هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحب في زمن العولمة

د. آلان كيكاني

تسري العولمة في حياة المجتمعات الحديثة سريان الدم في الجسم فتدخل كل مناحي الحياة وتؤثر فيها وتغيرها وتأتي كل يوم بجديد يختلف عن سلفه حتى بات الحفاظ على نمط رتيب من الحياة لمدة وجيزة ضرباً من المستحيل , فالتطور التقني الهائل الذي تشهده البشرية في هذه الأيام يترك بصمته في سلوك الناس اليومي وثقافتهم ويتدخل في صلب حياتهم وجزئياتها بل يكاد يكون المحرك الأساسي لمسيرة الشعوب .

العولمة , إذن , مست الحياة اليومية لبني البشر على كل الصعد ولم تسلم منها العادات والتقاليد والعقائد والقناعات والإيديولوجيات . بل لم تنجُ منها القلوب , فتغير سلوكها في الحب والغرام , في الحقد والكراهية , في الحزن والألم , في الفرح والترح , حتى بات أجيال اليوم لا يشبهون البتة آباءهم وأجدادهم  في عواطفهم ومشاعرهم وطريقة حبهم وكرههم .

كان الحب في مجتمعنا الشرقي قبل زمن العولمة يبدأ بنظرة خجولة , ويستمر عادة بمعاناة نتيجة الفراق تحت حكم العادات والتقاليد , ويتعمد بالدموع ليبقى طاهراً نظيفاً مادام واستمر . وبمجيء العولمة أزيل عنصر الفراق عن المعادلة السابقة فاختل التوازن وتغير طعم الحب وأدواته . فالتواصل بين العشاق  كان يتم عن طريق وسيط عادة برسائل شفيه يتبادلها العشاق , أو عن طريق رسائل ورقية مفعمة بالرومانسية والأحلام , مشبعة بالتعبير عن العذاب والمعاناة في لهيب الغرام . فاستعيض عنها اليوم بأجهزة إلكترونية تتيح المجال للمحبين بالتواصل المستمر حد الملل . ولا أعتقد أن هذا التحول كان في صالح الحب كمشعر إنساني نبيل .

كم أحن إلى نسيم الرسالة وشكلها المستطيل وحواشها المخططة بالأحمر والأسود , أحن إلى الطابع البريدي يربض في زاوية من الظرف مثل فراشة جميلة تحط على زهرة من أزهار الربيع . أحن إلى ساعي البريد يجوب الأزقة بدراجته الهوائية يوزع المكاتيب ماءً بارداً على قلوب أضناها عطش البعاد ولوعة الفراق , أحن إلى صندوق بريدي , ولازلت أحفظ رقمه وموقعه من بين الآلاف من الصناديق رغم تركي إياه منذ عقدين من الزمن  , أفتحه وأجد الرسالة فيه , أتلمسها وكأنني أصافح كاتبها وأشم رائحتها رائحة مرسلها ثم أسرع إلى أقرب مقهى وأفتحها وأقرأ أسطرها وأتحسس من خلالها أنفاس المرسل ونبضات قلبه , هكذا كانت الرسالة الورقية , لا تخلو من آثار الدموع إن كانت من عاشق أبعده القدر عن عشيقه .

ترى هل الرسالة الإلكترونية في هذه الأيام تؤدي نفس الغرض ؟ هل لها ذات الوقع وذات اللذة ؟ قطعا لا . وكل منا يحذف كل يوم العشرات منها حتى دون أن يقرأها أحياناً , بل ويبدي امتعاضه من استلامها .

الحق أننا في زمن نشتاق فيه إلى الشوق لأننا فقدناه نتيجة التواصل اليومي بل اللحظي بين الناس فلم يعد هناك داع للاشتياق . ولماذا أشتاق إلى أخي المقيم في أمريكا مثلاُ وأنا كل يوم أجده عشرات المرات في مواقع التواصل وأتحدث معه وأراه أمامي يتحرك ويتفاعل معي في الحديث وكأنه جالس أمامي ؟

