ومساهمة كل شخص ويتركوا أمر التقدير لقيادة الانقلاب . سوف تقطع الرؤوس و تفصل عن الأبدان وتوضع على رؤوس الحراب ليسيروا بها الى مقر الانقلاب في وزارة الدفاع  . سوف يختلفوا فيما بينها حول حصصهم  من تلك الرؤوس. وسيمضي بعض الوقت قبل يتوصلوا الى أتفاق. سوف يخرج عموم الناس ليملأوا الارصفة والشرفات ليتفرجوا على الموكب الراجل . كان عمري سنة ونصف وكانت امي تحملني على رقبتها كي أرى الرؤوس وهي تلمع فوق الحراب . مع قرع الطبول والابواق على أيقاع النشيد المدرسي (لاحت رؤوس الحراب ..تلمع بين الروابي).

 يروي أبو مخنف  الذي كان في باب المعظم حين مرت جميع الرؤوس من امامه :

  

(فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الاشعث ، وجاءت هوازن بأثنين وعشرين رأسا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن ، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا مع الحصين بن نمير    ، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس مع هلال بن الاعور  ، وجاءت الأزد  بخمسة رؤوس مع عيهمة بن زهير , وجاءت ثقيف بأحد عشر رأسا مع الوليد بن عمر  )

 

بعد كل مجزرة يضطرب الكلام ,  تتفتت المفردات , ويخرج معجم جديد . منذ قرون وأنا أنتظر تعريفا حادا لشرعية الموت . تعريف حاد ودقيق لعملية الخنق وحز الرؤوس. وضع الشروط اللازمة لاخراج الروح من الجسد ووضع ضوابط لتنفيذها  .لابد من اعادة البراءة التي افتقدتها الجفون. لم تعد تملك تلك السرعة الفورية للصد واغلاق العين كي لاترى المناظر الموبوءة. . كانت لا تحتمل منظر بقر البطون فكانت تنغلق تلقائيا ,  تضع ستارا امام العين كي لا تبصر,  كي لا تشارك, وهو اضعف الايمان .

 

محسن شوكت


التعليقات

الاسم: اياد
التاريخ: 05/07/2013 21:11:18
اكثر من رائع ويحمل الكثير ولكن اين من يقرأ ويفهم شعبنا اعمى او يتعامى ولا يريد حتى ان يعرف الحق

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 30/05/2012 12:05:13
محسن شوكت

............... ///// سيدي الكريم جميل ما خطت الانامل دمت سالما

تحياتي فراس حمودي الحربي ................................ سفير النوايا الحسنة




5000