.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كيف نقرأ الترجمات؟ لورنس فينوتي

أ.د. كاظم خلف العلي

ربما لا يوجد من بين البيانات التي شكلت فهمنا للترجمة الأدبية بيانا أكثر ترديدا من مقدمة درايدن لترجمته للأنيادة حيث يقول بنبرة جازمة "سعيت أن أجعل فيرجل يتكلم بإنكليزية كان سيتكلم بها لو أنه كان قد ولد في إنكلترا و في هذه الفترة الحاضرة". إن إنجاز درايدن ، من دون شك، جعل العديد من معاصريه يعتقد انه تناسخ مع هذا الشاعر اللاتيني.  غير ان هذه ليست سوى براعة يد شعرية. ففيرجل كما ترجمه درايدن يتخلى عن الشعر غير المقفى للقصيدة اللاتينية لحساب المقطع الشعري الإنكليزي المؤلف من بيتين (couplet) منتحلا في الوقت ذاته أبياتا من مترجم آخر هو الشاعر السير جون دنهام. و ربما يتساءل متشكك عن سبب عودة فيرجل بصورة درايدن بدلا من صورة شاعر ملحمي عاش في الفترة ذاتها و كتب ملحمته دون قافية ألا و هو جون ملتن. ألا يجب أن نتوقع فيرجل الإنكليزي أكثر التصاقا بالأسلوب الفخم للفردوس المفقود؟

أن الجواب أقل صلة بتناسخ متوهم منه بحقيقة أن الذائقة الأدبية تتغير. وعندما تتغير بالتأكيد فإن أسلوبا ترجميا مقابلا يتقهقر أو يتم الاستيلاء عليه، بمعنى انه لن يقوم مترجمون بارزون بتداوله (خصوصا عندما يكونوا مترجمو بلاط كدرايدن). و بنهاية القرن السابع عشر فقد الشعر الحر الذي كان يكتب به شكسبير و ملتن رأسماله الثقافي لصالح المقطع الشعري لكي يستطيع شاعر موهوب و ذائع الصيت مثل درايدن أن يجعل الأخير يبدو الوسيلة الأكثر طبيعية لقصيدة لاتينية مكتوبة بشكل شعري مختلف تماما. ليس المترجم بديلا عن المؤلف الأجنبي أو متكلما من عنده، بل محاكيا واسع الحيلة يعيد كتابة الأصل ليجعله رائقا لجمهور آخر من لغة و ثقافة مختلفتين و غالبا ما يكون ذلك في فترة مختلفة. و يحتل هذا الجمهور بالنهاية الأولوية بضمانة أن القماش اللغوي الذي يفصله المترجم للعمل الأجنبي ملائم تماما.

إن التأثير الأكثر إثارة للتساؤل فيما يخص تأكيد درايدن هو في انه يفضي في النهاية إلى تجيير جهد المترجم إلى المؤلف الأجنبي و إلى عدم منحنا أية وسيلة لفهم (ناهيك عن تقييم) كيفية قيام المترجم بالدور الحيوي للوساطة الثقافية. فلقراءة ترجمة ما بوصفها ترجمة، أي على أنها عمل قائم بذاته، نحتاج إلى فهم أكثر عملية لما يقوم به المترجم. و أود أن أصف ذلك على انه محاولة للتعويض عن خسارة لا يمكن التعويض عنها و ذلك بالسيطرة على الربح الباهض.

اللغة الأجنبية هي أول شيء نخسره، و خصوصا الأصوات ونسق الكلمات و معها كامل الرنين والتلميحات التي تحملها للقارئ الأصلي. و على الفور و بمجرد اختيار كلمات من لغة أخرى، يضيف المترجم مجموعة جديدة تماما من أجراس الأصوات و التضمينات المصممة لمحاكاة النص الأجنبي في الوقت الذي تتم المحاولة فيه لجعله مفهوما إلى قارئ مختلف ثقافيا. و هذه المعاني الإضافية تنتج بين الفينة و الفينة من إدخال فعلي بغرض الوضوح. غير ان تلك الإضافات في الحقيقة تكمن في كل خيار يختاره المترجم حتى و إن كانت الترجمة تلتصق بشكل وثيق بالكلمات الأجنبية و تلتزم بالتعريفات المعجمية السائدة. على المترجم نوعا ما أن يسيطر على الإطلاق الذي لا يمكن تجنبه للمعاني و التي لا تعمل سوى في لغة الترجمة. و بعيدا عن التهديد بإخراج مشروع المحاكاة عن مساره، فان هذه المعاني عادة ما تخاطر بتحويل ما هو أجنبي إلى شيء أكثر ألفة أو ببساطة إلى شيء غير ذي علاقة. تبقى الخسارة في الترجمة غير مرئية لأي قارئ لا يقوم بمقارنة متأنية مع النص الأصلي، و هذا يعني معظمنا. أما الربح فهو واضح في كل مكان بالرغم من انه لا يتحقق إلا إذا ما قام القارئ بالنظر.