ترى هل تقاعدت القلوب في زمن العولمة عن ممارسة العشق ؟ أين تلك القلوب التي كانت تذوب في الوجد والغرام إذا ما افترقت عن المحبوب مدة وكوتها نار اللوعة ؟ أين أهل الجوى والهوى , يكوي النأي عن المحبين أفئدتهم فيقرضون الدرر من الشعر ويدخلون تاريخ الأدب من أوسع أبوابه ؟  فهذا ابن زيدون يضرم لهيب نار الفراق قلبه حين يلجأ إلى الأندلس بعد أن وقع في حب ولادة ابنة الخليفة العباسي المستكفي التي بادلته الحب  فيذوب في فراقها  شعراً وينشد قائلاً :

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا ...................وناب عن طيب لقيانا تجافينا

بنتم وبنّا فما  ابتلت  جوانحنا .......................شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

نكاد  حين تناجيكم  ضمائرنا .................يقضي علينا  الأسى  لولا  تأسينا

يا ساري البرق غاد القصر واسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا

ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ................... من لو على البعد حيا كان يحيينا

وهذا مجنون ليلى يبكي لوعة وولها في حب ليلى العامرية التي نشأ معها وعشقها منذ نعومة اظافرهما فرفض أهلها أن يزوجوها به فيهيم على وجهه في الصحراء وتتفجر من صدره ينابيع عذبة من الشعر أقلها قوله :

أمرُّ على الديار ديار ليلى ........... وأقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي .......... ولكن حب من سكن الديارا

ذابت في زمن العولمة العواطف والمشاعر والرومانسة في بوتقة الغرائز حتى أضحت القلوب فارغة أو تكاد من ذلك الحب العذري وباتت الأجيال تفتش عمن يمكن أن يطفئ لهيب غرائزها في سويعة خالية من الشوق والحنان في ظل اليسر الفائق في التواصل بين الناس والسهولة في إنشاء العلاقات والارتباطات عن طريق الشبكة العنكبوتية والاتصال الخليوي اللذان أمسيا في متناول كل فرد تقريباً .

يحدثني صديق لي عن قريب له مراهق مدمن على الأنترنت وأدوات تواصله ومغامراته البهلوانية وعلاقاته الواسعة وعشيقاته الكثيرة حول العالم ويقول عنه : يجلس أمام حاسوبه ويختار كل يوم عشيقة ويبدأ بالحديث معها صوتاً وصورة ويطيل معها السمر ويحكي لها عن الحب والغرام ثم عن الجنس والهيام وتنتهي السهرة عادة بأن يقضي منها وطراً على الهواء مباشرة , ويكرر ذات السهرة مرات ومرات حتى يمل منها ثم يحذفها من قائمة أصدقائه ليبحث عن غيرها .

ترى كيف يمكن لهذا الشاب أن يحب ؟ وهل يمكن أن تجد الرومانسية سبيلاً إلى قلبه نتيجة لما يقدم عليه على الدوام ؟ وإذا شاء هذا الشاب أن يكتب شعراً ماذا سيكتب ؟  وما أوسع الهوة بينه ومن مثله من هذا الجيل وبين كاتب هذه الأسطر عندما كان بعمره مراهقاً يسبح في بحر الرومانسية , عندما تلفت فتاة من جيله نظره يبدأ بالتفكير بها ويمر كل يوم عشرات المرات جيئة وذهاباً كالمنشار من أمام بيت أبيها عله يلمحها عند مدخل البيت أو على السطح تنشر الغسيل . وإذا شاء القدر وأنعم عليه بسلام أو بسمة من شفاهها فالأرق كان من نصيبه في الليلة التالية وكأنه مَلَكَ مُلْكَ المَلِكِ سليمان وسرعان ما تراوده الأحلام ويبني القصور في الهواء ويهدمها ويضرب الأخماس بالأسداس ويتزوج منها وينجب أطفالاً .... حتى استوطنت الرومانسية في قلبه وأبت أن تغادره .

من وجهة نظري ليست العولمة جاءت برداً وسلاماً على قلوب العشاق كما يظن البعض عن طريق تعبيد الطريق للتواصل المستمر , بل هي أزالت عنصراً مهماً في الحب وهذا العنصر هو تقنين التواصل وترك المجال للقلب أن يذوب في لوعة الفراق أحياناً .

 

د. آلان كيكاني


التعليقات




5000