بين الكرامة وحقوق الإنسان (بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان)
يقول سبحانه وتعالى في الآية السبعين من سورة الإسراء: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".
هذه الكرامة التي منحها الله عز وجل الإنسان واختصه بها، هي في حد ذاتها حماية إلهية له، تنطوي على احترام حريته وعقله وفكره وإرادته، أو ما يطلق عليه في علم مقاصد الشريعة الإسلامية الكليات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، إنها في الحقيقة أرفع ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في نظمه الاجتماعية وعلاقاته العامة، أو بصيغة أخرى، إنها البعد النهائي لمصطلح (حقوق الإنسان)، أو أنها الحصيلة الشمولية لمفهوم حقوق الإنسان، هذا المصطلح الحديث العهد، المعاصر الانتشار، لا يعثر له على أي أثر في تأليفات القدامى وأسفارهم، اللهم إلا على مستوى الدلالة والفهم، من هذا المنطلق، يمكن الاستفهام حول ماهية اللفظة التي كانت تشغل حيز هذا المصطلح المحدث قديما، سواء أعند العلماء والفقهاء، أم لدى الفلاسفة والأدباء، أم عند غيرهم.
ارتكازا على جانب من التراث العربي الإسلامي، وما توصل إليه من خلاصات فكرية، وإنجازات معرفية، يمكن أن يعتبر الإنسان، استنتاجا، أن لفظة الكرامة هي الجديرة بأن تكون المعادل الموضوعي لمفاهيم حقوق الإنسان المعاصرة، والدليل على ذلك جلي، إن في الشعر الجاهلي (ومن لم يكرم نفسه لم يكرم)، أو في القرآن الكريم (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، أو في غيرهما.
يؤكد صاحب (الحرب الحضارية الأولى مستقبل الماضي وماضي المستقبل)، د. المهدي المنجرة "أن مباديء الإسلام قد جاءت بهذه الحقوق قبل غيرها بقرون، إن مفهوم الحرية وكرامة الإنسان وحقوقه وحقوق المرأة والحق في الإبداع والابتكار هي نقطة الانطلاق الحقيقية لمفاهيم الإسلام، فليس هناك شيء أخذناه من الخارج، فقد سادت هذه المفاهيم في عهود الإسلام الزاهرة. لكن تدهور المجتمع الإسلامي وطغيان روح الاستبداد في العالم الإسلامي لعدة قرون جعل كثيرون ينسون هذه المباديء".
وما يستفاد من هذه الرؤية المتوازنة، يتحدد من خلال العناصر الثلاثة الآتية:
•1- المباديء التي تنص عليها وتدعو إليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، قد نص عليها الدين الإسلامي الحنيف، ودعا إليها منذ حوالي خمسة عشر قرنا.
•2- إذا كنا في العصر الحديث نجد أن قضية حقوق الإنسان مرتبطة ببعض المؤسسات والجمعيات المختصة والمنظمات غير الحكومية، فإننا في الإسلام نرى أن قضية حقوق الإنسان هي قضية الجميع؛ حكاما وشعوبا.
•3- إن اعتقاد أن قضية حقوق الإنسان قضية ابتكرها الغرب ونظر لها ودافع عنها، لا يعدو أن تكون إلا صناعة إعلامية غربية، وقد انساق وراءها الكثير من المسلمين، إما بحكم المشاكل الكبرى التي شهدها العالم الإسلامي (الاستبداد، الاستعمار، الانقلابات، الحروب الأهلية...)، وإما بسبب الجهل بتاريخ الأمة الإسلامية وتراثها وفكرها.
خلاصة القول، إن مصطلح الكرامة الذي نشأ مفهومه بين أحضان المعرفة الإسلامية، مرادف لمصطلح حقوق الإنسان، الذي تبناه الغرب ونظر له بأسلوبه العلماني المادي، وهو ينكر "أن الله، كما يقول د. المهدي المنجرة، عندما خلق الإنسان خلق معه كرامة، وهي من أعز الأشياء عند الله، بغض النظر عن لون الإنسان ودينه وموطنه".
التجاني بولعوالي
التعليقات
| الاسم: |
OBONSSAR |
| التاريخ: |
03/07/2010 12:26:44 |
|
الموقع قيم و غني ووونظرا لاهتمامي بمجال التنمية اود النقاش في هدا المنوال لتبادل التجارب الميدانية. مع تحياتي |
|