نحن في العادة لا ننعم النظر. فالناشرون و منقحو النسخ و المراجعون دربونا واقعيا على تقييم الترجمات بمعيار الطلاقة (fluency) الكلية، و هي تعني المقروئية البسيطة التي تجعل الترجمات تبدو و كأنها أعمال غير مترجمة، معطية الانطباع المضلل بأننا نقرأ الأصل. نموذجيا، إننا لا نصبح واعين بالترجمة إلا حين نصادف صدمة سطحية مثل كلمة غير مألوفة أو خطأ في الاستعمال أو معنى مشوش قد يبدو مضحكا من دون قصد. تأمل في الترجمات الإنكليزية السيئة التي واجهتها في الخارج مثل: منظف الثياب الذي يحث زبائنه المحتملين بعبارة "القي بنطلونك هنا للحصول على أفضل النتائج" و المطعم الذي يعلن "نبيذنا لا يترك لك شيء تتمناه" و الفندق الذي ينصح ضيوفه “ رجاء اترك قيمك عند الاستعلامات".

يفصح ضحكنا على عدم فاعلية هذه الترجمات عن ثقتنا، و ربما عن رضانا الذاتي، في كفاءتنا الأصيلة باللغة الإنكليزية. غير أن شيئا أكثر تعليمية يتم الكشف عنه: فنحن لا نضحك إلا لأننا قمنا بترتيب التشويش مبينين بوضوح تام أن قراء الترجمات يستطيعون أن ينفذوا بضعة مهمات ذهنية في الوقت عينه. ففي القراءة لأجل الفهم نقوم بالتركيز على كل من الشكل و المعنى لأجل أن نوضح أو نفكك على الفور المعنى عندما يصبح عويصا أو غامضا و ذلك بتصحيح الخطأ في الشكل أو في اختيار الكلمات أو في القواعد. و من هنا فإن القاعدة الأولى في قراءة الترجمات هي: لا تقرأ من أجل المعنى، و لكن من أجل اللغة أيضا. ثَمّن الصفات الشكلية للترجمة.

تذوق معجم المترجم و صياغته و تميز أسلوبه و الدقائق اللغوية التي تعكس نبرة الصوت و تصور الحدود النفسية لشخصية من الشخصيات. مع ذلك، فإن قارئا قد يسأل: ألا تعود تلك المزايا و الصفات للأصل؟ لا على الإطلاق، بالتأكيد ليس بمعنى أن المترجم نقلها سليمة فحسب، من دون تغيير.  تنتج هذه المزايا و الصفات بالطبع من محاكاة المترجم للنص الأصلي لكن الحقيقة تبقى ان المترجم قد اختار كل كلمة في الترجمة سواء كانت هناك كلمة أجنبية وراءها أم لا. و مفردات المترجم، في حالتنا، تعمل في الإنكليزية فقط منتجة تأثيرات أدبية ربما تفوق بكثير اللغة التي اختارها المؤلف الأجنبي.

خذ بعين الاعتبار قطعة من ترجمة مارغريت جل كوستا الموسومة "رجل المشاعر" للروائي الأسباني خافيير مارياس. فالراوي، و هو مغني أوبرا، يكتب قصة لقائه بالصدفة بامرأة:

knew nothing at all about her history or past or life, apart from the scant information vouchsafed to me in Dato's self-absorbed and fragmentary complaint during the first and only opportunity I had had to talk to him alone (too soon for my curiosity to have learned how to direct its questions) and from the enthusiastic remarks which, rarely and only in passing, she made about her brother, Roberto Monte, that recent émigré to South America.

لا أعرف شيئا مطلقا عن تاريخها أو ماضيها أو حياتها، بعيدا عن المعلومات الضئيلة المتعطف بها على في شكوى داتو المستغرقة بالذات و المتناثرة خلال الفرصة الأولى و الوحيدة التي تكلمت بها معه على انفراد (حيث كان من المبكر جدا على فضوليتي أن تتعلم كيف توجه أسئلتها) و من الإشارات الحماسية التي قدمتها بشكل نادر و عابر عن أخيها روبرتو مونتي، ذلك المهاجر الحديث إلى جنوب أمريكا.

تتمثل الصفة الأكثر تميزا في هذه الجملة بطولها الخالص حيث تبدو طويلة بشكل غير شائع على خلفية اللغة الروائية الإنكليزية. و الجملة تتناغم مع لغة مارياس الأسبانية غير أننا لا نحتاج لأن نعلم ذلك من اجل أن نقدر كيف بنى كوستا الجملة الإنكليزية بفعالية جاعلا إياها تتجلى بخطوات محسوبة ومضمنا ميزات واعية عند نقاط معينة. و هي تختار أيضا لغة تخلق نغمة رفيعة قليلا بل غالية، كلمات مثل scant , vouchsafed , émigré  علاوة على عبارات تكشف عن عناية  حريصة بالقواعد مثل  had had  وto have learned . لقد استطاعت المترجمة بهذه الصفات ان تتجنب ببراعة لغة إنكليزية أكثر شعبية من اجل ان تصوغ شخصية متكلفة نوعا ما. التكلف في الواقع معبر عنه بشكل اكبر في النسخة الإنكليزية لأن الأسبانية شائعة و عامة نسبيا و تستخدم تعابير من شاكلة (سمحت لي أن افهم) “me habia permitido entender” عوضا عن العبارة المهجورة “vouchsafed to me ”.

تشير جملة كوستا إلى قاعدة ثانية: لا تتوقع أن تكتب الترجمات باللهجة القياسية السائدة فقط. كن منفتحا على التغييرات اللغوية. تصبح يد المترجم مرئية في الانحرافات عن الأشكال الأكثر شيوعا في الاستخدام للغة الترجمة. و تميل اللهجات الاجتماعية و الإقليمية و اللغة العامية و الكلمات النابية و المهجورة و الملطفة و الرطانات و الاستعارات الأجنبية لأن تكون ذات خصوصية لغوية، يستبعد انتقالها بشكل سلس إلى لغة أخرى، ويصعب نقل قوتها الفريدة إلى لغات أخرى. و هي بهذه الصورة ترينا المترجم و هو في الميدان ينفذ إستراتيجية معينة للإتيان بالنص ألأجنبي إلى ثقافة مختلفة. تبتدئ ترجمة ماثيو وارد لرواية ألبير كامو الموسومة "الغريب" بالسطر المفاجئ "   Maman died today   ماتت أمي اليوم". و يوضح السياق أن المفردة الفرنسية “maman” تعني "أم". و يُبقي وارد على استعمال كامو للمفردة، مع ذلك فإنها تعني الكثير الكثير في الإنكليزية: لا من حيث أنها تؤشر ألفة طفولية لعلاقة الراوي فقط، بل لأنها تخبرنا ان ما نقرأه هو ترجمة و لا ينبغي خلطها مع العمل الفرنسي.

يمكن أن تمد لغة المترجم جذورا إلى عمق الثقافة المستقبلة مؤسسة ارتباطات موحية بالأساليب و الأجناس و النصوص التي جمعت معاني هناك مسبقا. تشكل هذه النتيجة الحتمية لعملية الترجمة قاعدة ثالثة: لا تهمل الإيحاءات و الإشارات الثقافية، أقرأها كطبقة أخرى مناسبة من المغزى. و مثال على ذلك هو خيار دوروثي بسي الملهم للعنوان "  Strait is the Gate  ضيقة هي البوابة" كترجمة لعنوان رواية أندريه جيد " La Porte étroite   الباب الأيمن"، وهي أول رواية لجيد تظهر في الإنكليزية. فكلا العنوانين يلمحان إلى إنجيل لوقا، إلا أن النسخة الإنكليزية تشير بشكل رائع و أنيق إلى نسخة الملك جيمز من الكتاب المقدس "أجهد نفسك في الدخول من الباب الضيق". تستثمر عبارة بسي عمل جيد بهيبة ثقافية لا يمكن إنجازها بالعودة إلى نسخة من الكتاب المقدس أقل رسمية أو تأثيرا.

غالبا ما تكون الارتباطات المنقوشة في الترجمة أسلوبية مستدعية أجناسا و أعراف أدبية تعزز أو ربما تعلق على النص الأجنبي.  إن أسلوب باترك كريغ في “Declares Pereira”، و هي ترجمته لرواية انطونيو تابوجي الإيطالية، يخزن شريانا غنيا من الأساليب العامية تشتمل على لغة عالم الرذيلة و الجريمة و كلمات و عبارات على شاكلة“bigwig, gagged, shady-looking characters, keep your eyes peeled, skinny little shrimp” . من ناحية أخرى، فإن هذه اللغة تناسب الراوي و هو مراسل حربي قضى سيرته كصحفي للجريمة، و من ناحية أخرى فإنها تناسب الجنس و هو رواية سياسية يقاوم فيها أخيرا الدكتاتورية الفاشية في ثلاثينيات القرن المنصرم بالبرتغال و ذلك عبر التنديد بجرائمها.

و لا تماثل إنكليزية كريغ تماما إيطالية تابوجي. فحيثما يستخدم تابوجي اللهجة القياسية ينتقل كريغ أحيانا إلى الاستخدام العامي بينما يمزج معها العديد من أشكال اللهجة البريطانية والتي بعضها قديمة نوعا ما مثل “doss-house, take a dekko, I’m in a pickle”. و مع ذلك فإنه في حالة ربط الأسلوب بالجنس الأدبي و في خلق نكهة تاريخية تكون ترجمة كريغ بعيدة عن الاعتباطية. إن اللغة الغريبة و العصاباتية على وجه الخصوص مناسبة بشكل كبير لنظام يعتمد على أفراد المليشيات لإرهاب و قتل مواطنيه.

ترقى ترجمة كريغ فعليا إلى عمل يدل على البراعة بشكل مدهش.و تقوم بوظيفة تذكيرنا بما يعرفه جميع القراء ضمنا: لا يمكن ان تكون الترجمة مناظرة أبدا إلى النص الأجنبي أو تعبر عنه بطريقة ما مباشرة و غير معكرة حتى و إن حافظ على درجة عالية من الدقة. غير أننا يمكن أن نكون اقل رغبة في قبول نتيجة طبيعية ألا وهي: أن الترجمة غير قادرة أساسا على منح قارئها تجربة تعادل أو تقارب بدقة التجربة التي مر بها القارئ الأصلي مع النص الأجنبي. فلأجل تقديم مثل هذه التجربة على المترجم ان يهبنا انغماسا مستمرا باللغة الأجنبية و أدبها.  يمكننا حتى ذلك الحين فقط أن نقرأ الترجمة بأي شكل مشابه للإدراك الواعي الذي يأتي به القارئ للأصل. و بالرغم من ان المترجمين مبدعين من دون شك إلا أنهم لا يقدروا ان يغيروا قراءهم عن طريق منحهم هويات أجنبية.

على أية حال، إن ما يمكن أن يقوم به المترجمون هو الكتابة.  علينا أن ننظر إلى المترجم بوصفه كاتبا من نوع خاص لا يملك أصالة تنافس أصالة المؤلفين الأجانب، بل ان ما يملكه هو فن التقليد و المحاكاة الذي يدعمه خزين أسلوبي يستثمر الموارد الأدبية للغة الترجمة. فالترجمة لا تعبر عن النص الأصلي بقدر ما تعبر عن تفسير المترجم له، و على المترجم ان يكون خبيرا و مبتكرا بما فيه الكفاية لتفسير الاختلافات اللغوية و الثقافية التي تشكل ذلك النص. علاوة على ذلك، فإننا نتوقع عندما تتم إعادة ترجمة عمل كلاسيكي أجنبي ان يقوم المترجم بشيء جديد لتبرير ترجمة أخرى. و إذا ما رفعنا سقف المطالب، ربما توقعنا المترجم أن يكون قادرا على وصف هذه الجدة أيضا. 

لقد غيرت ترجمة رجارد بيفر و لاريسا فولوخونسكي للأخوة كارامازوف الفهم الذي كان  لدى العديد من القراء بالإنكليزية لرواية دويستوفسكي لفترة طويلة. فمثلما يوضح بيفر في مقدمته " قام المترجمون السابقون بتنقيح و تصحيح أو بتقليل مزايا النثر الفريدة للكاتب الروسي بمحو الكثير من حس الفكاهة و الصوت المتميز للرواية " . و سعى بيفر و معاونته إلى القيام بترجمة صحيحة تحافظ على العبارات و الشكليات و الحركات اللغوية المفاجئة. و تستلزم ترجمة رجارد و لاريسا النموذجية قاعدة ثالثة هي: لا تتجاوز مقالة افتتاحية يكتبها مترجم، أقرأها أولا كتعبير عن التفسير الذي يوجه الترجمة و ساهم بما هو متميز فيها.

برغم ذلك فإن تفسير المترجم يبقى منحازا، فهو غير كامل بسبب حذفه الجوانب المتعذر معالجتها من النص الأجنبي و ميله إلى ما هو مفهوم و مشوق في الثقافة المستقبلة، وهو يعكس أيضا اهتمامات الناشرين الثقافية و المالية، و هم البوابون الذين يمارسون السلطة بحزم في قبول أو إقصاء الأعمال الأجنبية. ولأن أدبا أجنبيا كاملا لا يترجم أبدا،  فإن معظم ما تمت ترجمته يندر أن يبقى مطبوعا لمدة طويلة جدا، و تفوق ترجمات الرواية في كل مكان ترجمات الشعر، من بين أجناس أخرى (و من هنا جاء التأكيد في أمثلتي). نحن لا نقدر على قراءة رواية مترجمة حديثا بشعور بالكيفية التي ينهل فيها العمل الأجنبي من تقاليده الأصيلة فحسب، بل ان أنساق الترجمة المتفاوتة تتشكل إلى أنماط ثقافية مضللة بسهولة كبيرة جدا. و لأن معدل الترجمة إلى اللغة الإنكليزية واطئ جدا ( 2-4% من نتاج الكتب السنوي في الولايات المتحدة و المملكة المتحدة مقارنة ب 25% في دول مثل ايطاليا و أسبانيا) فإن القارئ ربما يكون غير قادر على أن يجد مجموعة مختارة من الترجمات للمؤلف الأجنبي نفسه حتى و إن كانت في اللغة ذاتها. و هذا الظرف يعطي قاعدة خامسة و أخيرة قدرا خاصا من الملحة و الضرورة و هي: لا تأخذ ترجمة واحدة على إنها ممثل لأدب أجنبي كامل، قارن تلك الترجمة بترجمات لأعمال أخرى في نفس اللغة.

ان بعض اللغات و الآداب على وجه الخصوص غير مترجمة اليوم. خذ على سبيل المثال اللغة العربية. فالقليل من الكتابة العربية متوفر في اللغة الإنكليزية، و هو أقل بكثير من الكتابة العبرية على سبيل المثال، الأمر الذي يقوض أي جهد لقياس التأثير الثقافي للتطورات الاجتماعية و السياسية في الشرق الأوسط. يستحق الروائي المصري نجيب محفوظ ان يوضع بين الكتاب العرب الأكثر سحرا، لكن ان نعتبره الناطق الأدبي للعالم العربي خطأ من دون شك. يجب أن نقرأ محفوظ بالتزامن مع مواطنه عبد الحكيم قاسم الذي تمزج روايته "المهدي" (التي ترجمها بيتر ثيرو  بــ  Rites of Assent  ) التقنيات الحديثة مع الإشارات القرآنية غير المباشرة و ذلك لمساءلة الأصولية الإسلامية المتمثلة في حالة تحويل قسرية لقبطي مصري إلى رعاية الأخوية الإسلامية. و هكذا فإن قاسم قد يُقارب بسيد قشوع الذي تصور روايته " العرب الراقصون "، و التي ترجمتها ميريام شليزنجر، بوضوح حاد أزمة الهوية التي يشعر بها عربي إسرائيلي يحاول أن يشق طريقه بين اليهود بالرغم من تنشئته في عائلة من معادين أشداء للصهيونية. لا بد للقارئ في بعض الأحيان أن يغامر في لغات و مناطق مجاورة ليكتسب رؤية أوسع للظروف الثقافية التي تخلفها الترجمة.

ان التقدير الجمالي للآداب المترجمة، كما توحي بذلك هذه الأمثلة، ينير بشكل قوي الاختلافات الثقافية التي أفضت إلى الانقسامات السياسية و النزاعات المسلحة. على أية حال، تبقى الحقيقة ان المأزق الراهن للترجمة الإنكليزية لا يحبذ الاختلافات الحادة بين ما هو أدبي و سياسي، و بين ما هو جمالي و اجتماعي. إن الإنكليزية هي اللغة الأكثر ترجمة في العالم، و لكنها نسبيا أقل لغة يترجم إليها خصوصا إذا ما أخذنا بالاعتبار حجم و ربحية صناعات النشر الأمريكية و البريطانية.  يتنافس الناشرون الأجانب لإصدار ترجمات من الروايات الصادرة بالإنكليزية إلا ان الناشرين في الولايات المتحدة و المملكة المتحدة لا يميلون لإعادة استثمار أرباحهم الهائلة من بيع حقوق الترجمة بترجمة الروايات الأجنبية. ان الأرقام لتبعث على الصدمة حتى لو نحينا جانبا الترجمة العالمية الفورية للكتاب الأكثر مبيعا مثل ستيفن كنغ و دانييل ستيل و توم كلانسي و ركزنا اهتمامنا على الكتاب الذين يملكون سمعة أدبية. ففي فرنسا و ألمانيا، على سبيل المثال، يملك كل من جويس كارول أوتيس و فيليب روث ترجمات لأكثر من عشرين عملا تحت الطبع حاليا، و في ايطاليا و ألمانيا يتوفر أكثر من ثلاثين عنوانا مترجما لجالز بكوسكي (ثماني عشرة عنوانا في فرنسا و خمس عشرة عنوانا في أسبانيا). و يندر ان نجد في الإنكليزية روائيا أجنبيا معاصرا تتمتع مجموعة أعماله بمثل هذا التمثيل و التوفر.  و في مثل هذه الظروف فإن مجرد قراءة ترجمة ما لمزاياها الأدبية المجردة يمكن أن تعتبر إيماءة سياسية، فعل من أفعال المقاومة ضد ممارسات النشر القائمة منذ زمن طويل.

ينبغي ان تقرأ الترجمة بشكل مختلف عن التأليف الأصيل لأنها عملا غير أصيل و لأن القراءة لا تنطوي على عمل أجنبي فحسب بل و ثقافة أجنبية أيضا. لقد كان هدفي أن أصف طرق قراءة الترجمة التي تزيد بدلا من ان تقلل المتع التي لا يمكن أن تقدمها سوى القراءة. و تشتمل هذه المتع أساسا على أبعاد الترجمة اللغوية و الأدبية و الثقافية، لكنها قد تتضمن أيضا الإثارة الشيطانية التي تنبع من المقاومة، و من تحدي السلطة المؤسساتية للوسطاء الثقافيين كالناشرين، و من القيام باحتجاج شخصي ضد أنماط التبادل الثقافي غير المتساوية إلى حد كبير التي يُوَّرط فيها القراء بشكل غير مقصود. لنقرأ الترجمات، و إن بعين مفتوحة على عمل المترجم، لكن بوعي ان أكثر ما يمكن ان تمنحك إياه الترجمة هو تفسير متبصر و بليغ لعمل أجنبي، تحدده و تمكنه في الوقت ذاته الحاجة لمخاطبة الثقافة المستقبلة. سيتفهم الناشرون إن عاجلا أو آجلا، فهناك تكمن مصلحتهم في نهاية المطاف.

 

أ.د. كاظم خلف العلي


التعليقات




5000